السيدة ايمان الدرع، اديبة وسيدة سورية، من مواليد دمشق /1955م، حاصلة على إجازة في الآداب/ قسم اللغة العربية من جامعة حلب، عملت مديرة لإحدى ثانويات ريف دمشق، كلفت بـ مهما
..تميل الأديبة إيمان للاعتدال في كل شيء ...أي سيدة وسطية ..تتفهم روح الدين الإسلامي، وليس مظاهره فقط...فالدين، يُترجمه المبدأ والعمل ....وليس استعراضا وطقوسا خالية من المضمون. تقول عن تفاهة بعض ألناس، تصوَّر، أنني مرَّة سمعت على التلفاز احدهم يسأل: يا شيخ، قتلتُ بعوضة، وأنا محرم لأداء فريضة الحج، فهل هذا الفعل يُفسد إحرامي ..؟؟.وقِسْ على ذلك الكثير من توافه الأمور.
تقول إيمان الدرع: ليتنا نعود لمبادئ ديننا الحنيف...ونتعلم كيف وصلنا إلى الأندلس ..حتى مشارف الصين...وكيف نحن الآن؟؟؟ امة مجزأة تصطنع الحدود ..وداخل الحدود، هناك حدود أخرى، تفصل الجسد الواحد، إلى أوصال مقطعة ...سيوفنا العربية الآن، تُشهر من أخوة إلى أخوة في نفس الدار، التي كانت عامرة بالحب وبالأمل والرجاء.
عن موضوع الحجاب ولبسها للحجاب تقول إيمان الدرع: حجابي هو نوع من الحشمة والاعتدال في المظهر...وأحترمْ كل فكر وعقل يؤمن به صاحبه، إن لم يكن به شطط، يؤذي المجتمع، الذي ينتمي إليه.....والحجاب، مسألة شخصية، لا يعكس بالضرورة، التعمُّق في روح الدين وجوهره..إن تحوَّلتْ إلى مظهر متوارثْ، خال من المضمون والوعي والمسؤولية ...ونفع المجتمع ..والنهوض به. لم أقتنع إلا برسالتي الإنسانية ...أعدَدْتُ جيلاً من الفتيات المثقفات، الواعيات بالتعاون مع أسرتي الإدارية والتربوية...ولقد أثْبتُ بعضاً من تفاصيل رحلتي التعليمية، في نص أدبي لي بعنوان: (مُستقيلة، وبدمع العين أمضي..).
في الاتحاد النسائي ..كنت أنهض بالمرأة التي مَنَعَتْها ظروف حياتها من إتمام تعليمها ..بتقديم فُرصْ عمل شريف لها تعتاش منه ...فساهمتُ بشكل فاعل بإجراء دورات مهنية لهن كالخياطة والتريكو والتمريض والآلة الكاتبة ومحو الأمية وحلاقة شعر وتجميل...ودورات تعليمية للشهادتين الإعدادية والثانوية.
قلت لها: طالما كنت مسئولة في اتحاد المرأة النسائي، أرجو إعطائي معلومات عن المرأة السورية بشكل عام، ومستواها الثقافي ومراكز القيادة، كما أرجو معرفة أفكارك التي تؤمني بها وهل أنت شخصية منفتحة ومتحررة أم لا،
أجابت وقالت:المرأة السورية لوحة متفردة، تجمع بها كل أزهار الكون، ..كل ألوان الطيف..هي جميلة الهيئة ..والروح أنيقة مرتبة...لبقة..حلوة المَعْشر..مثقفة واعية..ذكية بالفطرة، حتى لو أنه لم يُتحْ لها إكمال تعليمها ..ربة بيت ممتازة ..طعامها شهي ..بيتها مرتب مريح، حتى ولو كان في الغالب غير بازخ...تُجيد إتقان الأعمال اليدوية الفنية، وتتفاخر بها..حين تنثرها في زوايا المنزل، هي زوجة شديدة الإخلاص لزوجها وعائلتها ...وصبورة على كل الأحوال...حلوها ومُرُّها..وإن ضاقت بها الدنيا وعضّ عليها ناب الدهر بالفقر..لا تَسْفح كرامتها ولا تبيع شرفها ...حتى لو اضطر بها الأمر في أسوأ الأحوال للمساعدة في تدبير شؤون البيوت..وتجهيز الخضار، ومستخدمة في المدارس .
