ربيع عقب الباب وتجليات الشعر في"ولادة هنا وولادة هناك"
محمد حمزة العزوني
ربيع عقب الباب كاتب من جيل الثمانيات ، وقد كتب القصة والرواية والمسرحية وأدب الطفل ، وهو كاتب واقعى من طراز مدهش ، فهو قادر على رصد التفاصيل الدقيقة فى الحوارى الشعبية ، وربطها سويا فى اطار حبكة قصصية متقنة ينتصر فيها دائما للفقراء والمهمشين .
ونستطيع أن نرى هذا فى مجموعتيه القصصيتين " ليل المدن القديمة " و " حلم كائن بسيط " ، وفى روايتيه " من يقتل الغندور " و " سوق اللبن " . مما جعل بعض النقاد يأخذون عليه انحيازه الأيديولوجى الذى قد يدفعه أحيانا الى شىء من المباشرة والتقريرية . ولعل هذا ما يجعل من هذه المجموعة
" ولادة هنا ولادة هناك " ( 1 ) تمثل تطورا جديدا فى أدب ربيع عقب الباب
فأول ما يلفتنا فى هذه المجموعة هو الطابع الشعرى الذى يسرى فى المجموعة من أولها الى آخرها وهذا ما نستطيع أن نتبينه للوهلة الأولى بمجرد ملاحظة الطريقة الطباعية التى كتبت بها قصص المجموعة ، إذ أننا نجد أن أكثر النصوص مكتوبة على شكل الكتابة الشعرية فى قصيدة التفعيلة من حيث طول السطر الشعرى وقصره طبقا للدفقة الشعورية والدلالة المطلوبة ، مما يجعل السطور لا تصل ابدا الى نهاية الصفحة التى تمتلىء بالكثير من البياض . وهذه طريقة تختلف اختلافا بينا عما اعتدناه فى الكتابة القصصية من حيث امتلاء السطر الطباعى فى الصفحة . وما ان نبدأ فى قراءة المجموعة حتى نفاجأ بأن عدداً من هذه القصص قد كـُتبت فعلا على أوزان الشعر التفعيلى . وهذه بالقطع ليست الوسيلة الوحيدة التى لجأ اليها ربيع عقب الباب من أجل الوصول بالقصة الى مستوى الشعر ، وان كانت هى الوسيلة الأكثر ظهورا ، بل ان هناك وسائل أخرى سنتبينها فيما بعد .
ولكننا نريد أولا أن نحدد المقياس أو المعيار الذى نستطيع من خلاله أن نحدد الفرق بين القصة " النثرية " العادية والقصة التى تختلط فيها أنفاس الشعر بأحداث السرد أو " القصة القصيدة " كما هو المصطلح السائد ولتحديد هذا المعيار علينا أن نجيب على هذا السؤال : ماهو الفرق بين النثر والشعر؟
ولعل الاجابة هنا تتخلص فى طريقة استخدام اللغة ، فالشعر كى يكون شعرا لابد أن يستخدم اللغة بطريقة خاصة ، ووفقا لهذا يكون الشعر نوعا من الكتابة التى تمثل ـ كما يقول رومان جاكوبسون ـ عنفا منظما يمارس على الحديث العادى ، فالشعر يحول ويكثف اللغة العادية ، ويحيد بانتظام عن حديث كل يوم ، فاللغة فى الشعر تلفت الانتباه لنفسها ، تتباهى بوجودها المادى ، ويبدأ الشعر فى القصة حين تتعالى اللغة على نفسها ، وعلى طبيعتها الحكائية لترتفع الى آفاق الشعرية حيث تفقد اللغة قدرا كبيرا من قدرتها التوصيلية ، وتصبح مستهدفة لذاتها ، ويصل الفقد الى قمته حين يتدخل المجاز والرمز تدخلا واضحا فى بناء السرد والحوار والوصف ( 2 )
ومن حسن حظنا أن أمامنا في هذه المجموعة قصة مكتوبة بالطريقة النثرية العادية ، وهذه القصة هي قصة ( مسودة سيئة السمعة ) ، وسوف نلاحظ أنها مكتوبة بالطريقة الطباعية المعتادة لكتابة القصة من حيث امتلاء الصفحة إلي أخرها .
وفي هذه القصة يحكى الكاتب تجربة واقعية عن علاقة صداقة وطيدة تجمع بين كاتب مسرحى وأحد المخرجين ، ويعطى الكاتب نصين من نصوصه لصديقه المخرج ، ويمر وقت طويل دون حس أو خبر عن هذين النصين ، فيتذكر الكاتب ما قاله له صديقه المخرج ذات مرة أنه يعطى النصوص التى تأتيه لابنته لتجعل منها مسودات للمذاكرة ، حينئذ يشعر المؤلف بالقلق ويقرر الذهاب إلي المخرج لاستعادة هذين النصين
هذا هو ما تحكيه القصة باختصار ، وهي تحكيه بالطريقة المعتادة للقصة القصيرة الواقعية ، حيث تكون الألفاظ في الأغلب الأعم موصلة للمعنى الذي يريده الكاتب دون زيادة او نقصان ، أي أن اللغة هنا شفافة لا تخفي شيئا وراءها ، ولا تطمح لأكثر من التوصيل
والقصة تبدأ هكذا :
" كنت أحبه كثيرا ، سعادتى به كانت حين يؤدى أحد الأدوار في مسرحية ما ، لكنني لا أحب رؤيته مخرجا حيث يتحول لكائن آخر متسلط مستبد " صــ18
ولعلنا نلاحظ أن الكتابة هنا واقعية لا تعي ذاتها لغويا ، ولا تستعرض اللغة نفسها بأي طريقة لافتة .
وهذه القصة تمثل لنا نقطة ارتكاز نستطيع أن نبدأ منها ونستند إليها ، لنحاول أن نتبين اختلاف مستويات الأداء اللغوي في القصص الأخري وانزياحها عن مستوى الأداء العادى للغة كما رأينا في هذه القصة .
ولعلنا نستطيع أن نحدد الوسائل والتقنيات الفنية التى لجأ اليها الكاتب ليمزج بين السرد والشعر في هذه المجموعة في التقنيات التالية :
(1) الوزن الشعري
(2) الإيقاع
(3) الاستفادة من قصيدة النثر
(4) توظيف التراث واستدعاء التاريخ
أولا : الوزن
الوزن هو اول السمات المائزة بين النثر والشعر ، ولعلها السمة الوحيدة التى يجمع عليها الكل .
