عن الندوات الثقافية .. عن تفككنا الثقافي
نبيل عودة
كلما اشتركت في ندوة أدبية، يزدادفزعي من التفكك الثقافي الذي نلجه بسرعة غير عادية، دون ان تطلق صفارات الانذارابواقها محذرة منبه.
احيانا لا اعرف لماذا أصر على المشاركة في الندوات، هل هي عادة تلاشت ايامها؟ مرض عضال لا علاج له؟
اعترف ان مشاركتي في بعض الندوات ، تثري روحي ان لم تثر معرفتي، بعضهااشارك بها رقما او جسدا يملأ بعض الفراغ،بعضها اسقطها من حسابي حتى لا اصاب بإكتآب، حين اجد انها تكرار بالأسماء وستكون تكرارا غبيا بالنصوص، حتى لو اختلفت مواضيعها.حيث يأخذ بعضها طابعا مغلقا يمكن تسميتها "بندوات سرية".
شاركت قبل ايام بندوة حول كتابلأديب صحفي، جاد ومثابر، لا اريد الحديث عن الندوة مباشرة، وعن تشابه الكلام ،وتنافس المتحدثين في ابراز مواهبهم في التقييم الايجابي ولا شيء غيره لدرجة ان كلالمداخلات متشابهة في المضمون. هذا حقهم ولا اعتراض لي عليه ولكن ما لفت انتباهيان الندوة تحولت عن الكتاب الى الشخص. من ناحية الشخص هو الوجه الآخر للكتاب،ولكنه ليس موضوع الندوة. تمنيت أن أسمع تقييما نقديا، تقييما اسلوبيا، فلم اسمعالا كلمات معادة باساليب مختلفة باختلاف المتحدثين.الا ان احد المتحدثين ذكر امراجديدا، بان لغة الكتاب هي لغة الصحافة نتيجة كون الكاتب صحفيا تأثر بلا شك بلغةالصحافة.ولم يرد من المتحدث أي اضافة حول لغة الصحافة التي قد تفهم من قبل الجمهورالمشارك بشكل سلبي وهو ما سأتطرق اليه ببعض التفاصيل في مقالي هذا.والموضوع الأخرالذي طرح، حول وسائل الإعلام العربية في اسرائيل، وهبوط مستواها المتواصل.وهوموضوع يستحق دراسة جادة.
لا اعتراض على اهمية ما طرح بشكل عام عن الكتاب والكاتب، انما التماثللدرجة غياب كامل للتقييم الأسلوبي للكتاب مثلا، او لفهم الانتماء الأدبي لنوعالكتاب،او تقييم النصوص نقديا، هي ظاهرة سلبية، ثم جرى التركيز على الكاتب، بشكلمبالغ أضاع الهدف الجوهري من الندوة لدرجة ان الندوة انحرفت عن موضوعها ( الكتاب)الى موضوع الكاتب ومواقفه وآرائه، واعتقد ان أكثرية المشاركين لم يجدد لهم هذاالشيء أي جديد.الكاتب صفحة مفتوحة بنصوصه، بمقالاته وما يطرحه من مواقف في صحيفته.
لم نحضر لنصفق ، بل لننمي معرفتنا ونثري ثقافتنا.ولا انفي اني من المعجبينباسلوب الكاتب واتجاهه الأدبي، هذا لا يعني ان العمل قد تم وأكتمل.
ضمن المراجعات المتشابهة والحوار مع الكاتب، طرحت قضايا ثقافية يشكل كلمنها موضوعا لندوة او أكثر. للأسف لم تلفت انتباه المشاركين في الندوة او الحوار.
قبل تناول موضع لغة الصحافة، وملاحظات حول الواقع الاعلامي المحلي، اودالإشارة الى قضية مقلقة جاءت في بداية مقالي: "فزعي من التفكك الثقافي".
استطيع ان اقول بشكل قاطع ان الغياب الكبير بين الجمهور كان لعنصر الشبابوالطلاب، بمعنى آخر ، الجيل الناشئ مشاغله بعيدة عن الثقافة والفكر والمعرفة بكلفروعها.هذا انطباعي ليس من الندوة او الندوات التي اشارك فيها، انما من احتكاكيبالكثيرين من الطلاب والأجيال الشابة.
كيف انحدرنا الى هذا الوضع؟
هناك اجابات واجتهادات كثيرة، ولكن الموضوع يجب ان يلفت انتباه المختصين فيالتربية وعلم النفس وعلم الاجتماع ، وان يلفت انتباه منظمات الشباب ( وأكثريتهاحزبية) التي كانت منبرا للتوعية والمعرفة وأصبحت مجرد تنظيمات بلا مضامين ثقافيةوبلا توعية واثراء ذاتي فكري وسياسي.
