لذة الألم: رسالة الوطان/ "هل كان حبا؟" لـ آسيا رحاحليه

تقليص
X
 
  • تصفية - فلترة
  • الوقت
  • عرض
إلغاء تحديد الكل
مشاركات جديدة
  • الهويمل أبو فهد
    مستشار أدبي
    • 22-07-2011
    • 1475

    لذة الألم: رسالة الوطان/ "هل كان حبا؟" لـ آسيا رحاحليه

    لذة الألم: رسالة الوطان/ "هل كان حبا؟" لـ آسيا رحاحليه

    رسالة تَـذكُر "ذكرى" مفصلة وتبني صلة حميمية اختص بمثل هذه الصلة أدب الرسائل شرقيا وغربيا، سواء كانت الرسالة تعليمية دينية أو كانت تعليمية دنيوية في مجالها. هكذا تبدأ الرسالة بكسر ما كان، لتبدأ بعد النهاية؛ وتصر الرسالة على تأكيد طبيعتها بإنها رسالة لا تكرر نفسها وحسب، بل تشير إلى غيرها من الرسائل:

    حسبت أنّ تلك كانت آخر رسائلي إليك..هل تذكر؟
    لكن ها أنا أكتب إليك من جديد..
    هي رسالة لن تصلك على أية حال و لن تقرأها..

    وإذا دققنا في بداية الرسالة نجد من خصائصها أنها رسالة ترفع التكلف الرسمي، فهي رسالة شخصية (وتصر على هذه السمة: فهي تأكيدا لن تصل، والمستقبِـل بكل تأكيد لن يقرأها أو هكذا يبدو الأمر حسب ألفاظ الرسالة). ثم إنها رسالة تحيل إلى غيرها، وتذكر أنها استمرار"من جديد" يقضى على نهاية؛ فهي إذن قد تكون "رسالة الرسالة"، لأن مثل "رسالة الرسالة" هذه لابد أن تستعصي على القراءة وعلى الوصول إلى مستقبل بعينه (ثمة خفاء غير مرئي في كل هذه الحالات). فنحن لا نرى الرؤية، ولا نسمع السمع ولا نقرأ القراءة، ولا ندرك الإدراك، ولا نعي إنسانية الإنسان إلى آخر "مُـثل أفلاطون"! ولما كانت هذه هي حال الرسالة، كان لابد لعنوانها أن يأتي استفهاما: "هل كان حبا؟" بل لا بد أن الأمر سيستعصي على "الفهم":

    لا أفهم لمَ نكتب رسائل نعرف مسبقا وعن يقين بأنها لن تصل إلى أصحابها؟ ربما لأننا لا نكتب دائما إلى الآخر, بل نكتب لنا نحن, أو للآخر الساكن فينا أبدا..

    ربما صدقا لا نفهم لماذا نكتب رسائل رغم ما نعلمه من استحالة وصولها؛ ليس لأن الآخر يسكننا أو أننا أنفسنا موطن الوطان: الذات نفسها أصبحت جزءا ينبغي أن يَسْتوطِن، والآخر ما هو إلا الوجه الآخر للذات، ولأن الوطان تطور أو تحول من محاولة العودة إلى المكان إلى السعي لاستعادة ما لا يستعاد: أي استعادة الزمن الماضي. هنا لابد أن يعتري الرسالة غموض يلف محطة وصولها. فالرسالة (أي رسالة ناهيك عن كونها رسالة تجديد) دائما عرضة للضياع في دهاليز البريد وشبكاته سواء كانت هي الدهاليز الواقعية الملموسة أو الافتراضية. وتتفاقم الصعوبة مع تحول الوطان من الحنين للمكان إلى حنين للزمان، ومع رغبه وصول الرسالة إلى مستقبلها. بل تزيد الصعوبه زيادة حادة حين نعلم أن تاريخ الوطان في تحوله الزماني أصبح من المحال. إذ الحنين إلى المكان/الموطن حنين يمكن تلبيته (فهو موقع ثابت نستطيع التأكد من وصوله أو البعد عنه) أما الحنين إلى الزمان فهو حالة نفسية ذهنية تلعب المخيلة والذاكرة فيها الدور الأول والأخير. لم يعد المكان مطلبا، بل استعادة الزمن الذي لا يعود أصبح محور الحنين. ولعل هذا هو سبب عدم الفهم مثلما هو وازع الكتابة ومبررها. استعادة الماضي "رغبة" لا تتحقق، بل تظل نقصا قارا، وهذه الرغبة هي "رسالة الرسالة".