وقد لجأ الكاتب إلي أوزان الشعر التفعيلي في بعض القصص فجاءت قصصا موزونة من أولها الي اخرها كما نرى في قصص ( فارس من غزة – اغتيال مواطن – فصيلة اعدام ) فقد جاءت قصة
( فارس من غزة ) علي وزن المتدارك في صورته الخببية ( فعلن ) ، حيث تبدأ هكذا :
( محسن كان حزينا .. هذي الليلة ! محسن يبكى ... ) صـــ22
وهي تحكى عن حدث قصير جدا ، وهو أن جنديا إسرائيليا أطلق النار علي أطفال من غزة وهم يلعبون ، فقتل طفلا إسمه فارس .
هذه هي كل الحكاية التى تحكيها القصة الموزونة والطويلة فقد استغرقت ثماني صفحات كاملة .
ولعلنا نري أن الوزن لم يضف شيئا الي هذه القصة ، بل أنه مثل عبئا ثقيلا عليها ، فلا هي ظلت قصة ولا هي صارت شعرا .
وأما قصة ( اغتيال مواطن ) التى مزج فيها الكاتب بين تفعيلتي الخبب والمتقارب ( فعلن – فعولن ) ، فقد تخلت عن كثير من خصائص السرد ، وأصبحت قصيدة خالصة من الشعر التفعيلي كما نرى في السطور التالية ( حنت كل عوارف روحى الى ضمتك الحلوة .. الي كلمتك العذبة ..)
( الي شفتيك تدغدغ نشوتى اليك وتصلينى ) صــ94
ولعل هذا ما يجعلنا ننتبه الي أن القصة لا تتحمل أن تكتب كلها علي أوزان الشعر ، لأننا في هذه الحالة نكون أمام أحد احتمالين : إما أن يصبح الوزن عبئا علي القصة فتصبح قصة رديئة ، وإما أن يسيطر الشعر علي القصة تماما فتصبح قصيدة خالصة ولا علاقة لها بفن القصة . ولكن هذا لا يعنى ابدا أننا نرفض أن يأتى الوزن عفوا في بعض المقاطع في القصة ، فهناك كثير من المواقف المحتدمة التى تجعل بعض شخصيات القصة تنفجر بالشعر رغما عنها .
ولعلنا نستطيع ان نجد كثيرا من هذه الفقرات الموزونة – عفوا ودون تكلف – في الكثير من قصص هذه المجموعة
ثانيا : الإيقاع
هناك بعض القصص التى حاول الكاتب فيها أن يقترب من الشعر عن طريق الايقاع وجرس الكلمات ، فهو يحاول إعادة ترتيب الكلمات فى الجملة بحيث تحدث جرسا إيقاعيا . وهو هنا يحيد أو ينحرف عن الاستخدام العادى للجملة وعن ترتيبها المعروف .
نجد هذا فى قصص ( حفل تكريم ـ دون كلمة ـ لو يعرفون ـ هواجس ـخذنى اليك ـ أصير دمك لاسلطانا )وقصص أخرى
ففي قصة ( حفل تكريم ) صــ49 نجد عبارات مثل ( سوف تخرج عن صمتها أعمدة خرساء) ، بدلا من ترتيب الجملة المعهود ( سوف تخرج أعمدة خرساء عن صمتها ) وطوال القصة سوف نجد مثل هذه العبارات ( حضورا بهيا ستحتضن – صعد الخشبة مسئول – غادة حسناء تقدمت – نشيطا يتحرك .. الخ )
وفي قصة ( دون كلمة ) صــ63سوف نجد أيضا عبارات كثيرة من هذا النوع
( شهيقا طويلا يأخذ – لم إلي هنا أتيت بي – منى اتريد خلاصا – بابا مفتوحا يعبر )
وفي قصة ( لو يعرفون ) صــ115 نجد عبارات مثل ( منذ أيام للايقاع به يجدون – لكن بابا له ما فتح – مرتبة ولحافا نهشوا .. الخ )
بل إنه في هذه القصة لا يكتفي بهذا التغيير الذي يحدثه في بناء الجمل السردية ، بل إنه يمارس العنف المنظم نفسه علي لغة الحوار ، فالزوجة تقول لزوجها
( حرام عليك ، أنا خلاص نقطة دم .. ما عادت فيّ ) بدلا من أن تقول التعبير المعتاد ( ما عادت فيّ نقطة دم ) ولعلنا نلاحظ أن ما قد نقبله في السرد ، قد يصبح عبئا ثقيلا في الحوار .
ولعلنا نرى أن هذه المحاولات لإعادة ترتيب الجملة بحيث تحدث جرسا إيقاعيا لم تضف شيئا للقصص السابقة ، ولم تحقق لها بعض سمات الشعرية التى كان يطمح إليها الكاتب .
أما القصص التى اقتربت فعلا من سمات الشعر ، فهى تلك القصص التى استخدم فيها الكاتب تقنية تيار الوعي أو المونولوج الداخلي ، إضافة إلي محاولاته لاعادة ترتيب الكلمات ، وإكسابها جرسا إيقاعيا ، وهذا ماتحقق في قصتى ( هواجس – خذنى إليك )
فتيار الوعي يقترب من الشعر لأنهما يشتركان في ارتياد منطقة متشابهة من التجربة الإنسانية ، هي منطقة المشاعر والصور المبهمة القائمة التى لم تدخل طور التشكيل النهائي .
