القصيدة:
مَرَاسيمُ عُرْسٍ تجْريدي/ عبد اللطيف غسري
1-
في أقصى تمَثلاتِ الزَّمَكانِِ
يَسْحَبُ الاخضرارُألوانََهُ
فوقَ الحجَر والشجَر
الوقتُ مُنْكَفِئٌ على حَبْلِسُرَّتِهِ
لمْ يَلْفَظْهُ رَحِمُ الكلامِ بَعْدُ
نظِّفْ مَراياكَ
وادْخُلْبينَ ثنايَا اليقظَةِ
ارْصُدْ تَرْبيعاتِ الترابِالمُسَيَّجَةِ
بِاسْتِداراتِ الهواءِ
تهْويماتُ الفراغِ
أعلى مِنْتعَاويذِكَ الشَّــلَّاءِ
أينَ امْتِلاءُ تربيعاتِ التراب؟
هناكَ عِندَالْتِقاءِ الريحِ والشعاعِ
مَرَاسيمُ عُرْسٍ تجْريدي/ عبد اللطيف غسري
1-
في أقصى تمَثلاتِ الزَّمَكانِِ
يَسْحَبُ الاخضرارُألوانََهُ
فوقَ الحجَر والشجَر
الوقتُ مُنْكَفِئٌ على حَبْلِسُرَّتِهِ
لمْ يَلْفَظْهُ رَحِمُ الكلامِ بَعْدُ
نظِّفْ مَراياكَ
وادْخُلْبينَ ثنايَا اليقظَةِ
ارْصُدْ تَرْبيعاتِ الترابِالمُسَيَّجَةِ
بِاسْتِداراتِ الهواءِ
تهْويماتُ الفراغِ
أعلى مِنْتعَاويذِكَ الشَّــلَّاءِ
أينَ امْتِلاءُ تربيعاتِ التراب؟
هناكَ عِندَالْتِقاءِ الريحِ والشعاعِ
2
قمَرَانِِ مَنشوران فوق جِدارالفرحِ
يُزيحان قلقَ الرِّيح
عن سِندِيانة العُمر
كفَّان مَوْشومَانبحِنَّاء المواعيدِ
ينسُجان ربيعَ اللقاءِ
من خريف الصُّدْفةِ
يَذبَّانِهَوَامَّ اللحظاتِ المُرَاقَةِ
بمِروحة الانتظار والاشتعال
ملفوفٌأنتَ
بسِعَةِ البياض المَمنوحِ
بإمكانكَ أن تَندَسَّ
بين ألِفالانجذابِ
وهمزة الاقترابِ
قمَرَانِِ مَنشوران فوق جِدارالفرحِ
يُزيحان قلقَ الرِّيح
عن سِندِيانة العُمر
كفَّان مَوْشومَانبحِنَّاء المواعيدِ
ينسُجان ربيعَ اللقاءِ
من خريف الصُّدْفةِ
يَذبَّانِهَوَامَّ اللحظاتِ المُرَاقَةِ
بمِروحة الانتظار والاشتعال
ملفوفٌأنتَ
بسِعَةِ البياض المَمنوحِ
بإمكانكَ أن تَندَسَّ
بين ألِفالانجذابِ
وهمزة الاقترابِ
3
تتصاعدُ أبْخِرَةُالتوقعِِ
مِن مِدْخَنةِ الصوتِ
لا تتلوَّثُ حُوَيْصِلةُ الصدى
بلتنفرجُ
وتنقشِعُ عن مُخاتلاتٍ سُندُسِيةٍ للهواءِ
واندفاعاتٍ هندسيةٍ
فيمَتاهات الضوءِ
اقطِفْ أنتَ مِنْ جَدَليةِ الانفعال
حِجَاجَ الانزياحِ نحوَالانتشاءِ
حولكَ تُطوَى مَسافاتُ التحفظ
في أكُفِّ الذهول
أينَ كانَيَختبئُ
هذا الحُداءُ الفيْروزيُّ الجامحُ؟
تتصاعدُ أبْخِرَةُالتوقعِِ
مِن مِدْخَنةِ الصوتِ
لا تتلوَّثُ حُوَيْصِلةُ الصدى
بلتنفرجُ
وتنقشِعُ عن مُخاتلاتٍ سُندُسِيةٍ للهواءِ
واندفاعاتٍ هندسيةٍ
فيمَتاهات الضوءِ
اقطِفْ أنتَ مِنْ جَدَليةِ الانفعال
حِجَاجَ الانزياحِ نحوَالانتشاءِ
حولكَ تُطوَى مَسافاتُ التحفظ
في أكُفِّ الذهول
أينَ كانَيَختبئُ
هذا الحُداءُ الفيْروزيُّ الجامحُ؟
4
تشبَّثْ بجدائلالإفاقةِ
بعدَ هُنيهةِ صَعْلكَةٍ عَنبَريةٍ
ليس مُهِمًّا
ذلكَ الترنحُالمتجددُ في أجفانِكَ الزيتيةِ
انظرْ حولكَ..
