لم أنتبه لمضي الوقت آنذاك، كلّ شيء كان سريعا.
جلسْتُ في المقعد المجاور لنافذة القاطرة التي تجر خلفها العديد من العربات.
كان القطار مكتظًا بالرّكاب وأمتعتهم، وصخب الأطفال يقطع السكون متسللا إلى منافذ الأسماع !
ملتُ برأسي للخلف وأغمضْتُ جفنيّ في محاولة عابثة للنوم.!
ماهي إلا هنيهات وبدأ القطار يتثاقل في سيره استعدادا للتوقف عند إحدى المحطات.
....
توقف القطار
لحظات واكتظتْ المحطة بالركاب .. اتجهتُ حينها إلى دورة المياه .. مكثتُ فيها بعضا من الوقت، ما إن خرجتُ حتى تفاجأتُ بخلو المحطة من الرّكاب، لا أجدُ أثرا لذلك القطار، التفتُ يمنة ويسرة .. المحطة خالية .. لا يوجد فيها سواي !
دبّ الخوف إلى قلبي .. شعرتُ وكأنني في كابوس مخيف .. أحقا ما أرى ؟!
المكان خالٍ تماما إلا من وقع خطاي !!
قلبي ينتفض بين ضلوعي خوفا وفزعا ..
وجحافل الظلام مقبلة تبسط نفوذها في المكان وكلّ من فيه !
حاولتُ استخدام الهاتف الخلوي، ولكنّه لا يعمل ..
قلبْتُ بصري في المكان سريعا، لمحتُ هاتفا أرضيا معلّقًا على إحدى حافات المحطة ..
اتجهتُ إليه مسرعة ولكنّه أيضا لا يعمل ..
حتى مكالمات الطواريء لا يمكن الوصول إليها ..
أصابتني خيبة الأمل واعتراني الخوف ..
قلتُ لنفسي : ابتعدي عن المحطة وتوجهي إلى الطريق العام لعل أحدا يراك أو ربما سيارة عابرة تنتبه لوجودك فتقلك إلى المحطة التالية !
سرتُ مبتعدة عن المحطة، قطعتُ مسافة طويلة.
لا أعلم كم من الوقت مضى ؟!
فقدتُ إدراك الزمان والمكان !
بدأ الظلام يطوقني ..
قمتُ بتشغيل مصباح هاتفي الخلوي الذي ما لبث أن يضعف ويزول ضياؤه !
انطفأ نوري الوحيد وظللتُ أسير في عتمة الليل البهيم
في مكان خالٍ تماما إلا من وقع خطاي !
أرهقني التعب، وهاجمتني الحيرة !
لا أعلم أين أمضي ؟ أو أيّ طريق أسلك ؟
فقدتُ القدرة على الإدراك والتمييز !
....
ظللتُ أسير بلا هدى أو دليل .. نخرني الإعياء وسيطر عليّ النعاس.
رغبة كبيرة في النوم تغشتني ولم أستطع مقاومتها ..
عند حافة الطريق نمتُ بلا وعي مني !
انفصلتْ روحي عن جسدي وحلقتْ بعيدا عن جثماني
ارتقتْ السماء .. كانتْ ترفرف بأجنحة النّوال
جذبها عبير عطر – فأنا أعشق الأزهار –
اتجهتْ نحو مصدر الرائحة العطرة.
يا إلهي .. جنة خضراء ، ذات أفانين وأزهار.
لم تصدق روحي ما ترى !
دوحة غناء .. وظلال وارفة .. وماء زلال
فراشات ذات ألوان زاهية تطوف المكان،
وألوان برّاقة لامعة متناثرة هنا وهناك
وضياء يُبهِجُ الأبصار
عادتْ روحي مسرعة إلى جسدي .. عانقته بلهفة ..
تحثه على المسير لتلك الروابي !
نشوة من الفرح والأمل امتزجتْ بروحي ،
نفضتْ غبار الإعياء.
وأسرعتْ خطاي نحو تلك الرّياض !
وقفتُ عند أعتابها .. يالروعتها !
ما أجملها.!
لوحة ربانية ناطقة بالجمال
تبوح سحرا وإبداعا
شعرتُ وكأنني أسكن الفردوس ..
قلت لنفسي : هذه جنة الله على أرضه، فكيف بجنته في السماء ؟!!
انطلقتُ أعانق ظلالها .. وأداعب بتلات أزهارها ..
وأرقص مع فراشاتها .. وأعزف ترانيم الحب على خرير مائها .. وأشدو مع عصافيرها ..