    ليس غريبا إذن أن يظن المرؤ أن رسالة بعينها ومحددة ستكون الأخيرة؛ ورغم أنه ظنٌ "محسوب" إلا أنه يبقى مجرد "ظن" وسوف تقضي عليه الذاكرة أو ستستعيدة دون "فهم"؛ ولما كان الظن يدور حول رسالة، فأن مستقبلها لن يكون "المرسل إليه"، بل ستصل إلى آلاف المستقبلين. قانون الوطان هو نفسه قانون الرسالة، وما أن يحن إلى موطنه (النفس / الذات) فإن الذاكرة، ستحوله إلى "ذكرى" جميلة ليس لأن الحقائق كانت جميلة، بل لأن الذاكرة تمارس دورا تحريريا (الذاكرة، في مفارقة واضحة، تذكر وتنسى في آن، وفي القص يتم توظيف النسيان بنفس الطريقة التي يتم بها توظيف الذكريات):

    "ما الذي يحدث حين يلتقي رجل غيرُ عادي بامرأة غيرعاديّة ؟" سألتني ذات لقاء كأنّما تسأل نفسك...
    لا أذكر بمَ أجبتك...لكنّي أفكّر في ذلك الآن...نعم ما الذي يحدث ؟

    مع مثل هذه الحالة من النسيان في الذاكرة والتذكر، لا بد أن ينتابنا شعور غير عادي! فما الذي يحدث في حالة غير عادية، خاصة أن الحال حال التقاء قطبين: ذكر وأنثى؛ هنا لابد أن للنسيان جماله، بل مع النسيان وحده يأتي الزمن "الجميل" رغم الأسف ورغم القدر

    للأسف يا صديقي, و يا رفيق الزمن الجميل, نحن, أو لنقل القدر / عذرا أيها القدر... هذه خيبة أخرى نعلّقها على مشجبك / القدر لم يسعفنا في تمديد عمر اللقاء فضيّعنا فرصة أن نعرف الذي كان سيحدث حقا..

    نقص قار أمام القدر في لقاء لم يكتمل: خيبة أخرى لا شك؛ لكن الحقيقة الثابتة أن كل جمال (حتى جمال الزمن) لابد أن يكون استثنائيا، خاصة عندما يكون جمالا مستعادا، نقحته الذاكرة بعد نسيان جواب ما. وهنا مقابل النسيان الجميل تأتي أيضا الذاكرة الجميلة لتقرر الجمال الاستثنائي حتى لو كان جمال "رؤية" في عيون تتبادل النظر كما لو كانت مرايا متقابلة (رؤية نقية مجردة، لا صورة فيها غير العيون تنظر في العيون: لابد أن تكون ذكرى يراها المرؤ في رسالة ذكرى):

    أذكر أنّك قلت لي و أنت تبتسم و تمعن النظر في عينيّ...يوما ما, أنتِ وأنا, سوف نبتدع رؤية جديدة في العلاقة بين الذكر و الأنثى , و سوف نؤسّس معا "المدرسة اللاعادية في الحب.

    نعم: إذا التقت العيون فلن ترى غير رؤية غير عادية، ولابد من ابتداع ما لا يمكن رؤيته، أو إنْ شئنا ابتداع رؤية جديدة "في الحب" شأن ابتداع حرف جديد في الفبائية العربية، وهو أمر لا يمكن أن يكون "عاديا" وهكذا كان الموطن نفسه في شعرنا العربي أيضا غير عادي، بل ليس كمثله موطن، فقد قال الشاعر: (نقل فؤادك حيث شئت من الهوى// ما الحب إلا للحبيب الأول). ولئن كان ابتداع موطن الحب ابدا ابتداعا أوليا أو أولا، فإن الموطن نفسه له الأولية نفسها، والوطان عادة ودائما وطان "لأول منزل" رغم تعدد المنازل. لم يعرف الشاعر العربي فن مواطن العيون؛ ولم يعرف ابتداع ما هو "غير عادي". فقد كان يسعى إلى المكان وإلى الحبيب. وهذا وطان مكاني لا زمني. والوطان الزمني يقتضي عينا، مخيلة وخيالا: عينا غير عادية تبتدع روية غير عادية لما هو مألوف. فالذاكرة عين الزمان والمخيلة معمل بناء الرؤية (هكذا قال الرومانطيقيون). أصبح الوطان وطان الروح أو النفس، ووسيلته العين/الذاكرة، وتحول الوطان عن المكان إلى الحنين إلى الماضي؛ ولهذا التحول أسبابه.

