المقدمة الطللية بين العصرين الجاهلي والعباسي

تقليص
X
 
  • تصفية - فلترة
  • الوقت
  • عرض
إلغاء تحديد الكل
مشاركات جديدة
  • خالد حجار
    أديب وكاتب
    • 06-12-2008
    • 99

    المقدمة الطللية بين العصرين الجاهلي والعباسي


    مقدمة

    الحمدلله الذي خلقني عربيا،فمنحني فرصة تعرف هذه اللغة العظيمة، فنلت شرف الحديث بها، ومن ثمدراستها، ومحاولتي الغوص في أعماق بحرها. إن هذه اللغة المقدسة العظيمة مثلها كأيشيء مقدس، فهي ليست حكراً على أحد أو ملكاً لأحد، ولكن حرمتها أعظم ، وهي لمنيردها أكرم، وإن الذود عنها جهاد مقدس، والساكت عن الدفاع عنها شيطان أخرس، وهيالكنز الذي لا يبخس، و الطهارة التي لا تُرجَس.

    أمابعد: فلقد اختلطت المفاهيم، وشوهت المصطلحات، وأصبح القابض على لغته وتراثه وأصالته،كالقابض على جمر، ومن المؤسف القول: أنه أصبح على العربي الدفاع عن لسانه فوقترابه، وفي عقر داره. لقد بلغ السيل الزبى، وحطم الغزوالثقافي الغربيمفاهيمنا الأصيلة، واستبدلها بمفاهيمه الدخيلة، حتى أنَّ أدبنا العربي جف نبعه، وبدأينهل من منابع معكرة ماؤها، وتركنا إجادة البيان، وأجدنا التقليد بل وصيَّرناالغرب تبعا له، ولثقافته وأدبه.

    إن مادفعني لاختيار هذا البحث هو تمييز الخبيث من الطيب، وإعادة المصطلحات إلى نصابهاالحق، فالتطور يختلف عن التبعية المنمقة، إذ أن الأول نتاج الأصالة، والثانية نتاجالتقليد والحداثة، وشتان بين من ينهض بتراثه ليصنع مستقبله، وبين من يتنكر لتاريخهويبحث عن منابع غريبة عن أرضه وواقعه، ويريد أن يطبق تجربة شعوب لسانها ليسكلساننا،ونهضتها قامت على أنقاض نهضتنا التليدة، وهي نقيض ثقافتنا. لذلك عمدت إلىعنواني هذا وهو: المقدمة الطللية بين العصر الجاهلي والعباسي، حيث أن التطور الذيحدث على هذه المقدمة هو نتيجة حتمية للنهضة التي حدثت في ذلك العصر، وبهذا نستطيعأن نقيّم حالنا الآن، فهل نحن نسير على درب من سبقنا من أجدادنا الأوائل في هذاالمجال؟ أم نحن نركع أمام الغزو الثقافي الغربي؟ أوليس هناك فرق بين الغزو الثقافيوالتبادل الثقافي؟ حقا إنه باب شائك على باحث هذا الزمان، بعد أن اختلطت مفاهيمه. . لا أريد أن أصدر حكما، بل أضع لكم الحكم كله،ولكن يجب أولا التفريق بين التقدم والنهضة التي تكون جذورها منغرسة في تراثنا،ونضر غصنها في رحاب أصالتنا، فأورقت وأثمرت وبين حداثة هذا العصر التي قامت علىالتبعية الثقافية التي ترعرعت من نبع الغزو الثقافي المقيت، من هنا انطلقت لتبيانحقيقة التطور والتقدم والنهضة، من ثم تمييزها عن غيرها من حداثة جلبت لنا التعاسةوجعلتنا بلا مستقبل في سائر المجالات .

    لقد اتبعت في بحثي هذا المنهج الوصفيالتحليلي، متخذا من التراث العربي - الذي لم تشبه شوائب هذا العصر – مادتي الخام،فرحلت إلى العصر الجاهلي، محللاً المقدمة الطللية، وبعدها أقمت موازنتي بين هذهالمقدمة في ذلك العصر مع المقدمة في العصر العباسي، وقمت بدراسة ما طرأ عليها من تطوروتغيير، وكذلك الأسباب التي أدت إلى ذلك التطور، ومن اجل تحقيق تلك الغاية، قسَّمتُبحثي إلى عدة أقسام هي: القسم الأول ويحتوي تعريفاً للمقدمة الطللية لغةواصطلاحاً، ومن ثم انتقلت إلى نموذجين من الشعر الجاهلي ومثلهما من الشعر العباسي،بعد أن بحثت في الشعوبية ومدى تأثيرها في الشعر العباسي، وبعدها أجريت موازنتيمتبعها بدوافع التغيير الذي حدث على المقدمة في العصر العباسي.

    لقدارتكزت على عدة مراجع مهمة لبحثي منها: لسان العرب لابن منظور، وهو معجم شامل كماأراه، و كتاب العصر العباسي الأول لشوقي ضيف، وديوان النابغة الذبياني، وشرحالقصائد العشر للتبريزي، والعديد من المراجع الموثقة في البحث.

    وفي أثناء بحثي واجهتني صعوبات بعضهامتوقعاً، وبعضها لم أكن أتوقعه منها: نقص في المراجع، وتضارب الآراء فيما بينها؛إذ صار من العسير علي تغليب رأيٍ على آخر دون تمحيص ورجوعٍ إلى مصادر أخرى،والتأكد من مدى صدق بعض الأمور، مما دفعني إلى تحمل مشاق الوصول إلى مصادر كنت أرىأنني لست بحاجة لها.

    وأخيراً وليس آخراً لا يسعني إلا أن أتقدمبالشكر لكل من أمدني بآرائه وإن اختلفتُ معه- فالاختلاف بالرأي لا يفسدُ للودقضية- وكذلك أقدم شكري الجزيل لكل من ساعدني للوصول إلى العديد من المراجع، وأتقدمبشكري الخالص للدكتور زاهر حنني على توجيهاته لي وإرشاداته التي كبدتني جهوداًمضنية أتت أكُلها .



    والله الموفق















    تمهيد

    قراءة معاصرة لتطور الشعر العربي فيالعصر الحديث

    إن ما دفعني لكتابةهذا العنوان هو واقع الشعر العربي في هذا العصر، فأين نحن؟ هل تطور الشعر فيعصرنا؟ أم نحن كما في باقي مناحي الحياة، سوق استهلاكيٌ نعيش التبعية بكل ما تعنيههذه الكلمة من معنى؟ هل الثقافة العربية تعيش التبادل الثقافي مع الثقافات الأخرى؟ألا نحتاج لتقويم ما وصلنا إليه؟ هل نحن نسير نحو التقدم؟ هل نحن قادرون على أننصنع نهضة ثقافية في أمتنا؟ أين نحن من العالم؟ هل نهجنا في التعليم صحيح؟ أم أننانمارس التعليم المقلوب؟.

    أسئلة ومصطلحاتتكاد تتشابك فتصنع عقداً، من دخلَ فيها وقع في شركٍ يصعب الخروج منه، وإذا مانظرنا بعمق وجدنا المستقبل الأسوأ في انتظارنا، إنْ بقينا على هذه الحال، فهل نحنمنتهون؟

    أرى أن الهزيمةالتي نحياها قد أصابت كل مناحي الحياة ولم تبقِ لنا مكاناً إلا ودخلته بل وسيطرتعليه، فأصبحنا مهزومين ثقافياً، وإنَّ أسوأ أنواع التبعية هي التبعية الثقافية،فما هي هذه التبعية؟ لنعرج قليلاً على الواقع السياسي فنتعرف على التبعية السياسيةوالاقتصادية ومن ثم نصل إلى التبعية الثقافية.

    يعيش الوطن العربيحالة الشرذمة السياسية، فهو عبارة عن أكثر من عشرين كياناً سياسياً، كل منها لايقوى على حماية نفسه من نفسه. لستُ فيلسوفاً، ولكن الغرب يصنع بهذه الكيانات كمايشاء، فيرميها بسهمٍ منها فيميتها، ويستبدلها متى يشاء، وهي لا تملك أن ترفض، أماعلى الجانب الاقتصادي فحدث ولا حرج، ينهبون خيراتنا ويجعلوننا سوقاً استهلاكياً لانملك فيه إلا أن نستورد كل ما جاء من الغرب ونتقبله كما لو أننا نحن الذين صنعناه،ليس هذا فحسب بل يعتمدون في صناعتهم على مواد خام من بلادنا وينهبون أموالناويشترون عقولنا التي تصنع.

    هذه هي التبعيةالاقتصادية، والتبعية الثقافية لا تخرج عنها في شيء سوى المواد الخام، فالموادالخام في الثقافة ليست النفط والمعادن بل هي الفكر والأدب واللغة والعاداتوالتقاليد والمفاهيم، ونحن اليوم لا نملك سوى التقليد ، فالمثالية في العدالة فينظرنا هي الديمقراطية لا لعدالتها بل لأنَّ الغرب يقول ذلك، واللغة المفضلة لديناللحديث مع العالم هي الإنجليزية أو الفرنسية وعلى طلابنا أن يتعلموها منذ الصغرلأنها لغة العلم أو لغة الغرب المتعلم، والمثقفون في بلادنا لكي يثبتوا ثقافتهمعليهم الحديث بكلمات أجنبية فلا يفهمها عامة الناس وبهذا يتميزون عن غيرهم، ومنيريد أن يقرأ الشعر فعليه أن يقرأ لشكسبير أولاً وطبعاً بقصد أن يقول أنه قرألشكسبير لا لكي يقارن بين شكسبير وشاعرٍ عربي مثلاً، وهذا هو الاتجاه المحدث فيعصرنا، وإذا ما حاولتَ مع كثيرين منهمأن تعطيه نماذج عربية ضحك وسخر منك ووصمك بالتخلف، وأنا بكل فخر المتخلف الأولأمامهم، ما دام التخلف يعني عند هؤلاء هو التمسك بالأصالة. قد تتهمونني بالمغالاة،وقبل أن تقولوها عليكم قراءة ما قاله السيد أدونيس العرب في محاضرة له في مكتبةالاسكندرية فهو يقول:" نحن أمة ترى حاضرها بعيون ماضيها واللغة العربية فيسبيلها إلى الموت، وتابع: إن اللغة العربية تتراجع خلال السنوات الأخيرة بشكل كبيرعلى مختلف الأصعدة في المدارس والجامعات وحتى لو استمعت للشيوخ وخطباء المساجدالمعنيين أكثر من غيرهم بالمحافظة على اللغة ستجد هذا التراجع، وستجد تقدما للهجاتالمحلية في الشعر والكتابة وهناك الآن عشرات المجلات والمهرجانات للشعر النبطيالمنتشر في دول الخليج، وفي حديث مع وكالة الأنباء الألمانية أبدى أدونيس إعجابابشعراء اللهجة المحلية المصرية".)[1])

    إذن السيد أدونيسيأتي إلينا من فرنسا ليقول لنا أن اللغة العربية في سبيلها إلى الموت، ولا تتأسفواعليها فها هم شعراء اللهجات يقومون بدورٍ يغطي النقص الذي سيحدث عند موت اللغةالعربية، وكأن السيد أدونيس جاء بحكم أنه عربي لمواساتنا في المصاب وهو موتالعربية. وطبعاً لم يتحدث أدونيس عن سبب موت اللغة العربية في نظره، ولكنه بسرعةمتناهية وضع البديل وهو اللهجات العامية، وكفاكم يا عرب شر الدفاع عن لغتكم ولاحاجة لإنقاذها، فالبديل موجود، وإن لم يعجبكم فخذوا أي لغة أخرى، هو لم يقل ذلكبصراحة، ولكن ما بين السطور يوحي بذلك؛ فهو لم يبك العربية بل وحتى لم يتباكَ ولومجاملةً.

    من الذي طعنالعربية من الخلف يا أدونيس فأصابها وجعل نورها يخبو؟ لن أجيبَ عن هذا السؤال،ولكنني متأكد من أن العربية تنزف، ولأنها خالدة فلن تموت. ولسنا بحاجة إلى عاميةأدونيس ولهجاته التي نشتم منها رائحة الاستعمار بشتى أشكاله المرعبة.

    وماذا عن الشعر؟إن العصر الحالي يشهد تمرداً يشبه الثورة في زخمه واندفاعه ولكنه ليس بثورة،فالشعر الحر أو شعر التفعيلة تمرد على عروض الخليل وقافية الشعر، دون إبداء أي سببمقنع سوى انه من أصول غربية، فقد عرَّبَ رواده مصطلح :free virs الإنجليزي بعد أن درسوه عند الغربوقلدوه، وساروا على نهج مصدريه لنا كما صدروا لنا أي سلعة أخرى، ولكي يسوغوه فيأرض العرب اتخذوا من المواضيع التي تشغل بال المواطن العربي معانيهم، وفي ظلالتراجع الثقافي على مستوى الأمة العربية نجح بسهولة، وكيف لا وكل شيء من الغربيتصف بالجودة.

    إننا في محافلناالسياسية نتهم ونخون وندعي وننتشي بالمصطلحات، ولكننا في محافلنا الأدبية، لانستطيع أن نخون أحد، لأننا لا نمتلك حرارة الدفاع عن ثقافتنا، فالشعر الحر اليوميكاد يطغى على الشعر العمودي، فهو المنتصر في هذا الزمن كما أرى؛ وذلك لان الغربهو المنتصر

    حقاً لقد هدمالغرب بيتنا الشعري كما هدَّم حصوننا وقلاعنا، وانتزع قافية الشعر كما انتزع منبين أيدينا ثقافتنا وهويتنا وانتماءنا، لهذا انتصر الشعر الحر.