لم أنتبه أن الكون يسكنه الظلام خارج دائرة تلك الدوحة ،
فقد جذبني نورها فما عدتُ أشعر إلا بها !
لا أدري كم من الوقت مضى ..
لكنني شعرت بتعب وإعياء من شدة اللهو واللعب.
وقعتْ عيني على شجرة ضخمة خضراء، ذات أفانين وارفة ، وثمار يانعة ..
فسقتُ نفسي مكبلة بين يديها لروعة جمالها ..
اتكأتُ عليها، فذللتْ لي أغصانها وكأنّها تريد معانقتي،
نبض قلبي بقوة ، فتكومتُ بين أحضانها، أسدلتْ أوراقها عليّ فدثرتني .
أسدلتْ جفون عيني ستار ذلك اليوم ونمتُ نوما عميقا ..
لا أدري كم الساعة .. فقد استغرقت في النّوم؟!
صوت مزعج اقتحم أذني فقَطَعَ عني ذلك النّوم الآمن ..
بتثاقل شديد أبعدتُ مابين جفوني .. لم أر شيئا ..
قلت : ربما كان حلما مزعجا !
حاولتُ العودة إلى أحضاني الآمنة ولكن باءتْ محاولتي بالفشل ..
ازداد الصوت ارتفاعا، كان صوتا خاليا إلا من الضجيج والصخب،
حاولتُ أن أفهم ذلك الصوت ولكنني لم أتمكن فقد كان يشبه طرق المطارق.
أشعر بالألم يطوقني، دبّ الوهن في جزئيات جسدي ..
قلبتُ بصري لمعرفة مصدر الصوت لكنني لم أر أحدا ..
يا إلهي الصوت يعلو متسارعا .. تسلل الخوف إلى قلبي .. ما مصدر الصوت ؟
أهو إنسان أم حيوان أم ماذا تراه يكون ؟
في لمحة سريعة مرّ وميض كالزئبق بين الأعشاب .. حدقتُ النظر تجاه العشب، هالني ما رأيتُ!
كائنٌ عجيب مدهش، له قدرة بالغة على التشكل والتلون، يأخذ صورا مختلفة حسب القالب الذي يسكنه ..
سكنني الخوف منه فهو هلامي سريع التشكل له بريق ولمعان وصوت خالٍ إلا من الضجيج ..
عدتُ إلى الشجرة وتكومتُ تحت ظلالها أعانق ساقها وكأنني ألتمس منها الأمان لثقتي بها !
أسدلتْ أغصانها؛ فنبض قلبي فرحا، الآن ستدثرني وتحميني من هذا الكائن.
اندفعتُ نحو أغصانها بقوة ولهفة، ظننتُ أنها ستأويني
كان العناق مميتا جدا !!
تحولتْ أغصانها إلى قضبان شائكة حاصرتني خلفها، وغرستْ أوراقها التي تحولتْ إلى أشواك حادة في سويداء عروقي ..
صرختُ بألم فلم يتجاوز صوتي أعماقي .. امتزجتْ دمائي بدموعي ..
لم أصدق ما أرى وكأنّني في كابوس مخيف .. نطق الكائن صاحب الضجيج
بصوت قبيح غائر .. !!
يا أنتِ غرّك نور الدوحة وجمالها وماهي إلا مرايا لقلبك البريء، أنتِ وطأتِ أرض المتحولين،
أرض تتغذى بقلوب الآخرين .. ما رأيتِ إلا نفسك هنا .. التي نحيا بموتها !
كلماته زادتني وجعاً، فما عدتُ أقوى على الفرار، حاولتُ استجداءه ولكنني لم أستطع فقد أرعبتني هيئته ..
بدا وجهه كدخانٍ شديد العتمة بلا ملامح !
بكيت بشدة ومرارة .. لأول مرة منذ وطأتُ هذه الأرض شعرتُ بالظلمة تسكن المكان !
امتصتْ الشجرة ما شاء الله لها من دمائي، وهن جسدي وخارتْ قوتي
ألقتْ بي الشجرة في وادٍ لا زرع فيه ولا نبات .. !
هنا .. لملمتْ روحي بقايا منها تريد مغادرة جسدي ..
- سميرة أعذريني لا أستطيع البقاء في حدود جسدك الضعيف ..
ستهاجمك الهوام ويتلاشى كل شيء فيك، أعدك أن أحلق بعيدا جدا وراء الغمام !
كلماتها ألجمتني ..
لا أدري هل انتحب روحي ؟ أم انتحب جسدي ؟ أم كلاهما انتحب ؟
أغمضتُ جفوني مستسلمة لرحيلها ..
