مجمع اللغة العربية في اسرائيل بين الضرورة والسياسة

تقليص
X
 
  • تصفية - فلترة
  • الوقت
  • عرض
إلغاء تحديد الكل
مشاركات جديدة
  • نبيل عودة
    كاتب وناقد واعلامي
    • 03-12-2008
    • 543

    مجمع اللغة العربية في اسرائيل بين الضرورة والسياسة


    مجمع اللغة العربية في اسرائيل بين الضرورة والسياسة





    نبيل عودة





    لفت انتباهي مقال للزميل الكاتب ، رئيس تحرير صحيفة"الأخبار" النصراوية محمود ابو رجب، الذي نشر بتوسع على الشبكةالعنكبوتية وفي صحيفته "الأخبار" ، تحت عنوان "مسخرة واسمها المجمع اللغوي العربي في اسرائيل".

    في مقاله يوجه الكاتب نقدا لاذعا لمجمع اللغة العربية، ولبعضاشتقاقاته اللغوية، ولنشاطه، ويشير الى عبث مجامع اللغة، وان لبنان اغلق مجمعه للغة العربية بعد سنتين من تأسيسه لتوفير المال لما ينفع.وبذلك يفتتح محمود ابو رجب النقاش والتداول حول مسألة هامة، تحتاج الى مكاشفةومصارحة.

    لا انفي اني تماثلت الى حد كبير مع بعض مواقفه. كنت اتردد في طرح رأيي، لأسباب عديدة، اهمها ان لا أبرزكمثقف سلبي لا يعجبه العجب ، حيث صار الرأي الصريح يعتبر من السلوكيات السلبية قيثقافتنا.

    لا أتحامل على الزملاء في مجمع اللغة العربية بل احمل لهم احتراماوتقديرا كبيرين، انما لي موقف من دور مجمع اللغة العربية في الواقع العربي داخل اسرائيل، والدوافع لإقامته، وهذالا علاقة مباشرة لهم به.

    شكل اقامة مجمع اللغة العربية في اسرائيل ، خطوة ظاهرها الاعلامي(السياسي أيضا) يفوق قيمتها اللغوية.

    اميل للإقتناع ان فكرة انشاءمجمع اللغة العربية نشأت عن رغبة الوزير السابق للثقافة والرياضة غالب مجادلة،لتسجيل انجاز ما باسمه، حيث ان نشاط الوزارة الثقافي في الوسط العربي اختصر تقريبابالدور الكبير الذي قامت به دائرة الثقافة العربية بادارة نائب مدير عام وزارةالثقافة موفق خوري، حتى عندما اقدم الوزير مجادلة على زيادة عدد الحاصلين علىجوائز الإبداع الأدبي التي توزع كل سنة على أدباء العربية، تبين ان مجادلة حولهالمهزلة شكسبيرية ، اذ ظلت الميزانية نفسها من حيث المبلغ ( ولا قيمة لها الاقيمتها النقدية) وبدل ان توزع على عشرة ادباء كما كان متبعا بقيمة 70 الف شيكل لكل جائزة، قسم المبلغ على عشرين اديب وفنان، بمبالغ بعضها مادون ال 30 الف شيكل لدرجة ان بعض الفائزين اعادوها للوزير. قام الوزير بنشاطاتاعلامية أشبه بمهرجانات سياسية، لا اعرف ما يربطها بالنشاط الثقافي، حتى توزيعالجوائز جرى في الناصرة العليا اليهودية وليس في الناصرة العربية، او أي بلدةعربية اخرى. حتى الدعوة للوجبة الفاخرة لم تصل الى الأدباء، وربما كانت شفهيةللبعض و"هنا الخسارة الكبيرة"!!

    لا بد من التذكير بالخلفية التي سادت انشاء مجمع اللغة العربية، منهنا اضيف اولا، ان قبول السيد غالب مجادلة لمنصب وزير الثقافة، كان بعد استقالةالوزير السابق اوفير بينيس اليهودي ، الذي استقال احتجاجا ورفضا للجلوس في حكومة ضمت لصفوفها العنصري المستوطن افيغدورليبرمان، فهل قبول وزارة بهذه الظروف يعتبر مكسبا سياسيا، ام له تسمية سياسيةأخرى؟!

    هذه هي الأجواء التي سادت عشية تأسيس مجمع اللغة العربية، لا اقولانها خطوة مرفوضة، ولكنها خطوة اعلامية اكثر مما هي خطوة حضارية وحقوقية. مشكلتناليست في اقامة مجمع يبحث في المفردات ويقارع التخلف العربي للمجامع بتخلف جديد. انقرار اقامة مجمع اللغة العربية كانت له دوافع ذاتية وسياسية، تفوقت على ضرورياتالواقع اللغوي. ومع ذلك لا بأس . السؤال، ماذا بعد؟ الى اين وصل مجمع اللغةالعربية؟ ماذا أنجز؟ ما هي مهماته الأساسية؟ هل ترجمة الاصطلاحات اللاتينيةباصطلاحات ميتة ولا يطيقها اللسان ولا العقل، أسوة باشقائه من مجامع العالم العربيهو ما ينقص لغتنا العربية في اسرائيل؟