يتلقفُكَ الماءُ النافرُ
منجُيوب الوَهَجِ
تتشكلُ دوائرُ السَّغبِ
حول سِماطِ التدليل المُزركشِ
لاتلزَمْ ألِفَكَ المقصورَةَ
واخْترْ أيَّ دائرةٍ
تسَعُ أجزاءَكَالمُتشظيةَ
ما زال الوقتُ مُنكفئًا على حَبلِ سُرَّتِهِ
لمْ يَلْفَظْهُرَحِمُ الكلامِ بَعْدُ
تشبَّثْ بجدائلالإفاقةِ
بعدَ هُنيهةِ صَعْلكَةٍ عَنبَريةٍ
ليس مُهِمًّا
ذلكَ الترنحُالمتجددُ في أجفانِكَ الزيتيةِ
انظرْ حولكَ..
يتلقفُكَ الماءُ النافرُ
منجُيوب الوَهَجِ
تتشكلُ دوائرُ السَّغبِ
حول سِماطِ التدليل المُزركشِ
لاتلزَمْ ألِفَكَ المقصورَةَ
واخْترْ أيَّ دائرةٍ
تسَعُ أجزاءَكَالمُتشظيةَ
ما زال الوقتُ مُنكفئًا على حَبلِ سُرَّتِهِ
لمْ يَلْفَظْهُرَحِمُ الكلامِ بَعْدُ
5
الآنَ فقط يُوغِلُ مُلتقى الريحوالشعاع
مُبتعدًا
في اتِّجاه أقصى تجَلياتِ البصَرِ
أنتَ جزءٌ مِن هذاالتدفق العائدِ
إلى تربيعاتِ التراب المُسيَّجِة
باستداراتِ الهواءِ
لكنكعائدٌ إلى تعاويذِكَ الشَّــلَّاءِ
عائدٌ إلى عاداتِك الأسطوريةِ
في اجْترارِالخَوَاءِ
دُونكيشُوطُ فيكَ مُشْهِرٌ
سَيفَهُ المَمْهُورَ بِريشِالوهمِ
وعِهْنِ الانزِواءِ
الآنَ فقط يُوغِلُ مُلتقى الريحوالشعاع
مُبتعدًا
في اتِّجاه أقصى تجَلياتِ البصَرِ
أنتَ جزءٌ مِن هذاالتدفق العائدِ
إلى تربيعاتِ التراب المُسيَّجِة
باستداراتِ الهواءِ
لكنكعائدٌ إلى تعاويذِكَ الشَّــلَّاءِ
عائدٌ إلى عاداتِك الأسطوريةِ
في اجْترارِالخَوَاءِ
دُونكيشُوطُ فيكَ مُشْهِرٌ
سَيفَهُ المَمْهُورَ بِريشِالوهمِ
وعِهْنِ الانزِواءِ
آيت اورير – المغرب
24/12/2011
القراءة:
قصيدة "مراسم عرس تجريدي" واحدة من قصائد الشاعرالمغربي عبد اللطيف غسري التي تترجم أحاسيسه وانفعالاته الداخلية وأفكاره إبداعا رؤيويا عميقا تجاه الذات المبدعة والذات الإنسانية بصفة عامة.24/12/2011
القراءة:
تطل القصيدة بعنوان إيحائي محمل بدلالات معنوية عميقة, تشكل أساس الفكرة التي تتفرع عنها باقي أفكار الشاعر في القصيدة.
