بوح منتصف الليل

تقليص
X
 
  • تصفية - فلترة
  • الوقت
  • عرض
إلغاء تحديد الكل
مشاركات جديدة
  • فاطمة يوسف عبد الرحيم
    أديب وكاتب
    • 03-02-2011
    • 413

    بوح منتصف الليل


    بوح منتصف الليل


    اتجهتُ نحو العاصمة والليل يمازج النهار والتجاذب بينهما رقيق، الأشياء تُرى في غبش المغيب كأطياف متسربلة بغموض مذهل، المدى فراغ والشارع لا حدود له، وذبالة الأضواء تتوهج تحت عتم الليل المتداعي مع ساعات الانتظار التي تراوغ السأم، برد كانون يلسعنا فنهرب منه يوم العطلة الأسبوعية إلى أدنى منطقة على سطح الأرض، فنستمتع بدفء الغور وبجمال البحر الميت، ونحمل معنا متعة نفحات الدفء إلى مدينتنا الجبلية، وعند الرواح تكون أزمة السير خانقة، السيارات في لهاث ٍمحمومٍ وزفرات انتظار ضجرة من زمن بطيء الإيقاع.
    الأجساد الصغيرة المبتلة ترتجف بردا،وصوت أمي العجوز الآتي عميقا لمسح لسعات الضجر عن كاهلي، لقد أتعبتها الرحلة، واحتضنتني عيناها بنظرة حنان وعتب، لأني رفضت تركها في المنزل وحيدة والاستمتاع بالرحلة مع أسرتي دونها، أبرر لها بشغف حنون: لن أستمتع بلحظة سعادة إلا وأنت معي فأنا لك وأنت لي، لو سُمح لي لاصطحبتك معي إلى العمل، أنت طفلتي العجوز ورونق الحياة، وأبدد غيرة زوجتي بابتسامة ودود فتستسلم بودّ مؤيدة:أنت بركتنا يا عمة!
    النعاس يهدهدني، لا شيء يحاصرنا من هنا وهناك سوى العتمة، ودهم رأسي وقع ظلال الصخور غادية بين الدروب كأنها قامات تتداعى وتلاعب المدى وفق موجات الأشعة المتدفقة من هنا وهناك، هذه الطبيعة العصية على الإدراك المذهلة بتكوينها، ما لنا إلا أن نسبّح الخالق على بديع صنعه.
    من بعيد تطالعنا تلك الصخرة المتفردة بوحدتها وبشموخها، دققت النظر، فإذا شيء ما يتحرك فوقها، لمحت طيف إنسان يتمركز بثبات فوقها، الحيرة كبّلت حواسي وتساءلت ما الذي يُجلس هذا الإنسان في هذا الخواء! ودفعني الفضول والحمية إلى استطلاع الأمر، ولذت بسيارتي يمين الشارع وترجلت متقافزا بين الصخور بخفة أقدام قط مخملية، عيناي تبحث عن الملامح الغائمة بقتامة العتمة أحاذي المكان واكتني سره، ألجمتني المفاجأة، سيدة تقارب الثمانين من عمرها تربض متحجرة على قمة الصخرة، سألتها: ما الذي أتى بك هنا!!؟ جفلت، وشعرتُ برهبة تنبع من داخلها: أنتظر عودة ولدي!! لمت نفسي لاجترائي خدش سكينتها في وحشة المكان، ،ثمّ تبددت مخاوفها حين سمعت لين صوتي: تأخر، ليته يعود، البرد يبّس مفاصلي،الله يرضى عليه!!
    اندفع السؤال حائرا:أين ابنك يا حجة؟
    ردّت بكلمات متقطعة وأنفاس هادرة: الله يرضى عليه راح مع أسرته إلى مطعم قريب هنا لتناول العشاء، رغب باصطحابي لكني رفضت لأن سلالم المطعم عالية. أردت أن أقول لها أنت في منطقة لا عمران فيها،لا يوجد فيها سوى الصخور والعتمة، لكني خفت عليها صدمة الخديعة،لحظات قصيرة محتشدة بالانفعالات: من هو ابنك؟ وشحتني بنظراتها المنتشية بنشوة فخر واعتزاز واغترفت من ذاكرة حكمَ عليها العمر بالانكماش: ابني طبيب مشهور، اشتغلت في البيوت وربيته بدمع العين ورفضت الزواج بعد الترمل.
    صمتت مرتجفة، لا تقدر على التوغل في الزمن الغابر، انتحاب شجيّ من داخلها، حاصرتها عزلة الهرم، وطاردتها ظلال الخذلان،ألم يدرك أنّه أحلى ما في حياتها! أتُراه شعر بحبها واحتراق سنين عمرها وبغلبة الحنين في شغاف قلبها! أرعبني حالهاهي في وحدتها تلاطم الصخر وتقرض قسوة الحظ العاثر، والحياة لديه صاخبة بألوانها، لا تريد منه سوى نفحات حب ودفقات حنان تعينها على قسوة الهرم، لمَ ألقى بها في هذا الخواء تغالب مرارة الوحدة وتصارع نزعات الموت!!
    احتضنتها برفق: ولم ترتجفين يا حجة؟
    أنّات تكابد الزمن الشقي: من البرد والجوع!!
    نظرة فزعة أسئلة وغامضة:منذ متى تركك هنا؟
    عيناها تتوّسد حزن عميق: لا أعرف الوقت، تأخر، أظنّ أولّ الغروب!أخاف أن يحدث له مكروه.
    قدّرت أنّها أمضت خمس ساعات، أردت استجلاء الشخصية: أيوجد معك بطاقة
    شخصية أو هويّة؟أنصت إلى دبيب الروح تسري في أوصالها: لا أعرف سوى إني أم عاصي وليس لي في الدنيا سواه، لكنه أعطاني هذه الورقة!!
    فتحت يدها وأشتات روحها ترتجف قلقا، وسقط الوعي مني نازفا نداءات قهر من كلمات الورقة "من يجد أمي ينقلها إلى دار للمسنين"ولفتني المتاهات وخلت الصخور تحت قدمي مُدى، أمسكت بها لأنزلها من عند الصخور، قالت والضنى يجتاح روحها: هل جاء ابني؟ قلت لها بشغف حنين ورحمة: أنا ابنك، تعالي معي يا أمي.