    في زمن التبعيةتشوه المصطلحات ونتيجة ذلك أصبحنا نقع في شرك التعليم المقلوب وهو: التعليم الذييهدف إلى نزع هويتنا العربية وجعلنا مقلدين لثقافاتٍ أخرى. وهذا ما نحياه الآن بكلما تعني هذه الكلمة من معنى.

    إن ما يثبت قوليسابقاً هو:

    1- أننا نتعلم معظم العلوم بلغاتٍ أجنبية ولا نحاول تعريبها؛فالطب مثلاً الذي أخذه الغرب عن العرب يدرس الآن في الجامعات العربية بلغاتأجنبية.

    2- أنمعظم مصادر العلوم تؤخذ عن الغرب بما فيها مناهج النقد الأدبي التي نحاول تطبيقهاعلى أدبنا العربي

    3- أن كل ما أتى به الغرب نجده مترجما حرفيا عندنا ونموذجاً يحتذىبه، وفي الوقت نفسه تركنا كثيراً من تراثنا؛ فَمَنْ مِنْ شعراء اليوم يكتب موشحاًمثلاً، وأين هو الكاتب الذي يكتب لنا مقامة واحدة؟ ولكننا نجد مئات الكتاب يكتبونالقصة القصيرة ومئات ممن يسمون بالشعراء يكتبون الشعر الحر.

    4- أن العلاقة بين الثقافات المختلفة تبنى عادة على التبادلالثقافي وهو: أن تأخذ الثقافات من بعضها البعض، وتعطي بعضها البعض، بينما نحناليوم نلقي بثقافتنا جانباً ونأخذ من الثقافات الأخرى كل شيء ولا نعطيها أي شيءيذكر.

    5- أن مدارسنا تعلم اللغة الأجنبية وكأنها لغة محلية، ولا نجددولة غربية تعلم تلاميذها من الصغر اللغة العربية. وهناك مدارس عربية تستثني اللغةالعربية تماماً.

    نستنتج مما سبق أننا مع كل إشراقة شمسنبتعد عن أصالتنا وهويتنا وانتمائنا ونتقرب إلى ثقافاتٍ غريبة عن ترابنا ووطنناوعروبتنا.

    إن ما يثبت أنالاستعمار وراء ذلك كله الأسباب التالية :

    1- إنَّ اللغة العربية هي إحدى مقومات الوحدة العربية، ولا يختلفاثنان أن الغرب يحاول تمزيقنا ليسهل عليه افتراسنا؛ لهذا يحارب الاستعمار لغتنابكل ما أوتي من قوة

    2- إن الثقافة العربية الأصيلة هي الاتجاه المضاد للثقافة الغربيةالاستعمارية، وعماد الثقافة العربية هو اللغة العربية؛ فهي العدو الأول للغرب ويجبتحطيمها بنظره

    3- إن اللغة العربية هي التي تصل حاضرنا بماضينا فتذكرنا بأمجادنافتدفعنا إلى السير نحوها، وهذا ما لا يروق للغرب

    4- إن مميزات اللغة العربية وسماتها تنهض بشعبها حيث أنَّ إحدىميزاتها أنها اشتقاقية ومن يتعلمها يتعلم معظم العلوم بسهولة، فمثلاً لو دخلنا فيعلم الصرف قليلاً وجدنا أن كل كلمة على وزن فُعال هي اسم مرض مثل سُعال أو عُضال،أو صداع،أو كُساح. نجد أنفسنا أمام مصطلحاتٍ ليست بحاجة لعالم لكي يكتشفها كمايفعل الغرب الآن عندما يحاول تسمية مرض ما. ونستطيع القياس على كل العلوم، ممايسهل على العربي تعليمه للعلوم الأخرى فيظهر إبداعاً لا تستطيع اللغات الأخرى منحهلناطقيها

    5- إن سعة اللغة العربية تجعلها قادرة على استيعاب جميع العلوموهذه الصفة أثبتها تاريخنا، وهذا يعني أن التزام العربي بلغته سيمكنه من النهضة لامحالة وهذا ما يدك الاستعمار في عقر داره

    نستنتج مما سبق أن لا نهضة للعرب بغيراللغة العربية وبناءً عليه فلا حضارة ولا تحرر قبل أن نتمسك بلغتنا وننهض بهاونتبع علوم أجدادنا الأوائل، مع الأخذ بالتطور البشري.

    إن المحافظة على عمود الشعر العربي أصبح هدفاًوطنياً تماماً كما هو التحرير، وإننا بحاجة إلى ثورة ثقافية تكون الثقافة الثوريةوسيلتها، والثقافة الثورية هي: تلك الثقافة التي تتخذ من التراث وتطويره والنهوض به هدفاً لتصنع المستقبل وتلقي جانباً بكلما هو دخيل علينا، فتحارب التقليد الأعمى وتبرز هويتنا القومية، وتوحد لسانناوانتماءنا.

    ولا بد لهذهالثقافة قبل أن تصبح ثورية أن تتحلى بالدقة وأن تأخذ بعين الاعتبار أن القديم يجبتطويره ليلائم هذا العصر؛ فبدل أن يبكيَ الشاعر في مقدمته الطلل قد يبكي حباً كانفي قرطبة أو حيفا، وبدل أن يتخذ من شكسبير ودانتي مادته الخام ومعانيه، عليه أنيتخذها من زهير وطرفة والمعري ويطورها ليجعلها تواكب العصر.

    وفي نهاية قراءتنا لواقعنا المعاصر نجد أن الموازنة بين التطورالذي حدث على الشعر في العصر العباسي يختلف كلياً عنه في عصرنا الحالي وذلك فيالأمور التالية :

    1- أنَّ اللغة العربية كانت اللغة الأولى في العالم فكانت هيالمسيطرة مما أكسبها صفة التوسع والانتشار حتى بين الشعوب غير العربية. بينما نحنالآن نعيش العكس تماماً.

    2- كانت اللغة العربية في العصر العباسي لغة العلم فكان من يتجهإلى العلم لا بد له من دراسة اللغة العربية حتى يصل إلى مبتغاه.

    3- كان التطور الشعري في العصر العباسي نتاج التطور الحضاري الذيعاشه أجدادنا حينذاك، بينما التغيير الذي نحياه في العصر الحالي هو نتيجة تقليدنالتطور الواقع الغربي، وطبعاً هذا برأيي ما جعلنا نغرق في التعليم المقلوب ونفقدثقافتنا العربية

    4- إن التغيُّر الذي نحياه الآن هو خروج عن ثقافتنا وأصالتنا وليستطوراً وذلك:

    أ‌- لو كان تطوراً لتوصل إليه أجدادنا في عصر النهضة الذي كنا فيه،فنحن لم ننهض باللغة العربية اليوم كما نهض بها أجدادنا.

    ب‌- لو كان هذا التغيُّر تطوراً لكان في المجالات كافة؛ لأنالتطور في اللغة يؤدي حتماً إلى تطور في سائر مناحي الحياة

    ت‌- إن ما يؤكد أنَّ الذي نحياه ليس تطوراً طبيعياً هو النتيجة التيوصلنا إليها والتي دفعت بأدونيس أن يعلن عن وفاة اللغة العربية وهذا يعني حتماًوفاة الأمة العربية.

    ث‌- إن تركنا اللغة العربية والثقافة العربية واستبدالها بلغات أجنبيةولهجات محلية يعني أننا نتراجع ولا نتقدم

    ج‌- إن نجاح الشعر الحرفي أرض العرب وهو نبتة غير عربية، يعني أن الأرض العربية قد لُقِحَتْ بالثقافةالغربية؛ لذا فهذا التغيُّر لا بد وأنْ يكون لقيطاً ولا يرتبط بالثقافة العربية فيشيء .

    ومن المؤكد أن هذا التغيُّر، قد أصاب جميع مناحي الحياة؛ لذلك نحن نفتقداليوم إلى مكانة مرموقة بين الأمم، وإنَّ البحث في هذا الأمر يزحف بنا إلى واقعناالسياسي؛ لهذا أكتفي بما وصلتُ إليه تاركاً دراسة أسباب هذا الواقع للسياسيينالمخلصين لهذه الأمة.


    أولاً:

    المقدمة الطللية

    المقدمة لغة:"قَدَمَهم يَقْدُمُهمقَدْماً وقُدوما وَقَدِمَهم، كلاهما: صار أمامهم.ويقال قدم فلان فلانا أي تقدمه، وقَدَم،بالفتح، يَقْدُم قدوما أي تقدم، ومقدِمة الجيش بكسر الدال: الذين يتقدمون الجيش. يقولالأعشى:هم ضربوا بالحنو حنوقراقرٍ
    مقدمة الهامرز حتى تولَّتِ".)[2](

    وفي معجم العين:" القُدمةوالقَدَمُ: السابقة في الأمر، والقُدُم ضد الأخر بمنزلة قُبُلٍ ودُبُرٍ"([3])

    الطلل لغة:الطّلُّ:"المطرُ الصِغار القطر الدائم وهو أرسخ أنواعالمطر ندىً. والطَّلّ: اللبن وقالوا : ما بها طَلٌ ولا ناطلٌ أي ما بها لبنٌ ولاخمرٌ. والطلل ما شخص من آثار الديار، والرسم ما كان لاصقا بالأرض وقيل طلل كل شيءشخصه وجمع كل ذلك أطلالٌ وطلولٌ، والطلالة كالطلل؛ التهذيب، والإطلال: الإشراف علىالشيء".([4])

    المقدمة الطللية اصطلاحاً: هي تلك الأبيات الشعرية التي يستهلبها الشاعر قصيدته الشعرية بالوقوف على الأطلال، قبل أن يدخل فيموضوع قصيدته وقد عرف هذا النمط من الشعر عند العرب منذ العصر الجاهلي . ومثالهاقول النابغة الذبياني: ([5])

    أمن ظلَّامة الـدِمن البوالي
    بمرفض الحُبي إلى وُعـالِ

    فأمواه الـدنا فعويرصاتٍ
    دوارس بعد أحياءٍ حِـلالِ


    تعاورها السواري والغوادي
    وما تذري الرياح من الرمالِ

    إلى أن يقول:

    فلمّا أن رأيت الـدار قفرا
    وخالف بال أهل الدار بال
    نهضتُ إلى عُذافِرةٍ صمـوتٍ
    مُـذكَّرةٍ تَجِلُ عن الكِلالِ

    فداءٌ لِامرئٍ سارت إليهِ
    بعذرةِ ربِها عمي وخالي
    ومن يعزف من النعمانِسجلا
    فليس كمن يُتيَّهُ فيالضلالِ

    فباستثناء الأبيات الثلاثة الأخيرة سميتهذه المقدمة بالمقدمة الطللية فالنابغة يقف على أطلال الحبيبة باكيا الديار في هذهالقصيدة، قبل أن يلج إلى موضوع قصيدته، التي يدافع فيها عن نفسه،أمامالنعمان بن المنذر، ملك الحيرة. وقد انتقل النابغة الذبياني من مقدمته الطللية إلىموضوعه عند البيت الخامس الذي يقول فيه:

    نهضت إلى عذافرةصموتٍ
    مذكرة تجل عن الكلالِ

    إنما يسترعي الانتباه هو:أن النابغة الذبياني قد استطاع أن ينتقل من المقدمة الطلليةإلى موضوع القصيدة دون شعور القارىء بهذا الانتقال،وهذا ما أطلق عليه فقهاء الأدب العربي حسن التخلص أو حسنالانتقال

    بقي أن أذكر أن المقدمة الطللية جرى عليها كثيرمن التطور والتغيير بعد العصر الجاهلي فمن الشعراء من استبدلها بمقدمة خمرية ومنهممن استغنى عنها ومنهم من ثار عليها ومنهم من تمسك بها وهذا ما سنتطرق إليه في الأجزاء الباقية من هذاالبحث
    يتبع

  • خالد حجار
    أديب وكاتب
    • 06-12-2008
    • 99

    #2

    المقدمة الطللية في العصر الجاهلي

    لقد اعتاد الشاعر الجاهلي أن يبدأ قصيدته بالوقوف على أطلالالحبيبة،باكيا ذكراها،مخاطبا دمنة ذاك الطلل،واقفا مذهولا من تلك القوة التي قلبت ذاك الربع من مكان تدبفيه الحياة إلى قفر خالٍ إلا من بقايا رسم يشير إلى حياة كانت هنا واغتربت، وبعد هذا الوقوف الذي قديقصر أو يطول في القصيدة، كان الشاعر ينطلق إلى مواضيع شتى في قصيدته. ولكنّاللافت للانتباه هنا هو أن كثيراً من الدراسات وجدت ترابطا بين تلك المقدمةوالمواضيع التي يتطرق إليها الشاعر بعدها، في إشارة منهم إلى وحدة الموضوع فيالقصيدة الجاهلية رغم تعدد لوحاتها، محاولين تسويغ ذلك بقولهم: إنَّ الشاعر الجاهليكان يستخدم الرمز ليعبر عما يريد.لقد استحوذت المقدمة الطللية على قسطٍ وفيرٍ عند الباحثين، فهناك كثير منالدراسات رسخت جل بحثها في ذلك الموضوع، محاولة فهم ذلك السر الخفي وراء هذاالوقوف، لقد سوغت د.مي خليف وقوف الشاعر الجاهلي على الأطلال قائلةً:"وهنا تتعدد ملامح الصورة في منطقة العزاء، عزاء النفس عن آلام الواقعوضغوطه، ولكنها قد تتغاير أيضا أمام رموز البين، التي تبدو رهناً بذلك الماضي، مماأتعس الشاعر، حين يتذكر لحظة فراق قضت عليه بها الأيام، فبدا إزاءها كئيبا عاجزامستسلما، لا يسعده تذكرها، بقدر ما يجلب له -ذلك التذكر- المزيد من التعاسةوالشقاء، مع مزيد من الإحساس بوقع الاغتراب إزاء ذلك الماضي، كما اغترب هو نفسه تجاهحاضره، وكأنه لم يبق له من زمنه شيء على وجه الإطلاق. ويسود هذا الموقف لدى شعراءالمعلقات بدءاً من حوارهم حول عموم الدهر، كأن يعرض له الشاعر في إطار من التوجسوالخوف، وكأنه يكنى عنه، خشية أن يتحدث عنه صراحة على طريقة النابغة الذبياني في معلقته حيث يقول:

