قاتل الدّبابير
رحمك الله يا "قاتل الدبابير" و لتشملك الرّعاية الربّانية و ليكن مثواك الجنة...
ألقى بي السجّان في الزنزانة ذات الجدران الطينية و أغلق الباب في حركة سريعة .لم أمرّ عَلى الصراط و لكنّني وجدتني في قلب الجحيم الأحمر .
في تلك اللّيلة لم يكف عن الضحك ...كان يقهقه باستمرار حتى استرعى اهتمام الحارس فوثب عليه بعقب بندقيته على ظهره و رقبته و مؤخّرته و لم يتركه الى والدّم يتدفّق من مواضع من وجهه و رجليه. ليلتها في أن أغنّيه صوتا يقلب قهقهته عويلا. و لكني و لفرط ما استغربت طلبه جعلت أضحك معه وأنا أحاذرا أن يسمعني السّجّان...
حينما القى بي السّجّان في الزنزانة ذات الملامح الطينية استقبلني "قاتل الدّبابير" بقهقهة أثارت اشمئزازي. و واصل يضحك حتى استلقى على ظهره ثم قال لي "لن تعجزهم هربا يأتون بك من بطن الحوت...هاهاهاها"أحسّ مني عَدَم الاكتراث فرماني بنواة تمر و قال "أعرنا بعضا من اهتمامك قل لي ما الذي جاء بك؟"
في تلك الليلة التي قهقه فيها كثيرا وأدمى فيها الجنديّ ظهره ورأسه ووجهه .بكى بكاء مرّا وقال لي وهو يقترب مني :"أتعلم لم أنا هنا؟ " فاقتربت من بؤرة الضّوء وحرّكت رأسي بالنفي فقال :" أنا قاتل الدّبابير " فقلت له :"وبعد" ؟ قال :"قاتل الدّبابير التي كانت تهاجم خليّة النحل الوحيدة التي كان هواها في نفسي عقيدة , قتلتها ولو أتيحت لي الفرصة ثانية لقتلتها مرّة أخرى
ألقى بي السّجّان وأغلق الباب وجعل يحرّك المزلاج الخارجيّ ويدير مفتاحا بحركة عصبية جعلتني أوقن أنّني أمسيت تحت الأرض لا فوقها ...أنا في عالم الجحيم ومعي هذا الكائن الذي يشبه " سربروس" يرقبني بعينين تشتعلان في الظّلام كجمرتين,كنت في الجحيم وكان " سربروس" ذي الأنياب كالمخائط تنهش امتداداتي في المكان المظلم ...قال لي :" ادن أسألك"وكان يضحك ...قال لي :" هل أنت دبور آخر ثمّ صمت كما يصمت الموتى وكانت ليلة الموت ,
قال لي بعد ان:" أنهكه البكاء وكان يعالج جرحا بأنامله ويتفنّن في البحث بأصابعه في منخريه كأنما يفتّش عن تفاصيل جزئيّة للحكاية ,قال لي :"غنّ لي لأبكي" ...أبكي نحلي الذي هجر الخليّة ...أبكي عشائي الأخير أبكني وابكني ...ثمّ أطرق ينظر في تفاصيل جزئيّة على أنامله وقال لي وهو يمعس تلك التفاصيل :" جمعتهم على السكّر وبضربة واحدة أرديتهم قتلى ...سقطوا بلا حراك ,,,هذه روايتي أمّا الناس فيقولون شيئا آخر ,
في الليلة الأولى ...ليلة أن دفعني السجان في الزنزانة وهو يسبّ جدّي السابع رأيت بين المكانين, بين الارض والعالم السفليّ, في الخطّ المستقيم الذي هو بمثابة الأفق بالنسبة إلى " سربروس" رأيت سكة القطار ورأيت سبعة دبابير تقف على القضيب الحديديّ ورأيت الصّوت موجات من الذّماء تتكسّر في نار الجحيم فتفوح منها رائحة الخيانة ...رأيت قطع اللحم والأشلاء تقع أمام "سربروس" ذي الرؤوس الثلاثة وسمعته يناديني :"يا هذا ..هيه ..الا تسمع " انقطع المشهد وتملّكني مشهد النور الميّت تُجهضه الكوّة العالية ,
في تلك الليلة التي ضحك فيها وبكى كما لم يضحك ولم يبك آدميّ قطّ قال لي :" لا سامح الله الناس لقد زادوا في الأخبار واشتروا لها صكوك الصحّة ...قالوا إنّي ربطت الدّبابير إلى سكّة الحديد ...لقد شوّشوا فكري وجعلوني أعترف بانّني فعلا قد ربطتهم إلى سكّة القطار ,,"
قلت له :" وما الفرق بين الروايتين ؟المهمّ أنّك أنت من قتل الدّبابير ..أليس كذلك ," واصل يبحث عن تفاصيل صغيرة في منخريه ثمّ انزاح عن الضّوء الخديج ...انزاح عن الضوء الساقط من الكوة وهو يقول لي :" حينما وصل القطار كنت قرب خليّة النحل أرفع يديّ في الظّلام الدّامس كأنّما أصّاعد في السماء ..." وصمت
في ذلك الصّباح أفقت وكالعادة سرى بصري كالعادة إلى مأدبة الضّوء الغزير المنثال من الكوّة العليا ...وجّهت بصري إلى وليمة النور الصّباحيّ ولكنّني لم أر نورا ولم أجد مأدبة العادة ...كانت الجثّة معلّقة في قضبان الكوّة ..كانوا سبعة وكان ثامنهم
في 6سبتمبر 2012
تعليق