    فيرى كانظ، قبيل الانتقال إلى القرن التاسع عشرة بعامين على رأي مؤرخية (1798) أن العائدين إلى مواطنهم غالبا ما يصابون بخيبة الأمل لأنهم في حقيقة الأمر لا يحنون لعودة إلى "مكان"، وإنما إلى "زمن"، إلى زمن الصبا. لكن الجميع يصطدم بالخيبة الأكيدة: يستطيع المرؤ أن يعود إلى "مكان" لكنه بالتأكيد لا يستطيع أن يعود إلى "زمان"! فالزمن لا يقبل العودة ولا الاستعادة، وما الوطان إلا الاستجابة "المؤلمة" لهذه الحقيقة. وقد قال أحد النقاد (جيمس فيلبس) يحن أوديسيوس [بطل الأوديسة] إلى موطن، ويبحث برواست عن زمن مفقود!

    هنا تحديدا يأتي دور الرسالة التي نكتبها ولا نعلم لماذا نكتبها خاصة ونحن نعلم يقينا أنها لن تصل. نكتبها لأننا "نَحِنُّ" (من حنين) إلى استعادة زمن لا يعود. بل هذا ما تقوله الرسالة:

    كان ذلك و نحن في أوج الشباب, أيام كان للأحلام قداستها و بكارتها ونقاؤها, وكانت العواطف مغلّفة بسياج العفاف و الحياء ..و الحب ينمو و يزهر في قلوبنا الغضّة بأناة واحتشام.

    هناك في زمن "أوج الشباب" كانت القيم (وليس المكان) قيما سامية، بل أسمى مما هي عليه اليوم. لقد كانت، باختصار، قيما "غير عادية" من منظور اليوم، حتى الحب كان "ينمو ويزهر في قلوبنا الغضة". كان إذن الزمن زمن "أوج الشباب" والقلوب "الغضة" والقيم السامية: فمن لا يحن لمثل ذاك الزمان؟ لم تعد اليوم القلوب غضة، ولا الحب ينمو، ولا بد من فعل "غير عادي" يعيد الشباب وما صاحبه من قيم! وكيف السبيل إلى ذلك؟ الرسالة وحدها كصنف أدبي تجمع الشخصي بالعام، تنظر إلى نفسها (كما هي حال العيون عندما تنظر في العيون) لتبتدع "مدرسة" غير عادية، مدرسة تستطيع أن تعلم النظر في العيون لترى رؤية غير عادية في زمن الابتذال والتدني. هل كانت مصادفة أن تأتي هذه الحِكَمُ وهذه التعاليم في رسالة الجميع يعلم أنها لن تصل؟ بالتأكيد ليست مصادقة: أدب الرسائل (منذ فجر الكتابة) كان أدبا تعليميا سواء كانت رسائل فنية أدبية كرسالة "هوراس" في فن الشعر أو "لونجاينوس" في البنية السامية أو كانت دينية (كما هي حال رسائل مشاهير رجال الكنيسة أو كانت رسائل أخوان الصفا). وكما هي حال كل متبادلي الرسائل، ثمة رابط يجمعهم وفيه يتبادلون أطراف الحديث. بل إن الرسائل أكثر قربا وتأثيرا من المشافهة. وهكذا كان:

    جمعنا عشق الأدب و الكتب و طوّقتنا معا غواية الكلمات, و كنا, رغم لقائنا يوميا بحكم الدراسة, نفضّل الرسائل كوسيلة لتواصلنا...