فقصة تيار الوعي قريبة جدا من الشعر ، لأن كاتبها لا يمتلك إلا وسيلة واحدة يستطيع أن يخلق بها عالمه الفنى وهذه الوسيلة هي الكلمات (3)
وقصة ( هواجس ) عبارة عن مونولوج داخلي لعاشق يحترق عشقا وصبابة حيث تطارده الهواجس وتهاجمه الكوابيس لظنه أن حبيبته قد نسيت عهدها وتخلت عن حبه ، لذا نراه يناجى نفسه :
( وأنت ما الذي يحدث لك ، أصبحت تستعذب سوطها ، هذا أنت تقتات ألمًا وعذابًا ، وهي تلتذ بلعبتها تلتذ _ صــ125 وما ان يتيقن من عبثها به حتى يصل الي قرار جرئ بهجراتها ( حين يصل الأمر إلي هذه المنطقة .. لابد ان تتوقف .. تستعد للرحيل ) صــ125
لكنه ما ان توصل الي هذا القرار حتى ( رن هاتفه .. توقف .. كانت هى .. أنفاسها .. عبقها .. غرد صوتها : أحبك .. لم أنت بعيد تعال يا حبيبي يللا ) صــ126
هنا لحظة شعرية بالضرورة ، وكان لابد ان يهتف العاشق الولهان علي الفور
( صوتها مزقنى .. في سماء اللحظة نتفًا طيرني .. وأعادنى متخففا من كل ظنوني ) صــ126
في مثل هذه القصة ، ومثل هذا الموقف هناك ألف مبرر لأن تتحرر الكلمات من ترتيبها المعهود وتتخذ ترتيبا مختلفا يرقي بها إلي الشعر .
لكننا نلاحظ أن الكلمات في هذه القصة لم تفقد قدرتها علي التوصيل كلية ، فما زلنا قادرين علي الإمساك ببعض خيوط القصة وأحداثها ..
أما في قصة ( خذنى إليك ) فنحن ندخل في متاهة من الكلمات، حيث تتخلص اللغة إلي حد كبير من وظيفتها التوصيلية ، لتصبح اللغة هدفا في حد ذاتها، وتصبح القصة دفقة تعبيرية خالصة الشعرية .
ورغم أن القصة كلها عبارة عن مونولوج داخلي يفيض به قلب عاشق ولهان كما في القصة السابقة ( هواجس )، إلا أننا هنا لا نكاد نمسك بحدث أو شخصية ، أو حتى لصورة محددة للحبيبة ، كما رأينا صورة للحبيبة الخائنة أو القاسية في قصة ( هواجس ) ، بل إن القصة تنتهى ولا نكاد نعرف إن كانت الحبيبة امرأة من لحم ودم ، ام هي رمز لشيئ أخر .
قد يتطوع البعض ويقول إنها رمز لمصر خاصة حين نقرأ :
( قصرك المشيد تقف علي أبوابه المحصنة أرتال من جند وعسس وكثير من قتلي .. ومرضى لا براء لهم إلاك ) صــ128
لكن قد يفسد هذا الرمز علي أصحابه قول الراوى عن حبيبته في نهاية القصة
( حتحور انت .. افروديت .. فينوس ) ولو اقتصر الكاتب علي ( حتحور ) لهلل أنصار مصر الفتاة ، ولكن الكاتب أفسد فرحتهم بإدخال إفروديت وفينوس .
والقصة مليئة بالمجازات منذ سطرها الأول ( ذوبتنى شفتاك حبيبتى .. احترقت برضابها .. صرت الآن في دمك .. أنا السلطان الذي لقطعة سكر تحول ) صــ127
كما أن هناك محاولات ناجحة في تغيير ترتيب الكلمات لتحدث جرسا إيقاعيا مثل ( فجأة عملاقا أصبح البهلوان – قهرا أبيدا أحس – هأنت تقتربين وبيدى تأخذين ، وطريقا سريا تسلكين )
ونستطيع القول أن هذه القصة قد قاربت تخوم الشعر ، بل إنها أصبحت بالفعل ( قصة – قصيدة ).
ثالثا : الإستفادة من قصيدة النثر
هناك قصص كثيرة استفادت من تقنيات قصيدة النثر مثل قصص ( ولادة هنا .. ولادة هناك – تشريفة – مواساة ) ومثل كل القصص التى وردت في المجموعة تحت عنوان ( قصص قصار جدا ) وهي تربو علي العشرين قصة ، وهذه القصص مكتوبة علي شكل قصائد النثر من الناحية الطباعية ثم إنها تتكئ علي التكثيف والمجاز والمقابلة ، وكلها من سمات قصيدة النثر .
بل إن بعض هذه القصص تكاد تتنصل من حكائيتها وتقترب اقترابا حثيثا من قصيدة النثر ، بل إن بعضها يصبح قصائد نثرية بالفعل ، ونرى هذا جليا في القصة التي تحمل عنوان المجموعة ( ولادة هنا .. ولادة هناك ) ، كما نراه في أغلب القصص القصار جدا ، وسأكتفي هنا بإيراد قصة ( كان طائر) ..
( حين كسروا جناحيه ،
وأهرقوا دمه ، أبدى رغبة في الغناء ،
ثم رف رفتين ، لكنه اختنق ،
حين صاح باكيا : لم ......؟
ومات !! ) صــ120
ولعله يتبين لنا بمجرد قراءة هذا النص أننا أمام قصيدة نثر ولسنا أمام قصة .
أما القصة التى استفادت حقا من قصيدة النثر ، لكنها لم تتخل في الوقت نفسه عن خصائصها السردية ، وجمعت بين الفنين في آن معا ، وأصبحت ( قصة – قصيدة ) عن حق فهى قصيدة ( تشريفة ) صــ 56
وتعالوا نقرأ القصة سويا فهى قصة قصيرة جدا
( الجرذان المشقوقة الصدور في الكابوس تلك التى أطارت النوم من عينى .. كانت نفس الجرذان التى هاجمت الحارة .. صباح اليوم
بحثا عن المواطن الذي تجاسر أمام تشريفة السيد الوزير ، وألقي بأولاده عرايا ..
وبلا ورقة توت !
والمدهش في الأمر أنهم حين عادوا به ..
كان عاريا .. وبين أسنانه أحد أولاده )
وهذه القصة تعبر أبلغ تعبير عن الواقع المزرى الذي كنا نتردى في ردغته اللزجة طوال سنوات القهر والهوان التى سبقت ثورة يناير المجيدة .
وهي تعبر بطريقة أكثر روعة وأشد تأثيرا من الطريقة الواقعية المعتادة .
فلو أن هذه القصة كتبت بالشكل التقليدى ، فكم من الصفحات كان يستهلكها الكاتب ليبين مدى فقر الرجل وضيق رزقه ، وكم من الصفحات سوف تصف موكب الوزير الضخم واستعداد المدينة لاستقباله .