    أمست خلاءً وأمسى أهلها احتملوا
    أخنى عليها الذي أخنى على لبدِ

    إذ يجعل البنيةاللفظية ناطقة، كاشفة تعاسته؛ تعاسة الشاعر نفسه منذ توقفه عند المساء بالذات،وكأنه يستعين بمشهد الليل المظلم على ذلك، فالشاعر يكرر الفعل (أمسى)وأيضاًالفعل(أخنى) تعلقا في جانب منه بالديار، والجانبالآخر بأهلها، فالكل بدا في موضع المفعولية، وفي سبيله إلى التخاذل؛ ليسند الفعلإلى الدهر الذي جاء على كل شيء فأفسده، وأنذر بفنائه، وكأنه-أي الشاعر- يجعل هذهعادة الدهر التي لا يغادرها. "([1]) . وإذا ما تعمقنا بالتراث قليلا نجد تفسيرا للمقدمة الطللية عند ابن قتيبةيقول:"وسمعتُ بعض أهل الأدب يذكر أن مقصد القصيد إنما ابتدأ فيها بذكر الدياروالدمن والآثار، فبكى وشكا، وخاطب الربع، واستوقف الرفيق، ليجعل ذلك سببا لذكرأهلها الظاعنين عنها، إذ كان نازلة العمد في الحلول والظعن على خلاف ما عليه نازلةالمدر، لانتقالهم من ماء إلى ماء، وانتجاعهم الكلأ، وتتبعهم مساقط الغيث حيث كان.ثم وصل ذلك بالنسيب، فشكا شدة الوجد وألم الفراق وفرط الصبابة والشوق، ليميل نحوهالقلوب، ويصرف إليه الوجوه، وليستدعي به الأسماع إليه، لأن التشبيب قريب منالنفوس، لائطٌ بالقلوب، لما قد جعل الله في تركيب العباد من محبة الغزل، وإلفالنساء فليس يكاد أحدٌ يخلو من أن يكون متعلقا منه بسبب، وضارباً فيه بسهم، حلالٍأو حرام، فإذا علم أنه قد استوثق من الإصغاء إليه والاستماع له عقب بإيجاب الحقوق،فرحل في شعره، وشكا النصب والسهر وسرى الليل وحل الهجير وإنضاء الراحلة والبعير،فإذا علم أنه قد أوجب على صاحبه حق الرجاء، وذمامة التأميل وقرر عنده ما ناله منالمكاره في المسير، بدأً في المديح، فبعثه على المكافأة.".([2]) ورغم أنَّ ابن قتيبة قد فسر الظاهرة تفسيرا دقيقا ومقنعا إلاأن هذا التفسير لم يرق لدعاة الحداثة، فمنهم من قال:" ويقيم د.عز الدينإسماعيل تفسيره لهذه الظاهرة (الوقوف على الطلل) كمقابل للتفسير الخارجي لابنقتيبة ومن لفّ لفّه، فهي ممثلة عنده لارتداد الشاعر إلى ذاته وخلوه إليها وهي - فيحقيقتها- تعبِّر عن موقفه من الحياة والكون؛ إذ تدل على نوع من القلق العميق إزاءغوامض الوجود المليء بالمتناقضات واللاتناهي والفناء")[3](. وإذا تتبعنا هذا القول للدكتور إسماعيل النعيمي:" وهناكمن وضع (نظرية في الطللية) يتعذر كما يقول صاحبها تفسير الظاهرة الطللية كحالة فرديةتخص هذا العضو أو ذاك في المجتمع، بل علينا فهمها بوصفها نبشاً لمكنون الجماعةوللمخزون المجتمعي والتاريخي، ووفقا لهذه النظرة، فإنه يرى الموقف الطللي أشبهبطقس ديني يتكرر باستمرار،...، فضلا عن إرجاعه بواعث الطللية إلى ثلاثة عوامل هي:القمع الجنسي وقحل الطبيعة والانهدام الحضاري"([4]). والدكتور النعيمي يبين لنا بصراحة مقصده عندما يقول:" يبدو أن أراء القدامى ومنهمالجاحظ وابن قتيبة وابن رشيق الذائعة الصيت المتفاوتة في رصدها للمنهج الفنيالتقليدي الموروث في القصيدة الجاهلية، لم تكن تروي ظمأ الباحثين المعاصرين".([5]) والسؤال هنا لماذا؟ إن المنهج العلمي في البحث يحتم علينا أننثبت صحة النظرية أو عدم صحتها، قبل أن نأتي بنظرية جديدة في الموضوع نفسه، فأماأن نتجاوز نظرية القدماء بهذه الطريقة دونما إثبات صحتها أو عدمه، ثم نأتي بنظريةجديدة، وكأن النظرية الأولى لم تكن موجودة، ودون محاولة نقضها أو إثبات صحتها فهذابرأيي الخطأ بعينه، هذا إذا أراد الباحث أن تكون نظريته مما تجذب الآخرين للأخذبها، أما إذا أراد الباحث أن يحاول أخذ النظريات من الآداب الأخرى ليطبقها علىأدبنا دون وجه حق، وفقط لأنها غربية، فإنني أعتقد أن أدبنا العربي لا يقبل إلا ماهو طاهر ونقي هذا أولاً، أما ما أود الإشارة إليه حقاً هو: أن علماءنا القدماء لميكونوا بهذه السذاجة التي جعلتهم لا يصلون إلى ما وصل إليه هؤلاء الباحثون. وإذاما ربطنا نتائجهم بما جاءت به النظريات الغربية فسنصل حتماً إلى ظاهرة الغزوالثقافي التي نتعرض لها اليوم، فهذا فالتر براون يقول:" إن غرض الشعراءالحقيقي من الوقوف على الأطلال لم يكن بقصد رثائها أو تسجيل الحنين إلى المودةالتي انقطعت والمحبوبة التي رحلت، لكن غرض هؤلاء الشعراء أن يعبروا عن المشكلةالوجودية الكبرى، وهي: (القضاء والفناء والتناهي) وهو يرى أن هذا التفسير من شأنهأن يعلل ما نلاحظه في أشعارهم الغزلية من تناقض، يقيمه الشعراء أحياناً بين الحزنوالفرح، واللذة والألم، والموت والحياة، والفناء والبقاء".([6]) ولم يبين لنا هذا الباحث أين هو التناقض الذي يتحدث عنه ويبدو أنالعديد من باحثينا كانوا يأخذون كل ما هو غربياً صوابا فقط لغربيته، وكل ما هو منتراثنا وعلمائنا القدماء يجب إعادة النظر فيه لكي نُلبس أدبنا ثوب الآداب الأخرى،فمن يربط بين الآراء السابقة يدرك أن التفسير النفسي مصدره فرويد وما تحدث عنه منالكبت والأنا والقمع الجنسي. فهل هذا ينطبق على شاعرنا الجاهلي؟ إذا ما علمنا أنالإنسان في ذلك الوقت كان لديه من الجواري والنساء والعديد من أشكال الزواج وبناتالرايات التي تتحدث عنها سائر كتب الأدب، ثم إن شعراءنا الأوائل كانوا يتكسبونبشعرهم ومعظمهم كان في حالة يحسد عليها من رغد العيش،بدءاً بامرئ القيس مروراًبطرفة وانتهاءً بالأعشى والنابغة.

    يتفق الباحث معد.النعيمي عندما قال: "إن الطلل هو رمز للفناء والموت الذي كان هاجس الإنسانالأول" وأختلف معه حينما قال:"([7]) ومن غير المجدي أن نفسر الذهاب والسير والرحيل بالمفهومالمادي، إنما المقصود بهذه المفردات الجانب المعنوي (أي الموت)". إذ لو طبقناقوله على المقدمة الطللية في معلقة زهير حيث أن الظعائن والرحلة والمسير لم تكنتعني الموت، بل على العكس تماما عنت الحياة حيث انتهاء الرحلة. بعد كل هذا الذيسبق، أرى أنه لا يمكن لأي باحث أن يطبق نظريات من تراث شعوب ٍبعيدة كل البعد عنالأدب العربي، فالأدب الغربي عندما وصل لهذه النظريات كان له ما يبرره حيث انهاعتمد تراث الإغريق القائم على الأساطير ودمجها بالفلسفة، وبدأ بحوثه الحديثةبناءً على هذا الموروث، ومن المفيد هنا القول: إن الذي ترجم الأدب الإغريقي وحافظعليه هم العرب، ولم يكتفوا بالترجمة طبعا بل أخذوا منه كل ما هو منطبق على أدبناوأضافوا عليه، فوصلوا إلى ما وصلوا إليه من نظريات، ولا ننسى هنا أن الغرب أخذ الأساطيرالإغريقية عن العرب في عصر نهضته وترجمها، وهذا يعني أن تفسيراتهم هذه قد عرفهاعلماؤنا الأوائل قبل الغرب ولم يأخذوا بها لعدم مطابقتها واقع أدبنا العربي.

    ونستنتج من كل ماسبق أن محاولات النظر إلى المقدمة الطللية من عيون فرويد أو فالتر براون أو منحاول التقريب ودراسة هذه المقدمة دراسة أسطورية قد وقع في الخطأ. وأرى أن تفسيرابن قتيبة هو الصواب بعينه مع عدم إغفال الوحدة الموضوعية في القصيدة الجاهلية،برغم تعدد لوحاتها، وهذا يعني أن الشاعر الجاهلي كان يرمز في شعره بطريقة فنية لهاوقعها في أذن المتلقي، وهذا ما أراده ابن قتيبة، وهناك عدة أسباب تؤكد ذلك منها:

    1- أن معظم الشعراء الجاهليين كانوا يتكسبون بشعرهم ولم يكونوايهدفون إلى ترسيخ مفهوم ديني معين، ولم يتطرقوا إلى المعتقدات إلا ما ندر.

    2- لم يكن الإنسان الجاهلي يدافع عن مبدأ ديني، أو فكرة أسطوريةما، ويحاول تدعيمها، ولم تكن هناك مدارس تحاول ترسيخ مفاهيمها، على حساب مدارس أخرى.

    3- ولد الشاعر الجاهلي في قبيلة تهتم بنسبها وقوتها وتتفاخر بذلك،وكان يذود عنها ويهجو من عاداها.

    4- أن طبيعة الحياة الجاهلية وواقعها وقسوتها جعلت من الشاعرالجاهلي في كثير من الأحيان مندهشا وضعيفا، وهذا الشعور لديه قد تحول شعراً، يصفهذا الواقع فكان خيال الشاعر مادياً، ولم يكن يبحث في أساطير القدماء ويحاولمحاكاتها.

    5- وهناك دليل آخر لا يقل أهميةً هو: أن الإنسان الجاهلي بعامةٍوالشعراء بخاصة لم يندمجوا مع الأقوام الأخرى ولم يأخذوا عاداتهم ودياناتهم، حيثأن العربي حافظ على معتقداته أمام كل الأفكار والديانات التي كانت موجودة فيبيئته؛ كاليهودية؛ والنصرانية، والمجوسية، وغيرها.

    6- أن ابن قتيبة قرن تفسيره بواقع الحياة الجاهلية؛ إذ كان هدفالشاعر من مديحه أن يؤثر في ممدوحه لكي يحصل على المكافأة، ولم يكن هدفه نشر ديانةأو فكر معين.

    7- لو كان الشاعر الجاهلي يقصد تفسيراً أسطورياً في مقدمتهالطللية لما استمر شعراء المسلمين على نهج من سبقهم.

    8- أن ما يثبت أن الشاعر الجاهلي كان مادياً هو أن معظم النساءالتي ذكرت في شعرهم، كانت معروفة لديهم ففاطمة امريء القيس كانت ابنة عمه وأُمامةعند النابغة كانت ابنته، وهريرة وقتيلة عند الأعشى كانتا جاريتين معروفتين.

    ولستبصدد تحليل هذه الدراسات أكثر من ذلك، لأنها لا تخدم بحثي؛ لذلك اكتفيت بهذا الحدفي هذا الباب، راجيا أن أكون قد أعطيته حقه. وسأنتقل لدراسة بعض ملامح المقدمةالطللية في معلقتي زهير بن أبي سُلمى والنابغة الذبياني.