    من متابعاتي لنشاط مجمع اللغة العربية، لا أجد شيئا يمكن اعتبارهخطوة عملية لرفع مكانة اللغة العربية في الواقع الإسرائيلي، خاصة في مجال تدريساللغة ونشر الوعي اللغوي، في مجال تأكيد قيمة اللغة للهوية الوطنية لأبناء شعبنا.في ملاحقة تجاهل السلطة لكون اللغة العربية هي لغة رسمية ثانية في الدولة، فيالتوجه للوزارة ليكون المجمع اللغوي مسؤولا عن اللغة العربية التي تظهر في اشاراتالسير والإعلانات والترجمات الرسمية بشكلها المشوه والمذل للغتنا ولشعبنا.

    رأييان تخصيص ميزانية المجمع لتطوير تعليم اللغة العربية، باساليب حديثة، يفيد اكثر منالتقعر والبحث عن اصطلاحات، تظهر المجمع أشبه بقاعة العاب "ليغو" لغوية.اذا لم تنفع لغتنا مجامعها الكبيرة في القاهرة والشاموالعراق ، فهل سينقذ مجمع اسرائيل الوضع اللغوي العربي؟ الا يعلم الزملاء الأعزاءالمشغولين بايجاد وتعريب المصطلحات، ان واقع اللغة هو انعكاس للواقع السياسيوالاجتماعي ، وتغيير هذا الواقع هو ما يطلق عملية احياء اللغة، اسوة بما جرى معشقيقتها اللغة العبرية؟

    قديما قال ابن خلدون جملته العبقرية التي نعيشصحتها كل يوم:" لغة الأمة الغالبة غالبة، ولغة الأمة المغلوبة مغلوبة".وما دمنا من الأمم المغلوبة امام التحديات في الشرق الأوسط (وليس عسكريا فقط)تحديات الأنطمة الفاسدة التي تهدم ولا تبني، التحديات في العلوم والاقتصادوالتحديث الحضاري.. فلن تكون لغتنا الا على شاكلة شعوبنا، لغة مغلوبة لشعوبمغلوبة.

    اعترف انيلست لغويا، ولكنها لغتي التي اتواصل فيها مع الناس حتى لو لحنت في بعض كلماتها.واعيش مشكلة لغتي عبر تعاملي اليومي، واطلاعي على ما يجري في لغات اخرى وخاصةاللغة العبرية.

    لا اكتب من منطلق سياسي او قومي، بل من منطلقالألم لواقع لغة نعشقها ونتمتع بقدراتها التعبيرية، ولكن السؤال المقلق ليسبالكتابة الابداعية، في القصة او الشعر، بل في كونها لغة عاجزة عن التحول الى لغةعلوم وتكنولوجيا (أي تقنيات، وانا افضل الاصطلاح اللاتيني). حتى في الكتابةالأدبية نشهد حالة عبثية من الصياغاتالمضحكة والمبكية في نفس الوقت. احيانا نقرأ ديباجة لغوية لا تعني شيئا الا انهاتمرين لاظهار الشطارة، بلا معنى، وكأن جمالية الصياغة هي المضمون. هذا السجعاللغوي مصدرة سجع فكري وغيبية ثقافية لا تستوعب ان جمالية اللغة في ما تقدمه منفكر بوضوح وتألق وصياغة لا تعقيد فيها ولا ديباجة لا تقول شيئا مفيدا.

    هنا نحتاجالى جهاز، ربما نسميه مجمع لغة عربية، يقوم على رصد استعمال اللغة، وتصحيح الخللالفكري في فهم مهام اللغة. مثلا كيف يمكن احترام صحيفة تنشر خبرا بعنوان :"اصابة سيدة من (اسبانيا) بعد ان لدغتها افعى" بماذا اصيبت السيدة بعد انلدغتها الأفعى؟ في الواقع ان المراسل والمحرر وقعوا بخطأ لغوي وفكري مثير للسخرية.الأصابة هي اللدغة ويمكن صياغة العنوان باشكال مفيدة ومختصرة أكثر.

    على من تقعمسؤولية الاستهتار باللغة؟

    اسمعوا الاذاعاتالمحلية، فوضى رهيبة بلا رقابة. ليس ضمن المصطلحات السياسية فقط، او بالنحو ، بلبالصياغة السليمة للخبر، ولا اعني أخطاء القواعد تحديدا، بل الخطأ في تركيب الجملةكلها. المنتظر ان وسائل الاعلام هي مدرسة للصياغة الصحيحة. لماذا يصمت مجمع اللغةعلى واقع يعمق ضعفنا اللغوي ويثقف على تفكيك اللغة؟

    صحيح انهامامنا ايضا تحديات اللغة العبرية التي تسيطر على اللسان العربي، لدرجة انأكاديميين عرب يستصعبون التعبير بلغة عربية عن مواضيعهم الأكاديمية، خاصة اذا كانتحول مواضيع طبية، علمية، تكنولوجية واحيانا مواضيع اجتماعية. كذلك عشرات الافالعمال يتعاملون كل يومهم باللغة العبرية لدرجة ان اللغة العبرية أضحت تشكل نصفمساحة حديثهم في وسطهم العائلي أيضا.