ثم تخيل عدد الصفحات التى كان سيحكى فيها الكاتب عن الممارسات الشنيعة التى مارستها الشرطة مع هذا المواطن المسكين . ومع هذا كله لم تكن القصة لتترك فينا هذا التأثير الذى أحدثته ببنائها الشعرى القائم على التكثيف والمجاز والمقابلة .
ولنتأمل كيف صور الكاتب رجال الشرطة بأنهم جرذان مشقوقة الصدور تأتى فى الكوابيس، ما أبشع الصورة وما أصدقها .
ولنرى كيف اختصر الكاتب كل الاحتفالات الضخمة والأبهة التى تصاحب موكب الوزير فى كلمة واحدة معبرة هى كلمة " تشريفة" بكل أبعادها وإيحاءاتها في الموروث الشعبي والتاريخي، فكلمة تشريفة تغني هنا عن صفحات طوال .
ثم انظر الى تلك الصورة الشعرية المسننة " ذات الأسنان والمخالب " حين نرى ذلك المواطن الذى خرج من بين يدى جرذان الشرطة " كان عاريا وبين أسنانه أحد أولاده " ..
وكأن ذلك المواطن قد مسخ حيوانا من فرط التعذيب
رابعا : توظيف التراث واستدعاء التاريخ
قام الكاتب باستلهام التاريخ فى ست قصص هى ( نهاية ـ عشق ـ شبق ـ ثأر ـ سنمار ـ الفحل أم الملك ) .. وأنا أعتقد أن هذه المجموعة من القصص التى تستلهم التاريخ تمثل الجديد الذي يقدمه الكاتب فى هذه المجموعة . .
والجديد هنا أن الكاتب يتعامل مع التاريخ بطريقة مختلفة اختلافا كبيرا عن الكتاب الذين سبقوه فى هذا المجال . فالكاتب هنا لايعيد كتابة القصة التاريخية ولكنه يوظف الحدث التاريخى أو الشخصية التاريخية أو الأسطورية بطريقة أقرب الى ما يفعله الشعراء فى قصائدهم التى توظف التاريخ وتستدعيه .
ومن هنا يمكن القول أن الكاتب يوظف التاريخ توظيفا شعريا ، فهو لايحكى الحكاية كاملة ، انه يستلهم مشهدًا قصيرًا من حياته الشخصية، دون أن يشير أدنى إشارة إلي الشخصية أو الحكاية التى يستلهمها كما فعل فى توظيفه لأسطورة ايزيس وأوزوريس فى قصة " عشق " واستلهامه لحكاية نبى الله يحى عليه السلام وسالومى فى قصة " شبق " .. بل أنه أحيانا يحكى حكاية مضادة للحكاية التراثية كما نعرفها ، كما فعل فى قصة " سنمار " .. واذا كانت القصة التراثية تقول أن النعمان هو الذى قتل سنمار بعد أن بنى له قصر " الخورنق " حتى لايبني قصرًا مثله لغيره من الملوك . . فأن الكاتب يحكى لنا حكاية مغايرة تماما ، فسنمار ذهب الى بيته سعيدا بعد أن انتهى من بناء القصر ، ولكنه وجد امرأته بين ذراعى أحد عبيده ، ثم يهاجمه العبد ويقتله ، ويخرج فى الصباح "ليذيع خرافة ظلت لقرون ـ وحتى يومنا هذا ـ تحكى عن جزاء سنمار" صـ55
***
ولعلنا نرى من خلال العرض السابق أن الكاتب قد حاول في هذه المجموعة أن يشق طريقًا جديدا في إبداعه القصصي ، وأن ينأى شيئا ما عن الواقعية التقليدية التى كانت تسيطر على أعماله السابقة وتصبغها أحيانا بالتقريرية والمباشرة .. وقد كان الشعر هو وسيلة الكاتب الأساسية فى احداث هذا التغيير فى الشكل ، والتطور فى التقنيات الفنية .
لكن يبقى هناك سؤال ضرورى ..
هل تعنى هذه المحاولة الحثيثة من الكاتب للاقتراب من الشعر أن الكاتب قد تخلص من قناعاته الأيديولوجية التي كانت، ونظرته الثورية الى الأدب ودوره فى المجتمع، وانتصاره للفقراء والمهمشين كما كنا نلحظ فى أعماله السابقة ؟
والحقيقة أن الإجابة على العكس تماما ، فالكاتب مازال محتفظا بكل قناعاته الثورية، وبكل إيمانه بدور الأدب فى الجتمع . . ونرى هذا واضحا فى أغلب القصص مثل قصة " تشريفة " التى سبق مناقشتها ، كما نراه فى قصة " لو يعرفون "التى تتحدث عن مطاردة الشرطة لأحد الثوريين الذي يؤججون المظاهرات بل إن هناك قصصا آخري كثيرة تحمل هذا المضمون الاجتماعي ، لعل أبرزها قصة ( مشاهد اليوم السادس من إبريل بالمحلة الكبري ) وهي القصة التى تؤرخ لثورة المحلة الكبرى، تلك الثورة التى كانت سببًا أساسيًا في اشتعال الثورة المصرية في 25 يناير .
بل إن نظرة ربيع الثورية تتعدى حدود الوطن الضيقة ، لتعبر إلي القضايا القومية الكبري كما نرى في قصص ( فارس من غزة – اغتيال مواطن ) وغيرها من القصص التى تناولت القضية الفلسطينية .
ولعل هذا يذكرنا بقول بريخت ( ليس هناك قوانين جمالية أبدية ، إذ ينبغي علي الكاتب ، لكى يسيطر علي القوة الحية للواقع أن يكون مستعدا للإفادة من كل وسيلة شكلية ممكنة جديدة أو قديمة ) (4)
وهذا ما فعله ربيع عقب الباب في هذه المجموعة المتميزة .
الهوامش
(1) ربيع عقب الباب : ولادة هنا .. ولادة هناك 2008 دار بلال للطباعة
(2) د/ محمد عبد المطلب : بلاغة السرد ، كتابات نقدية ، الهيئة العامة لقصور الثقافة 2001صـ157
(3) ليون إيدل : القصة السيكولوجية ، ترجمة محمود السمره ، المكتبة الأهلية ببيروت 1959صـ276
(4) رامان سلدر : النظرية الأدبية المعاصرة ، ترجمة جابر عصفور ، آفاق الترجمة ، الهيئة العامة لقصور الثقافة 1995 صــ73
محمد حمزة العزوني
ربيع عقب الباب كاتب من جيل الثمانيات ، وقد كتب القصة والرواية والمسرحية وأدب الطفل ، وهو كاتب واقعى من طراز مدهش ، فهو قادر على رصد التفاصيل الدقيقة فى الحوارى الشعبية ، وربطها سويا فى اطار حبكة قصصية متقنة ينتصر فيها دائما للفقراء والمهمشين .