    تعليق

    • خالد حجار
      أديب وكاتب
      • 06-12-2008
      • 99

      #3

      - زهير بن أبيسلمىت:(13ق.ه)

      نبذة عن حياته:"هو زهير بن أبي سُلمى ربيعة بن رباح المزني، من مضر. حكيمالشعراء في الجاهلية، وفي أئمة الأدب من يفضله على الشعراء كافة. قال ابنالأعرابي:كان لزهير من الشعر مالم يكن لغيره: كان أبوه شاعرا، وخاله شاعرا، وأختهالخنساء شاعرة. ولد في بلاد مزينة بنواحي المدينة ، وكان يقيم في الحاجر (من ديارنجد) واستمر بنوه فيه بعد الإسلام. قيل: كانينظم القصيدة في شهر وينقحها في سنة فكانت قصائده تسمى(الحوليات)، أشهر شعره معلقته التيمطلعها :
      أمن أم أوفى دمنة لم تكلم
      بحومانة الدراج فالمتثلم

      ويقال أن أبياته التي في آخرها تشبه كلام الأنبياء".([1])

      المقدمة الطللية فيمعلقة زهير([2]):

      أمـن أم أوفى دمنةلـم تكلم
      بحـومــانـة الدراج فالمتثلمِ([3])

      ديـارٌ لهـا بالرقمتين، كأنـها
      مـراجِع وشمٍ في نواشر معصم

      بهاالعينُ والأرآم يمشين خِلفةً
      وأطلاؤها يَنهضنَ مـن كلِ مجثمِ([4])

      وقفتُ بها مـن بعدعشرين حجة
      فلأياً عـرفتُ الدار بعد توهمِ

      أثافيَّ سُفعاً في معرس مرجلٍ
      ونؤياً كجـذمِ الحوضِ لم يتثلمِ([5])

      فلما عرفتُ الـدار قلت لربعها
      ألاانعم صباحاً أيها الربـعُ واسلمِ

      تبصر خليلي هل ترى منظعائنٍ
      تحملنَّ بـالعلياءِ مـن فوق جرثمِ([6])

      جعلنَّ القنان عن يمينٍوحزنهِ
      وكم بالقنان مـن محلٍ ومحرمِ([7])

      وعالينَ أنمـاطــا عِتاقا وكِلةً
      وِراد الحواشي لونها لون عندمِ([8])

      ظهرنَّ من السوبانِ ثم جزعنهُ
      على كـل قينيٍّ قشيبٍ ومُفأمِ([9])

      ووركنَ في السوبانِيعلونَ متنهُ
      عـليهنَّ دلُّ الناعــم المتنعمِ

      كأن فتات العهنِ في كـل منزلٍ
      نزلن بـه حبُّ الفنا لـم يُحطمِ

      بكرن بكورا واستحرنَ بسُحرةٍ
      فهنَّ ووادي الـرَّسِ كاليد للفمِ

      فلما وردن المـاء زرقا جمامه
      وضعن عصي الحاضر المتخيمِ

      وفيهنَّ مـلهى للطيف ومنظرٌ
      أنيقٌ لعـين الناظـرالمتوسمِ

      لقد كان الوقوف علىالأطلال عادة مألوفة لدى شعراء العصر الجاهلي، فكل المعلقات قد حوت هذا النمط منالمقدمات. والذي يتعمق في الشعر الجاهلي يجد أن معظم الشعر الذي وصلنا من ذلكالعصر لا يخلو من مقدمة يكون موضوعها إما البكاء على الأطلال، وإما الحديث عنالخمرة أو مخاطبة المرأة. وهذا إن دل على شيء فإنما يدل على أن الشعر العربيالقديم كان لا يخلو من الرمز ويتميز بعدم المباشرة في الموضوع. إن ما نستنتجه منهذا أن استخدام الرمز قديم قدم الشعر،ويمكن للباحث أن يستدل على ذلك من معظم الشعر الجاهلي، فلو أخذنا بيتا من شعر زهيرمثلا وليكن هذا البيت:

      فلما وردن الماء زرقاجمامه
      وضعن عصي الحاضر المتخيّم

      إذ ليس من المعقولأن يكون زهير قد وقف على الأطلال وشاهد تلك الحسناوات بل وشاركهن مسيرتهن حتى وصلنالماء النقي الصافي وخيمن هناك، فالشاعر هنا استخدم الرمز ليدل على حالة الاستقراروالطمأنينة بعد مسيرة من المشاق والمخاطرة التي قطعنها تلك الحسناوات، لا سيما إذاما عرفنا أن موضوع القصيدة هو: مدح هرم بن سنان والحارث بن عوف، اللذين تكفلا دياتقتلى حرب داحس والغبراء. لقد رمز زهير إلى المشاق التي تكبدتها الحسناوات فيرحلتهن إلى الحرب، ورمز للوصول إلى المبتغى، وهو الماء الصافي والاستقرار عنده،إلى حالة السلم الذي سيأتي بعد الصلح .

      لقد كانت الصورةالفنية التي رسمها الشاعر الجاهلي صورة متحركة في قصيدة حروفها ساكنة، إنَّ منيقرأ مقدمة زهير الطللية يجد أنها تتحرك موازية تحرُكَ هرم بن سنان والحارث بنعوف، ولكن بصورة ابتدعها الشاعر بطريقة غير مباشرة، فهو بحق يستحق أن يكون حكيمالشعراء لحكمته وحسن إبداعه ونسجه .

      ب- النابغة الذبياني ت:(18ق.ه )

      نبذة عن حياته:"هو زياد بن عمرو بن معاوية بن ضباب بن جابر بن يربوع بنغيظ بن مرة بن عوف بن سعد بن ذبيان بن بغيض بن الرَّيث بن غطفان بن سعد بن قيس بنعيلان بن مضر بن نزار بن معد بن عدنان" .([10])

      وفي الموسوعة الشعرية:"شاعر جاهلي منالطبقة الأولى من أهل الحجاز، كانت تضرب له قبة من جلد أحمر بسوق عكاظ، فتقصدهالشعراء، فتعرض عليه أشعارها،وكان الأعشى وحسان والخنساء ممن يعرض شعره علىالنابغة. كان حظيَّا عند النعمان بن المنذر حتى شبب في قصيدة له بالمتجردة(زوجةالنعمان)فغضب النعمان، ففر النابغة ووفد على الغسانيين بالشام،وغاب زمنا. ثم رضيعنه النعمان فعاد إليه. شعره كثير، وكان أحسن شعراء العرب ديباجة، لا تكلف في شعرهولا حشو.عاش عمرا طويلا" .([11])

      المقدمة الطللية في معلقة النابغة([12] ):

      يـا دار ميَّةَ بـالعلياءِ فـالسَّندِ
      أقـوتوطـال عليها سالـف الأبد([13])

      وقفتُ بهـا أصيلاً كي أُسائلها
      عَيَّت جوابا ومـا بالربع من أحدِ

      إلَّا أواريَّ لأيـا مــا أُبينهـا
      والنؤي كالحوضِ بالمظلومةِ الجلدِ([14])

      ردت عـليه أقـاصـيـه ولـبَّده
      ضرب الوليدة بالمسحاةِ في الثأدِ([15])

      خَلَّت سبيل أتيٍ كــان يحبسه
      ورفَّعته إلى الِّسجفينِ فــالنَّضدِ([16])

      أضحت خلاءً وأضحىأهلها احتملوا
      أخنى عـليها الذيأخنى على لُبد([17])

      فَعدِ عمَّا ترى إذ لا ارتجاع له
      وانمِ القتود عـلى عيرانةٍ أُجُـدِ

      قال النابغةالذبياني هذه القصيدة يمدح النعمان بن المنذر ملك الحيرة ومعتذرا له مما وشى عليهبنو قريع في أمر المتجردة (زوجة النعمان) ولكنه لم يبدأ بمديحه وتعذره إلا بعد أنوقف على طلل ميَّة. ومن طريف القول أن النابغة في آخر بيت في مقدمته الطللية الذييقول فيه:

      فعدِعما ترى إذ لا ارتجاع له
      وانمِ القتودعلى عيرانةٍ أُجدِ

      فكأن أبا أمامة ينهى نفسه عن الاستمرار في الوقوف طويلا ويحثهاعلى ركوب الناقة للسفر إلى النعمان، فهذاالوقوف لا يجدي نفعاً. وكأن هذا المعنى قد شابه معنى بيت لأبي نواس لولا أن أبانواس كان ساخرا في بيته الذي يقول فيه:

      قللمن يبكي على رسم درس
      واقفا ما ضرَّلو كان جلس

      تشابه مقصدالشاعرين في المعنى وهو العزوف عن البكاء على الطلل ولكن الأسلوب اختلف فيمابينهما؛ فأبو نواس يسخر من الوقوف علىالطلل بطريقة زاجرة، والنابغة يدعو نفسه بعد أن وقف، إلى العزوف عن الوقوف، والذهابإلى النعمان بن المنذر.

      ثانياً: تأثير الشعوبية في المقدمة الطللية

      الشعوبية: هينزعة قومية فارسية،تتفاخر بالفرسوتراثهم وتاريخهم، وتزدري العرب وحياتهم وثقافتهم وتاريخهم. نشأت في العصر العباسيالأول، وكان على رأسها شعراء من عظماء شعراء ذلك العصر.

      وصفت الشعوبيةبتطرفها، ومحاربتها فكرياً لكل ما هو عربي. "برز الشاعر إسماعيل بن يسار كأحدقادتها في بداية ظهورها، وقد روي عنه قوله:

      رُبَّ خـالٍ مُتوَّجٍ لي وعـمٍّ
      مـاجـدٍ مجتدٍ كـريم النصابِ

      إنـَّما سُمـيَّالفوارس بالفر
      سِ مـُضاهـاة رِفعةِ الأنسابِ

      فاتركي الفخر يا أُمام علينا
      واتركي الجور وانطقيبالصوابِ

      واسألي إن جهلتِ عناوعنكم
      كيف كنا في سالف الأحقاب

      إذ نـُربـي بناتنا وتـدسو
      ن سِفاهاً بناتكم فيالترابِ

      فقال رَجلٌ من آل كُثير بن الصلت: إن حاجتنا لبناتنا غيرحاجتكم، فأفحمه. يريد أن العجم يربون بناتهم لينكحوهن، والعرب لا تفعل ذلك".([18]) هذا الحوار إن دل فإنما يدل على مدى التعصب الذي المَّبالطرفين، فجعل العربي يدافع عن الوأد أمام الفارسي، ونسي الدين الذي نهى عن تلكالعادة.

      "وأهم شاعر أوقد نيران هذه الخصومة (بين العرب والفرس)وظل يمدها بحطب جزل من شعره هو بشار بن برد"0([19]) فها هو يقول:

      هل من رسولٍ مُخبرٍ
      عني جميع الـعَربِ

      مـن كان حياًمنهمُ
      ومن ثوى في الُتُربِ

      بــأنني ذوحَسبٍ
      عالٍ على ذي الحَسَبِ

      جدي الذي أسموبه
      كسرى وساسان أبي

      وقيصرٌ خـاليإذا
      عددتُ يـوماً نَسبي

      إنَّـا ملوكٌ لمنزلْ
      في سالِفات الحقبِ

      وهذا أبو تمام يقول لمن يبغض العرب:

      أتبغض جوهر العربالمُصفى
      ولم يبغضهمُ مولى صريحُ

      ومـالـك حيلةٌ فيهم فتُجدي
      عليك بلى تموتُفتستريحُ

      لقد وصل الصراع الفكري أوجه عندما بلغ حدالشتم، بل ومقاطعة الأطعمة "وكانت زمزم زمن جرهم، وهو أول من ثرد الثريد بعدإبراهيم عليه السلام - وعاب بعض الشعوبية العرب باتخاذ الثريد- قال: فأرادت العربألا يبطل عليهم ذلك فثردوا فيه، قال: وليس من طعام العجم. قال حصين لفيروز: أحب أنأتغذى عندك، قال فيروز: فما تشتهي؟ قال ثريداً، قال إني أكره أن أضع على مائدتيطعام الكلاب ولكني أتحمل ذلك لك".([20])

      ويعلل ضيفشعوبية أبي نواس قائلاً:" أنها ترجع إلى شغفه بالخمر وعكوفه على المجون،وإعجابه بالحضارات الأجنبية، فهي شعوبية ناشئة عن الاستمتاع بالملذات، وكانيبتغيها ما وجد إليها سبيلا، ويجعلها غاية الغايات من حياته. وقد مضى يصور ذلكبدعوته إلى الانصراف عن الحياة المتبدية الخشنة وما يتصل بها من بكاء الأطلالوالوقوف برسوم الديار إلى الحياة الناعمة المترفة، وما يتصل بها من النشوة بالخمروالغلو بالشراب والإغراق في اللذات، وله في ذلك أشعار كثيرة. وينبغي أن نعرف أنالروح العربية على الرغم من الشعوبية ظلت شامخة مسيطرة يسندها الخلفاء وزعماءالعرب ،من الولاة والقواد ومستشاري الدولة والفقهاء والمحدثين وعلماء اللغة، ورواةالشعر".([21])

      نستنتج من كل ماسبق أن الشعوبية بتطرفها حاولت محاربة العرب بكل شيء، فلا غرابة أن يحاربالشعوبيون الوقوف على الأطلال، لا لشيء فقط لأنه عادة عربية قديمة. وما من شك أنالشعوبية أوجدت البديل للوقوف على الأطلال، وهو المقدمة الخمرية، والسؤال الذييطرح نفسه هنا: هل المقدمة الخمرية مناسبة لكي تحل محل المقدمة الطللية في ذلكالعصر؟ والصراحة أنها تبدو كذلك، إلا في حالات ، وللإجابة عن السؤال السابق عليناأن ندرس الحياة العباسية بجوانبها المختلفة. فلقد نقل التاريخ عن العصر العباسيكثيراً، حيث وصل التقدم العلمي والحضاري والمدنية والعمران أوجه في تلك الحقبة،فكان الترف والمجون والغناء واللهو، وكان رغد العيش والقصور والجواري، وحسبنا أننصف من يبذر أمواله في غير حق بأنه يتبغدد نسبة إلى بغداد الرشيد، ومن يتتبعالمزيج الحضاري، الذي وُلد من رحم اندماج الثقافات كافة في الثقافة العربية والذيأطلق عليه الباحثون اسم التزاوج الحضاري. من كل هذا نجد أن التغيُّر الذي حدث قدحدث في سائر مناحي الحياة، ولم يعد الشاعر العباسي يتذكر الأطلال والرسوم، فحياةالاستقرار والتمدن قد وقفت سداً منيعاً أمام رياح الشمال والجنوب التي كانت تعفيالطلول، ومنعت البدوي من الرحيل بحثاً عن الكلأ والماء، والحرية الفكرية ورغدالعيش قد جعلا الشاعر يذهب إلى الملاهي ويتغنى بالخمرة، ويتغزل بالجواري والغانيات.