    و كانت, منمّقة بخط يدينا, مشبعةً بالشعر, مترعة بالشوق, معطّرة بالأخيلة, متخمة بالتساؤلات عن الوجود و الحب و الإنسان, تسافر منك إليّ و منّي إليك تحت أجنحة الكتب التي كنا نتعب في اقتنائها, وكانت تدور بين مجموعتنا من عشاق القراءة كما تدور كؤوس الحبب, فسكرنا بـ "ماجدولين" و "البؤساء" و" كنا خجولين" و "اللاز" و غيرها.

    جميلة هي هذه الرسائل المتبادلة حتى في كتابتها "منمقة" وموضوعاتها كبرى: الوجود والحب والأنسان. لكن الغريب فيها غياب حامل الرسائل المعتاد (سواء كان الناقل المعروف في العصور الغابرة أو البريد الرسمي في عصور تالية). الغرابة تكمن في أن ناقل الرسائل هي الكتب نفسها. ووجه الغرابة في أننا حين نقول "البريد" نعلم أنه ناقل الرسائل ووسيلة تبادلها. لكن حينما نقول الكتب؟ هل نستطيع أن نسميها كتبا بريدية؟ ثم إن خصوصية مثل هذه الكتب البريدية خصوصية لها قيمتها الكبيرة (نتعب في اقتنائها)، لكنها أيضا ساعي البريد (تدور بين مجموعتنا من عشاق القراءة كما تدور كوؤس الحبب": هي لا شك كتب سامية في "حبابها" سمو نصف بيت أمرء القيس "سمو حباب الماء حال على حال"! رسائل تنقلها كتب هي نفسها رسائل أيضا، سواء كانت ماجدولين أو البؤساء أو غيرها: هي باختصار "رسائل الرسائل".

    ولئن بدأت الرسالة بالذكرى والتذكر، فإن الوطان أصلا حالة من الذكرى. والتذكر ينتظم رسالة الذكرى لا محالة، وإن انطوت الذكرى على "قنبلة" في هِـبَـة غزال، ومع القنابل لا بد من بطل (بطل يحن إلى الماضي):

    هل تذكر إحدى رسالاتي التي وصفتها بالقنبلة ؟
    كنت قد طويتها داخل " سأهبك غزالة "* راجية منك أن تقرأ الرواية... كتبتَ لي في ردّك : "... هذه ليست رسالة بل قنبلة... قنبلة في كتاب !.." وأضفت..." حبيبتي أنت أروع بطلة متخصّصة في التفجيرات الروحية..! "

    كان لابد للغزالة أن تنقل رسالة، وأن تكون هي نفسها رسالة وعلى الحبيب أن يقرأ الرسالتين، فرسالة الغزالة تطلب منه أن يقرأ الهبة الموعودة، أن يقرأ "سأهبك غزالة". ها هنا رسالة في رسالة، أو لعلنا نقول "غزالة في غزالة"؟

    وبالعودة إلى ما يراه كانط، فإن الوطان (والذكرى) ينطوي على ألم وخيبة؛ فالمرؤ لا يستطيع استعادة الماضي، حتى لو كان الحنين إلى "روح البراءة" أو إلى تحقق وعد بحالة غير عادية. فللأيام خاليها ومقبلها، خيانتها لا شك:

    طبعا يا روح البراءة لم يأت " يوما ما ". خان ميعاده. و لم نؤسّس سوى لخيبات تناسلت و تكرّرت كلعنة مجوسية.

    ومع ذلك تظل للذكرى نشوة ودفء

    تذكّرتك هذا المساء..فانتشيت.

    أحسست بالدفء و السكينة و غمرت روحي حالة من الصفاء أجدها دائما حين أفكر فيك.

    ورغم إن الخيبات المتناسلة أخلفت الوعود المنشودة، إلا أن الجمال ظل سياجا يحيط بتلك الأيام المفقودة:

    ما أجمل تلك الأيام و ما أنقاها !

    من قال أنّ جرار الذاكرة لا تمتلئ بغير الأحزان, و لا تختزن سوى الدموع و الآهات..؟

    كم نظلم الذاكرة و في مجلّداتها, دائما, فصل واحد على الأقل ربيعي, وردي, مضيء...مشرق, و جميل في كل شيء, حتى في أحزانه.

    ذلك كان فصلك.

    هذا هو الألم اللذيذ؛ فالماضي يظل محتفظا بجماله (في الذاكرة) رغم غرابة الحنين، بل في الذاكرة يبقى معنا أبدا. يا لها من رغبة في استعادة الزمن، الرغبة أن نستحضر فصلا ربيعيا ورديا أكثر من مرة وأن نعيش أكثر من مرة واحدة!