ونستطيع أن نرى هذا فى مجموعتيه القصصيتين " ليل المدن القديمة " و " حلم كائن بسيط " ، وفى روايتيه " من يقتل الغندور " و " سوق اللبن " . مما جعل بعض النقاد يأخذون عليه انحيازه الأيديولوجى الذى قد يدفعه أحيانا الى شىء من المباشرة والتقريرية . ولعل هذا ما يجعل من هذه المجموعة
" ولادة هنا ولادة هناك " ( 1 ) تمثل تطورا جديدا فى أدب ربيع عقب الباب
فأول ما يلفتنا فى هذه المجموعة هو الطابع الشعرى الذى يسرى فى المجموعة من أولها الى آخرها وهذا ما نستطيع أن نتبينه للوهلة الأولى بمجرد ملاحظة الطريقة الطباعية التى كتبت بها قصص المجموعة ، إذ أننا نجد أن أكثر النصوص مكتوبة على شكل الكتابة الشعرية فى قصيدة التفعيلة من حيث طول السطر الشعرى وقصره طبقا للدفقة الشعورية والدلالة المطلوبة ، مما يجعل السطور لا تصل ابدا الى نهاية الصفحة التى تمتلىء بالكثير من البياض . وهذه طريقة تختلف اختلافا بينا عما اعتدناه فى الكتابة القصصية من حيث امتلاء السطر الطباعى فى الصفحة . وما ان نبدأ فى قراءة المجموعة حتى نفاجأ بأن عدداً من هذه القصص قد كـُتبت فعلا على أوزان الشعر التفعيلى . وهذه بالقطع ليست الوسيلة الوحيدة التى لجأ اليها ربيع عقب الباب من أجل الوصول بالقصة الى مستوى الشعر ، وان كانت هى الوسيلة الأكثر ظهورا ، بل ان هناك وسائل أخرى سنتبينها فيما بعد .
ولكننا نريد أولا أن نحدد المقياس أو المعيار الذى نستطيع من خلاله أن نحدد الفرق بين القصة " النثرية " العادية والقصة التى تختلط فيها أنفاس الشعر بأحداث السرد أو " القصة القصيدة " كما هو المصطلح السائد ولتحديد هذا المعيار علينا أن نجيب على هذا السؤال : ماهو الفرق بين النثر والشعر؟
ولعل الاجابة هنا تتخلص فى طريقة استخدام اللغة ، فالشعر كى يكون شعرا لابد أن يستخدم اللغة بطريقة خاصة ، ووفقا لهذا يكون الشعر نوعا من الكتابة التى تمثل ـ كما يقول رومان جاكوبسون ـ عنفا منظما يمارس على الحديث العادى ، فالشعر يحول ويكثف اللغة العادية ، ويحيد بانتظام عن حديث كل يوم ، فاللغة فى الشعر تلفت الانتباه لنفسها ، تتباهى بوجودها المادى ، ويبدأ الشعر فى القصة حين تتعالى اللغة على نفسها ، وعلى طبيعتها الحكائية لترتفع الى آفاق الشعرية حيث تفقد اللغة قدرا كبيرا من قدرتها التوصيلية ، وتصبح مستهدفة لذاتها ، ويصل الفقد الى قمته حين يتدخل المجاز والرمز تدخلا واضحا فى بناء السرد والحوار والوصف ( 2 )
ومن حسن حظنا أن أمامنا في هذه المجموعة قصة مكتوبة بالطريقة النثرية العادية ، وهذه القصة هي قصة ( مسودة سيئة السمعة ) ، وسوف نلاحظ أنها مكتوبة بالطريقة الطباعية المعتادة لكتابة القصة من حيث امتلاء الصفحة إلي أخرها .
وفي هذه القصة يحكى الكاتب تجربة واقعية عن علاقة صداقة وطيدة تجمع بين كاتب مسرحى وأحد المخرجين ، ويعطى الكاتب نصين من نصوصه لصديقه المخرج ، ويمر وقت طويل دون حس أو خبر عن هذين النصين ، فيتذكر الكاتب ما قاله له صديقه المخرج ذات مرة أنه يعطى النصوص التى تأتيه لابنته لتجعل منها مسودات للمذاكرة ، حينئذ يشعر المؤلف بالقلق ويقرر الذهاب إلي المخرج لاستعادة هذين النصين
هذا هو ما تحكيه القصة باختصار ، وهي تحكيه بالطريقة المعتادة للقصة القصيرة الواقعية ، حيث تكون الألفاظ في الأغلب الأعم موصلة للمعنى الذي يريده الكاتب دون زيادة او نقصان ، أي أن اللغة هنا شفافة لا تخفي شيئا وراءها ، ولا تطمح لأكثر من التوصيل
والقصة تبدأ هكذا :
" كنت أحبه كثيرا ، سعادتى به كانت حين يؤدى أحد الأدوار في مسرحية ما ، لكنني لا أحب رؤيته مخرجا حيث يتحول لكائن آخر متسلط مستبد " صــ18
ولعلنا نلاحظ أن الكتابة هنا واقعية لا تعي ذاتها لغويا ، ولا تستعرض اللغة نفسها بأي طريقة لافتة .
وهذه القصة تمثل لنا نقطة ارتكاز نستطيع أن نبدأ منها ونستند إليها ، لنحاول أن نتبين اختلاف مستويات الأداء اللغوي في القصص الأخري وانزياحها عن مستوى الأداء العادى للغة كما رأينا في هذه القصة .
ولعلنا نستطيع أن نحدد الوسائل والتقنيات الفنية التى لجأ اليها الكاتب ليمزج بين السرد والشعر في هذه المجموعة في التقنيات التالية :
(1) الوزن الشعري
(2) الإيقاع
(3) الاستفادة من قصيدة النثر
(4) توظيف التراث واستدعاء التاريخ
أولا : الوزن
الوزن هو اول السمات المائزة بين النثر والشعر ، ولعلها السمة الوحيدة التى يجمع عليها الكل .