      ولأننا نجد في الطبيعة دائما الشيء ونقيضه، فقد وجدنا فيهذا العصر من يمتنع عن المقدمة الخمرية تدينا وزهداً كأبي العتاهية مثلاً. ووجدناكذلك من يبتدىء بالمقدمة الجاهلية تقليداً للتراث وإحياءً له، وربما فيأحيان أخرى ليبدو متميزاً عن غيره. أو كردة فعل ضد الشعوبية.

      إن المتتبع للشعرالعباسي يجد أن الشاعر العباسي قد ابتدأ شعره بعدة أشكال منها: المقدمة الطللية،والمقدمة الخمرية - وهذا يثبته ما تقدم من شعر أبي نواس وشعر ابن المعتز- وابتدأبعض الشعراء بالحكمة كالمتنبي عندما قال في مطلع إحدى قصائده:

      الرأيقبل شجاعة الشجعان
      هو أول وهي المِحلالثاني

      لقد تأثرالشاعر العباسي بعصره وما فيه من تمدن وحضارة فابتدع العديد من الأمور التي وسمتالشعر العباسي بصفاتٍ غيرته عن ما سبقه ومنها: إكثاره من استخدام المحسناتالبديعية والزخارف اللفظية فزيَّن بها شعره، وتعمق في التشابيه وألوانها الخلابة،وسار وراءها حتى تكلف في ذلك. فهذا أبو تمام لا تخلو قصيدة من قصائده إلا وتكلفبها البديع بشتى أنواعه وشاهد ذلك قوله: وأغن من دُعج الظِباء مُرَبَّبٌ بُدِّلنَ منهُ أغنُ غير مُربَّبِ

      قـالـت وقـد أعـلقتُ كفيكفَّها
      حِلاً ومـا كلالحلالِ بطيِّب

      فنعمتُ من شمسٍ إذا حُجبت بدت
      مـن نورها فكأنها لم تُحجبِ

      إنسيَّةٌ إن حُـصِّـلـت أنسابـها
      جِنيَّة الأبوينِ مـا لم تُنسَبِ

      إذن لم تكنالشعوبية لتنتصر على المقدمة الطللية لولا أن التغير الحضاري والتمدن والرقيوالازدهار الذي كان في ذلك العصر ساعدها على ذلك، ومن المؤكد هنا القول أن العربي،هو أول من بدأ التغير قبل الشعوبي في تلك الحقبة وقبلها؛ فالشعراء الأمويون كثيراًما تغنوا بالخمرة في بداية قصائدهم، وهذا ما يثبت حديثنا.

      لقد أثرتالشعوبية على الشعر العباسي من حيث المبالغة بالمجون واللهو، وابتدعت التغزلبالغلمان الذي لم يعرفه العرب من قبل في شعرهم. كذلك كان الصراع بين الحضارةالفارسية القديمة والعربية قد نمَّى شعر القومية بين الطرفين ( العربي والفارسي)فكان الكل ينتصر لقوميته وتاريخه وتراثه، سواء كانت وسيلته الشعر أم النثر.([22])

      إن ما يثبت أنالشعوبية كان تأثيرها ضعيفاً في التغيُّر الذي حدث على المقدمة الطللية هو أنالحضارة الأندلسية واكبت العصر العباسي، ولم تظهر عندهم الشعوبية، وبالرغم من ذلكانتشر اللهو والمجون والتغزل بالغلمان ، وهذا إن دل على شيءٍ فإنما يدل على أن هذهالصفات هي نتاج الحضارة ورغد العيش، والاستقرار ورفاهية المجتمع، والتي لا تدركإلا بالتحرر والانفتاح، وقبول الرأي الآخر والتعدد، وعدم الانغلاق، وهذا ما حدثفعلاً في المجتمعين العباسي الأندلسي، حتى وصل بهم الأمر إلى تحرير المرأة، فكانتالطبقة الأرستقراطية متحررة إلى أبعد الحدود، فهذه ولادة بنت الخليفة المستكفيبالله تطرز على ثوبها بيتين من الشعر فيهما قمة المجون دون وجل فتقول)[23](:

      أنـا واللهِ أصلح للمعالي
      وأمشي مشيتي واتيه تيها

      أُمكِّنُ عاشقي من صحنِ خدي
      وأهدي قبلتي من يشتهيها



      ([1]) الموسوعة الشعرية العربية على الموقع الإلكتروني: www.cultural.org.a.e

      ([2]) التبريزي: شرح المعلقاتالعشر، دار الآفاق، بيروت، 1980، ص162

      (3) الدمنة:آثار الناس وما سودوا بالرَّمادوغيره ،فإذا اسود المكان قالوا : قد دمن. وحومانة الدراج والمتثلم:اسماء أماكن

      (4)العين : البقر ، الارآم : الظباء ،اطلاؤها: أبناؤها ، المجثم : الموضع الذي يجثمفيه

      [5]-الأثافي: الحجارة التي توضع عليها القدر على الموقد، المرجل:القدر ، لم يتثلم:أي قد ذهب أعلاه ولم يتثلم باقيه

      [6]- الظعائن: النساء في الهوادج ، العلياء:بلد، وجرثم:ماء لبني أسد

      [7]- القنان: جبل لبني أسد، الحزن: الموضع الغليظ

      [8]-العتاق: الكرام، والوراد: التي لونها إلى الحمرة

      [9]- قيني: منسوب إلى بني القين، مفأم: واسع

      [10]- التبريزي: شرح القصائد العشر، دار الآفاق الجديدة، بيروت، ط4،1980 ،ص446

      [11] - الموسوعة الشعرية.a.e www.cultural.org

      [12]- التبريزي: شرح المعلقات العشر، ص446

      [13]-أقوت:خلت من أهلها،الأبد:الدهر

      [14]-الأواري:الأواخي التي تحبس بها الخيل،واللأي:البطء

      [15]-أقاصيه:ما شذ منه،ولبده:سكَّنه،الوليدة : الأمة ،المسحاة: مجرفةمن حديد

      [16]-الأتي:النهر الصغير، السجفان: ستران رقيقان يكونان في مقدمالبيت

      [17]-الخنى:الفساد والنقصان

      ([18]) الأصفهاني.أبو الفرج: الاغاني، التونسية للنشر، تونس، المجلدالرابع، ص412

      ([19]) ضيف: العصر العباسي الأول، ص77

      ([20]) العسكري. أبو هلال: الأوائل، دار العلوم، الرياض،1980 ،ص8

      ([21]) ضيف : العصر العباسيالأول، ص78

      ([22]) للمزيد في هذا الشأن يمكن مراجعة العقد الفريد لابن عبد ربه الاندلسي، كتاب اليتيمة في النسب، تحت عنوان : رد ابن قتيبة على الشعوبية، ورد الشعوبيةعلى ابن قتيبة . وكتاب البيان والتبيين للجاحظ ، باب العصا

      ([23]) السيوطي . عبد الرحمن :نزهة الجلساء في أشعار النساء،مكتبة القرآن،القاهرة،ط1،ص63

      تعليق

      • خالد حجار
        أديب وكاتب
        • 06-12-2008
        • 99

        #4

        أ- أبو نواس :( 146 -198 ه)

        نبذة عن حياته([1]):"الحسن ابن هانيء بن عبد الأول صباح الحكمي بالولاء. شاعرالعراق في عصره. ولد في الأهواز من بلاد خوزستان ونشأ بالبصرة، ورحل إلى بغدادفاتصل فيها بالخلفاء من بني العباس، ومدح بعضهم، وخرج إلى دمشق ومنها إلى مصر، فمدحأميرها، وعاد إلى بغداد وأقام بها إلى أن توفي فيها.

        كان جده مولىللجراح بن عبد الله الحكمي، أمير خوزستان، فنُسب إليه. وفي تاريخ ابن عساكر أنأباه من أهل دمشق وفي تاريخ بغداد، أنه من طيء من بني سعد العشيرة

        هو أول من نهج للشعرطريقته الحضرية وأخرجه من اللهجة البدوية. وقد نظم في جميع أغراض الشعر، وأجودشعره خمرياته".

        لقد اختلف الباحثون في نسبِ أبي نواس حيثأورد د.شوقي ضيف أن:" بعض المعاصرين يظن أن أبا أبي نواس من الشام بينما ذهببعضالأقدمين إلى أنه عربي وتمادوا فصنعوا له نسبا في بني سعدالعشيرة ،والصحيح انه كان مولى فارسيا منموالي الجراح بن عبد الله الحكمي والي خرسان لعهد عمر بن عبدالعزيز، ويظهر أنه انتظم في جند الخلافة،وقد نزل مع فريق منهم بالأهواز في عهدمروان بن محمد سنة: (127-131 ه)". ([2])

        والباحث مع د.شوقي ضيف في هذا الرأي إذ ليس من المعقول أن يكونأبو نواس عربيا، ويكون شعوبيا، والذي يقرأ شعر أبي نواس يجد أنه يزدري العرب وحياتهمبل ويفضل عليهم الفرس

        من قصيدة أبي نواس)[3](:

        عـاجالشقي عـلى دارٍ يُسائلها
        وعُجـتُ أسأل عـن خمارةِ البلدِ

        لايرقئ الله عيني من بكى حجراً
        ولاشفى وجد من يصبو إلى وتدِ

        قالوا ذكرت ديار الحي مـن أسد
        لا در درُك قـليمـن بنو أسد

        ومـنتميمُ ومـن قيسٌ وإخوتهم
        ليسالأعاريب عند الله مـن أحدِ

        دع ذا عدمتك، واشربها معتقةً
        صفراء تعنِق بين الماء والزبد

        كم بين من يشتري خمراً يلذ بها
        وبين بـاكٍ عـلى نؤيٍ ومنتضدِ

        لو كـان لومُك نصحاً كنتُ أقبله
        لكن لومك محمول عـلى الحسدِ

        لقد اخترت هذهالقصيدة من ديوان أبي نواس من بين عشرات القصائد التي تدور في المعنى نفسه ،فأبو نواس لم يكتفِ بعدم الوقوف على الأطلال فقط، بل هاجم من يقف على الطلل، مفضلاًعلى ذلك الخمرة التي طالما تغنى وتغزل بها. إن ثورةَ أبي نواس على المقدمة الطلليةوبهذه الصراحة المتناهية، والتي يظهر فيها شتمه للعرب وعاداتهم، هي نتاج معتقداتهالشعوبية التي تزدري العرب وتحقِّرهم، وترفع من الفرس، كيف لا وهو القائلُ:

        فأين البدو من إيوانكسرى
        وأين من الميادينِ الزُروبُ([4])



        ب- ابن المعتز:( 247- 296 )

        "هو عبداللهبن المعتز، الخليفة العباسي، ولد في بغداد ونشأ فيها، بعيداً عن البلاط ودسائسه، حتىاستخلف المقتدر، وثار عليه بعض رؤساء الجند والكتاب، فخلعوه وحملوا ابن المعتز إلىالعرش وبايعوه بالخلافة،ولقبوه المرتضى بالله. غير أن خلافته لم تدم إلا يوماوليلةً، ذاك أن أنصار المقتدر لم يلبثوا أن تغلبوا على أنصاره وفتكوا بهم، وأعادواصاحبهم إلى عرشه، ففر ابن المعتز واختبأ في دار ابن الجصاص، التاجر الجوهري، فأخذهالمقتدر وسلمه إلى مؤنس الخادم، الذي مثَّل دوراً شهيراً في أيام العباسيين، فقتلهُ،وبعثبه جثةً هامدة إلى أهله، فلفوه بكساءٍ ودفنوه بخربةٍ قرب داره".([5])

        قصيدة لابن المعتز:

        معشر الكرام([6])

