مقدمة
الحمدلله الذي خلقني عربيا،فمنحني فرصة تعرف هذه اللغة العظيمة، فنلت شرف الحديث بها، ومن ثمدراستها، ومحاولتي الغوص في أعماق بحرها. إن هذه اللغة المقدسة العظيمة مثلها كأيشيء مقدس، فهي ليست حكراً على أحد أو ملكاً لأحد، ولكن حرمتها أعظم ، وهي لمنيردها أكرم، وإن الذود عنها جهاد مقدس، والساكت عن الدفاع عنها شيطان أخرس، وهيالكنز الذي لا يبخس، و الطهارة التي لا تُرجَس.
أمابعد: فلقد اختلطت المفاهيم، وشوهت المصطلحات، وأصبح القابض على لغته وتراثه وأصالته،كالقابض على جمر، ومن المؤسف القول: أنه أصبح على العربي الدفاع عن لسانه فوقترابه، وفي عقر داره. لقد بلغ السيل الزبى، وحطم الغزوالثقافي الغربيمفاهيمنا الأصيلة، واستبدلها بمفاهيمه الدخيلة، حتى أنَّ أدبنا العربي جف نبعه، وبدأينهل من منابع معكرة ماؤها، وتركنا إجادة البيان، وأجدنا التقليد بل وصيَّرناالغرب تبعا له، ولثقافته وأدبه.
إن مادفعني لاختيار هذا البحث هو تمييز الخبيث من الطيب، وإعادة المصطلحات إلى نصابهاالحق، فالتطور يختلف عن التبعية المنمقة، إذ أن الأول نتاج الأصالة، والثانية نتاجالتقليد والحداثة، وشتان بين من ينهض بتراثه ليصنع مستقبله، وبين من يتنكر لتاريخهويبحث عن منابع غريبة عن أرضه وواقعه، ويريد أن يطبق تجربة شعوب لسانها ليسكلساننا،ونهضتها قامت على أنقاض نهضتنا التليدة، وهي نقيض ثقافتنا. لذلك عمدت إلىعنواني هذا وهو: المقدمة الطللية بين العصر الجاهلي والعباسي، حيث أن التطور الذيحدث على هذه المقدمة هو نتيجة حتمية للنهضة التي حدثت في ذلك العصر، وبهذا نستطيعأن نقيّم حالنا الآن، فهل نحن نسير على درب من سبقنا من أجدادنا الأوائل في هذاالمجال؟ أم نحن نركع أمام الغزو الثقافي الغربي؟ أوليس هناك فرق بين الغزو الثقافيوالتبادل الثقافي؟ حقا إنه باب شائك على باحث هذا الزمان، بعد أن اختلطت مفاهيمه. . لا أريد أن أصدر حكما، بل أضع لكم الحكم كله،ولكن يجب أولا التفريق بين التقدم والنهضة التي تكون جذورها منغرسة في تراثنا،ونضر غصنها في رحاب أصالتنا، فأورقت وأثمرت وبين حداثة هذا العصر التي قامت علىالتبعية الثقافية التي ترعرعت من نبع الغزو الثقافي المقيت، من هنا انطلقت لتبيانحقيقة التطور والتقدم والنهضة، من ثم تمييزها عن غيرها من حداثة جلبت لنا التعاسةوجعلتنا بلا مستقبل في سائر المجالات .
لقد اتبعت في بحثي هذا المنهج الوصفيالتحليلي، متخذا من التراث العربي - الذي لم تشبه شوائب هذا العصر – مادتي الخام،فرحلت إلى العصر الجاهلي، محللاً المقدمة الطللية، وبعدها أقمت موازنتي بين هذهالمقدمة في ذلك العصر مع المقدمة في العصر العباسي، وقمت بدراسة ما طرأ عليها من تطوروتغيير، وكذلك الأسباب التي أدت إلى ذلك التطور، ومن اجل تحقيق تلك الغاية، قسَّمتُبحثي إلى عدة أقسام هي: القسم الأول ويحتوي تعريفاً للمقدمة الطللية لغةواصطلاحاً، ومن ثم انتقلت إلى نموذجين من الشعر الجاهلي ومثلهما من الشعر العباسي،بعد أن بحثت في الشعوبية ومدى تأثيرها في الشعر العباسي، وبعدها أجريت موازنتيمتبعها بدوافع التغيير الذي حدث على المقدمة في العصر العباسي.