    أليس غريبا هذا الحنين إلى ماضينا يا صديقي ؟ ولماذا يظل الماضي حاضرا فينا, يأخذ كل هذه المساحة من تفكيرنا و شعورنا و أبجديتنا, فنكتشف أنّنا نحياه أكثر من مرّة واحدة.. نجتره ونستذكره و ندوّنه...غريب أنّنا لا نكتب كثيرا عن المستقبل, لا وجود للمستقبل إلا في قصص الخيال العلمي ! ليس سوى الماضي, نستعيد أحداثه, ننبش في زوادة الذكريات بحثا عن بصيص حب نقيّ أو لحظة مشاعر بكر صادقة.

    نعم: كان لابد أن ندونه دون أن نلتفت إلى أن الكتابة (التدوين) جمود لا حياة فيه: تحنيط خال من الروح: كم من الأساطير سعت إلى مثل هذه الديمومة غير المتغيرة وكم هم الذين سعوا إلى "إكسير" الحياة؟ في مثل هذه الحالة، لا فرق بين المستقبل والماضي: فالكل حاضر. نعم، من الغريب أن "المستقبل" موطن "الخيال العلمي" وكأن الرسائل عن الماضي ليست خيالا، وقد قال اللسانيون والفلاسفة إن "الكتابة" صورة/خيال الكلام!

    لا يستطيع المرؤ أن يترك مثل هذه الفقرة، فقرة"غرابة الحنين إلى ماضينا" دون أن يعيد القراءة مرة أخرى (أو أن يعايشها أكثر من مرة)، ففيها ما يغري على العودة والاستعادة. بل فيها "كشف" غير عادي مغرٍ: هي كشف "أننا" نحيى الماضي "أكثر من مرة واحدة"! فمثل هذا الكشف لابد أن يفسر غرابة "الحنين إلى ماضينا" ويقتضي "التدوين" والحفر نبشا فيه لأسباب كثيرة، لعل أهمها أن نجد ما لا يقبل الوجود. وهنا تأتي أهمية "زوادة الذكريات" ننبش فيها "بحثا" عن ماذا؟ عن ضوء؟: "بحثا عن بصيص حب نقي أو لحظة مشاعر بكر صادقة"! بمثل هذا البصيص يتحقق الكشف غير العادي فنعيش ماضينا "أكثر من مرة واحدة"! هكذا تحيا الحياة الماضية في الحياة، فنستعيد حياتنا الماضية في حياة حياتنا فنبحث فيها عن بعض ضوء!

    ولئن كان تداعي المعاني حافزا للذاكرة وللوطان (المكاني والزماني)، فلابد من حافز هنا أيضا، لابد من قمر مضيئ. بل لا بد من شرفة ووقفة حتى لو كان الزمان رديئا والقلب موجوعا. باختصار،لابد للرسالة من باعث ولابد للألم من علاج:

    كنت أقف في الشرفة, أطالع وجه القمر, و أبثّه وجع قلبي من الزمن القبيح حين خطرت على بالي وبدا لي أنّ فيك شيئا من القمر, نعم, فيك منه, في علوّه وترفّعه, في سكونه وغموضه, في لا مبالاته بالظلام, لأنّه لا يعرف سوى أن يكون منبعا للنور.

    رأيت ذكراك, يمامة بيضاء وديعة ناعمة, تحطّ على شبّاك روحي, بكل هدوء, وسمعتني أناجيك و قلبي يسألني عنك .. ترى ماذا فعلت به الأيام ؟

    فقط في الرسائل نستطيع أن نرى في القمر ما ليس فيه، نستطيع أن نرى المجاز نفسه وعلى الخيال أن يؤكد الشبه، خاصة حين "يبدو للمرء": "وبدا لي أن فيك شيئا من القمر، نعم، فيك منه"! لا بد من حكمه ولا بد من نور.