    اللغةالعبرية تفوقت بتطورها على لغتنا العربية في المائة سنة الأخيرة . استعمالاتهاأسهل وأبسط وانجع وتقريبا من الصعب الوقوع في خطأ.في الترجمةمن الإنكليزية مثلا نجد مصطلاحات عبرية بسهولة، بينما لا نجدها في لغتنا العربية،حتى الترجمة من العبرية للعربية للمواضيع التربوية، وليس العلمية فقط، هناك صعوبةفي ايجاد المصطلحات المناسبة، اعرف هذا من تجربتي.بعض الترجمات العربية لا تقرأ لأن لغة الترجمة تحتاج الى ترجمةعربية أخرى. قراءة المواضيع العلمية او الفلسفية ابسط وأسهل باللغة العبرية اواللغات الأجنبية. وكثيرا ما أضعت ساعات وانا ابحث عن معنى مصطلح فلسفي مثلا.

    ربما منيقول ان هذا لا يخص مجمع اللغة العربية. ما لم يتوصل اليه العرب في مجامعهم لننتوصل اليه في اسرائيل. لبنان حلت المجمع لتستعمل الأموال فيما يفيد، لا نريد مجمعلغوي عبارة عن منتدى للغويين لا يربطهم بواقع لغتنا العربية ومشاكلها العينية داخلاسرائيل أي رابط.

    ان اصدارمجلة ومفكرة ومؤتمرات، لا يترك أي أثر على واقع لغتنا.ربما لو تحول المجمع الى جمعية ثقافية تصدر مجلة ومطبوعات لكاندوره أفضل .

    مشكلة لغتناالعربية أبعد من قدرة مجمع اللغة في اسرائيل على التأثير على مجمل واقع اللغةالعربية في العالم العربي. رأيي ان اللغةهي انعكاس للواقع السياسي الاجتماعي. وتطورها مرتبط بواقع التطور بمجمله. غيابالتحولات العاصفة في العالم العربي، وصعود قوى سلفية الى رأس السلطة سيعمقاشكاليات اللغة. اللغات التي تسود عالمنااليوم هي لغات شعوب منتجة للحضارة عبرت عصور التنوير والثورات الصناعية والعلميةمنذ بدايات القرن الخامس عشر الميلادي.. اللغات التي تواجه خطر الاندثار هي لغاتشعوب خارج تاريخ الحضارة الحديث. هنا الخطر الكبير وليس التشاطر بايجاد تعابير تلدميتة أصلا.

    ليت اهتماممجمع اللغة العربية ينصب على وضع رؤية حداثية لتعليم اللغة العربية وتطويرها فيمدارسنا. ولا ارى عيبا في استعمال المصطلحات كما تردنا من الحضارات التي اوجدت تلكالمصطلحات.



    ـــــــــــــــ

    ملاحظة: قبلنشر مقالي بتوسع قرأت رد مجمع اللغةالعربية في اسرائيل، حيث يوضحون العديد من القضايا ، هذا ايجابي بحد ذاته، هو حقهمالطبيعي، لكني ، كما سجلت حدة مقال محمود ابو رجب، وجدت رد المجمع أيضا يحمل الحدةنفسها ويضاعفها حين يذهب للتهديد بالقضاء.

    ان التعبيرعن الراي هو أمر مقدس يجب احترامه. لا تهمني التفاصيل الشخصية التي طرحها ابو رجب،وليس هي ما يشغلني، ونثق ان اعضاء المجمع وكادره هم من الغيورين على اللغة العربيةوالثقافة العربية ولا ينتظرون أجرا لذلك. وكان أفضل لو تمحور رد المجمع حولالحقائق بدون التلويح بالقضاء، الذي يجعل الخلاف الفكري والنقد مسالة عداء لن تقدمولن تؤخر في مكانة المجمع ونشاطه.

    ان حريةالرأي يجب ان لا تتحول الى ساحة صراع قضائي، ستلحق الضرر بالجميع، وسيصبح كل خلافللرأي له ساحته القضائية، هذا لن يكسب المجمع او الثقافة العربية في اسرائيل قيمةنطمح اليها جميعنا.

    ان تفنيدموقف بموقف مضاد هو حق طبيعي. آمل ان يكون التهديد بالقضاء زلة قلم غاضب ، كل انواع التهديد لا تليق بالثقافة والمثقفين،المؤسسة قادرة على الرد وطرح الحقائق كما تراها، والجمهور هو أفضل حكم !!

    رجاء انتعطوا درسا في التعالي عن التوافه التي لن تضيف لأحد أي قيمة ثقافية ، ولو كانردكم بلا تهديد قضائي لكان أقوى وأعمق أثرا!!



    nabiloudeh@gmail.com

















يعمل...
X