وقد لجأ الكاتب إلي أوزان الشعر التفعيلي في بعض القصص فجاءت قصصا موزونة من أولها الي اخرها كما نرى في قصص ( فارس من غزة – اغتيال مواطن – فصيلة اعدام ) فقد جاءت قصة
( فارس من غزة ) علي وزن المتدارك في صورته الخببية ( فعلن ) ، حيث تبدأ هكذا :
( محسن كان حزينا .. هذي الليلة ! محسن يبكى ... ) صـــ22
وهي تحكى عن حدث قصير جدا ، وهو أن جنديا إسرائيليا أطلق النار علي أطفال من غزة وهم يلعبون ، فقتل طفلا إسمه فارس .
هذه هي كل الحكاية التى تحكيها القصة الموزونة والطويلة فقد استغرقت ثماني صفحات كاملة .
ولعلنا نري أن الوزن لم يضف شيئا الي هذه القصة ، بل أنه مثل عبئا ثقيلا عليها ، فلا هي ظلت قصة ولا هي صارت شعرا .
وأما قصة ( اغتيال مواطن ) التى مزج فيها الكاتب بين تفعيلتي الخبب والمتقارب ( فعلن – فعولن ) ، فقد تخلت عن كثير من خصائص السرد ، وأصبحت قصيدة خالصة من الشعر التفعيلي كما نرى في السطور التالية ( حنت كل عوارف روحى الى ضمتك الحلوة .. الي كلمتك العذبة ..)
( الي شفتيك تدغدغ نشوتى اليك وتصلينى ) صــ94
ولعل هذا ما يجعلنا ننتبه الي أن القصة لا تتحمل أن تكتب كلها علي أوزان الشعر ، لأننا في هذه الحالة نكون أمام أحد احتمالين : إما أن يصبح الوزن عبئا علي القصة فتصبح قصة رديئة ، وإما أن يسيطر الشعر علي القصة تماما فتصبح قصيدة خالصة ولا علاقة لها بفن القصة . ولكن هذا لا يعنى ابدا أننا نرفض أن يأتى الوزن عفوا في بعض المقاطع في القصة ، فهناك كثير من المواقف المحتدمة التى تجعل بعض شخصيات القصة تنفجر بالشعر رغما عنها .
ولعلنا نستطيع ان نجد كثيرا من هذه الفقرات الموزونة – عفوا ودون تكلف – في الكثير من قصص هذه المجموعة
ثانيا : الإيقاع
هناك بعض القصص التى حاول الكاتب فيها أن يقترب من الشعر عن طريق الايقاع وجرس الكلمات ، فهو يحاول إعادة ترتيب الكلمات فى الجملة بحيث تحدث جرسا إيقاعيا . وهو هنا يحيد أو ينحرف عن الاستخدام العادى للجملة وعن ترتيبها المعروف .
نجد هذا فى قصص ( حفل تكريم ـ دون كلمة ـ لو يعرفون ـ هواجس ـخذنى اليك ـ أصير دمك لاسلطانا )وقصص أخرى
ففي قصة ( حفل تكريم ) صــ49 نجد عبارات مثل ( سوف تخرج عن صمتها أعمدة خرساء) ، بدلا من ترتيب الجملة المعهود ( سوف تخرج أعمدة خرساء عن صمتها ) وطوال القصة سوف نجد مثل هذه العبارات ( حضورا بهيا ستحتضن – صعد الخشبة مسئول – غادة حسناء تقدمت – نشيطا يتحرك .. الخ )
وفي قصة ( دون كلمة ) صــ63سوف نجد أيضا عبارات كثيرة من هذا النوع
( شهيقا طويلا يأخذ – لم إلي هنا أتيت بي – منى اتريد خلاصا – بابا مفتوحا يعبر )
وفي قصة ( لو يعرفون ) صــ115 نجد عبارات مثل ( منذ أيام للايقاع به يجدون – لكن بابا له ما فتح – مرتبة ولحافا نهشوا .. الخ )
بل إنه في هذه القصة لا يكتفي بهذا التغيير الذي يحدثه في بناء الجمل السردية ، بل إنه يمارس العنف المنظم نفسه علي لغة الحوار ، فالزوجة تقول لزوجها
( حرام عليك ، أنا خلاص نقطة دم .. ما عادت فيّ ) بدلا من أن تقول التعبير المعتاد ( ما عادت فيّ نقطة دم ) ولعلنا نلاحظ أن ما قد نقبله في السرد ، قد يصبح عبئا ثقيلا في الحوار .
ولعلنا نرى أن هذه المحاولات لإعادة ترتيب الجملة بحيث تحدث جرسا إيقاعيا لم تضف شيئا للقصص السابقة ، ولم تحقق لها بعض سمات الشعرية التى كان يطمح إليها الكاتب .
أما القصص التى اقتربت فعلا من سمات الشعر ، فهى تلك القصص التى استخدم فيها الكاتب تقنية تيار الوعي أو المونولوج الداخلي ، إضافة إلي محاولاته لاعادة ترتيب الكلمات ، وإكسابها جرسا إيقاعيا ، وهذا ماتحقق في قصتى ( هواجس – خذنى إليك )
فتيار الوعي يقترب من الشعر لأنهما يشتركان في ارتياد منطقة متشابهة من التجربة الإنسانية ، هي منطقة المشاعر والصور المبهمة القائمة التى لم تدخل طور التشكيل النهائي .