        لمـندارٌ وربعٌ قـد تعفَّى
        بنهرِ الكرخ مهجورُ النواحي

        إذامـا القطر حلاهُ تلاقت
        على أطلاله هـوج الرِّياح

        مَـحاهكـل هطالٍ مُـلِـحٍ
        بـوبلٍ مثلِ أفـواهِ اللقاح

        فباتَ بليلِ بـاكيةٍثـَكـولٍ
        ضريرَالنجمِ مُتهم الصباح

        وأسفرَبعد ذلك عـن سماءٍ
        كـأن نجومها حَدقُ المِلاحِ

        سقى أرضاً تحلُّ بها سُليمى
        ولاسقّى العواذل واللواحي

        مهفهفةٍلها نظرٌ مـريضٌ
        وأحشاءٌ تضيعُ مـن الوشاحِ

        وفتيانٍكهمِك مـن أناسٍ
        خِفافٍ في الهُدوِّ وفي الرواحِ

        بعثتهمُعـلى سفرٍ مَهيبٍ
        فما ضربوا عليهم بـالقِداحِ

        إلى أن يقول:
        وأعـداءٍ دَلفتُ لهم بجمعٍ
        سريع الخطوِ في يوم الصياحِ

        وكنَّا معشراً خُلقواكراماً
        نَرى بذل النفوسِ منالسماحِ

        دَعونـاظالمينَ فما ثُكلنا
        وجِئنا فاقترعـنا بـالصِّفاحِ

        وغـاديناهمُبالخيل شُعثا
        نُثير النَّقعَ بـالبلدِ المـراحِ

        وفرسانٍيرون القتل غُنماً
        فما لهـمُلديهِ مـن براحِ

        وينهي ابن المعتز قصيدته بهذين البيتين:

        إذا مـا قل مالي قل مَدحي
        وإنْ أُثريتُ عادوا في امتداحي

        وكمذمٍّ لهم في جنبِ مَدحٍ
        وجِـدٍّ بين أثـنـاءِ المـِزاحِ

        "ولم يكنشاعرنا ممن يقيد قريحته بموضوعٍ واحد، وإنما كان يطلق لها الحرية،فتتنقل من موضوعإلى آخر؛ ولمَّا لم يكن له من عبقريته ما يسنّي له الابتكار والتوليد، حمل نفسهعلى التوكؤ على آثار الأقدمين، ومن سبقه من المولدين، فنراه مثلا في وصف الربوعالخالية ووصف الفرس والمطر يتقفى خطى أمريء القيس؛ويسير في وصف الخابية الكلفاء،والكرمة ومياهالفرات التيتسقيها على خطى الأخطل، ويتأثر ابن أبي ربيعة في زيارتهالليلية، وأبا نواس في وصف مجالس اللهو، والخمرة وكؤوسها، والصيد وكلابه؛ غير أنهوإنْ لم يلحق بمن أخذ عنهم كان يحلي ما أخذه بجمالِ تشابيهه، ويزينه برشاقةتعابيره المزوقة" ([7])

        إن مُتتبع هذه القصيدة يجد أن ابن المعتز نَهَجَ نَهْجَالأقدمين، فابتدأ قصيدته بالسؤال عن أطلال سُليمى ووصفها، ومن ثم الانتقال إلىمواضيع شتى، ولم يكتفِ ابن المعتز بتقليد الأقدمين في شكل القصيدة فقط، بل إنهتمادى حتى في معانيه؛ فقد استقى بعضها من معلقة عمرو بن كلثوم، فمثلاً قوله:دعونا ظالمين فما ثُكلنا
        وجِئنا فاقترعنا بالصفاحِ

        وقوله:وفرسانٍ يرون القتل غُنما
        فما لهمُ لديهِ من براحِ

        وكأنه يتشبه بابن كلثوم في قوله:نسمى ظالمين وما ظُلمنا
        ولكنَّا سنبدأ ظـالميـنـا

        بشبانٍ يرون القتل مجداً
        وشيبٍ في الحروبِ مجربينا

        ولم يكتفِ ابنالمعتز بذلك بل ختم قصيدته بأبيات تشبه أبيات زهيرٍ في الحكمة، إذن فابن المعتز مازال على طريقة الأقدمين مُحافظا برغم اختلاف الأزمان وتغير الواقع، وهذا يعني أنهما زال يرى نهج القدماء هو الأفضل، ويفضله على من سواه في شكل القصيدة، وإذا نظرناإلى قصائد ابن المعتز، نجد أنه تشبه بالشعراء المحدثين في خمرياته، التي شابهتخمريات أبي نواس.

        لقد استطاع ابنالمعتز أن يجمع بين نهج القدماء مع استيعاب متطلبات عصره الذي عاشه،وهذا هو التطورالحقيقي المبني على القديم، وليس ذلك الذي ينفي القديم، فهو من جانب يقف علىالأطلال، ويتغنى بالخمرة تارة، ويتعمق في صورته الفنية، ويزخرف شعره بالمحسناتالبديعية دونما تكلفٍ. لا يختلف اثنان على أنَّ بن المعتز كان من فحول شعراء عصره،وهذا يعني أنّ َنهجه لم يكن غريبا على عصره.

        وإذا ما تتبعناشعر ابن المعتز نجده متنوع الأغراض، يتسم معظمه بالجزالة التي تشي بمدى شاعريتهوقدرته اللغوية هذا إضافة إلى فلسفته التي قامت على اللهو والمجون دونما خجل، فهوفي كثيرٍ من قصائده ينهى لائميه الذين يحاولون إبعاده عن الخمرة ومجالس اللهو،وإذا ما وازنَّا ابن المعتز مع أبي نواس في الشخصية نجد أن ابن المعتز لم يتغزلبالغلمان، ولم يكن شعوبيا، ولم يتمرد على المقدمة الطللية ذاك التمرد الذي اشتهربه أبو نواس


        [1]-الموسوعة الشعرية www.cultral.org.a.e



        [2] - ضيف .شوقي : العصرالعباسي الأول، دار المعارف ، القاهرة، ط8 ، ص220



        [3] - أبو نواس : ديوان أبينواس، دار صادر، بيروت، ص181



        ([4]) ديوان أبي نواس،ص37



        ([5]) -ابن المعتز : ديوان ابنالمعتز، دار صادر، بيروت، ص5



        ([6]) ديوان ابن المعتز، ص137



        (1)ابن المعتز: ديوان ابن المعتز، ص6


        تعليق

        • خالد حجار
          أديب وكاتب
          • 06-12-2008
          • 99

          #5

          ثالثاً:
          الموازنة بينالمقدمة في العصرين


          لقد كانت المقدمةالطللية في العصر الجاهلي منتشرة في معظم القصائد، وبالذات قصائد المديح، والمتتبعللشعر الذي وصلنا يجد أن القصائد القصيرة تخلو من المقدمات الطللية، وعادة ما تبدأفي الموضوع مباشرةً، فهذا الأعشى عندما أراد وصف معركة ذي قار قد ابتدأ قصيدتهبهذا البيت ([1]) :

          فدى لبني ذهل بن شيبانناقتي
          وراكبها يـوم اللِّقاءِوقلَّتِ

          ومن المؤكد أنالشاعر الجاهلي كان دائم الترحال مع قبيلته، فكان إذا أراد أن يقول شعراً يستمدمعانيه من واقعه، ومن ثم يصدره بلغة فنية جميلة؛ لذلك لم يخلُ الشعر الجاهلي منوصف للأطلال أو الناقة وغيرها من الأمور التي كان يعيش معها. إن بساطة العيش التيكان يعيشها شاعرنا الجاهلي، كانت لها الدور الأهم في بناء القصيدة الجاهلية،بشكلها الذي عرفناه، وببنيتها وحتى ألفاظها، وهذا لا يمنع أن يُسَخِرَ الشاعرالجاهلي واقعه من أجل رسم صورة فنية رامزة كما حدث مع زهير بن أبي سلمى في مقدمتهالتي سبق الحديث عنها. كل هذا يجعلنا نخلص إلى أن الشاعر الجاهلي لم يكن دائما صريحافي خطابه ولا مباشراً فيه، وهذا ما أكده ابن قتيبة في تحليله للمقدمةالطللية.

          ومن المؤكد أيضاً أن الشعراء مهما اختلفت جنسياتهم ولغاتهموأفكارهم ومعتقداتهم لا بد وأن يلامسوا واقعهم، فالمعاني كما قالوا سابقا علىقارعة الطريق، وهذا يعني أنها في الواقع، "وقد قيل لكُثير: كيف تصنع إذا عسُرعليك الشعر؟ قال: أطوف في الرباع المخيلة، والرياض المعشبة، فيسهل علي أرصنه،ويسرع إلي أحسنه" .([2])

          إن ما يثبت أنالشاعر الجاهلي قد ابتدع المقدمة الطللية من واقعه، ورسمها كما شاء، "قولامريء القيس:([3])

          عوجا على الطلل المُحيل لعلنا
          نبكي الديار كما بكى ابن حُذام

          وهو (أي ابن حذام) رجل من طي لم نسمع شعره الذي بكى فيه، ولاشعراً غير هذا البيت الذي قاله امرؤ القيس".

          وإذا ما عرجنا علىالشعر العباسي نجده استمد معانيه من واقعه بكل ما تعني هذه الكلمة من معنى، فأبونواس كان صادقاً في وصف الشراب والمجون واللهو ومجالسه؛ لأنه كان يحياها، ولكن مايميز أبا نواس عن الشعراء الجاهليين هو: المباشرة في الخطاب، والبعد عن الرمزية،وهذا كما أرى ضعف في الشعر، لقد تتبع الشاعر العباسي المحسنات البديعية، وهذا يعنيأنه فضل اللفظ على المعنى في كثير من الأحيان، على نقيض من الشاعر الجاهلي الذيكان همه إيصال المعنى بعدة وجوه، وعدم المباشرة فيه.

          وإذا ما تتبعنا الشعراء العباسيين نجد أنهم انقسموا إلىاتجاهين هما:

          الاتجاه المحافظ، والاتجاه المحدث، يقول الدكتور هيكل عن الاتجاهالمحافظ الذي ظهر في الأندلس:" وهو الاتجاه الشعري الذي كان قد ظهر في الشرقكرد فعل للاتجاه المحدث الذي تزعمه أبو نواس، والذي خرج بالشعر العربي عن كثير منتقاليده، فجاء هذا الاتجاه ليعيد الشعر إلى طبيعته العربية، وذلك بالاقتراب منالتقاليد الشعرية المأثورة، والتخفيف من تلك الثورة المتمردة التي لجأ إليهاالمحدثون، كل ذلك دون وقوف أو جمود عند ما كان عليه الشعر القديم من سذاجة وبداوة،بل مع سير وتطور يفيدان الشعر مما وصلت إليه العقلية العربية من رقي ومما بلغتهالثقافة العربية من نهوض ومما نعم به المجتمع العربي من حضارة.

          ومن هنا قد جاءهذا الاتجاه محافظا من جانب ومجددا من جانب؛ فهو محافظ في منهج القصيدة ولغتهاوموسيقاها ثم في روحها وأخلاقياتها إلى حد كبير، وهو مجدد في معاني الشعر وصوره،ثم في أسلوبه وجمالياته إلى درجة بالغة.

          فمن حيث المنهجيسير هذا الاتجاه غالباً على الطريقة القديمة في البدء بالبكاء على الأطلال، أو فيالافتتاح بالغزل التمهيدي، ثم الانتقال إلى الغرض الأساسي الذي يسبق بوصف رحلةالشاعر وقد يُتبع بالفخر بشعره".([4])

          إن التجديد الذييتحدث عنه د. هيكل عند أصحاب الاتجاه المحافظ، هو نتيجة حتمية للتطور الحضاري،والمدنية، ورقة العيش ورغده؛ فإذا ما وقفنا على الحياة الجاهلية ، نجد أنَّها كانتبسيطة إلى حد كبير مقارنة بالحياة العباسية؛ وشتان بين من يعيش حياة الباديةبترحالها وقسوتها وقلة إنتاجها، وصعوبة مناخها، وبين حياة المدينة ورغدها،واستقرارها، وكثرة وسائل الترفيه فيها، هذا من جانب، وهناك جانب آخر هو: أن حياةالبداوة تفتقر إلى التعليم والانفتاح والتبادل الثقافي مع الثقافات الأخرى، علىعكس حياة المدينة التي يَأمُها التجار والصناع وكل الفئات والشرائح الاجتماعية.

          كل هذا أدى إلىالتجديد في سائر مناحي الحياة بما فيها الشعر، وهناك من غالى في التجديد وهم أصحابالاتجاه المحدث، وهناك من نادى بالتجديد بطريقة معتدلة، وهم أصحاب الاتجاهالمحافظ. ولكن ما التجديد الذي يتحدث عنه د. هيكل عند الاتجاه المحافظ؟ يقولهيكل:" وقد رأينا أهم جوانب هذا الاتجاه المحافظ الجديدة أربعة وهي:

          1- جانب المعاني والصور وما يجب أن تكون عليه من طرافة وغرابةوجدة...

          2- جانب الأسلوب وما ينبغي أن يجمل به من ألوان البديع وصنوفالمحسنات ...

          3- جانب منهج القصيدة وما يغلب أن يتبع فيه البدء ببكاء الأطلالأو الغزل التمهيدي...

          4- جانب الموسيقى واللغة وما يغلب أن يراعى فيه الجزالة والفخامةوالجلال".)[5](

          أرى أن هيكل قدجانب الصواب هذه المرة بوضعه هذه الجوانب، إذ أن الحد الفاصل بين شعراء الاتجاهالمحافظ والمحدث هو فقط الجانب الثالث ليس إلا، والذي يؤكد ذلك هو قراءتنا للشعرالجاهلي وكذلك لشعر أبي نواس، فحتماً سنجد فيهما جانب الموسيقا جانباً مشرقاًوكذلك جزالة اللفظ وفخامة المعنى، ونجد كذلك الزخرفة البديعية عند أبي نواس بأجملحلة عرفها الشعر، إضافة إلى المعاني الجميلة والطريفة.