    هكذا تأتي حكمة الجمال، ونور الدرس الذي تحمله الرسالة لتصف "الذي كان بيننا": الجمال يبرر هذا "البين" الجميل، "الذي بيننا"؟ بين؟ تحت الاسم الموصول وكأنه صلة واصلة ، رسالة ما؟ كيف؟ لا تسأل ولا تستقصي، فالأسئلة "سخيفة" وربما محرمة، تخدش وتشوه "وجه الذكرى":

    جميل الذي كان بيننا يا صديقي...و لكن, هل كان حبّا ؟ مشروع حب لم يكتمل؟ تقاربا روحيا ؟ صداقة أدبية ؟ مراهقة من نوعٍ فريد ؟ لا أدري...
    سخيف هو السؤال...أليس كذلك ؟ سخيف لكونه بلا جدوى ، و أيضا لأننا دائما نكدّر صفو الذكرى بغيم الأسئلة..و نخمش وجه الذكرى بمخلب / هل ؟ /

    الأسئلة تكدر الصفو، ليس أي صفو، بل صفو الذكرى. والرسالة رسالة ذكرى فلا ينبغي تكدير صفوها، خاصة إذا حشرنا الأشياء الجميلة "داخل مسمى"، فلماذا نصر على التسمية! هل جاء هذا التحذير من التسمية عفويا؟ الأسم والتسمية لم ترد في الرسالة مطلقا؛ فلا نعرف الحبيب ولا المحبوبة. لهذا يجب أن نتوقف عن الأسم والتحذير منه:

    لماذا نصرّ على التسمية ؟
    لا يفقد الأشياء جمالها ، يا صديقي ، مثل الرغبة في حشرها داخل مسمىً ما.

    ترى هل فعلا تفقد الأشياء جمالها إذا سميناها؟ لابد أن التحذير يقوم على غموض يصعب تفسيره كما صعب علينا فهم "لماذا نكتب" لمن لن تصلهم الرسائل. وعلى ما يبدو أن ثمة عداءا أزليا بين أسماء المحبين. هكذا كان الوضع بين روميو و جولييت، فقد قالت "إن اسمك [وحده] عدوي" فانت لست اسم أسرتك (لأن الاسم لا شيء: لا هو يد ولا قدم، لا هو ذراع ولا وجه، ولا هو أي جزء من الإنسان) "فكن اسما آخر"، "ولتنسلخ من اسمك"، بل "ماذا في الاسم؟ فما نسميه وردا/ سيضوع بالرائحة العبقة نفسها بأي مسمى آخر"! وهنا التسمية تغلق وتحشر بمسمى كل ما لا يقبل التسمية؛ فلندعها ولندع حتى الأسئلة

    لكن يظل الاسم عنوان ولقب، وهنا لعلنا نكسر التحذير ونسأل: هل عنوان الرسالة سؤال؟ أم تسمية؟ أم ماذا؟ "هل كان حبا؟": لا أحد يدري، وكاتب الرسالة لا يدري! ولا ثمة داع للسؤال، فلا أحد يدرك الإدراك، ولا أحد يستطيع قراءة القراءة، ولا كتابة الكتابة، ولا رسالة الرسالة. أما خلاصة الخلاصة فلابد أن يكون السؤال المنهي عنه (دون تسمية):

    هل تصدّق أنك الآن معي؟ و أنني أراك بكل وضوح رغم السنين و المسافات؟ أرى قامتك الفارعة وجسدك النحيل, عينيك السوداوين العميقتين, شعرك الأسود الكثيف, وجهك الأسمر و ابتسامتك المعبّأة بالمعاني والتي كانت دليلا على مزاجك... كنت أدرك من شعاعها ما إذا كنت تضمر الحزن أو الفرح أو العتاب أوالشوق أو تخفي رغبة ملحّة في البكاء.

    على أن هذا النهي يأتي مباشرة قبل بداية رسائل نهائية، قبل نهاية. ولنعد لبداية الرسالة قبل أن نأتي إلى بداية الرسائل النهائية. بدأت الرسالة التي لن تصل هكذا:

    حسبت أنّ تلك كانت آخر رسائلي إليك..هل تذكر؟
    لكن ها أنا أكتب إليك من جديد

    هنا كما سبقت الإشارة، ظنت بأنها كتبت الرسالة الأخيرة، لكن ها هي تكتب من جديد، فالرسالة الأخيرة لم تكن الأخيرة، بل كانت ما قبل الأخيرة (رغم تعذر الفهم: "لا أفهم لمَ نكتب رسائل"). ثم نعلم (في الرسالة الجديدة التي تستعيد الماضي) أن هناك لقاءا مشابها تماما ، لقاءا ما قبل أخير:

    في لقائنا ما قبل الأخير..بعد فترة من البعاد... مددتَ يدك إليّ بدفتر و بحزمة رسائل .. لم أفهم.

