حديد / محمد فطومي

تقليص
X
 
  • تصفية - فلترة
  • الوقت
  • عرض
إلغاء تحديد الكل
مشاركات جديدة
  • محمد فطومي
    رئيس ملتقى فرعي
    • 05-06-2010
    • 2433

    حديد / محمد فطومي

    حديد



    مال هواء الغرفة إلى لون الجليد عبر زجاج ملوّث..يفتح عينيه مذعورا.يزيح عنه الغطاء حتّى يتعرّى بالكامل.يلقي نظرة على السّاعة في المنبّه.ثمّ يقرّبه بارتياح و يبطل رنين الجرس.فوق المنضدة جريدة مطويّة على صفحة مواعيد القطارات.السّفرة الأولى نحو الشّمال يحيط بها خطّ مغلق أُعيد رسمه حتّى كاد يخترق الورق.ينفض الوسادة و يثني الغطاء على أربع و يسوّيه من جهة السّاقين .يرتّب ملاءة الفراش.يفكّر أنّ عليه الإسراع و إلاّ تأخّر أو ربّما عليه التّفكير بالإسراع و إلاّ تأخّر،عندها و في كلتا الحالتين سيكون عليه الانتظار في المحطّة ساعتين مريرتين..يتذكّر كيف كانت زوجته تقول:"أولادك بحاجة إلى خادمين،واقفين طوال الوقت خلف السّتارة،لا إلى أبوين"،و كيف أنّ خصومة تنشب بينهما مهما جاء ردّه.هي هناك ،و لابدّ أنّها تصحو الآن لتكون بانتظاره.
    يُنزل حقيبة من الرفّ بهدوء.يلبس معطفا طويلا معلّقا إلى جواره بواسطة سلك خشن مقوّس.يسحب الحذاء من تحت السّرير.يلمّعه جيّدا بخرقة في الدّرج و ينتعله.لا يربط الخيوط.يمسح وجهه بمنشفة دون غسيل ،و يتساءل عمّا إذا كان حاجبا ولده الأكبر ما يزالان يحافظان على لونهما الأشقر المذهل.
    يبلّل شعره و يمشّطه حتّى يشعر بأنّ خطّا أبيض يفرقه نصفين.يرتّب ثيابه و أشياءه داخل الحقيبة و يحكم إغلاقها.يمسك بها من عروتها بقوّة.يتأكّد من خلوّ الدّرج . يشرد قليلا . الغرفة عائمة في الرّطوبة.يمشى نحو الباب بخطوات متلاصقة حثيثة، منكّس الرّأس لا يرى سوى موطأ قدميه.خطوة،اثنتان..عشرة. يُخرج من جيب المعطف مفتاحا كبيرا،يجعله يغوص ببطء في ثقب المزلاج دون أن يرفع رأسه.يتوقّف في تلك الوضعيّة برهة.يدير المفتاح برفق.ثمّ يسحبه و يعود من حيث أتى.يجلس على حافّة السّرير.يُفرغ الحقيبة.يخلع المعطف و الحذاء و يدسّهما فيها كما اتّفق كأنّه يحشو وسادة.يُعيد الحقيبة إلى الرفّ و يضع المنبّه فوق المنضدة.منذ خمس سنين و السّاعة تشير فيه إلى السّادسة.ما عاد ضجيج السّادسة يوقظ بقيّة المساجين.يتمدّد و يُغمض عينيه.قبل أن يغفو يفكّر بأنّ أعمالا كثيرة يتعيّن عليه القيام بها استعدادا للرّحيل غدا في أوّل قطار.




    محمد فطومي
    مدوّنة

    فلكُ القصّة القصيرة
  • ميساء عباس
    رئيس ملتقى القصة
    • 21-09-2009
    • 4186

    #2
    منذ خمس سنين و السّاعة تشير فيه إلى السّادسة.ما عاد ضجيج السّادسة يوقظ بقيّة المساجين.يتمدّد و يُغمض عينيه.قبل أن يغفو يفكّر بأنّ أعمالا كثيرة يتعيّن عليه القيام بها استعدادا للرّحيل غدا في أوّل قطار.