تحيلنا عبارة (مراسيم عرس) إلى معنى الأجواء العامة للحفل والاحتفال والابتهاج والفرح, لكن سرعان ما يتوارى هذا المدلول بإضافة الشاعر لصفة: "التجريدي" التي تحيل إلى شيء غير ملموس وخيالي وغير محدد.. والتي أبعدت الدلالة المباشرة لعبارة "مراسيم عرس" إلى دلالات أخرى غير متوقعة, وتخلق ارتباكا في ذهن القارئ, إذ تنزاح العبارة (مراسيم عرس) عن معناها الواقعي المألوف, لتؤدي معنى آخر/ معاني أخرى. ومن هنا نستمد الدلالة الأولى للعنوان على أن العرس غير طبيعي وغير واقعي, بل هو تجريدي وفوق واقعي.
ولفهم أبعاد ودلالات النص يتحتم على القارئ استحضار الدلالات المرتبطة بعبارة (مراسيم عرس) ودلالة كلمة (تجريدي).
ومنذ الوهلة الأولى, يجد القارئ نفسه أمام تعارض شديد, بين عالمين: واقعي (تحيل إليه عبارة: (مراسيم عرس) وخيالي (تحيل إليه كلمة: تجريدي), عالم محدود وعالم لامحدود, عالم الحياة الواقعية وعالم الحلم والإبداع.
1 ـ
تنطلق القصيدة بوصف الشاعر للحالة العامة للمكونين المؤطرين للأحداث والوقائع التي سيكشفها أمامنا, وهما الزمان والمكان. وهذا التحديد قائم في أساسه على التداخل بين العالمين الواقعي والخيالي. فهما غير محددين بشكل واضح وواقعي.
المكان لا يعكس الفرح وجو الاحتفال: (الشجر والحجر) أصبح عاريا من كل خضرة وبهاء. والزمان خاص عند الشاعر, زمن غير واقعي, محدود غير منطلق وهو في منطق الشاعر واقف ومنطو على نفسه...
في أقصى تمَثلاتِ الزَّمَكانِِ
يَسْحَبُ الاخضرارُألوانََهُ
فوقَ الحجَر والشجَر
الوقتُ مُنْكَفِئٌ على حَبْلِسُرَّتِهِ
لمْ يَلْفَظْهُ رَحِمُ الكلامِ بَعْدُ
يَسْحَبُ الاخضرارُألوانََهُ
فوقَ الحجَر والشجَر
الوقتُ مُنْكَفِئٌ على حَبْلِسُرَّتِهِ
لمْ يَلْفَظْهُ رَحِمُ الكلامِ بَعْدُ
يتوجه الشاعر بكلامه إلى مخاطب مفترض, وقد يكون هذا المخاطب هو الذات المبدعة نفسها, يدعوها إلى الوضوح والرؤية واليقظة والرصد والوعي بالمكان والإحساس والإدراك بالأشياء من حوله في أدق تفاصيلها, يقول الشاعر:
نظف مراياك
ادخل بين ثنايا اليقظة
ارصد تربيعات التراب المسيجة
باستدارات الهواء
الذات مثقلة بالحدود والانكسارات والقلق, فتبحث عن منفذ للتحرر في الأفق والعالم العلوي, عالم الخيال والحلم:
تهْويماتُ الفراغِ
أعلى مِنْتعَاويذِكَ الشَّــلَّاءِ
أينَ امْتِلاءُ تربيعاتِ التراب؟
هناكَ عِندَالْتِقاءِ الريحِ والشعاعِ
أعلى مِنْتعَاويذِكَ الشَّــلَّاءِ
أينَ امْتِلاءُ تربيعاتِ التراب؟
هناكَ عِندَالْتِقاءِ الريحِ والشعاعِ
2 ـ
اشتمل هذا المقطع الثاني على مجموعة من العناصر التي ارتبطت في ذهن المتلقي العربي بالعرس, وهي (الفرح ـ الحناء ـ اللقاء ـ البياض ...). لكن عندما نتفحص اللغة الشعرية في القصيدة نجد هذه العناصر ابتعدت عن مدلولاته المألوفة لتنخرط في خطاب جديد هو تعبير عن رؤيا الشاعر, تستمد معاني جديدة من سياقاتها التعبيرية التي وجدت فيها, وتصبح بموجب هذه السياقات دالة على الفرح لكن في عالم الحلم والإبداع, فالاحتفال ليست له مواصفات العرس كما هو معهود ومتعارف عليه. هو عرس من نوع آخر, في الحلم تحققت الفرحة ومؤشراتها في المقطع كثيرة: (قمران ـ جدار الفرح ـ كفان موشومان بحناء المواعيد ـ ربيع اللقاء ...)
التخييل يولد صورة عرس تجريدي, تحتفي فيه الذات وتبتهج فيه النفس بطريقتها الخاصة, وتنعم بفرح الاحتفال الصوري. وتتحرر فيه الذات من كل ما يؤرقها, ويكون بإمكانها أن تستمتع وتفرح:
قمَرَانِِ مَنشوران فوق جِدارالفرحِ
يُزيحان قلقَ الرِّيح
عن سِندِيانة العُمر
كفَّان مَوْشومَانبحِنَّاء المواعيدِ
ينسُجان ربيعَ اللقاءِ
من خريف الصُّدْفةِ
يَذبَّانِهَوَامَّ اللحظاتِ المُرَاقَةِ
بمِروحة الانتظار والاشتعال
ملفوفٌأنتَ
بسِعَةِ البياض المَمنوحِ
بإمكانكَ أن تَندَسَّ
بين ألِفالانجذابِ
وهمزة الاقترابِ
يُزيحان قلقَ الرِّيح
عن سِندِيانة العُمر
كفَّان مَوْشومَانبحِنَّاء المواعيدِ
ينسُجان ربيعَ اللقاءِ
من خريف الصُّدْفةِ
يَذبَّانِهَوَامَّ اللحظاتِ المُرَاقَةِ
بمِروحة الانتظار والاشتعال
ملفوفٌأنتَ
بسِعَةِ البياض المَمنوحِ
بإمكانكَ أن تَندَسَّ
بين ألِفالانجذابِ
وهمزة الاقترابِ
3 ـ
في المقطع الثالث, يسترسل الشاعر في وصف أجواء الاحتفاء بالنفس في الحلم والخيال عبر تكثيف مجازي دال على انفعالات قوية على خلفية اللقاء السحري, والذي ولد الاحساس بالأمل والفرح والحب.
فيدعو النفس إلى الانتشاء والاستمتاع بهذا الموقف السحري والصفاء, بعيدا عن تعقيدات الواقع وكل ما يفسد الفرح.