لقدارتكزت على عدة مراجع مهمة لبحثي منها: لسان العرب لابن منظور، وهو معجم شامل كماأراه، و كتاب العصر العباسي الأول لشوقي ضيف، وديوان النابغة الذبياني، وشرحالقصائد العشر للتبريزي، والعديد من المراجع الموثقة في البحث.
وفي أثناء بحثي واجهتني صعوبات بعضهامتوقعاً، وبعضها لم أكن أتوقعه منها: نقص في المراجع، وتضارب الآراء فيما بينها؛إذ صار من العسير علي تغليب رأيٍ على آخر دون تمحيص ورجوعٍ إلى مصادر أخرى،والتأكد من مدى صدق بعض الأمور، مما دفعني إلى تحمل مشاق الوصول إلى مصادر كنت أرىأنني لست بحاجة لها.
وأخيراً وليس آخراً لا يسعني إلا أن أتقدمبالشكر لكل من أمدني بآرائه وإن اختلفتُ معه- فالاختلاف بالرأي لا يفسدُ للودقضية- وكذلك أقدم شكري الجزيل لكل من ساعدني للوصول إلى العديد من المراجع، وأتقدمبشكري الخالص للدكتور زاهر حنني على توجيهاته لي وإرشاداته التي كبدتني جهوداًمضنية أتت أكُلها .
والله الموفق
تمهيد
قراءة معاصرة لتطور الشعر العربي فيالعصر الحديث
إن ما دفعني لكتابةهذا العنوان هو واقع الشعر العربي في هذا العصر، فأين نحن؟ هل تطور الشعر فيعصرنا؟ أم نحن كما في باقي مناحي الحياة، سوق استهلاكيٌ نعيش التبعية بكل ما تعنيههذه الكلمة من معنى؟ هل الثقافة العربية تعيش التبادل الثقافي مع الثقافات الأخرى؟ألا نحتاج لتقويم ما وصلنا إليه؟ هل نحن نسير نحو التقدم؟ هل نحن قادرون على أننصنع نهضة ثقافية في أمتنا؟ أين نحن من العالم؟ هل نهجنا في التعليم صحيح؟ أم أننانمارس التعليم المقلوب؟.
أسئلة ومصطلحاتتكاد تتشابك فتصنع عقداً، من دخلَ فيها وقع في شركٍ يصعب الخروج منه، وإذا مانظرنا بعمق وجدنا المستقبل الأسوأ في انتظارنا، إنْ بقينا على هذه الحال، فهل نحنمنتهون؟
أرى أن الهزيمةالتي نحياها قد أصابت كل مناحي الحياة ولم تبقِ لنا مكاناً إلا ودخلته بل وسيطرتعليه، فأصبحنا مهزومين ثقافياً، وإنَّ أسوأ أنواع التبعية هي التبعية الثقافية،فما هي هذه التبعية؟ لنعرج قليلاً على الواقع السياسي فنتعرف على التبعية السياسيةوالاقتصادية ومن ثم نصل إلى التبعية الثقافية.
يعيش الوطن العربيحالة الشرذمة السياسية، فهو عبارة عن أكثر من عشرين كياناً سياسياً، كل منها لايقوى على حماية نفسه من نفسه. لستُ فيلسوفاً، ولكن الغرب يصنع بهذه الكيانات كمايشاء، فيرميها بسهمٍ منها فيميتها، ويستبدلها متى يشاء، وهي لا تملك أن ترفض، أماعلى الجانب الاقتصادي فحدث ولا حرج، ينهبون خيراتنا ويجعلوننا سوقاً استهلاكياً لانملك فيه إلا أن نستورد كل ما جاء من الغرب ونتقبله كما لو أننا نحن الذين صنعناه،ليس هذا فحسب بل يعتمدون في صناعتهم على مواد خام من بلادنا وينهبون أموالناويشترون عقولنا التي تصنع.
