عَيْشَه.
كنا نستيقظ أحيانا في أنصاف الليالي على صوت نحيب يقطع نياط القلب، و نسمع أبي يطلب من أخي الأكبر أن يخرج ليتفقّدها إذ ربما تكون مريضة أو أنّ " أولاد الحرام " قد تعرّضوا لها بسوء عل حدّ قول أبي.
بعد سنوات، حين صادفت ثاني مجنونات القرية تهيم في الشارع متثاقلة تحت وطأة بطنها المكوّرة، فهمت ما كان أبي يعنيه بـ " سوء " و أدركت أنّ الجنون ليس قوّة كما بدا لي ذات طفولة .
في سنٍ صغيرةٍ جدا، اعتقدتُ أنّ عيشة من العائلة، عمّتي مثلا أو خالتي، لأنّي فتحت عينيّ على الدنيا لأجدها هناك و لأنّ أبي كان يهتم بها اهتماما غريبا، زائدا عن الحدّ .
كان اسمها حاضرا في بيتنا بشكل شبه دائم. في كل مناسبة كنت أسمع أبي يوصي أمي " لا تنسي عيشة " " احتفظي بنصيب عيشة " ، أو يأمرنا بشيء من الحزم " تفقّدوا عيشة " " لا تستفزّوا عيشة " .
تقضي أيامها و لياليها في الجهة الخلفية لمنزلنا الكبير . عشّة ضيّقة، مصنوعة من الكارتون و قطع من الأقمشة البالية لا تكاد تقي بردا و لا حرّا . و الغريب أنّها لم تكن تمرض أبدا ! حتى في عزّ الشتاء و البرد و تساقط الثلج .
أيّة قدرة على التحمّل كان يمنحها لها عقلها المخرّب ؟ أيكون الجنون مناعة ؟ حصانة بشكل أو بآخر ؟
كانت أحيانا تطلب مني أن أقترب منها. تبتسم لي و عيناها طافحتان بحنان عجيب قبل أن تنهرني بإشارة من يدها ، فأقفز خطوات إلى الخلف مبتعدة متوجّسة منها، لكن ضاحكة، غير آبهة .
كنت أجد متعة خفيّة في تأمّلها ، خاصة حين تجتاحها نوبة الغضب فتدور حول نفسها ، حانقة ، ثائرة ، و قد احمرّت عيناها و انتفخت أوداجها و تجمّع البصاق فوق شفتيها . تلوّح بقبضتيها في الهواء كأنّما تطارد أشباحا . تتلفّظ بكلام بذيء . تتوعّد . و قد تلتقط الحجارة و ترمي بها المارة أو تبصق في وجوههم و الويل لمن يسخر منها أو يحدّق فيها.
أقف غير بعيد و معي أطفال الحيّ ، ضاحكين من تصرّفاتها ، مستغربين هياجها ... متوقّعين أن يصل بها الأمر إلى نزع ثوبها و كشف جسدها ، كما كانت تفعل حين تصل النوبة أقصاها . لم نكن نأمن لها جانبا و هي على تلك الحال، رغم أنها كانت تحبّنا. لا نجرؤ على الاقتراب منها إلا حين تهدأ تماما .
نوبات الغضب تلك كانت نادرة و لا أحد يدري ما يسبّبها و لا كيف تبدأ ، أما في معظم الأحيان فقد كنت أراها تجلس في هدوء تام ، مبتسمة ، سعيدة ، ترفع عقيرتها بالغناء ، أو تخرج من كيس بالي مشطا و تبدأ محاولة يائسة في تمشيط شعرها الأشعث .
كنت استغرب . لا أفهم كيف يمكنها المرور بكل تلك الحالات المتباينة من ضحك أو بكاء أو سكون أو هياج
و أعترف أنني، في فترة من حياتي، غبّطت عيشة على جنونها، و تمنّيت لو أملك مثلها تلك الشجاعة و القدرة على الدّفاع عن النفس. ماذا لو كانت أعارتني جنونها ليوم واحد فقط ؟ كنت شتمت الإسكافي العجوز القذر الذي ، حين قصدته لتصليح حذائي ، جعلني أجلس في حجره . يومها لم أفهم لمَ فعل ذلك ، شعرت بالحرج و عدم الارتياح و كرهته جدا. و كنت شتمت بائع الحلوى الذي قرصني في خدّي بشدّة ، ورميت بالحجارة كل الذين لمعت أعينهم بنظرة ذئب جائع .