    قلت لي...
    "هذه رسائلك إليّ... هي كنزي...إنها عندي أغلى مما كتبت ميّ لجبران أوسيمون ديبوفوار لسارتر, لذلك أخشى أن تضيع مني في زحمة الأيام.. أرجوك دوّنيها بخط يدك على هذا الدفتر...و سامحيني..ربما ستؤلمك بعض التفاصيل, لكن هي فرصة لكي تعرفي كم كنا رائعين.."

    هنا تحديدا، عادت الرسائل إلى الذات، وانفصلت عن المستقبل عبر تحويلة قديمة من جبران إلى سارتر، عادت بما قد تحفظه من ألم، لكنه ألم محبب بدليل ليس مثله دليل: كم كنا رائعين، وهي فرصة لـ"معرفة" تتجاوز الفهم، فرصة تشبه ما ضاع من فرص أخرى! على أن هذا ليس الأمر الغريب الوحيد. بل الغريب إن الرسالة تكتب أكثر من مرة، حتى لو ظنها البعض قد كُتبت سابقا تماما كما الذكريات، حسب ما تؤكده الرسالة، نعيشها في الحاضر رغم زمنها الغابر. عجيب لا شك أمر الرسالة التي تكتب أكثر من مرة، لا بد أن الأمر أمر غريب، ولا غرابة أكثر من تصاريف القدر حين يأتي في ذيل رسالة:

    ونقلت كل رسائلي إليك بخط يدي على صفحات الدفتر..
    وكتبت لك...في ذيل الصفحة الأخيرة :
    آخر ما يمكن أن أقوله...
    يا رفيقي كل شيء بقضاء...

    لا تقل شئنا فإنّ الله شاء.

    لاشك أن التعديلات المنتقاة من الذاكرة (رفيقي ولفظ الجلالة واختيار البيت دون ما قبله وما بعده) تبوح بالفراق على "يأس ... اللقاء"، فراق بعد لقاء. ولأن كل أخير لابد أن يسبقه "ما قبل أخير"، كان لابد أن يأتي اللقاء الأخير بما له وما عليه. هل نذكر لقاءا سابقا التقت فيه العيون في العيون لتفرز "رؤية غير عادية"؟ هنا أيضا لابد أن يكون لقاء عيون يفرز حالة غير عادية، حالة التماعة غير مسبوقة، وربما لن تتكرر، حالة أولى لابد أن تتبعها غصة. فكل حالة أولى هي حالة من "عنف" لا تتكرر ولا يتكرر عنفها. كما أن كل حالة أولى لابد أن تكون حالة استثنائية (أو إنْ شئت غير عادية):

    في لقائنا الأخير...مددتُ إليك يدي بالدفتر..كنت أنظر في عينيك, في التماعة الدمع فيهما, و كنت تنظر في التماعة الخاتم في اصبعي..
    ثم غصصت بالعبارة..
    "إذا... اتّخذت قرارك؟ المهم أن تكوني سعيدة و أن تكتبي دائما و لا تنسي ... حياتك غالية جدا عندي و لو في يوم أردت بيعها سوف أشتريها بكل ما أملك... و ما لا أملك. "
    وافترقنا على يأس...اللقاء.

    لكن هل فعلا كان اللقاء لقاءا أخير؟ أو الأخير؟ فقد اعتدنا كسر ما هو أخير سواء كان في الرسائل أو في اللقاء! الوجود نفسه لا يقبل ما لا يتكرر، واللحظة الأولى هي دائما لحظة تالية. وهنا أيضا لم يكن اللقاء الأخير لقاءا أخيرا. لقد التقيا (دون يأس) بعد هذا اللقاء الأخير بشهادة الرسالة نفسها، بل التقيا لقاءا صاحبه الالتماع والشعاع أيضا:

    هل تصدّق أنك الآن معي؟ و أنني أراك بكل وضوح رغم السنين و المسافات؟ أرى قامتك الفارعة وجسدك النحيل, عينيك السوداوين العميقتين, شعرك الأسود الكثيف, وجهك الأسمر وابتسامتك المعبّأة بالمعاني والتي كانت دليلا على مزاجك... كنت أدرك من شعاعها ما إذا كنت تضمر الحزن أو الفرح أو العتاب أوالشوق أو تخفي رغبة ملحّة في البكاء.