فقصة تيار الوعي قريبة جدا من الشعر ، لأن كاتبها لا يمتلك إلا وسيلة واحدة يستطيع أن يخلق بها عالمه الفنى وهذه الوسيلة هي الكلمات (3)
وقصة ( هواجس ) عبارة عن مونولوج داخلي لعاشق يحترق عشقا وصبابة حيث تطارده الهواجس وتهاجمه الكوابيس لظنه أن حبيبته قد نسيت عهدها وتخلت عن حبه ، لذا نراه يناجى نفسه :
( وأنت ما الذي يحدث لك ، أصبحت تستعذب سوطها ، هذا أنت تقتات ألمًا وعذابًا ، وهي تلتذ بلعبتها تلتذ _ صــ125 وما ان يتيقن من عبثها به حتى يصل الي قرار جرئ بهجراتها ( حين يصل الأمر إلي هذه المنطقة .. لابد ان تتوقف .. تستعد للرحيل ) صــ125
لكنه ما ان توصل الي هذا القرار حتى ( رن هاتفه .. توقف .. كانت هى .. أنفاسها .. عبقها .. غرد صوتها : أحبك .. لم أنت بعيد تعال يا حبيبي يللا ) صــ126
هنا لحظة شعرية بالضرورة ، وكان لابد ان يهتف العاشق الولهان علي الفور
( صوتها مزقنى .. في سماء اللحظة نتفًا طيرني .. وأعادنى متخففا من كل ظنوني ) صــ126
في مثل هذه القصة ، ومثل هذا الموقف هناك ألف مبرر لأن تتحرر الكلمات من ترتيبها المعهود وتتخذ ترتيبا مختلفا يرقي بها إلي الشعر .
لكننا نلاحظ أن الكلمات في هذه القصة لم تفقد قدرتها علي التوصيل كلية ، فما زلنا قادرين علي الإمساك ببعض خيوط القصة وأحداثها ..
أما في قصة ( خذنى إليك ) فنحن ندخل في متاهة من الكلمات، حيث تتخلص اللغة إلي حد كبير من وظيفتها التوصيلية ، لتصبح اللغة هدفا في حد ذاتها، وتصبح القصة دفقة تعبيرية خالصة الشعرية .
ورغم أن القصة كلها عبارة عن مونولوج داخلي يفيض به قلب عاشق ولهان كما في القصة السابقة ( هواجس )، إلا أننا هنا لا نكاد نمسك بحدث أو شخصية ، أو حتى لصورة محددة للحبيبة ، كما رأينا صورة للحبيبة الخائنة أو القاسية في قصة ( هواجس ) ، بل إن القصة تنتهى ولا نكاد نعرف إن كانت الحبيبة امرأة من لحم ودم ، ام هي رمز لشيئ أخر .
قد يتطوع البعض ويقول إنها رمز لمصر خاصة حين نقرأ :
( قصرك المشيد تقف علي أبوابه المحصنة أرتال من جند وعسس وكثير من قتلي .. ومرضى لا براء لهم إلاك ) صــ128
لكن قد يفسد هذا الرمز علي أصحابه قول الراوى عن حبيبته في نهاية القصة
( حتحور انت .. افروديت .. فينوس ) ولو اقتصر الكاتب علي ( حتحور ) لهلل أنصار مصر الفتاة ، ولكن الكاتب أفسد فرحتهم بإدخال إفروديت وفينوس .
والقصة مليئة بالمجازات منذ سطرها الأول ( ذوبتنى شفتاك حبيبتى .. احترقت برضابها .. صرت الآن في دمك .. أنا السلطان الذي لقطعة سكر تحول ) صــ127
كما أن هناك محاولات ناجحة في تغيير ترتيب الكلمات لتحدث جرسا إيقاعيا مثل ( فجأة عملاقا أصبح البهلوان – قهرا أبيدا أحس – هأنت تقتربين وبيدى تأخذين ، وطريقا سريا تسلكين )
ونستطيع القول أن هذه القصة قد قاربت تخوم الشعر ، بل إنها أصبحت بالفعل ( قصة – قصيدة ).
ثالثا : الإستفادة من قصيدة النثر
هناك قصص كثيرة استفادت من تقنيات قصيدة النثر مثل قصص ( ولادة هنا .. ولادة هناك – تشريفة – مواساة ) ومثل كل القصص التى وردت في المجموعة تحت عنوان ( قصص قصار جدا ) وهي تربو علي العشرين قصة ، وهذه القصص مكتوبة علي شكل قصائد النثر من الناحية الطباعية ثم إنها تتكئ علي التكثيف والمجاز والمقابلة ، وكلها من سمات قصيدة النثر .
بل إن بعض هذه القصص تكاد تتنصل من حكائيتها وتقترب اقترابا حثيثا من قصيدة النثر ، بل إن بعضها يصبح قصائد نثرية بالفعل ، ونرى هذا جليا في القصة التي تحمل عنوان المجموعة ( ولادة هنا .. ولادة هناك ) ، كما نراه في أغلب القصص القصار جدا ، وسأكتفي هنا بإيراد قصة ( كان طائر) ..
( حين كسروا جناحيه ،
وأهرقوا دمه ، أبدى رغبة في الغناء ،
ثم رف رفتين ، لكنه اختنق ،
حين صاح باكيا : لم ......؟
ومات !! ) صــ120
ولعله يتبين لنا بمجرد قراءة هذا النص أننا أمام قصيدة نثر ولسنا أمام قصة .
أما القصة التى استفادت حقا من قصيدة النثر ، لكنها لم تتخل في الوقت نفسه عن خصائصها السردية ، وجمعت بين الفنين في آن معا ، وأصبحت ( قصة – قصيدة ) عن حق فهى قصيدة ( تشريفة ) صــ 56
وتعالوا نقرأ القصة سويا فهى قصة قصيرة جدا
( الجرذان المشقوقة الصدور في الكابوس تلك التى أطارت النوم من عينى .. كانت نفس الجرذان التى هاجمت الحارة .. صباح اليوم
بحثا عن المواطن الذي تجاسر أمام تشريفة السيد الوزير ، وألقي بأولاده عرايا ..
وبلا ورقة توت !
والمدهش في الأمر أنهم حين عادوا به ..
كان عاريا .. وبين أسنانه أحد أولاده )
وهذه القصة تعبر أبلغ تعبير عن الواقع المزرى الذي كنا نتردى في ردغته اللزجة طوال سنوات القهر والهوان التى سبقت ثورة يناير المجيدة .
وهي تعبر بطريقة أكثر روعة وأشد تأثيرا من الطريقة الواقعية المعتادة .
فلو أن هذه القصة كتبت بالشكل التقليدى ، فكم من الصفحات كان يستهلكها الكاتب ليبين مدى فقر الرجل وضيق رزقه ، وكم من الصفحات سوف تصف موكب الوزير الضخم واستعداد المدينة لاستقباله .