هذه هي التبعيةالاقتصادية، والتبعية الثقافية لا تخرج عنها في شيء سوى المواد الخام، فالموادالخام في الثقافة ليست النفط والمعادن بل هي الفكر والأدب واللغة والعاداتوالتقاليد والمفاهيم، ونحن اليوم لا نملك سوى التقليد ، فالمثالية في العدالة فينظرنا هي الديمقراطية لا لعدالتها بل لأنَّ الغرب يقول ذلك، واللغة المفضلة لديناللحديث مع العالم هي الإنجليزية أو الفرنسية وعلى طلابنا أن يتعلموها منذ الصغرلأنها لغة العلم أو لغة الغرب المتعلم، والمثقفون في بلادنا لكي يثبتوا ثقافتهمعليهم الحديث بكلمات أجنبية فلا يفهمها عامة الناس وبهذا يتميزون عن غيرهم، ومنيريد أن يقرأ الشعر فعليه أن يقرأ لشكسبير أولاً وطبعاً بقصد أن يقول أنه قرألشكسبير لا لكي يقارن بين شكسبير وشاعرٍ عربي مثلاً، وهذا هو الاتجاه المحدث فيعصرنا، وإذا ما حاولتَ مع كثيرين منهمأن تعطيه نماذج عربية ضحك وسخر منك ووصمك بالتخلف، وأنا بكل فخر المتخلف الأولأمامهم، ما دام التخلف يعني عند هؤلاء هو التمسك بالأصالة. قد تتهمونني بالمغالاة،وقبل أن تقولوها عليكم قراءة ما قاله السيد أدونيس العرب في محاضرة له في مكتبةالاسكندرية فهو يقول:" نحن أمة ترى حاضرها بعيون ماضيها واللغة العربية فيسبيلها إلى الموت، وتابع: إن اللغة العربية تتراجع خلال السنوات الأخيرة بشكل كبيرعلى مختلف الأصعدة في المدارس والجامعات وحتى لو استمعت للشيوخ وخطباء المساجدالمعنيين أكثر من غيرهم بالمحافظة على اللغة ستجد هذا التراجع، وستجد تقدما للهجاتالمحلية في الشعر والكتابة وهناك الآن عشرات المجلات والمهرجانات للشعر النبطيالمنتشر في دول الخليج، وفي حديث مع وكالة الأنباء الألمانية أبدى أدونيس إعجابابشعراء اللهجة المحلية المصرية".)[1])
إذن السيد أدونيسيأتي إلينا من فرنسا ليقول لنا أن اللغة العربية في سبيلها إلى الموت، ولا تتأسفواعليها فها هم شعراء اللهجات يقومون بدورٍ يغطي النقص الذي سيحدث عند موت اللغةالعربية، وكأن السيد أدونيس جاء بحكم أنه عربي لمواساتنا في المصاب وهو موتالعربية. وطبعاً لم يتحدث أدونيس عن سبب موت اللغة العربية في نظره، ولكنه بسرعةمتناهية وضع البديل وهو اللهجات العامية، وكفاكم يا عرب شر الدفاع عن لغتكم ولاحاجة لإنقاذها، فالبديل موجود، وإن لم يعجبكم فخذوا أي لغة أخرى، هو لم يقل ذلكبصراحة، ولكن ما بين السطور يوحي بذلك؛ فهو لم يبك العربية بل وحتى لم يتباكَ ولومجاملةً.
من الذي طعنالعربية من الخلف يا أدونيس فأصابها وجعل نورها يخبو؟ لن أجيبَ عن هذا السؤال،ولكنني متأكد من أن العربية تنزف، ولأنها خالدة فلن تموت. ولسنا بحاجة إلى عاميةأدونيس ولهجاته التي نشتم منها رائحة الاستعمار بشتى أشكاله المرعبة.
وماذا عن الشعر؟إن العصر الحالي يشهد تمرداً يشبه الثورة في زخمه واندفاعه ولكنه ليس بثورة،فالشعر الحر أو شعر التفعيلة تمرد على عروض الخليل وقافية الشعر، دون إبداء أي سببمقنع سوى انه من أصول غربية، فقد عرَّبَ رواده مصطلح :free virs الإنجليزي بعد أن درسوه عند الغربوقلدوه، وساروا على نهج مصدريه لنا كما صدروا لنا أي سلعة أخرى، ولكي يسوغوه فيأرض العرب اتخذوا من المواضيع التي تشغل بال المواطن العربي معانيهم، وفي ظلالتراجع الثقافي على مستوى الأمة العربية نجح بسهولة، وكيف لا وكل شيء من الغربيتصف بالجودة.