    ياه! حتى الجمال تخنقه "رغبة ملحة في البكاء" حين نراه "بكل وضوح رغم السنين والمسافات": هذا هو اللقاء الأخير؛ وكان الوطان رثاء
    التعديل الأخير تم بواسطة الهويمل أبو فهد; الساعة 05-09-2012, 23:57.
  • آسيا رحاحليه
    أديب وكاتب
    • 08-09-2009
    • 7182

    #2
    مدهشة و رائعة و غير عادية فعلا هاته القراءة ..
    هذا الغوص في ثنايا الرسالة/ القصة راق لي فعلا و أبهرني ..
    هذا الربط الساحر بين الرسالة كحنين و بين الذات و الوطن و الزمان ..
    جميل جدا .
    لاأجد حقا ما أقوله لكني سأقتبس هنا بعض الرؤى التي وافقت شيئا في داخلي تماما و ربما كانت حاضرة أثناء فعل الكتابة :

    - ثمة خفاء غير مرئي في كل هذه الحالات). فنحن لا نرى الرؤية، ولا نسمع السمع ولا نقرأ القراءة، ولا ندرك الإدراك، ولا نعي إنسانية الإنسان إلى آخر "مُـثل أفلاطون"!
    - الذات نفسها أصبحت جزءا ينبغي أن يَسْتوطِن، والآخر ما هو إلا الوجه الآخر للذات، ولأن الوطان تطور أو تحول من محاولة العودة إلى المكان إلى السعي لاستعادة ما لا يستعاد: أي استعادة الزمن الماضي.
    - استعادة الماضي "رغبة" لا تتحقق، بل تظل نقصا قارا، وهذه الرغبة هي "رسالة الرسالة".
    -
    في القص يتم توظيف النسيان بنفس الطريقة التي يتم بها توظيف الذكريات.
    -
    فالزمن لا يقبل العودة ولا الاستعادة، وما الوطان إلا الاستجابة "المؤلمة" لهذه الحقيقة.
    -
    الرسالة وحدها كصنف أدبي تجمع الشخصي بالعام.
    -
    رسائل تنقلها كتب هي نفسها رسائل أيضا..
    -
    فما نسميه وردا/سيضوع بالرائحة العبقة نفسها بأي مسمى آخر"! وهنا التسمية تغلق وتحشر بمسمى كل ما لا يقبل التسمية؛ فلندعها ولندع حتى الأسئلة
    -
    هنا تحديدا، عادت الرسائل إلى الذات، وانفصلت عن المستقبل.
    - ...
    التعديلات المنتقاة من الذاكرة (رفيقي ولفظ الجلالة واختيار البيت دون ما قبله وما بعده).
    -
    هكذا تأتي حكمة الجمال، ونور الدرس الذي تحمله الرسالة..
    و أقول لك شكرا و أجدها لا تعبّر عن امتناني و إعجابي .
    تحية و تقدير .

    يظن الناس بي خيرا و إنّي
    لشرّ الناس إن لم تعف عنّي

    تعليق

    • الهويمل أبو فهد
      مستشار أدبي
      • 22-07-2011
      • 1475

      #3
      المشاركة الأصلية بواسطة آسيا رحاحليه مشاهدة المشاركة
      مدهشة و رائعة و غير عادية فعلا هاته القراءة ..
      هذا الغوص في ثنايا الرسالة/ القصة راق لي فعلا و أبهرني ..
      هذا الربط الساحر بين الرسالة كحنين و بين الذات و الوطن و الزمان ..
      جميل جدا .
      لاأجد حقا ما أقوله لكني ....

      ..............................................

      ..............................................


      و أقول لك شكرا و أجدها لا تعبّر عن امتناني و إعجابي .
      تحية و تقدير .



      بل الشكر وحده يكفي

      ولك أيضا شكري وامتناني

      تعليق

      يعمل...
      X