          وهذا يعني أن الذي دعانا لتصنيف أبي نواس أنهمحدثاً فقط ثورته على المقدمة الطللية إضافة لمجونه وشعوبيته. وإذا ما تتبعناديوان ابن المعتز نجد أنه تغزل ولهى وشرب الخمر بل وجاهر به كما سبق، ولم يستمعللائميه في ذلك، وخمرياته لا تقل عن خمريات أبي نواس لولا أنَّ أبا نواس قد مزجهابالثورة على المقدمة الطللية.

          لا يختلف اثنان أن المجون يبدأ بالشراب، لذافمعظم شعراء العصر الجاهلي والعباسي قد تغنوا بالخمرة، فهل هناك علاقة جدلية بينالشعر والخمرة؟

          يرى الباحث أنالمقولة القديمة " الشعر إذا دخل باب الخير لان وضعف " أنها صحيحةوالسبب في ذلك عدة أمور لها علاقة بهذاالموضوع ( جدلية الشعر والخمرة) وهي :

          1- أن الشعر مرتبط بالعاطفة كالروح والجسد، فإذا خلا منها مات،والعاطفة تعني ضعف التفكير أمام المشاعر،والخمرة تُذهب العقل فتظهر صوت النفس ليخرج على لسان الشعراء شعراً.

          2- إن ما يفرق الشعر عن النثر ليس الأوزان فقط برغم اعتمادهعليها، ذلك أن الشعر يعني الطرب والغناءومخاطبة المشاعر،وهذا لا يتأتى إلا بالغناء، ولا يغني الإنسان عندما يكون غضباً،أو منشغل التفكير، فما الذي يبعد الإنسان عن التفكير، ويمنحه الصفاء سوى الخمرة؟

          3- وإذا ما تتبعنا الشعر السياسي نجد أنه ضعيفاً لا لشيء، فقطلأنه خلا من العاطفة.

          4- إن أغراض الشعر كافة مرتبطة بالعاطفة؛ فالمديح مرتبط بحبالممدوح واحترامه، والرثاء مرتبط بعاطفة التحسر على الشخص المرثي ومليء بالعاطفة،لذلك فهو دائماً نوع من البكاء، والوصف مرتبط بالإعجاب وهو بالنفس، أما الغزل فهومرتبط بالعاطفة والإعجاب والغريزة وحب الجنس الآخر، لذلك فهو في نظري أروع الشعروأصدقه، والهجاء مرتبط بعاطفة البغض.

          إن جدلية الشعر والخمرة قد وصلت عند الشعراءإلى رفع صوتهم، ضد تحريمها فهذا ابن عبد ربه الشاعر الأندلسي _ وهو ليس شعوبياً-يقول:([6])

          ديننا فيالسماع دينٌ مدينىٍ
          وفي شربناالشراب عراقي([7])

          إنّ السؤال الذي يطرح نفسه هنا لماذا هذاالحديث عن الخمرة وما الذي تعنيه بالنسبة لهذا البحث؟ والجواب هنا؛ لنفي قول منيعتقد أن المجون واللهو والشراب حكراً على أصحاب الاتجاه المحدث، وبهذا أكون قدوضعت خطاً فاصلاً بين الاتجاه المحدث والاتجاه المحافظ، وهو المقدمة الطللية، أوعدم المباشرة بالموضوع الذي يريده الشاعر، فكلما كان الشاعر رامزاً في شعره،يتغلغل في نفس المستمع قبل الدخول في موضوع قصيدته، كان أقرب إلى الاتجاه المحافظ،وعكس ذلك يكون الشاعر أقرب إلى الاتجاه المحدث، أما الحديث عن المعاني والصور فهيمستمدة من الواقع ولا دخل للشاعر في صنعها إذ أنها موجودة في واقعه، والذي يميزالشعراء في ذلك هو مدى امتلاكهم لقوة الملاحظة، وهي ليست موهبة كما هو الشعر.

          وخلاصة القولهنا أن الاختلاف بين الشعراء بوجه عام يعتمد على عدة أمور هي:

          1- العصر الذي عاشه الشاعر، والبيئة التي تواجد فيها، فليلىالأخيلية عاشت العصر الأموي ولكن شعرها اختلف عن شعر الفرزدق؛ بسبب اختلاف البيئة .

          2- العلم الذي تلقوه في بيئتهم، فالأعشى مثلاً لم تكن لديهالنماذج الشعرية التي توافرت للمتنبي، وكذلك لم تكن لديه العلوم التي توافرت لأبيتمام.

          3- الظروف الخاصة التي عاشها كل شاعر؛ فالمهلهل عاش حياة الحرب،والرثاء، فكان دائم البكاء على أخيه كليب، بينما عاش أبو نواس ظروفاً مليئةبالملاهي والمجون ورغد العيش .

          4- الفكر الذي يؤمن به الشاعر ومدى التزامه به، فشعراء التصوفيختلفون عن شعراء المجون

          5- غنى الشاعر أو فقره، حيث أن هذه الأمور تؤثر في مركز الشاعرالاجتماعي ومدى حصوله على الملذات، وهذا ما فرق ابن الشمقمق عن ابن المعتز مثلاً.

          بعد كل هذا أرى أنْ لا شيء يمنع من القول أنالشعراء في كل العصور متساوون في اتجاهاتهم لولا هذه الأمور المذكور.
          عليه يمكن القول أن ما يميز الشاعر العباسي عن الجاهلي أوالعكس عدة أمور أهمها:


          1- تفضيله اللفظ على المعنى، على النقيض من الشاعر الجاهلي الذيفضل المعنى على اللفظ، وهذا صراع قديم وقع فيه أجدادنا، أجد موقفي منه هو: أنه منالأفضل تفضيل اللفظ على المعنى في الشعر،مع أهمية المعنى في اللفظ، حيث أنَّ استخدام المحسنات البديعية يجمل الشعر إذا كانغير متكلف، ولكي تكون اللفظة لها جرسها يجب أن يكون للمعنى دور في إبرازها، أمابالنسبة للنثر فيجب تفضيل المعاني على الألفاظ إذ أن الغاية منه( أي النثر) توصيلالمعنى، مع الاهتمام باللفظ .

          2- لم يكن البيت الشعري في القصائد الجاهلية مكتفياً بذاته فيمعظم الأحيان، إذ لم يكن ينتهي به المعنى الذي أراده الشاعر؛ لذا جاءت القصيدةالجاهلية مقسمة إلى لوحاتٍ فنية مترابطة بعضها مع بعض، وإذا ما نزعنا أي بيت من المقدمة الطللية،مثلاً فإنه لا يكون مكتفياً بذاته. ولنأخذ مثلاً بيتاً من معلقة النابغة الذبيانيالتي بين أيدينا وليكن هذا البيت:

          فعدِ عما ترى إذ لا ارتجاعله
          وانمِ القتود إلى عيرانةٍ أُجُدِ

          فالنابغة إذن يدعونفسه للمسير عن الأطلال؛ لأنها محالٌ أن تعود، فلماذا وقف إذن؟ وهل امتنع النابغةعن الوقوف على الأطلال بعدها؟ أم أن هناك معنى آخر أراده الشاعر؟

          من المؤكد أن أبا أمامة أراد أن يقول للنعمان أن الماضي يذهببلا عودة، وكأنه يقول للنعمان :فعدِ عن الماضي فقد ذهب ولا عودة له، وتعال نبدأ منجديد بعد عفوك عني، وهذا ما تؤكده قصيدته كاملةً.

          بينما لو أخذنابيتاً من الشعر لدى أبي نواس مثلاً وليكن هذا البيت:

          لا جف دمع الذي يبكي على حجرٍ
          ولا شفى قلب من يصبو إلى وتدِ

          نجد أن بيت أبي نواس يمكن أن يكتفي بذاته في المعنى ولا يمكنتأويله لأي معنىً آخر، وهذه الظاهرة قد تعمم على معظم الشعر العباسي.

          إن قارىء القصيدة الجاهلية يجد أنها متعددة اللوحات، ولكنهاتمتاز بالوحدة الموضوعية، بينما تميزت القصيدة العباسية بأنها في معظمها لوحةواحدة؛ لذا كانت من البديهي أن تتميز بالوحدة الموضوعية.

          3-حاول الشاعر العباسيمحاكاة النماذج الجاهلية كابن المعتز مثلاً، ولكنه في رأيي لم يكن موفقاً، لأنه لميرمز في مقدمته الطللية إلى شيء، فقد أراد من ذلك التقليد فقط، وربما تعبيراً عنرأيه بأنه ضد الاتجاه المحدث؛ فابن المعتز لم يكن باكياً على الأطلال والدليل علىذلك قوله: وفتيانٍ كهمِك مـن أناسٍ
          خِفافٍ في الهُدوِّوفي الرواحِ

          بعثتهمُعـلى سفرٍ مَهيبٍ
          فما ضربوا عليهم بـالقِداحِ

          وأعـداءٍ دَلفتُ لهم بجمعٍ
          سريع الخطوِ في يوم الصياحِ

          وكنَّا معشراً خُلقوا كـراماً
          نَرى بذل النفوسِ من السماحِ

          دَعـونـاظالمين فما ثُكلنا
          وجِئنا فاقترعـنا بـالصِّفاحِ

          وغـاديناهمُبالخيل شُعثا
          نُثير النَّقعَ بـالبلدِ المـراحِ

          وفرسانٍ يرون القتل غُنماً
          فما لهـمُ لديهِ مـن براحِ

          فأي فتيانٍالذي بعثهم ابن المعتز؟ ثم هل كان في العصر العباسي قِداح تُضرب؟ هذه عادة جاهليةانتهت بمجيء الإسلام، وأي أعداءٍ الذي ذهب إليهم ابن المعتز وهو في ظل الخلافة،ولم يكن زمنهم الغزو الذي كان في الجاهلية، ولو كان لابن المعتز أعداء لشكاهمللخليفة آنذاك مثلاً، فهو لا يستطيع القتال كما يشاء، ولم نسمع كتب التاريخ تتحدثعن ابن المعتز و وقعاته كما تحدث عن كثيرين من أمثال سيف الدولة مثلا.

          وهذا يعني أنَّابن المعتز قد حاول تقليد الشعر الجاهلي، وزناً ومعنىً ولفظاً؛ لهذا لم يكن ابنالمعتز صادقاً كصدق أبي نواس. فابن المعتز كما ذكرت سابقاً قد حاول تقليد معلقةابن كلثوم حتى في المعنى، برغم اختلاف الظروف والعصور، وهذا ما جعل القصيدة تفتقدإلى عصرها .

          3- لقد تميز الشاعر الجاهلي عن العباسي بأسلوبه المشرق، فإذا كانالشاعر العباسي متميزاً بمحسناته اللفظية، فإن الشاعر الجاهلي بشكل عام تميز بعدمالمباشرة بالخطاب، ومحاولته إيصال المعنى بطريقة رامزة ، كاستخدام الطلل و المرأة وتسخيرهمافي إيصال معناه، كما تم توضيحه سابقاً سواء في شعر زهير أو النابغة. وهذه محطاتٌبلاغية ليس من السهل الوصول إليها؛ فرسم لوحاتٍ مختلفة تبدو لأول وهلة، وعند تدقيقالنظر جيداً إليها تبدو غير مختلفة، وهذا في نظري السحر بعينه. لهذا ظل الشعرالجاهلي مشرقاً على مر العصور.

          4- ربما فضل البعض الشعر العباسي لأنه طرق معانٍ جديدة لم يطرقهاالشعر الجاهلي، وهذا رأي أرى أن صاحبه وقع في خطأ؛ لأن جميع المواضيع التي طرقهاالشعراء هي من واقعهم، فلربما لو عاش الشاعر الجاهلي الحياة العباسية لاستخدمالمعاني نفسها التي طرقها الشاعر العباسي، فالمعاني موجودة على قارعة الطريق، ولدىالشاعر الجاهلي أساليبه ووسائله لتحويلها إلى لغة فنية.

          بعد كل هذا أستنتجُ مما سبق أن الشعر يجبأن يتحلى بأساليب الشعر وأوزانه ووسائله كاملة غير منقوصةٍ، وأروع الشعر في نظريهو ما كان رامزاً غير مباشر كما هو الشعر الجاهلي ومُجَمَّلاً بألوان البلاغةالبديعية والبيان كما هو الشعر العباسي ولكن دون تكلف. وطبعاً حديثي هنا مختصٌبالشعر العربي؛ لتميزه بلغته العربية الخالدة.