    حالة مربكة
    كحياتنا التي لم يجذبها سوى برزخ
    تناقضات مازالت تطرق فتتردد صباحاتنا
    ولايأتي منها سوى شفق
    فنتقوقع وشلل يكبلنا
    ممتعة تلك القصة ومعبرة جدا
    ومؤلمة
    نهايتها روعة
    قابضة ..وبصمت غصة في القلب
    تحيت لك ولحرفك الرائع
    الوردي كروحك
    كل الود والتقدير
    ميساء العباس
    مخالب النور .. بصوتي .. محبتي
    https://www.youtube.com/watch?v=5AbW...ature=youtu.be

    تعليق

    • نجاح عيسى
      أديب وكاتب
      • 08-02-2011
      • 3967

      #3
      أستاذ فطومي ..طابت أوقاتك بكل خير
      يُعجبني جداً حرصك على التفاصيل الصغيرة
      لِأبطال قصصك ..
      تلك الحركات والتصرفات الدقيقة التي تجعلك تعيش مع شخوصك
      وتراهم بعين متبصرة ..وكأنهم يتحركون تحت عين مجهر القاريء .
      قصة ممتعة أخذتني مع حيرة البطل وتردده ..
      وألم غربته ..وشوقهِ وذكرياتهِ ..بكل ما تحمل من ألم ومحبة .
      تقديري واحترامي وأكثر ..

      تعليق

      • ريما ريماوي
        عضو الملتقى
        • 07-05-2011
        • 8501

        #4
        ما الذي الم بصاحبنا ...
        هل هو فقدان للذاكرة، ولم يبق
        في دماغه الا هاجس العودة الى عائلته..
        ثم تنمحى .. ويعود من جديد يطارد هاجسه،
        أو مرض نفسي جعله يكرر حركاته نفسها كل يوم.
        يا للإنسان ذلك الكائن المعقد، مجرد اختلال بسيط عنده
        يخل ساعة الكون...

        شكرا لك على نص مفتوح للتأويل.

        تحيتي واحترامي.


        أنين ناي
        يبث الحنين لأصله
        غصن مورّق صغير.

        تعليق

        • محمد فطومي
          رئيس ملتقى فرعي
          • 05-06-2010
          • 2433

          #5
          تقديري و امتناني لك أستاذة ميساء على قراءتك المرهفة،تلك القراءة التي تُمهل الإنسان حينا ليتداعي بصورة طبيعيّة و حرّة،ذلك أنّ الكلل إجابة بحدّ ذاتها ،لا يجوز أن تُطرح بشأنها أسئلة من قبيل لماذا؟

          شكرا على عنايتك أختي الكريمة.
          مدوّنة

          فلكُ القصّة القصيرة

          تعليق

          • ليندة كامل
            مشرفة ملتقى صيد الخاطر
            • 31-12-2011
            • 1638

            #6
            السلام عليكم
            ربما يوهم نفسه بالعودة كي يقدر على الإستمرار حياته الجافة والباردة تدفعه الى تلك الوثبة
            الحماسية التي تغير طعم الحياة الباردة
            جميلة ومتقنة البناء
            تقديري العميق
            التعديل الأخير تم بواسطة ليندة كامل; الساعة 29-09-2012, 19:09.
            http://lindakamel.maktoobblog.com
            من قلب الجزائر ينطلق نبض الوجود راسلا كلمات تتدفق ألقا الى من يقرأها

            تعليق

            • سميرة رعبوب
              أديب وكاتب
              • 08-08-2012
              • 2749

              #7
              سرد رفيع المستوى يتناول التفاصيل بمهارة وتمرس
              هل تراه سجين وراء قضبان تحول بينه وبين حياة ماضية وماحوته من ذكريات ؟!!
              أم تراه سجين خلف قضبان أحكم هو في صنعها وتطويقها أعماق ذاته ؟!!