لم أكن أرى في جنون عيشة ما يعيب ، بالعكس كنت أشعر أنّها متميّزة و قويّة و قد مرّ زمن قبل أن أتخلّص من فكرة ملحّة : أن تكون مجنونا معناه أن تكون حرّا و قويّا و مهيبا و شجاعا، و أن تفعل ما تريد و تقول ما تريد دون رقيب أو حسيب.لكن عيشة تبيت في العراء و أنا لم أكن لأطيق ذلك. لا أنام إذا لم تحطني بذراعها عن يميني أختي زينب ، و عن شمالي أختي سلوى ، و إذا لم يكن آخر ما أراه هو أمي تروح و تجيء في البيت قبل أن تسكب في عيني رحيق الأمان فأخلد للنوم ..
أتذكّر جيدا ذلك اليوم من أيام رمضان و كنت طفلة لم تتجاوز العاشرة.
أجري نحو أمي ، أجذبها من فستانها و أنا أصيح بصوت مدهوش " أمي ...أمي ...رأيت الآن عيشة " تأكل رمضان ! " نعم" تقول لي أمي بكل برودة دون أن تلتفت نحوي أو تتوقّف عن الانشغال بما بين يديها . " هل ستذهب عيشة للنار لأنّها لا تصوم ؟ " " لا يا ابنتي لن يحاسبها الله لأنّها بلا عقل . " من أخذ عقلها يا أمي ؟ " لم يأخذه أحد . هكذا خلقها الله . " و لماذا خلقها الله هكذا ؟ "
ينفد صبر أمي. تعرف أنّي لن أتوقّف إن لم توقفني بطريقة أو بأخرى .
" كفّي عن طرح الأسئلة وتعالي ساعديني . "
أتقدّم لمساعدتها و لا أفهم حقا .
و قبل العيد بأيام، كنت أرافق أمي إلى السوق لنقتني لوازم المناسبة السعيدة.
أرى أبي يدس في يدها أوراقا نقدية و يقول : " اشتري ثوبا جديدا لعيشة أيضا . "
كلما أتذكّر ذلك أتساءل عن السر وراء اهتمام أبي بعيشة ، و أمي أيضا .
و لم يخبرني أحدٌ أبدا إلى أن كبرت وعثرت على ورقة رثّة مطوية في حافظة أوراق والدي سنوات بعد وفاته .
كنا نستيقظ أحيانا في أنصاف الليالي على صوت نحيب يقطع نياط القلب، و نسمع أبي يطلب من أخي الأكبر أن يخرج ليتفقّدها إذ ربما تكون مريضة أو أنّ " أولاد الحرام " قد تعرّضوا لها بسوء عل حدّ قول أبي.
بعد سنوات، حين صادفت ثاني مجنونات القرية تهيم في الشارع متثاقلة تحت وطأة بطنها المكوّرة، فهمت ما كان أبي يعنيه بـ " سوء " و أدركت أنّ الجنون ليس قوّة كما بدا لي ذات طفولة .
في سنٍ صغيرةٍ جدا، اعتقدتُ أنّ عيشة من العائلة، عمّتي مثلا أو خالتي، لأنّي فتحت عينيّ على الدنيا لأجدها هناك و لأنّ أبي كان يهتم بها اهتماما غريبا، زائدا عن الحدّ .
كان اسمها حاضرا في بيتنا بشكل شبه دائم. في كل مناسبة كنت أسمع أبي يوصي أمي " لا تنسي عيشة " " احتفظي بنصيب عيشة " ، أو يأمرنا بشيء من الحزم " تفقّدوا عيشة " " لا تستفزّوا عيشة " .
تقضي أيامها و لياليها في الجهة الخلفية لمنزلنا الكبير . عشّة ضيّقة، مصنوعة من الكارتون و قطع من الأقمشة البالية لا تكاد تقي بردا و لا حرّا . و الغريب أنّها لم تكن تمرض أبدا ! حتى في عزّ الشتاء و البرد و تساقط الثلج .
أيّة قدرة على التحمّل كان يمنحها لها عقلها المخرّب ؟ أيكون الجنون مناعة ؟ حصانة بشكل أو بآخر ؟
كانت أحيانا تطلب مني أن أقترب منها. تبتسم لي و عيناها طافحتان بحنان عجيب قبل أن تنهرني بإشارة من يدها ، فأقفز خطوات إلى الخلف مبتعدة متوجّسة منها، لكن ضاحكة، غير آبهة .