          ([1]) ديوان الأعشى ، ص85

          ([2]) عبد المطلب: قراءةثانية في شعر امرىء القيس ، ص6

          ([3]) الجُمحي . بن سلام : طبقات فحول الشعراء ، دار المعارف،القاهرة ، 1952 ، ص30

          ([4]) هيكل.أحمد: الأدب الأندلسي،من الفتح إلى سقوطه، دار المعارف، مصر، ط7، ص94 -95

          (1)هيكل:الأدب الأندلسي من الفتح إلى سقوطه،ص200

          ([6] ) هيكل: الأدب الأندلسي ص209

          (2 ) يريد أن يشير الشاعر أنه على مذهب مالك فيإباحة السماع، وعلى مذهب أبي حنيفة في إباحة شرب النبيذ

          تعليق

          • خالد حجار
            أديب وكاتب
            • 06-12-2008
            • 99

            #6

            الخاتمة

            الحمد لله الذي وهب لنا هذه اللغة عنوانا ًلكل غيورٍ على العروبة ووحدتها،فأنارت لنا الطريق وجمعتنا كما تجمع الأم أبناءها، وقديماً قال الشاعر:

            لسان الضاد يجمعنا
            بغسانٍ و عـدنـانِ

            وبعد: فقد أردتمن اختياري لدراستي هذه توضيح العديد من الأمور التي اختلطت علينا؛من تطور وتقليدوتغيُرٍٍ حدث على المقدمة الطللية قاصداً بذلك أن أقدم توضيحاً يجعلنا ندرك أيننحن من التطور الآن، وقد قطعنا شوطاً طويلاً برأيي لا نعرف أين نسير فأصبحنامقلدين غير منتجين،ولا مبدعين؛ مما أدى بنا إلى خسران مكانتنا بين الأمم.

            ففي قراءتي للعصرالحالي (التمهيد) بينت العديد من المصطلحات، وتوصلتُ إلى أن ما نحياه اليوم ليستطوراً بل على العكس تماماً، فنحن نعيش التبعية بشتى أنواعها. وأننا بحاجة إلىثقافة ثورية خالصة تخرجنا من الظلمات إلى النور، وتوصلت إلى أن العلاقة التيتربطنا بالثقافات الأخرى هي علاقة التقليد ليس إلا. وبينتُ أن هناك بوناً شاسعاًبين التطور الذي جرى في العصر العباسي والذي هو نتاج للتقدم الحضاري، وبين مانعيشه الآن من تبعية ثقافية مقيتة أوصلتنا إلى التعليم المقلوب.

            تحدثتُ بعدها عنالمقدمة الطللية لغة واصطلاحاً، ثم انتقلتُ لدراسة المقدمة في العصر الجاهلي،وناقشت مجموعة من الآراء التي فَسَرَتْها، وتوصلتُ عندها إلى أنَّ الرأي الأصوب فيتفسير المقدمة الطللية هو رأي ابن قتيبة الذي قال :إن الشاعر الجاهلي كان يتعمدجذب السامع قبل أن يأتي إلى الموضوع الذي يريده حتى يصل لمبتغاه، وبينتُ أن كثيراًمن الآراء الحديثة تعتمد نهجاً خاطئاً في تفسيراتها للمقدمة الطللية.

            ثم أخذت نموذجينمن المقدمة الطللية لشاعرين من العصر الجاهلي هما زهير بن أبي سُلمى والنابغةالذبياني وقمتُ بتحليلهما حيث وصلت إلى أنَّ هناك علاقة وثيقة بين موضوع القصيدةوالمقدمة الطللية فيها، وأنَّ حبائلَ الربطِ كانت تلك الوسيلة الفنية التي كانيغزلها الشاعر في مقدمة قصيدته حيث تسير معه في الطول حتى نهاية القصيدة، فتجمِّلهابالوحدة الموضوعية.

            وفي حديثي عنالشعوبية ومدى تأثيرها على المقدمة الطللية، استنتجتُ أن الشعوبية لم تكن لتنتصرعلى المقدمة الطللية لولا حالة الاستقرار والتمدن والنهضة التي عمَّت ذلك العصر فيكل جوانبه فوقفتْ سداً منيعاً أمام رياح الشمال والجنوب لتمنعها من أن تعفى الرسوموالأطلال، بل لم تعد حياة البادية والترحال موجودة لكي تتواجد الأطلال.

            ولكي تكتمل موازنتي فقد اتخذتُ نموذجين لشاعرينعباسيين هما: أبو نواس وابن المعتز، وتطرقتُ للعديد من الآراء بالنسبة لأبي نواسوحداثته وثورته على المقدمة الطللية، وتوصلتُ إلى أنَّ أبا نواس كان صادقاً فيشعره ومباشراً فيه، وأنّ ابن المعتز قد قلَّد الشعراء الجاهليين في قصيدته التيبين أيدينا.

            أما عن الموازنةبين العصرين (الجاهلي والعباسي) فقد بينتُ أن الشاعر الجاهلي كان يهتم بالمعنىأكثر من اللفظ، وذلك على العكس من الشاعر العباسي، وأن الشعراء يتأثرون ببيئاتهم، وحاولتقدر استطاعتي أن أعطي كل ذي حقٍ حقه، بعد التعمق في واقع كل عصر.

            وفي نهاية بحثي أرجو أن أكون قد وضعتُ يديعلى جرح العربية النازف في هذا العصر، واستـنـبتُ دواءً لهذا الداء من أصالتناوتراثنا وحضارتنا التليدة .

            أستمحيكم عذراًإن زلَّ قلمي، ولم يفصح لساني أكثر من ذلك، فالخطب جلل، والعربية تتعرض لمؤامراتٍلا نهاية لها، والسيوف المشهرة من أجلها تكاد تضعف أمام تيار التبعية الجارف،وأصبح القابض على لغته وتراثه كالقابض على الجمر، وعرين المضرية حُطمتْ أركانهوأصبح مقاماً لذؤبان بني ضلالة، وأخيراً وليس آخراً أقول قول الشاعر:

            فهيا يا بني العربِ
            إلى العلياء بالعلمِ

            وغنوا يا بني أمي
            بلاد العربِ أوطاني

            والله الموفق


            قائمة المصادر والمراجع

            *-الأصفهاني. أبو الفرج: الأغاني،التونسيةللنشر، تونس، المجلد الرابع،1983 .

            *-التبريزي. يحيى بنعلي: شرح المعلقات العشر، دار الآفاق، بيروت، ط8،1980 .

            *-الجُمحي. ابن سلام:طبقات فحول الشعراء، دار المعارف، القاهرة، 1952 .

            *-د.خليف. مي يوسف:الموقف النفسي عند شعراء المعلقات، دار غريب للطباعة والنشر، القاهرة .

            *- السيوطي. عبدالرحمن: نزهة الجلساء في أشعار النساء، مكتبة القرآن، القاهرة، ط1 .

            *- د. ضيف. شوقي:العصر العباسي الأول، دار المعارف، القاهرة،ط8 .

            *- د. عبد المطلب.محمد: قراءة ثانية في شعر امرئ القيس، الشركة المصرية العالمية للنشر، ط1، 1996 .

            *- العسكري. أبوهلال: الأوائل، دار العلوم، الرياض،1980 .

            *- د. عطوي. فوزي:ديوان النابغة الذبياني، الشركة اللبنانية للكتاب،بيروت، 1969.

            *- الفراهيدي. الخليلبن أحمد: معجم العين، دار إحياء التراث العربي، بيروت، ط1، 2001

            *- ابن قتيبة.عبدالله بن مسلم: الشعر والشعراء، دار الكتب العلمية، بيروت، 1985

            *- ابن المعتز: ديوانابن المعتز، دار صادر، بيروت.

            *- ابن منظور. جمالالدين محمد: لسان العرب، دار صادر، بيروت، ط3، 1994 .

            *- د.النعيمي. أحمدإسماعيل: الأسطورة في الشعر العربي قبل الإسلام، سينا للنشر، القاهرة، ط1، 1995 .

            *-د.هيكل. احمد:الأدب الأندلسي من الفتح إلى سقوطه، دار المعارف، مصر، ط7 ، 1979.

            البريد الالكتروني:

            *-www.cultral.org.a.e

            تعليق

            • غالية ابو ستة
              أديب وكاتب
              • 09-02-2012
              • 5625

              #7
              ما علينا بشعراء --------ما زالوا يعيشون في عبيّ شعراء-شعراء الاسترزاق
              بالشعر -------ويبحثون وهم يلهثون عن جائزة نوبل او غيرها من جيوب معادي
              تراثنا-------وإذا كان التراث تخلفاً------فلماذا تحافظ الثقافة الغربية على تراثها وتنشره
              علماً بأن ماضينا هو الاجمل والاعظم ازدهاراً
              لا تهمنا اسماء تدق لها الطبول وإذا هبت الشعوب يكونون ضدها مع ان هبات الشعوب
              تعني القفز عن الحاضر لمستقبل أكثر جمالاً وإشراقاً حتى لو لم يتحقق، فإنها تحركت
              تريد التجديد للأفضل.
              كيف يكون أحدهم مجدداً ويرفض التجديد-------ألأن الحاكم الأقوى ومالك القراروهو
              يريد الأنفع لمصالحه، الحق لا تجزأ!
              من يبشر باندثار العربية مخطئ. العبرانيون وهم ليسوا قدوتنا، ولكنهم يثيرون الإعجاب
              بقوة إرادتهم، واعتزازهم بتراثهم الذي هو عنصري ومشين!
              فكيف نجد من يبشر بزوال لغة حملت مفهوم الحق والعدالة للعالمية----فكلكم لآدم وآدم من تراب
              حتى من آمن بأن آدم من سلالة القرود-------فما أصل القرد ؟
              (وجعلناكم شعوباً وقبائل لتعارفوا)
              و-الحق أن اللغة العربية الآن في الغرب يوضع لها مترجمون
              ويتعلمها البعض بتباه---------------ويفرحون بكلمة يتعلمونها
              وفي الجامعات العبرية من هم متخصصون-------وهي لغة القرآن وسيد الخلق جميعاً اللغة العربية
              لن تندثر -----ومن يبشر بذلك يبشر بفنائه وموتها فيه هو لا غير
              كيف تموت لغة دين يصلي به مليارات المسلمين-------ويحاولون تعلمها------لغة القرآن العظيم!
              لا تخف أستاذي خالد على اللغة العربية-----------لا تخف فإنها خالدة
              تحياتي
              التعديل الأخير تم بواسطة غالية ابو ستة; الساعة 20-09-2012, 16:08.
              يا ســــائد الطيـــف والألوان تعشــقهُ
              تُلطّف الواقـــــع الموبوء بالسّـــــقمِ

              في روضــــــة الطيف والألوان أيكتهــا
              لـــه اعزفي يا ترانيــــم المنى نـــغمي



              تعليق

              • خالد حجار
                أديب وكاتب
                • 06-12-2008
                • 99

                #8
                المشاركة الأصلية بواسطة غالية ابو ستة مشاهدة المشاركة
                ما علينا بشعراء --------ما زالوا يعيشون في عبيّ شعراء-شعراء الاسترزاق
                بالشعر -------ويبحثون وهم يلهثون عن جائزة نوبل او غيرها من جيوب معادي
                تراثنا-------وإذا كان التراث تخلفاً------فلماذا تحافظ الثقافة الغربية على تراثها وتنشره
                علماً بأن ماضينا هو الاجمل والاعظم ازدهاراً
                لا تهمنا اسماء تدق لها الطبول وإذا هبت الشعوب يكونون ضدها مع ان هبات الشعوب
                تعني القفز عن الحاضر لمستقبل أكثر جمالاً وإشراقاً حتى لو لم يتحقق، فإنها تحركت
                تريد التجديد للأفضل.
                كيف يكون أحدهم مجدداً ويرفض التجديد-------ألأن الحاكم الأقوى ومالك القراروهو
                يريد الأنفع لمصالحه، الحق لا تجزأ!
                من يبشر باندثار العربية مخطئ. العبرانيون وهم ليسوا قدوتنا، ولكنهم يثيرون الإعجاب
                بقوة إرادتهم، واعتزازهم بتراثهم الذي هو عنصري ومشين!
                فكيف نجد من يبشر بزوال لغة حملت مفهوم الحق والعدالة للعالمية----فكلكم لآدم وآدم من تراب
                حتى من آمن بأن آدم من سلالة القرود-------فما أصل القرد ؟
                وجعلناكم قبائل وشعوباً لتعارفوا----------الحق أن اللغة العربية الآن في الغرب يوضع لها مترجمون
                ويتعلمها البعض بتباه---------------ويفرحون بكلمة يتعلمونها
                وفي الجامعات العبرية من هم متخصصون-------وهي لغة القرآن وسيد الخلق جميعاً اللغة العربية
                لن تندثر -----ومن يبشر بذلك يبشر بفنائه وموتها فيه هو لا غير
                كيف تموت لغة دين يصلي به مليارات المسلمين-------ويحاولون تعلمها------لغة القرآن العظيم!
                لا تخف أستاذي خالد على اللغة العربية-----------لا تخف فإنها خالدة
                تحياتي
                سيدتي الشاعرة القديرة المبدعة غالية أبو ستة
                العربية الخالدة لا خوف عليها بل الخوف على الامة العربية التي تتقهقر من كافة الجوانب وبالذات الثقافية
                فإذا كانت العروبة ركيزتها الاولى اللسان فإن محاربة اللسان العربي ثقافيا هو جزء من المعركة السياسية الهادفة لشرذمتنا وتمزيقنا برايي طبعا
                اشكرك كل الشكر على مرورك واهتمامك وهذه الروح الثائرة التي تأبى أن تستسلم لكل أشكال الغزو مهما تكالب عليها كل ذئاب الارض
                اليوم يا غالية القابض على عروبته كالقابض على جمر في زمن الردة والتغرب والتبعية والاستسلام للغزو الثقافي
                اجمل التحيات وأعطرها لك ولنبضك الحر ولحرفك المشرق
                مع خالص تقديري
                خالد

                تعليق

                يعمل...
                X