إننا في محافلناالسياسية نتهم ونخون وندعي وننتشي بالمصطلحات، ولكننا في محافلنا الأدبية، لانستطيع أن نخون أحد، لأننا لا نمتلك حرارة الدفاع عن ثقافتنا، فالشعر الحر اليوميكاد يطغى على الشعر العمودي، فهو المنتصر في هذا الزمن كما أرى؛ وذلك لان الغربهو المنتصر
حقاً لقد هدمالغرب بيتنا الشعري كما هدَّم حصوننا وقلاعنا، وانتزع قافية الشعر كما انتزع منبين أيدينا ثقافتنا وهويتنا وانتماءنا، لهذا انتصر الشعر الحر.
في زمن التبعيةتشوه المصطلحات ونتيجة ذلك أصبحنا نقع في شرك التعليم المقلوب وهو: التعليم الذييهدف إلى نزع هويتنا العربية وجعلنا مقلدين لثقافاتٍ أخرى. وهذا ما نحياه الآن بكلما تعني هذه الكلمة من معنى.
إن ما يثبت قوليسابقاً هو:
1- أننا نتعلم معظم العلوم بلغاتٍ أجنبية ولا نحاول تعريبها؛فالطب مثلاً الذي أخذه الغرب عن العرب يدرس الآن في الجامعات العربية بلغاتأجنبية.
2- أنمعظم مصادر العلوم تؤخذ عن الغرب بما فيها مناهج النقد الأدبي التي نحاول تطبيقهاعلى أدبنا العربي
3- أن كل ما أتى به الغرب نجده مترجما حرفيا عندنا ونموذجاً يحتذىبه، وفي الوقت نفسه تركنا كثيراً من تراثنا؛ فَمَنْ مِنْ شعراء اليوم يكتب موشحاًمثلاً، وأين هو الكاتب الذي يكتب لنا مقامة واحدة؟ ولكننا نجد مئات الكتاب يكتبونالقصة القصيرة ومئات ممن يسمون بالشعراء يكتبون الشعر الحر.
4- أن العلاقة بين الثقافات المختلفة تبنى عادة على التبادلالثقافي وهو: أن تأخذ الثقافات من بعضها البعض، وتعطي بعضها البعض، بينما نحناليوم نلقي بثقافتنا جانباً ونأخذ من الثقافات الأخرى كل شيء ولا نعطيها أي شيءيذكر.
5- أن مدارسنا تعلم اللغة الأجنبية وكأنها لغة محلية، ولا نجددولة غربية تعلم تلاميذها من الصغر اللغة العربية. وهناك مدارس عربية تستثني اللغةالعربية تماماً.
نستنتج مما سبق أننا مع كل إشراقة شمسنبتعد عن أصالتنا وهويتنا وانتمائنا ونتقرب إلى ثقافاتٍ غريبة عن ترابنا ووطنناوعروبتنا.
إن ما يثبت أنالاستعمار وراء ذلك كله الأسباب التالية :
1- إنَّ اللغة العربية هي إحدى مقومات الوحدة العربية، ولا يختلفاثنان أن الغرب يحاول تمزيقنا ليسهل عليه افتراسنا؛ لهذا يحارب الاستعمار لغتنابكل ما أوتي من قوة
2- إن الثقافة العربية الأصيلة هي الاتجاه المضاد للثقافة الغربيةالاستعمارية، وعماد الثقافة العربية هو اللغة العربية؛ فهي العدو الأول للغرب ويجبتحطيمها بنظره
3- إن اللغة العربية هي التي تصل حاضرنا بماضينا فتذكرنا بأمجادنافتدفعنا إلى السير نحوها، وهذا ما لا يروق للغرب
4- إن مميزات اللغة العربية وسماتها تنهض بشعبها حيث أنَّ إحدىميزاتها أنها اشتقاقية ومن يتعلمها يتعلم معظم العلوم بسهولة، فمثلاً لو دخلنا فيعلم الصرف قليلاً وجدنا أن كل كلمة على وزن فُعال هي اسم مرض مثل سُعال أو عُضال،أو صداع،أو كُساح. نجد أنفسنا أمام مصطلحاتٍ ليست بحاجة لعالم لكي يكتشفها كمايفعل الغرب الآن عندما يحاول تسمية مرض ما. ونستطيع القياس على كل العلوم، ممايسهل على العربي تعليمه للعلوم الأخرى فيظهر إبداعاً لا تستطيع اللغات الأخرى منحهلناطقيها
5- إن سعة اللغة العربية تجعلها قادرة على استيعاب جميع العلوموهذه الصفة أثبتها تاريخنا، وهذا يعني أن التزام العربي بلغته سيمكنه من النهضة لامحالة وهذا ما يدك الاستعمار في عقر داره
نستنتج مما سبق أن لا نهضة للعرب بغيراللغة العربية وبناءً عليه فلا حضارة ولا تحرر قبل أن نتمسك بلغتنا وننهض بهاونتبع علوم أجدادنا الأوائل، مع الأخذ بالتطور البشري.