ثم تخيل عدد الصفحات التى كان سيحكى فيها الكاتب عن الممارسات الشنيعة التى مارستها الشرطة مع هذا المواطن المسكين . ومع هذا كله لم تكن القصة لتترك فينا هذا التأثير الذى أحدثته ببنائها الشعرى القائم على التكثيف والمجاز والمقابلة .
ولنتأمل كيف صور الكاتب رجال الشرطة بأنهم جرذان مشقوقة الصدور تأتى فى الكوابيس، ما أبشع الصورة وما أصدقها .
ولنرى كيف اختصر الكاتب كل الاحتفالات الضخمة والأبهة التى تصاحب موكب الوزير فى كلمة واحدة معبرة هى كلمة " تشريفة" بكل أبعادها وإيحاءاتها في الموروث الشعبي والتاريخي، فكلمة تشريفة تغني هنا عن صفحات طوال .
ثم انظر الى تلك الصورة الشعرية المسننة " ذات الأسنان والمخالب " حين نرى ذلك المواطن الذى خرج من بين يدى جرذان الشرطة " كان عاريا وبين أسنانه أحد أولاده " ..
وكأن ذلك المواطن قد مسخ حيوانا من فرط التعذيب
رابعا : توظيف التراث واستدعاء التاريخ
قام الكاتب باستلهام التاريخ فى ست قصص هى ( نهاية ـ عشق ـ شبق ـ ثأر ـ سنمار ـ الفحل أم الملك ) .. وأنا أعتقد أن هذه المجموعة من القصص التى تستلهم التاريخ تمثل الجديد الذي يقدمه الكاتب فى هذه المجموعة . .
والجديد هنا أن الكاتب يتعامل مع التاريخ بطريقة مختلفة اختلافا كبيرا عن الكتاب الذين سبقوه فى هذا المجال . فالكاتب هنا لايعيد كتابة القصة التاريخية ولكنه يوظف الحدث التاريخى أو الشخصية التاريخية أو الأسطورية بطريقة أقرب الى ما يفعله الشعراء فى قصائدهم التى توظف التاريخ وتستدعيه .
ومن هنا يمكن القول أن الكاتب يوظف التاريخ توظيفا شعريا ، فهو لايحكى الحكاية كاملة ، انه يستلهم مشهدًا قصيرًا من حياته الشخصية، دون أن يشير أدنى إشارة إلي الشخصية أو الحكاية التى يستلهمها كما فعل فى توظيفه لأسطورة ايزيس وأوزوريس فى قصة " عشق " واستلهامه لحكاية نبى الله يحى عليه السلام وسالومى فى قصة " شبق " .. بل أنه أحيانا يحكى حكاية مضادة للحكاية التراثية كما نعرفها ، كما فعل فى قصة " سنمار " .. واذا كانت القصة التراثية تقول أن النعمان هو الذى قتل سنمار بعد أن بنى له قصر " الخورنق " حتى لايبني قصرًا مثله لغيره من الملوك . . فأن الكاتب يحكى لنا حكاية مغايرة تماما ، فسنمار ذهب الى بيته سعيدا بعد أن انتهى من بناء القصر ، ولكنه وجد امرأته بين ذراعى أحد عبيده ، ثم يهاجمه العبد ويقتله ، ويخرج فى الصباح "ليذيع خرافة ظلت لقرون ـ وحتى يومنا هذا ـ تحكى عن جزاء سنمار" صـ55
***
ولعلنا نرى من خلال العرض السابق أن الكاتب قد حاول في هذه المجموعة أن يشق طريقًا جديدا في إبداعه القصصي ، وأن ينأى شيئا ما عن الواقعية التقليدية التى كانت تسيطر على أعماله السابقة وتصبغها أحيانا بالتقريرية والمباشرة .. وقد كان الشعر هو وسيلة الكاتب الأساسية فى احداث هذا التغيير فى الشكل ، والتطور فى التقنيات الفنية .
لكن يبقى هناك سؤال ضرورى ..
هل تعنى هذه المحاولة الحثيثة من الكاتب للاقتراب من الشعر أن الكاتب قد تخلص من قناعاته الأيديولوجية التي كانت، ونظرته الثورية الى الأدب ودوره فى المجتمع، وانتصاره للفقراء والمهمشين كما كنا نلحظ فى أعماله السابقة ؟
والحقيقة أن الإجابة على العكس تماما ، فالكاتب مازال محتفظا بكل قناعاته الثورية، وبكل إيمانه بدور الأدب فى الجتمع . . ونرى هذا واضحا فى أغلب القصص مثل قصة " تشريفة " التى سبق مناقشتها ، كما نراه فى قصة " لو يعرفون "التى تتحدث عن مطاردة الشرطة لأحد الثوريين الذي يؤججون المظاهرات بل إن هناك قصصا آخري كثيرة تحمل هذا المضمون الاجتماعي ، لعل أبرزها قصة ( مشاهد اليوم السادس من إبريل بالمحلة الكبري ) وهي القصة التى تؤرخ لثورة المحلة الكبرى، تلك الثورة التى كانت سببًا أساسيًا في اشتعال الثورة المصرية في 25 يناير .
بل إن نظرة ربيع الثورية تتعدى حدود الوطن الضيقة ، لتعبر إلي القضايا القومية الكبري كما نرى في قصص ( فارس من غزة – اغتيال مواطن ) وغيرها من القصص التى تناولت القضية الفلسطينية .
ولعل هذا يذكرنا بقول بريخت ( ليس هناك قوانين جمالية أبدية ، إذ ينبغي علي الكاتب ، لكى يسيطر علي القوة الحية للواقع أن يكون مستعدا للإفادة من كل وسيلة شكلية ممكنة جديدة أو قديمة ) (4)
وهذا ما فعله ربيع عقب الباب في هذه المجموعة المتميزة .
الهوامش
(1) ربيع عقب الباب : ولادة هنا .. ولادة هناك 2008 دار بلال للطباعة
(2) د/ محمد عبد المطلب : بلاغة السرد ، كتابات نقدية ، الهيئة العامة لقصور الثقافة 2001صـ157
(3) ليون إيدل : القصة السيكولوجية ، ترجمة محمود السمره ، المكتبة الأهلية ببيروت 1959صـ276
(4) رامان سلدر : النظرية الأدبية المعاصرة ، ترجمة جابر عصفور ، آفاق الترجمة ، الهيئة العامة لقصور الثقافة 1995 صــ73
تعليق