على قدر اهتمامها بجمالها والتزين بالياسمين، في ثنايا شعرها وعلى جيدها ...فهي عند الشدائد ..أخت الرجال ...باستطاعتها استيعاب الأزمات والعمل على حلها بهدوء وسلام..والوصول إلى بر الأمان، بسكينة تزرعها في قلوب من حولها، وهي سيدة صالون من الطراز الأول...وتعشق الحياة والطرب والموسيقى والرقص في خدرها أمام صويحباتها وفي المناسبات، يكشف عن أنوثة رائعة التكوين، حباها الله بها ..بدلالها ومرحها وخفة دمها. والمرأة المثقفة السورية، أثبتت تميزها الفكري والأدبي والسياسي، وتبوأتْ أعلى المراتب واستلمت زمام القيادة، حتى وصلت لنيابة الرئاسة، من بعد المراكز الوزارية قديما والاستشارية..ولها مقاعد وفيرة في مجلس الشعب ...وإن كنا نطمح دائما، أن تكون فاعليتها اكبر بكثير وخارجا عن المألوف، في نمطية جدولة الأعمال وإنجازها على الواقع..فهذه أمانة ومسؤولية..وليستْ منصبا للتفاخر بالامتيازات.. فهذا الزمن يحمل شعار العمل، ثم العمل ثم العمل..ولا وجود للادعاء والزيف، وعدم المصداقية بين القول الرنان.. والفعل على أرض الواقع.
سألتها وقلت لها: أود أن افهم فلسفتك بالحياة ومواقفك الاجتماعية، ورأيك في موضوعات تتعلق بحرية المرأة ومساواتها بالرجل؟؟؟
أجابت وقالت:معظم مواضيع نصوصي الأدبية موجودة في مجموعاتي القصصية، مأخوذة عن الواقع المعاش ...عن خبرة تراكمية، استقيتها من شرائح المجتمع كافة، نتيجة احتكاكي بوجوه على قدر ساعات ألعمر، تشغلني دائما هموم الإنسان البسيط، الذي لا ظهر له..هموم المرأة ..واقع ظلمها ...حرمانها من ابسط حقوقها نتيجة لصبرها وتسيير الأمور على حساب راحتها وسهرها من اجل أولادها ..وأمور اجتماعية إنسانية عدة...تعبر عن واقع المجتمع ومعاناة أفراده والظلم الواقع..
سألتها عن ظاهرة انتشار ثقافة الطائفية بالفترة الأخيرة، وقلت لها إذا أمكنها توضيح ذلك، ومن يقف وراؤها وماذا تهدف؟؟؟؟
أجابت وقالت:أنطلق دائما من شعار: الدين لله ..والوطن للجميع، والخلق كلهم عيال الله...أحبهم إلى الله أنفعهم لعياله، الطائفية البغيضة، تفتت عضد الأمة وتنهك قوتها، هي جزء من مخطط الصهيونية العالمية، في تقسيم الوطن العربي الكبير، إلى بلاد ذات حدود..وكل بلد إلى أجزاء وتقسيمات مذهبية..لقد برهنتْ الأيام، أن الشعب السوري وعبر التاريخ..لم تتحرك لديه هذه النزعة المقيتة..والتآخي هو السائد..وإن ظهرت هناك في هذه المحنة بعض الخروقات، فهي انفعالات آنية خلفتها الجراح المؤلمة...ولكني بطمأنينة لا حدود لها، بان جذور الأخوة، هي التي ستلم أغصان الشجرة الفارعة السورية من جديد... وبراعمها..فما يجمعنا أكبر من أن يفرقنا...رحلة الآلام التي عشناها في الفترة الأخيرة، تُدمي القلب، ولكنها لن تستعصي على أبناء البلد الواحد في لملمة الجراح ..والتعاضد من جديد..
قبل هذه النكبة التي حلت بسوريا..كنا في ثانوية واحدة للبنات مدرسات وإداريات وطالبات..من كل المحافظات والمذاهب والطوائف..كنا على قلب واحد، وكلمة واحدة ولقمة واحدة..عشنا الأفراح معا والأحزان..وفي المناسبات الحلوة نعقد حلقات الدبكة وأصابعنا تتشابك بقوة مع بعضها..لم نكن يوما نعيش ذاك التقسيم، ومن يغذيه الآن، هو من له مصلحة في تأزيم الحل، ووضع العقبات أمام التسوية التي ترضي كل الأطراف، وتداوي جراحهم..وفي النهاية نحن أبناء بلد واحد، هو سوريا وكلنا تحت جنحها الحنون.