إن المحافظة على عمود الشعر العربي أصبح هدفاًوطنياً تماماً كما هو التحرير، وإننا بحاجة إلى ثورة ثقافية تكون الثقافة الثوريةوسيلتها، والثقافة الثورية هي: تلك الثقافة التي تتخذ من التراث وتطويره والنهوض به هدفاً لتصنع المستقبل وتلقي جانباً بكلما هو دخيل علينا، فتحارب التقليد الأعمى وتبرز هويتنا القومية، وتوحد لسانناوانتماءنا.
ولا بد لهذهالثقافة قبل أن تصبح ثورية أن تتحلى بالدقة وأن تأخذ بعين الاعتبار أن القديم يجبتطويره ليلائم هذا العصر؛ فبدل أن يبكيَ الشاعر في مقدمته الطلل قد يبكي حباً كانفي قرطبة أو حيفا، وبدل أن يتخذ من شكسبير ودانتي مادته الخام ومعانيه، عليه أنيتخذها من زهير وطرفة والمعري ويطورها ليجعلها تواكب العصر.
وفي نهاية قراءتنا لواقعنا المعاصر نجد أن الموازنة بين التطورالذي حدث على الشعر في العصر العباسي يختلف كلياً عنه في عصرنا الحالي وذلك فيالأمور التالية :
1- أنَّ اللغة العربية كانت اللغة الأولى في العالم فكانت هيالمسيطرة مما أكسبها صفة التوسع والانتشار حتى بين الشعوب غير العربية. بينما نحنالآن نعيش العكس تماماً.
2- كانت اللغة العربية في العصر العباسي لغة العلم فكان من يتجهإلى العلم لا بد له من دراسة اللغة العربية حتى يصل إلى مبتغاه.
3- كان التطور الشعري في العصر العباسي نتاج التطور الحضاري الذيعاشه أجدادنا حينذاك، بينما التغيير الذي نحياه في العصر الحالي هو نتيجة تقليدنالتطور الواقع الغربي، وطبعاً هذا برأيي ما جعلنا نغرق في التعليم المقلوب ونفقدثقافتنا العربية
4- إن التغيُّر الذي نحياه الآن هو خروج عن ثقافتنا وأصالتنا وليستطوراً وذلك:
أ- لو كان تطوراً لتوصل إليه أجدادنا في عصر النهضة الذي كنا فيه،فنحن لم ننهض باللغة العربية اليوم كما نهض بها أجدادنا.
ب- لو كان هذا التغيُّر تطوراً لكان في المجالات كافة؛ لأنالتطور في اللغة يؤدي حتماً إلى تطور في سائر مناحي الحياة
ت- إن ما يؤكد أنَّ الذي نحياه ليس تطوراً طبيعياً هو النتيجة التيوصلنا إليها والتي دفعت بأدونيس أن يعلن عن وفاة اللغة العربية وهذا يعني حتماًوفاة الأمة العربية.
ث- إن تركنا اللغة العربية والثقافة العربية واستبدالها بلغات أجنبيةولهجات محلية يعني أننا نتراجع ولا نتقدم
ج- إن نجاح الشعر الحرفي أرض العرب وهو نبتة غير عربية، يعني أن الأرض العربية قد لُقِحَتْ بالثقافةالغربية؛ لذا فهذا التغيُّر لا بد وأنْ يكون لقيطاً ولا يرتبط بالثقافة العربية فيشيء .