لم تستطع الخروج، يد نابضة بالحياة حالتْ بينها وبين فراقها لجسدي ..
حدقتُ النظر إليه كان رجلا أشيب الشعر كثيف اللحية شديد البياض ..
حملني برفق بين يديه، أراد أن يسقيني من كأس ماء ..
نظرتُ إليه متسائلة ماهذا ؟
ابتسم مطمئنا هذا ماء الحياة، شفاء من كل داء ..
قلت له : أزمزم هو ؟!
لم يرد عليّ فقط سقاني الماء .. كان ماءا عذبًا صافيا جدا انتعش له قلبي ، وسكنتْ روحي ، واِلتأمتْ جراحي ..
من جديد .. دبّتْ الحياة فيني، واستطعتُ الوقوف مرة أخرى !
قال لي الرجل الشيخ : بنيتي خذي هذا الصندوق معك، وامضي في طريقكِ.. لا تلتفتي إلى الوراء ومهما راودتك نفسك على فتح الصندوق فلا تفعلي ذلك.!
امضي في طريقك حتى تصلي إلى المحطة واركبي القطار ثم إن شئتِ افتحي الصندوق هناك ..
فإن قمتِ بفتحه قبل ذلك فلن تصلي أبدا للمحطة !
ما إن نطقتُ بكلمة الشكر حتى تلاشى الرجل كذرة في الهواء ..
ارتجف قلبي خوفا وقلتُ لنفسي :
متى ينتهي كل هذا ؟
متى أصل للمحطة ؟
متى يشرق الصباح ؟
مضيتُ في طريقي مسرعة، كان الظلام دامسا والدرب موحش، وأصوات الوحوش قريبة مني، أنفاسي تسابق خطاي .. كنت أبكي خوفا .. وقلبي ينتفض بين ضلوعي .. ونفسي تراودني بإلحاح شديد على فتح الصندوق،
وتخاطبني قائلةً : لا تصدقي الشيخ فهو كائنٌ من كائنات أرض المتحولين !
أرأيتْ كيف تلاشى .؟!
لبرهة أقف مترددة ثم أنفض عن نفسي ذلك الوسواس وأتضرع لله بالدعاء ..
كان الليل طويلا جدا وكأنّه قرون مضت ..
بزغ خيط الفجر ولاحت أنوار المحطة ، أسرعتُ الخطى ..
وأخيرا وصلتْ.
كانتْ مكتظة بالرّكاب والمنتظرين، قلبتُ بصري لعلني أرى بعض الوجوه التي كانت معي في رحلتي السابقة ..
كل الوجوه لا أعرفها .. ملامح جديدة ..
البعض ينظر لي باِزدراء، والبعض الآخر ينظر لي متعجبا،
وآخرون يحدقون النّظر لي حزنا ورحمة .. !!
تعجبتُ لِمَ كل هذا ؟!
نظرتُ إلى ثيابي، كانتْ رثة بالية وعلى ملامحي وعثاء السفر ..
أتاني صوت ليس بالغريب نظرتُ إليه : إنّه الرّجل الشيخ.!
أشار لي بالذهاب إلى دورة المياه قائلا : اغتسلي وارتدي سترة جديدة وتعالي إليّ، فالقطار شارف على الوصول .
مضيتُ مسرعة ووضعتُ الصندوق على مقربةٍ مني،
واغتسلتُ بماء بارد كالثلج زال عني كل شيء ..
ثم ارتديتُ ثوبا أبيض نُقشتْ عليه رسوماتٍ زهرية اللون.
عندما خرجتُ دثرني الرجل بجلباب وخمار !
ثم انصرف عني ..
وصل القطار إلى المحطة ..
صعدتُ، وجلستُ بالقرب من النافذة .. ملأتُ صدري بنسيم الصباح
كم اشتقتُ إليكِ أيتها الشمس فقد كان ليلي طويلاً جدا !
تذكرتُ الصندوق .. بيد مرتجفة قمتُ بفتحه ..
يا إلهي لم أتوقع أن حياة قلبي كانت معي طوال الوقت في هذا الصندوق !!
قبّلتها وعانقتها بقوة
مُلتُ برأسي نحو النافذة .. كان الوقت يمضي سريعا
والقطار مكتظًا بالرّكاب وأصوات الأطفال المليئة بالمرح والفرح تتسلل إلى مسمعي
.. والقطار يقطع طريقه مسرعا .. أدركْتُ مضيّ الوقت ..
بدأ القطار يتثاقل الخطى عازما على التوقف في المحطة القادمة ..
تعليق