سألتها وقلت لها: أين تقف المرأة السورية اليوم من الأحداث التي تجري في بلدها؟؟؟
أجابت وقالت:المرأة السورية فُطرت على الحرية والكرامة..هي امرأة الياسمين..وامرأة الكبرياء والقوة والبأس، حين يتطلب منها الموقف ذلك..أرادتْ ومنذ بداية الأحداث، أن تتعامل مع الموقف بحكمة وبروح المسؤولية، كانت تسعى لئن تعيد ترتيب البيت السوري بسلام..فزرعتْ أغصان الزيتون حول الدروب..وأطلقتْ أسراب الحمائم البيضاء في سماء الوطن..وأطلقت إلى جانب أولادها وإخوتها في الوطن، صوت الحرية وحقها في العيش الكريم والمساواة ..ومحاربة الفساد، بل ومحاسبة كل من أساء لهذا البلد في استغلال نفوذه..واتبع الظلم لغيره منهجا في سبيل تحقيق أهدافه ومضاعفة ثرواته على حساب الشعب...أرادت أن تشير بإخلاص وصفاء نية إلى الخلل الذي يرزح تحته المواطن السوري..وتعيد الأمور إلى أنصبتها لتبقى سوريا شامخة كعهدها بين الأمم، ما حدث بعد ذلك شيء مروع..لقد تداخلت الأمور...وانقلبتْ الموازين..وترنَّحتْ الخطوات وأخذت مسارا آخر..وبعداً آخر..وكثرتْ الأيادي والوعود والعهود الخلبية..وسفكت الدماء ...وناحت قلوب الأمهات..وزرعوا جمرات حارقة في أكبادها..وهي تودع أحبتها، وشباب في عمر الورود، سالت دماؤهم السورية على أرض كانت ملعباً لأحلامهم ..وطفولة مهدورة تحتاج إلى دهور لتستعيد بريقها..ودموع شيوخ تفطر قلب الحجر لشدة انكسارها...وصارت القضية السورية كقميص عثمان، تتقاذفه الأيدي في لعبة سياسية كبيرة..لا يجيدها غير أصحاب المصالح..ولم يكن ضحيتها إلا المواطن البسيط، الذي لا حول له ولا قوة..شيء مروع هذا الهدم، الذي طال المصانع والبيوت والمدارس..والمشافي..شيء مروع أن تتحول الحدائق لمقابر جماعية..شيء لا يحتمله العقل، أن يتحول السوري المعروف بكرامته، إلى نازح في الخيام..وان تساوم الرجولة المزعومة على ستر حرائره..الزمن يؤرشف ما يحدث..والتاريخ لن يرحم كل خائن لهذا البلد العريق، بحضارته الممتدة عبر آلاف السنين..وعندما تصفو السماء..وتهدا القلوب..سيفرز الوطن السيءْ إلى مكب التاريخ ..وتكلل بالغار رأس المناضل الشريف، الذي لمّ الجرح ونظفه وحمى عرض حرائره وأرضه..وأعاد سوريا إلى مشارف المجد في وجهتها الصحيحة..وحقن الدماء..ومدّ يد الخير لإعلاء كلمة الحق بشرف..وبشعور الانتماء إلى أسرة سورية واحدة لها كيانها ورفعتها ووجودها من غير وصاية من احد..فقط بسواعد أهلها...
هذا المقال، يمثل رأي إحدى السيدات، السوريات الرائعات، من عامة أبناء الشعب السوري، وكان رأيا متوازنا ومتزنا، حيث اعتقل إبناً لها، ولم تحصل عليه إلا بعد وضع مأساوي ومرعب، وكانت كما يقول المثل: (بين حانة ومانة)، ورأيها حقيقة، قد يمثل رأي معظم بنات جنسها، بل كل أبناء الشعب السوري، ولكن هناك من يحافظ على سفك دم السوريين والشعب السوري، من اجل تمزيق وحدة كيانه وشعبه لمصلحة الكيان الصهيوني، كل التحية والتقدير للمواطنة السورية الرائعة والعظيمة إيمان الدرع، رأيها الصريح والواضح والموضوعي والواقعي من اجل وحدة الأرض والشعب السوري العظيم.
( الكاتب والباحث أحمد محمود القاسم )
تعليق