ومن المؤكد أن هذا التغيُّر، قد أصاب جميع مناحي الحياة؛ لذلك نحن نفتقداليوم إلى مكانة مرموقة بين الأمم، وإنَّ البحث في هذا الأمر يزحف بنا إلى واقعناالسياسي؛ لهذا أكتفي بما وصلتُ إليه تاركاً دراسة أسباب هذا الواقع للسياسيينالمخلصين لهذه الأمة.
أولاً:
المقدمة الطللية
المقدمة لغة:"قَدَمَهم يَقْدُمُهمقَدْماً وقُدوما وَقَدِمَهم، كلاهما: صار أمامهم.ويقال قدم فلان فلانا أي تقدمه، وقَدَم،بالفتح، يَقْدُم قدوما أي تقدم، ومقدِمة الجيش بكسر الدال: الذين يتقدمون الجيش. يقولالأعشى:هم ضربوا بالحنو حنوقراقرٍ
مقدمة الهامرز حتى تولَّتِ".)[2](
وفي معجم العين:" القُدمةوالقَدَمُ: السابقة في الأمر، والقُدُم ضد الأخر بمنزلة قُبُلٍ ودُبُرٍ"([3])
الطلل لغة:الطّلُّ:"المطرُ الصِغار القطر الدائم وهو أرسخ أنواعالمطر ندىً. والطَّلّ: اللبن وقالوا : ما بها طَلٌ ولا ناطلٌ أي ما بها لبنٌ ولاخمرٌ. والطلل ما شخص من آثار الديار، والرسم ما كان لاصقا بالأرض وقيل طلل كل شيءشخصه وجمع كل ذلك أطلالٌ وطلولٌ، والطلالة كالطلل؛ التهذيب، والإطلال: الإشراف علىالشيء".([4])
المقدمة الطللية اصطلاحاً: هي تلك الأبيات الشعرية التي يستهلبها الشاعر قصيدته الشعرية بالوقوف على الأطلال، قبل أن يدخل فيموضوع قصيدته وقد عرف هذا النمط من الشعر عند العرب منذ العصر الجاهلي . ومثالهاقول النابغة الذبياني: ([5])
أمن ظلَّامة الـدِمن البوالي
بمرفض الحُبي إلى وُعـالِ
فأمواه الـدنا فعويرصاتٍ
دوارس بعد أحياءٍ حِـلالِ
تعاورها السواري والغوادي
وما تذري الرياح من الرمالِ
إلى أن يقول:
فلمّا أن رأيت الـدار قفرا
وخالف بال أهل الدار بال
نهضتُ إلى عُذافِرةٍ صمـوتٍ
مُـذكَّرةٍ تَجِلُ عن الكِلالِ
فداءٌ لِامرئٍ سارت إليهِ
بعذرةِ ربِها عمي وخالي
ومن يعزف من النعمانِسجلا
فليس كمن يُتيَّهُ فيالضلالِ
فباستثناء الأبيات الثلاثة الأخيرة سميتهذه المقدمة بالمقدمة الطللية فالنابغة يقف على أطلال الحبيبة باكيا الديار في هذهالقصيدة، قبل أن يلج إلى موضوع قصيدته، التي يدافع فيها عن نفسه،أمامالنعمان بن المنذر، ملك الحيرة. وقد انتقل النابغة الذبياني من مقدمته الطللية إلىموضوعه عند البيت الخامس الذي يقول فيه:
نهضت إلى عذافرةصموتٍ
مذكرة تجل عن الكلالِ
إنما يسترعي الانتباه هو:أن النابغة الذبياني قد استطاع أن ينتقل من المقدمة الطلليةإلى موضوع القصيدة دون شعور القارىء بهذا الانتقال،وهذا ما أطلق عليه فقهاء الأدب العربي حسن التخلص أو حسنالانتقال
بقي أن أذكر أن المقدمة الطللية جرى عليها كثيرمن التطور والتغيير بعد العصر الجاهلي فمن الشعراء من استبدلها بمقدمة خمرية ومنهممن استغنى عنها ومنهم من ثار عليها ومنهم من تمسك بها وهذا ما سنتطرق إليه في الأجزاء الباقية من هذاالبحث
يتبع
تعليق