              نهاية مؤلمة أن يقرر الانسان الرحيل في أول قطار !

              كنت هنا أتعلم من جلال الحرف وسمو السرد وصدق النبض حكاية حديد !

              تقديري الكبير لك أستاذي الفاضل محمد فطومي ..
              رَّبِّ
              ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيرًا




              تعليق

              • أحمد عيسى
                أديب وكاتب
                • 30-05-2008
                • 1359

                #8
                أهلا بأديبنا المبدع وابداع جديد سعيد أنه لم يفتني ..

                حديد \
                رائعة جديدة من روائعك
                هذا البطل يعيش عالمه الخاص ، تحيط به جدران هو صنعها ، أو صنعت حوله ، جدران لا يستطيع الفكاك منها الا بأمل جديد يواتيه كل يوم ، وبين الألم والأمل يعيش هو حالة متكاملة من التناقض الصارخ والتخبط ، ولعل أبرز ما يدل على ذلك بعض المفردات الذكية في القصة

                مال هواء الغرفة إلى لون الجليد
                .يزيح عنه الغطاء حتّى يتعرّى بالكامل.

                .
                يسحب الحذاء من تحت السّرير.يلمّعه جيّدا بخرقة في الدّرج - و ينتعله.لا يربط الخيوط.

                يمسح وجهه بمنشفة دون غسيل- يبلّل شعره و يمشّطه
                يتوقّف في تلك الوضعيّة برهة.يدير المفتاح برفق.ثمّ يسحبه و يعود من حيث أتى.


                وهكذا نجد أننا في جملة من المتناقضات التي لا تنتهي ، فهو يمسح وجهه دون عناية بينما يبلل شعره ويمشطه باهتمام مبالغ فيه ، ويمسح الحذاء بعناية ثم يتركه دون ربط الخيوط ، يتقدم ويحجم ، يضع المنبه ثم يوقفه ، انها حالة كاملة من الازداوجية في الشخصية يعيشها هذا البطل ، سجين عالمه ، ولا شك نحتاج قراءة أخرى لنحاول أن نفهم / لماذا ؟ أو سنكتفي كما قال الكاتب ، أن نعيش الحالة دون محاولة فهم المبررات ، فلعلنا كلنا ضحايا هذه الحالة بشكل أو بآخر ، لعلنا كلنا نعيش في ذات الشخصية التي صنعناها وذات السجن الذي بنيناه بأيدينا

                لحروفك مذاق خاص ، ولسوف أكون بالجوار لأقرأ واتعلم

                تقديري
                ” ينبغي للإنسان ألاّ يكتب إلاّ إذا تـرك بضعة من لحمه في الدّواة كلّما غمس فيها القلم” تولستوي
                [align=center]أمــــوتُ .. أقـــــاومْ [/align]

                تعليق

                • مالكة حبرشيد
                  رئيس ملتقى فرعي
                  • 28-03-2011
                  • 4544

                  #9
                  هي أجساد مسكونة بالقهر
                  عقول اعتلاها الارتباك ما عادت تستطيع التركيز
                  كان الامس عاريا ومعدما
                  الغد محض صدفة قد ترمي ما تبقى من عمر في جب السراب
                  حدود الحاضر يرسمها الاهتزاز ما بين الشك واليقين
                  ذاك نحن بكل ما نحمل من تناقضات ...من مزاجيات ...
                  من ملوحة احتلت قعر الارواح
                  وجدتها بعيدة ...بعيدة المرامي وموجعة
                  او ربما حلقت بعيدا
                  رائع استاذ فطومي كعادتك تاخذنا بتفاصيلك الدقيقة
                  التي تفرض التركيز

                  تعليق

                  • محمد فطومي
                    رئيس ملتقى فرعي
                    • 05-06-2010
                    • 2433