فيأتي هذا المعجم: (انفراج ـ انقشاع ـ اقطف ـ الذهول ـ الحذاء الفيروزي الجامح)
ليشكل حقلا دلاليا رامزا هو حقل الفرح والابتهاج, ويعكس انفعال البطل ودرجة استمتاعه في الحلم, حيث صنع الفرحة متاح:
تتصاعدُ أبْخِرَةُالتوقعِِ
مِن مِدْخَنةِ الصوتِ
لا تتلوَّثُ حُوَيْصِلةُ الصدى
بلتنفرجُ
وتنقشِعُ عن مُخاتلاتٍ سُندُسِيةٍ للهواءِ
واندفاعاتٍ هندسيةٍ
فيمَتاهات الضوءِ
اقطِفْ أنتَ مِنْ جَدَليةِ الانفعال
حِجَاجَ الانزياحِ نحوَالانتشاءِ
حولكَ تُطوَى مَسافاتُ التحفظ
في أكُفِّ الذهول
أينَ كانَيَختبئُ
هذا الحُداءُ الفيْروزيُّ الجامحُ؟
وقد اعتمد الشاعر في التعبير عن هذه المعاني على الانزياح الدلالي للكلمات وهذه سمة من سمات اللغة في الشعر العربي الحديث.مِن مِدْخَنةِ الصوتِ
لا تتلوَّثُ حُوَيْصِلةُ الصدى
بلتنفرجُ
وتنقشِعُ عن مُخاتلاتٍ سُندُسِيةٍ للهواءِ
واندفاعاتٍ هندسيةٍ
فيمَتاهات الضوءِ
اقطِفْ أنتَ مِنْ جَدَليةِ الانفعال
حِجَاجَ الانزياحِ نحوَالانتشاءِ
حولكَ تُطوَى مَسافاتُ التحفظ
في أكُفِّ الذهول
أينَ كانَيَختبئُ
هذا الحُداءُ الفيْروزيُّ الجامحُ؟
4 ـ
وعبر هذا المنحى المتدرج في عرض الأحداث والوقائع, يمر بنا الشاعر عبد اللطيف غسري, في المقطع الرابع, إلى حدث الإفاقة وخروج الذات التدريجي من عالمها الفوقي التجريدي, عالم الحلم والخيال والفرح أيضا.
فنجده يدعو الذات إلى التشبث بالإفاقة والخروج من عالم الحلم والنزول إلى عالم الحقائق, عالم التشظي والقلق:
تشبَّثْ بجدائلالإفاقةِ
بعدَ هُنيهةِ صَعْلكَةٍ عَنبَريةٍ
ليس مُهِمًّا
ذلكَ الترنحُالمتجددُ في أجفانِكَ الزيتيةِ
انظرْ حولكَ..
يتلقفُكَ الماءُ النافرُ
منجُيوب الوَهَجِ
تتشكلُ دوائرُ السَّغبِ
حول سِماطِ التدليل المُزركشِ
الذات ممزقة بين الواقع والحلم, بين القلق والمعاناة والغربة..بعدَ هُنيهةِ صَعْلكَةٍ عَنبَريةٍ
ليس مُهِمًّا
ذلكَ الترنحُالمتجددُ في أجفانِكَ الزيتيةِ
انظرْ حولكَ..
يتلقفُكَ الماءُ النافرُ
منجُيوب الوَهَجِ
تتشكلُ دوائرُ السَّغبِ
حول سِماطِ التدليل المُزركشِ
ويدعوها الشاعر إلى الفعل وعدم الاستكانة للتمزق والتشظي, يقول الشاعر:
لاتلزَمْ ألِفَكَ المقصورَةَ
واخْترْ أيَّ دائرةٍ
تسَعُ أجزاءَكَالمُتشظيةَ
ما زال الوقتُ مُنكفئًا على حَبلِ سُرَّتِهِ
لمْ يَلْفَظْهُرَحِمُ الكلامِ بَعْدُ
واخْترْ أيَّ دائرةٍ
تسَعُ أجزاءَكَالمُتشظيةَ
ما زال الوقتُ مُنكفئًا على حَبلِ سُرَّتِهِ
لمْ يَلْفَظْهُرَحِمُ الكلامِ بَعْدُ
5 ـ
في هذا المقطع الخامس يرجح الشاعر كفة الواقع, حيث تدرك الذات المبدعة أن مهما ابتعدنا وسمونا بأنفسنا إلى عالم الأحلام, فإن الواقع مجال حقيقي. فيبدأ العالم التجريدي في الابتعاد, يقول:
الآن فقط يوغل ملتقى الريح والشعاع
مبتعدا
في اتجاه أقصى تجليات البصر
والذات التي ابتعدت وصعدت إلى العالم الفوقي, تعود مع الأشياء العائدة إلى أرض الواقع:
أنت جزء من هذا التدفق العائد
إلى تربيعات التراب المسيجة
باستدارات الهواء
فالذات تعيش في الحلم ما لا تستطيع أن تعيشه في الواقع. فترتفع بنفسها إلى عالم الحلم, لكنها تعود إلى واقعها بعد فسحة من الفرح والشعاع والأمل. تعود إلى الحصار والقلق, إلى روتين الحياة وتعقيداتها, وإلى الفراغ والوحدة:
لكنك عائد إلى تعاويذك الشلاء
عائد إلى عاداتك الأسطورية
في اجترار الخواء
دونكيشوط فيك مشهر
سيفه الممهور بريش الوهم
وعهن الانزواء
اليقظة المسيجة الأسيرة هي الواقع الذي تتحرك داخله الذات محكوم عليها باليومي وبالحياتي المرير الذي يكبلها, لذلك يبحث الشاعر خارج الواقع عن مجال أوسع حيث العالم الفسيح الذي تعانق فيه الذات الفرح, لكن الشاعر يدرك أن الإفاقة هي الحقيقة التي لا مفر منها, أما الأحلام فوهم, لا يستمر في إسعاد الذات, بل سرعان ما تعود الذات إلى واقعها المرير [الذي يفقدها كل توازن فتغدو ذاتا دونكيشوتية تصارع الأوهام.
أخلص في هذه القراءة المتواضعة إلى أن قصيدة "مراسيم عرس تجريدي" للشاعر عبد اللطيف غسري تتأسس على ثنائية الحلم والواقع, وتتمظهر من خلال ثنائية الحزن والفرح.
واعتمد الشاعر في بناء النص على مجموعة من المقومات الفنية والأساليب التعبيرية. ومنها آلية السرد التي أسعفته كثيرا في عرض موقفه من الواقع وتجسيد حيرة الذات وقلها وتمزقها, من خلال متواليات سردية أضفت على القصيدة حركية ودينامية.
كما نجح الشاعر عبد اللطيف غسري في التعبير بالصورة. الشيء الذي حقق للقصيدة عنصرا من أهم عناصر الشعر الحديث. خيال الشاعر واسع, ويمتلك قدرة كبيرة على خلق الصور والمتعة الجمالية.
يتميز النص أيضا على المستوى الفني بلغة شعرية إيحائية رامزة, تستجيب لمقومات الشعر العربي الحديث. يراهن الشاعر من خلال خلخلة اللغة المألوفة وخلق تشكيلات لغوية جديدة, على الغوص بالمتلقي في أعماق الدلالات والمعاني وإضفاء بعد رؤيوي على القصيدة.
القصيدة خلق شعري, تعانق فيه الذات المبدعة عالم الإبداع والخيال والحلم, وتروم فيه الكشف عن خلجات النفس, وكل ما يعتمل داخلها من إحساس بالتذمر من الواقع وتعقيداته وحصاره وغربته, وما يقابله من توق إلى الفرح والانطلاق والانعتاق من القيود والانكسارات.
إن ما يميز اللغة الشعرية بصفة عامة, هو إمكانية توليد معاني متعددة من خلال كلمات وعبارات موحية, تفيض بدلالات متعددة تضع القارئ أمام توقعات دلالية كثيرة, تغني النص بقراءات متعددة. قراءتي للقصيدة واحدة من هذه القراءات التي حاولت من خلالها الاقتراب من العالم الشعري للمبدع المميز عبد اللطيف غسري. وتظل القصيدة بلغتها الشعرية الإيحائية مفتوحة على قراءات متعددة وتأويلات وتوقعات كيثرة.
أهنئ الشاعر المغربي الكبير عبد اللطيف غسري على مسيرته الشعرية المتألقة.
عن مجلس النقد الأدبي
تعليق