حديد
مال هواء الغرفة إلى لون الجليد عبر زجاج ملوّث..يفتح عينيه مذعورا.يزيح عنه الغطاء حتّى يتعرّى بالكامل.يلقي نظرة على السّاعة في المنبّه.ثمّ يقرّبه بارتياح و يبطل رنين الجرس.فوق المنضدة جريدة مطويّة على صفحة مواعيد القطارات.السّفرة الأولى نحو الشّمال يحيط بها خطّ مغلق أُعيد رسمه حتّى كاد يخترق الورق.ينفض الوسادة و يثني الغطاء على أربع و يسوّيه من جهة السّاقين .يرتّب ملاءة الفراش.يفكّر أنّ عليه الإسراع و إلاّ تأخّر أو ربّما عليه التّفكير بالإسراع و إلاّ تأخّر،عندها و في كلتا الحالتين سيكون عليه الانتظار في المحطّة ساعتين مريرتين..يتذكّر كيف كانت زوجته تقول:"أولادك بحاجة إلى خادمين،واقفين طوال الوقت خلف السّتارة،لا إلى أبوين"،و كيف أنّ خصومة تنشب بينهما مهما جاء ردّه.هي هناك ،و لابدّ أنّها تصحو الآن لتكون بانتظاره.
يُنزل حقيبة من الرفّ بهدوء.يلبس معطفا طويلا معلّقا إلى جواره بواسطة سلك خشن مقوّس.يسحب الحذاء من تحت السّرير.يلمّعه جيّدا بخرقة في الدّرج و ينتعله.لا يربط الخيوط.يمسح وجهه بمنشفة دون غسيل ،و يتساءل عمّا إذا كان حاجبا ولده الأكبر ما يزالان يحافظان على لونهما الأشقر المذهل.
يبلّل شعره و يمشّطه حتّى يشعر بأنّ خطّا أبيض يفرقه نصفين.يرتّب ثيابه و أشياءه داخل الحقيبة و يحكم إغلاقها.يمسك بها من عروتها بقوّة.يتأكّد من خلوّ الدّرج . يشرد قليلا . الغرفة عائمة في الرّطوبة.يمشى نحو الباب بخطوات متلاصقة حثيثة، منكّس الرّأس لا يرى سوى موطأ قدميه.خطوة،اثنتان..عشرة. يُخرج من جيب المعطف مفتاحا كبيرا،يجعله يغوص ببطء في ثقب المزلاج دون أن يرفع رأسه.يتوقّف في تلك الوضعيّة برهة.يدير المفتاح برفق.ثمّ يسحبه و يعود من حيث أتى.يجلس على حافّة السّرير.يُفرغ الحقيبة.يخلع المعطف و الحذاء و يدسّهما فيها كما اتّفق كأنّه يحشو وسادة.يُعيد الحقيبة إلى الرفّ و يضع المنبّه فوق المنضدة.منذ خمس سنين و السّاعة تشير فيه إلى السّادسة.ما عاد ضجيج السّادسة يوقظ بقيّة المساجين.يتمدّد و يُغمض عينيه.قبل أن يغفو يفكّر بأنّ أعمالا كثيرة يتعيّن عليه القيام بها استعدادا للرّحيل غدا في أوّل قطار.
محمد فطومي
تعليق