حين يأتي الشتاء !
حين يدخل بيتنا و بيوت الجيران ، نلتف جميعنا ، في حجرتنا ، كل أخوتي و أخواتي ، حتى أبي الغائب دائما ، يكف عن السهر خارج البيت ، و يكون معنا هنا ، حول منقد النار ، نستدفئ ، و على ألسنة الفحم و الخشب ، تتراقص الحكايات ، ما بينها و شفتي أمي أو جدتي ، و كأنها ترسل شياطينها لأبداننا ، فنرتعد كلنا ، و نحدق في وجوه بعضنا بخوف ، و هي تتلوى على الجدران من حولنا ، فنتداخل .. نتداخل ، إلي أن يسرق النعاس أجفاننا ، واحدا بعد واحد ، وننام حيث كنا !
الخالة عزيزة أم إبراهيم ، تحمل زوجها العجوز ، مع الأشعة الطرية للصبح ، و تلقي به لعين الشمس في حضن جدار بيتنا الكبير ، و قبل أن تنصرف ، تعري ساقيه اللتين تشبهان ساقي المعزة ، فتثيران فزعي حين رؤيتهما ؛ كأنهما خرجتا من حواديت جدتي .. و الخالة عزيزة تهلل للشمس ، ثم تعود لتنادي على ولدها : " تعالي يا سعيد .. و لا خليك أنا عرفاك ، تعالى أنت يا إبراهيم .. أنت جدع و شاطر .. هات علبة دخان و باكو بفره لعمك بيومي ".
بينما ثلة من الأطفال يهرعون خلفها ، بينهم الزاحف ، و الحابي على رجليه و يديه ، و المتحرك بمساعدة الحائط ، والولد سعيد الذي يكبرني كما قالت أمي بسنة واحدة ، فقد ولد يوم ماتت جاموستنا شمعة حين كانت تعبر طريق السيارات ,
كما فعلت الخالة عزيزة ، تفعل بقية نساء الحارة ، فمنهن من تخرج بعجلها ، أو جاموستها ، أو ولدها الكسيح ، و تعطيه للشمس .
ما لم أن أكن أراه ، و كان يضحكني و يؤلمني كثيرا ، هو أختي الصغرى ، التي كانت أمي تجرجرها من شعرها الأكرت ، و بيدها ( كوز ممتلئ بالجاز ) ، ثم تجلسها في الشمس ، و تضع ساقها على كتفها ، بينما ( جعير ) و صراخ أختي ، يكاد يقلب بطن السماء ، و يذهب بالشمس خلف السحاب .
تسكب أمي من الكوز على كفيها ، ثم تضع على شعر أختي ، و هي تحك و تفرك بقوة ، و رائحة الجاز تطاردنا ، تبعدنا ، و تكاد تجعلنا نتقايأ ما أكلنا من فطور . ثم تخرج من صدرها مشطا كبيرا ، و تبدأ في حرث رأس الحرون ، فتجذبه بقوة ، حتى كأنها تقلعه قلعا . أصرخ فيها : " حرام عليك يامه ..اتركيها ".
فتنهرني أمي :" حرمت عليك عيشتك يابعيد .. دي هاتفضحنا بقرفها يا روح أمك ".
بينما تقاوم وحشية أختي ، في محاولتها الانفلات ، بالضغط عليها بساقها ، فيتلم الأولاد على صوتها المدوي ، بينما أمي لا تنتهي ... البنات يغظن أختي ، يكدن لها ، و هي تزداد مقاومة .. وحين تحررت أخيرا ، كانت جديلتان جميلتان ترتميان على كتفيها ، تنتهي كل واحدة بشريط ملون ، بينما أمي تمسح بجلبابها العرق عن وجهها ، و هي أكثر غيظا وتوجعا .
يومها قررت أن أفوت على أمي ، تلك الفعلة الغريبة ، و أرحم أختي من هذا النكد ، فكنت أخبئ ( كوز الكيروسين ) ، أو أخفي المشط الكبير عنها.. حتى اكتشفت الأمر ، فأمسكت بي ، ووضعتني على حجر جدتي ، التي احتجزتني بقوة ، حتى كادت تزهق روحي ، بينما أمي تدعك عينيّ بالششم الحارق ، و هي تقرصني في فخذي :" لو سبنا البنات من غير نضافة ؛ هيكلكم الواغش ".
قهقهت جدتي ، و هي تتأمل شيئا بين أصابعها : " أنت بتقولي فيها ياخايبة ، الولد شعره بيشغي ".
صرخت من حرقة عيني ، و على الأرض كنت أتلوى .. كان قرن شطة يشعل نارا ، و لا مغيث ، بل قهقهات جدتي ، و همسات أمي ، وصوتها المختنق حين تكون حزينة :" عشان تحرم تعمل كده ". قمت راكضا صوب صنبور الماء ، و قبل أن أغترف منه ، كانت كف أمي تحول بيني و بينه .. و الوجع حارق لا ينتهي . أتقافز من الحرقة : " مش هاتعمل كده تاني .. مش هاتعمل ؟ ".
أخذتني و نزلت بي إلي الأرض ، طرحتني في حجرها ، ثم أخرجت ثديها ، و حلبته على وجهي كله : " مش ها تعملها تاني ؟! ".
لكنني كنت أخبئ المشط و كوز الكيروسين دائما ، و أربت على كتف أختي ، و عيناي تراقبان نظرات أمي و جدتي ، وحين أراهما تحاصران شعر أختي بعيونهما ، ألتصق بالجدار ، و أتسلل بخفة ، لأكون في الشارع ، أستمتع بمراقبتهما ،
و أغيظهما معا . برغم العلقة التي تنتظرني ، إلا أني ظللت أفعل هذا دائما !
الششم : هو خليط من مواد نباتية مع مسحوق حجري مضافا إليه كحل محروق لتخفيف حرقته !
و هناك تعرف آخر :
الششم : عين الديك - عيون الديك - شَشم - ششم أحمر - حبّ العروس . عفروس . قُنقُل ، بليع .
نبات متسلق معمر يصل ارتفاعه إلى 4أمتار أوراقه مركبة وله عناقيد زهرية قرنفلية الشكل قرمزية اللون، الثمار قرنية وكل ثمرة تحتوي على عدد من البذور ذات لون مميز بلونين أسود وأحمر، وعلى هذا سميت البذور بعين الديك.
و أظن أن الثاني ليس له صلة بالششم المذكور لأنه سام ، رغم أنه كان يستخدم في علاج الكحة و التهابات الجهاز التنفسي
تعليق