كنت أجد متعة خفيّة في تأمّلها ، خاصة حين تجتاحها نوبة الغضب فتدور حول نفسها ، حانقة ، ثائرة ، و قد احمرّت عيناها و انتفخت أوداجها و تجمّع البصاق فوق شفتيها . تلوّح بقبضتيها في الهواء كأنّما تطارد أشباحا . تتلفّظ بكلام بذيء . تتوعّد . و قد تلتقط الحجارة و ترمي بها المارة أو تبصق في وجوههم و الويل لمن يسخر منها أو يحدّق فيها.
أقف غير بعيد و معي أطفال الحيّ ، ضاحكين من تصرّفاتها ، مستغربين هياجها ... متوقّعين أن يصل بها الأمر إلى نزع ثوبها و كشف جسدها ، كما كانت تفعل حين تصل النوبة أقصاها . لم نكن نأمن لها جانبا و هي على تلك الحال، رغم أنها كانت تحبّنا. لا نجرؤ على الاقتراب منها إلا حين تهدأ تماما .
نوبات الغضب تلك كانت نادرة و لا أحد يدري ما يسبّبها و لا كيف تبدأ ، أما في معظم الأحيان فقد كنت أراها تجلس في هدوء تام ، مبتسمة ، سعيدة ، ترفع عقيرتها بالغناء ، أو تخرج من كيس بالي مشطا و تبدأ محاولة يائسة في تمشيط شعرها الأشعث .
كنت استغرب . لا أفهم كيف يمكنها المرور بكل تلك الحالات المتباينة من ضحك أو بكاء أو سكون أو هياج
و أعترف أنني، في فترة من حياتي، غبّطت عيشة على جنونها، و تمنّيت لو أملك مثلها تلك الشجاعة و القدرة على الدّفاع عن النفس. ماذا لو كانت أعارتني جنونها ليوم واحد فقط ؟ كنت شتمت الإسكافي العجوز القذر الذي ، حين قصدته لتصليح حذائي ، جعلني أجلس في حجره . يومها لم أفهم لمَ فعل ذلك ، شعرت بالحرج و عدم الارتياح و كرهته جدا. و كنت شتمت بائع الحلوى الذي قرصني في خدّي بشدّة ، ورميت بالحجارة كل الذين لمعت أعينهم بنظرة ذئب جائع .
لم أكن أرى في جنون عيشة ما يعيب ، بالعكس كنت أشعر أنّها متميّزة و قويّة و قد مرّ زمن قبل أن أتخلّص من فكرة ملحّة : أن تكون مجنونا معناه أن تكون حرّا و قويّا و مهيبا و شجاعا، و أن تفعل ما تريد و تقول ما تريد دون رقيب أو حسيب.لكن عيشة تبيت في العراء و أنا لم أكن لأطيق ذلك. لا أنام إذا لم تحطني بذراعها عن يميني أختي زينب ، و عن شمالي أختي سلوى ، و إذا لم يكن آخر ما أراه هو أمي تروح و تجيء في البيت قبل أن تسكب في عيني رحيق الأمان فأخلد للنوم ..
أتذكّر جيدا ذلك اليوم من أيام رمضان و كنت طفلة لم تتجاوز العاشرة.
أجري نحو أمي ، أجذبها من فستانها و أنا أصيح بصوت مدهوش " أمي ...أمي ...رأيت الآن عيشة " تأكل رمضان ! " نعم" تقول لي أمي بكل برودة دون أن تلتفت نحوي أو تتوقّف عن الانشغال بما بين يديها . " هل ستذهب عيشة للنار لأنّها لا تصوم ؟ " " لا يا ابنتي لن يحاسبها الله لأنّها بلا عقل . " من أخذ عقلها يا أمي ؟ " لم يأخذه أحد . هكذا خلقها الله . " و لماذا خلقها الله هكذا ؟ "
ينفد صبر أمي. تعرف أنّي لن أتوقّف إن لم توقفني بطريقة أو بأخرى .
" كفّي عن طرح الأسئلة وتعالي ساعديني . "
أتقدّم لمساعدتها و لا أفهم حقا .
و قبل العيد بأيام، كنت أرافق أمي إلى السوق لنقتني لوازم المناسبة السعيدة.
أرى أبي يدس في يدها أوراقا نقدية و يقول : " اشتري ثوبا جديدا لعيشة أيضا . "
كلما أتذكّر ذلك أتساءل عن السر وراء اهتمام أبي بعيشة ، و أمي أيضا .
و لم يخبرني أحدٌ أبدا إلى أن كبرت وعثرت على ورقة رثّة مطوية في حافظة أوراق والدي سنوات بعد وفاته .
تعليق