                    #10
                    الأديبة القديرة نجاح عيسى،
                    مساء الطِّيب.
                    أكاد أجزم أنّنا لو سألنا الجبل الصّخريّ عمّا يُرهقه أكثر من غيره لقال:قطرة الثّلج الذّائب التي تسقط على صدره مرّة في اليوم.و لا أعتقد أنّه سيشكوك زلزالا و لا و بركانا و لا عاصفة.
                    كذلك نحنُ،الجزئيّات الصّغيرة هي التي تنبىء بمنسوب المقاومة و الفشل و الرّضا لدينا و تتعدّى ذلك لتُقرّر نيابة عنّا ما إذا كنّا أولياء أمور أنفسنا أم لا..
                    إنّها العرض بكلّ بساطة.
                    و الكاتب لا يعرض،هو يُحاول فهم ما يجري بصوت مسموع.
                    أذكر قصّة لجمال الغيطاني عنوانها "النّعاس" أو شيئا من هذا القبيل،تروي حكاية رجل يسعى لكي ينام.
                    هذا بصدق ما نحنُ عليه.
                    مودّتي العميقة لك أختي نجاح،يسرّني وجودك كثيرا.
                    التعديل الأخير تم بواسطة محمد فطومي; الساعة 01-10-2012, 16:54.
                    مدوّنة

                    فلكُ القصّة القصيرة

                    تعليق

                    • محمد فطومي
                      رئيس ملتقى فرعي
                      • 05-06-2010
                      • 2433

                      #11
                      عبارة مرض نفسيّ تُحيل على أنّ هناك سليم نفسيّ،في حين أنّ المسألة و هذا اعتقاد شخصيّ تتلخّص في أنّه ثمّة قادر على مواصلة إبداء المُتّفق عليه و آخر أقلّ قدرة على المُقاومة.أو ما يُسمّى بالصّبر.
                      الأكيد أنّ كلايهما قد توصّلا إلى الحلّ الذي يضمن لهما الاستمرار.الأوّل يعيش الحالة أمّا الثّاني فيُعايشها.

                      أشكرك عميق الشّكر ريما ريماوي على تواصلك الجميل.
                      مودّتي لكِ.
                      مدوّنة

                      فلكُ القصّة القصيرة

                      تعليق

                      • محمد فطومي
                        رئيس ملتقى فرعي
                        • 05-06-2010
                        • 2433

                        #12
                        كلّ الشّكر و الامتنان أستاذة ليندة كمال على الإضاءة .
                        لكِ منّي أجمل تحيّة و أجلّ تقدير.
                        مدوّنة

                        فلكُ القصّة القصيرة

                        تعليق

                        • محمد فطومي
                          رئيس ملتقى فرعي
                          • 05-06-2010
                          • 2433

                          #13
                          تقديري و شكري الحارّ لكِ أختي سميرة رعبوب،و العفو ، فبدوري أتعلّم و أجرّب و أتأمّل..كنتُ و ما أزال أعتقد أنّ القصّة القصيرة أبعد من أن نُمسك بها أو نُتمّ إنجازها.
                          بوركـتِ أختي العزيزة.
                          مدوّنة

                          فلكُ القصّة القصيرة

                          تعليق

                          • محمد فطومي
                            رئيس ملتقى فرعي
                            • 05-06-2010
                            • 2433

                            #14
                            صديقي الرّائع المُبدع أحمد عيسى.
                            قراءة رحبة الأفق،أضافت إلى النصّ و فكّت ضيقه و انغماسه في المُحاولة .أتباهى و أسعد دائما بحضورك الأنيق .
                            محبّتي العميقة.
                            مدوّنة

                            فلكُ القصّة القصيرة

                            تعليق

                            • ربيع عقب الباب
                              مستشار أدبي
                              طائر النورس
                              • 29-07-2008
                              • 25792

                              #15
                              قرأت منذ أول قطفة و استمتعت كما عادتي مع نصوصك
                              حتى لو قصرت في التعليق
                              و الكتابة
                              تظل اسما أبحث عن أعماله هنا و هناك ........................ لأتعلم !

                              محبتي
                              sigpic

                              تعليق

                              يعمل...
                              X