بوح منتصف الليل
الأجساد الصغيرة المبتلة ترتجف بردا،وصوت أمي العجوز الآتي عميقا لمسح لسعات الضجر عن كاهلي، لقد أتعبتها الرحلة، واحتضنتني عيناها بنظرة حنان وعتب، لأني رفضت تركها في المنزل وحيدة والاستمتاع بالرحلة مع أسرتي دونها، أبرر لها بشغف حنون: لن أستمتع بلحظة سعادة إلا وأنت معي فأنا لك وأنت لي، لو سُمح لي لاصطحبتك معي إلى العمل، أنت طفلتي العجوز ورونق الحياة، وأبدد غيرة زوجتي بابتسامة ودود فتستسلم بودّ مؤيدة:أنت بركتنا يا عمة!
النعاس يهدهدني، لا شيء يحاصرنا من هنا وهناك سوى العتمة، ودهم رأسي وقع ظلال الصخور غادية بين الدروب كأنها قامات تتداعى وتلاعب المدى وفق موجات الأشعة المتدفقة من هنا وهناك، هذه الطبيعة العصية على الإدراك المذهلة بتكوينها، ما لنا إلا أن نسبّح الخالق على بديع صنعه.
من بعيد تطالعنا تلك الصخرة المتفردة بوحدتها وبشموخها، دققت النظر، فإذا شيء ما يتحرك فوقها، لمحت طيف إنسان يتمركز بثبات فوقها، الحيرة كبّلت حواسي وتساءلت ما الذي يُجلس هذا الإنسان في هذا الخواء! ودفعني الفضول والحمية إلى استطلاع الأمر، ولذت بسيارتي يمين الشارع وترجلت متقافزا بين الصخور بخفة أقدام قط مخملية، عيناي تبحث عن الملامح الغائمة بقتامة العتمة أحاذي المكان واكتني سره، ألجمتني المفاجأة، سيدة تقارب الثمانين من عمرها تربض متحجرة على قمة الصخرة، سألتها: ما الذي أتى بك هنا!!؟ جفلت، وشعرتُ برهبة تنبع من داخلها: أنتظر عودة ولدي!! لمت نفسي لاجترائي خدش سكينتها في وحشة المكان، ،ثمّ تبددت مخاوفها حين سمعت لين صوتي: تأخر، ليته يعود، البرد يبّس مفاصلي،الله يرضى عليه!!
اندفع السؤال حائرا:أين ابنك يا حجة؟
ردّت بكلمات متقطعة وأنفاس هادرة: الله يرضى عليه راح مع أسرته إلى مطعم قريب هنا لتناول العشاء، رغب باصطحابي لكني رفضت لأن سلالم المطعم عالية. أردت أن أقول لها أنت في منطقة لا عمران فيها،لا يوجد فيها سوى الصخور والعتمة، لكني خفت عليها صدمة الخديعة،لحظات قصيرة محتشدة بالانفعالات: من هو ابنك؟ وشحتني بنظراتها المنتشية بنشوة فخر واعتزاز واغترفت من ذاكرة حكمَ عليها العمر بالانكماش: ابني طبيب مشهور، اشتغلت في البيوت وربيته بدمع العين ورفضت الزواج بعد الترمل.
صمتت مرتجفة، لا تقدر على التوغل في الزمن الغابر، انتحاب شجيّ من داخلها، حاصرتها عزلة الهرم، وطاردتها ظلال الخذلان،ألم يدرك أنّه أحلى ما في حياتها! أتُراه شعر بحبها واحتراق سنين عمرها وبغلبة الحنين في شغاف قلبها! أرعبني حالهاهي في وحدتها تلاطم الصخر وتقرض قسوة الحظ العاثر، والحياة لديه صاخبة بألوانها، لا تريد منه سوى نفحات حب ودفقات حنان تعينها على قسوة الهرم، لمَ ألقى بها في هذا الخواء تغالب مرارة الوحدة وتصارع نزعات الموت!!
احتضنتها برفق: ولم ترتجفين يا حجة؟
أنّات تكابد الزمن الشقي: من البرد والجوع!!
نظرة فزعة أسئلة وغامضة:منذ متى تركك هنا؟
عيناها تتوّسد حزن عميق: لا أعرف الوقت، تأخر، أظنّ أولّ الغروب!أخاف أن يحدث له مكروه.
قدّرت أنّها أمضت خمس ساعات، أردت استجلاء الشخصية: أيوجد معك بطاقة
شخصية أو هويّة؟أنصت إلى دبيب الروح تسري في أوصالها: لا أعرف سوى إني أم عاصي وليس لي في الدنيا سواه، لكنه أعطاني هذه الورقة!!
فتحت يدها وأشتات روحها ترتجف قلقا، وسقط الوعي مني نازفا نداءات قهر من كلمات الورقة "من يجد أمي ينقلها إلى دار للمسنين"ولفتني المتاهات وخلت الصخور تحت قدمي مُدى، أمسكت بها لأنزلها من عند الصخور، قالت والضنى يجتاح روحها: هل جاء ابني؟ قلت لها بشغف حنين ورحمة: أنا ابنك، تعالي معي يا أمي.

بسم الله الرحمن الرحيم
"وَقَضَى رَبُّكَ أَلاَّ تَعْبُدُواْ إِلاَّ إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِندَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلاَهُمَا فَلاَ تَقُل لَّهُمَآ أُفٍّ وَلاَ تَنْهَرْهُمَا وَقُل لَّهُمَا قَوْلاً كَرِيمً"
ملاحظة : اليوم الأول من شهر تشرين الأول"اليوم العالمي للمسنين "
تعليق