مقاهي الأرجيلة أصبحت في ايامنا منتديات للضياع واختلال المعايير . اطلاقدخان الأرجيلة في الفضاء العابق داخل المقاهي أهم من الثقافة، أهم من الوعيالثقافي ، الاجتماعي والسياسي . الى أين ينحدر مجتمعنا؟ أي مصير نحث الخطى اليهدون فهم ودون وعي اولي؟ هل بالصدفة اذن ان عدد القراء في انحدار سريع؟ الكتاب الذيلا يوزع مجانا يتراكم ورقا للحرق في صناديق صاحبه؟ او عليه ان يتحول الى تاجر،ليسدد خسائر الطباعة. مؤسساتنا المدنية غائبة، مؤسساتنا الرسمية ما يشغلها لاعلاقة له بما ذكرت. حتى برامج الأحزاب والقوائم الانتخابية التي تطفوا على سطحالنشاط في المواسم، تطرح رؤية صحيحة في برامجها، ولا تعمل على تنفيذها.وربما منيصيغ البرنامج ينسخ البند الثقافي دون ان يعرف ماذا تعني الثقافة!!
حول لغة الصحافة.
الخطا الشائع لدى بعض المثقفين أيضا، ومنهم كتاب وشعراء ، يعطيهم الوهم انهذا التعبير لغة الصحافة يعني لغة ما دون الثقافة.ولو راجعنا اعمالهم الكتابية،لما وجدنا الا لغة الصحافة.
ما هي لغة الصحافة؟
في حوار رائع ، من أجمل وارقى ما قرأت في ثقافتناالعربية بين العملاقين الخالدين ، الأديبالموسوعي مارون عبود، والشاعر الكبير نزار قباني، تمسك مارون عبود بالشكلالكلاسيكي للقصيدة ، وأصر نزار قباني على الشكل الحديث. لم يكن النقاش مجرد خلافعلى الشكل، انما تضمن أيضا لغة القصيدة ، ومعروف ان نزار قباني هو الشاعر العربيالذي جعل الشعر في متناول وفهم حتى أبسط الناس . فهل نستطيع ان نقول ان لغة نزارقباني الشعرية هي لغة " غير أدبية " لأنها قريبة جدا من لغة فصحى بسيطةيسميها البعض "لغة الصحافة"؟
هي بلا شك لغةبسيطة بمفرداتها ، متدفقة كالماء بصياغاتها ، وهي من النوع الذي اتفق على تسميتهبالسهل الممتنع . ان شاعرية نزار فوق أي نقاش ،ولا أظن انه يوجد شاعر مقروء فيالعالم العربي حتى اليوم أكثر من نزار قباني .. حتى شاعر عملا ق آخر مثل العراقيمظفر النواب ، أذهلنا بشاعريته ، ووضوح صياغاته وسهولة الاندماج مع أجوائه بلغتهالعادية وغير المعقدة رغم ثراء لغتهومفرداته وعالمه التراثي الواسع ... وهياللغة العربية التي يسميها البعض " لغة الصحافة " بسبب مفرداتهاوصياغاتها السهلة.
انلغة الصحافة ، هي اللغة ذات المفردات الأكثر استعمالا وفهما في محيط اللغة العربيةالواسع .ربما هذه التسمية " لغة الصحافة " هي تسمية خاطئة، ولا تعبرتماما عن الواقع . انا أميل لتسميتها ب " الفصحى الحديثة السهلة" كمميزلها عن الفصحى الكلاسيكية ( يبدو ان هناك اكثر من فصحى واحدة). وفي الوقت نفسه أرى ان اللغة في كل زمان ومكان يتحددشكلها وثروة مفرداتها ، حسب معطيات العصر نفسه .
ان اللغة جسم حي ومتطور باستمرار ، ولكل عصرلغته ، مفردات ومعان ومناخ ثقافي وفكري، وما يسمونها اليوم " لغة الصحافة" هي في الحقيقة اللغة الفصيحة السهلة المعاصرة الأكثر سرعة في التكيف معالواقع والأقرب للمناخ الثقافي المعاصر..
ملاحظة عابرة حول موضوع واقع الاعلام العربي،وساعود للموضوع بتوسع.
تكاثرت الصحف ، وتحول الكم الى نقيض المقولة الفلسفية الديالكتيكية عن "تحول الكم الىكيف".
ان الإشكالية الجوهرية حسب فهمي، هو فقرالصحافة العربية المحرومة من حصة عادلة من الاعلانات الحكومية، ومن تجاهل الشركاتالكبيرة التي تسوق بضائعها في الوسط العربي من تخصيص حصة نسبية تلاءم نسبةالمواطنين العرب في دعايتها.
على الهيئات العربية بكل تنوعاتها،ان تطرحهذا الموضوع على رأس سلم اهتمامها اذا ارادت ان تتطور لدينا وسائل اعلام تستحق هذهالتسمية. ولن اخوض في اهمية وسائل الاعلام في المجتمعات الحديثة حيث توصف بالسلطةالسابعة.
الجانب الثاني يجب ان نعي ان ادوار وسائلالاعلام تتغير،الصحافة المطبوعة خاصة، التي تشكل القسم الأبرز والأكبر في اعلامناالمحلي، ما تزال تعمل بعقلية الاعلام الكلاسيكي للصحافة المطبوعة كإعلام اخباري.
الصحافة المطبوعة تحولت من صحافة اخباريةلصحافة خدماتية.لا يمكن منافسة الاعلام الألكتروني في ملعبه. هنا المشكلة الكبرىبحيث يبدو الخبر في الصحافة المطبوعة كتسجيل تاريخي .
الموضوع كما اسلفت يحتاج الى مراجعة خاصة ،سبق ان تطرقت اليه وساعود مرة أخرى برؤية متجددة.
nabiuloudeh@gmail.com
تعليق