    بسم الله الرحمن الرحيم

    "وَقَضَى رَبُّكَ أَلاَّ تَعْبُدُواْ إِلاَّ إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِندَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلاَهُمَا فَلاَ تَقُل لَّهُمَآ أُفٍّ وَلاَ تَنْهَرْهُمَا وَقُل لَّهُمَا قَوْلاً كَرِيمً"


    ملاحظة : اليوم الأول من شهر تشرين الأول"اليوم العالمي للمسنين "



    التعديل الأخير تم بواسطة فاطمة يوسف عبد الرحيم; الساعة 01-10-2012, 08:52.
  • ريما ريماوي
    عضو الملتقى
    • 07-05-2011
    • 8501

    #2
    محزنة حقا قصتك ,, ولا بد ان يلقى ابنها نفس المصير..
    اكيد اولاده سيرمونه كما رماها...

    شكرا لك، تحيتي وتقديري.
    التعديل الأخير تم بواسطة ريما ريماوي; الساعة 01-10-2012, 14:42.


    أنين ناي
    يبث الحنين لأصله
    غصن مورّق صغير.

    تعليق

    • نجاح عيسى
      أديب وكاتب
      • 08-02-2011
      • 3967

      #3
      يالَقسوة القلوب ..والتنكُّر والجحود ..
      يالهُ من وجعٌ يفتك بالروح ..ويدمر الحياة ..
      شيء مخيف مرعب أن يتصوّر الإنسان
      نفسهُ مكان تلك المرأة ...التي كانت ذات عمرٍ
      تمتلك الشباب والقوة العنفوان ، وكانت كالنحلة لا تكلُّ
      ولا تملً من البذل والعطاء ..شمعةُ تذوب بكل رضىِ وتفانٍ ..
      دون أن تقول آه ...
      قصة موجعة سيدتي ...
      شكرا لك هذا النص الذي أشعل الضوء الأحمر ..
      أمام اولئك القساة .
      التعديل الأخير تم بواسطة نجاح عيسى; الساعة 01-10-2012, 13:47.

      تعليق

      • جلاديولس المنسي
        أديب وكاتب
        • 01-01-2010
        • 3432

        #4
        يقول المثل قلبي على ابني إنفطر .. وقلب أبني عليّ حجــر
        وليتأكد أن الجزاء من جنس العمل
        ***
        سرد جمالي ولغة رشيقة دقيه حتى أنها أخذتني إلى حيث المكان الطقس فقد لسعتني برودته حقاً وعشت العتمات معكِ
        تحياتي لكِ

        تعليق

        • جلاديولس المنسي
          أديب وكاتب
          • 01-01-2010
          • 3432

          #5
          يقول المثل قلبي على ابني إنفطر .. وقلب أبني عليّ حجــر
          وليتأكد أن الجزاء من جنس العمل
          ***
          سرد جمالي ولغة رشيقة دقيه حتى أنها أخذتني إلى حيث المكان الطقس فقد لسعتني برودته حقاً وعشت العتمات معكِ
          تحياتي لكِ

          تعليق

          • ربيع عقب الباب
            مستشار أدبي
            طائر النورس
            • 29-07-2008
            • 25792

            #6
            لست أدري
            هل كان يجب أن تشيري إلي المصدر الذي استقيت منه قصتك هذه ؛ و قد ذكرت الدواعي إلي طرحك له و المناسبة ؟!
            نعم اللغة كانت منسابة و جميلة و جيدة
            و لكن الموضوع الذي هو محور الحديث
            قد سبق و رأيناه على الشاشة الصغيرة مصريا و سوريًا مؤخرا
            وهذا لا يجوز إطلاقا لأنه لم يكن تراثا إنسانيا حتى نتغافل عنه

            أرجو منك التفضل بالتوضيح سيدتي فاطمة

            تقديري و احترامي
            sigpic

            تعليق

            • ميساء عباس
              رئيس ملتقى القصة
              • 21-09-2009
              • 4186

              #7
              صمتت مرتجفة، لا تقدر على التوغل في الزمن الغابر، انتحاب شجيّ من داخلها، حاصرتها عزلة الهرم، وطاردتها ظلال الخذلان،ألم يدرك أنّه أحلى ما في حياتها! أتُراه شعر بحبها واحتراق سنين عمرها وبغلبة الحنين في شغاف قلبها! أرعبني حالهاهي في وحدتها تلاطم الصخر وتقرض قسوة الحظ العاثر، والحياة لديه صاخبة بألوانها، لا تريد منه سوى نفحات حب ودفقات حنان تعينها على قسوة الهرم، لمَ ألقى بها في هذا الخواء تغالب مرارة الوحدة وتصارع نزعات الموت!!

              جميييلة جداا
              نبض حار
              مواقف متوهجة
              طريقة سرد راائعة
              موضوع راائع
              محبتي
              ميساء العباس
              مخالب النور .. بصوتي .. محبتي
              https://www.youtube.com/watch?v=5AbW...ature=youtu.be

              تعليق

              • فاطمة يوسف عبد الرحيم
                أديب وكاتب
                • 03-02-2011
                • 413

                #8
                المشاركة الأصلية بواسطة ريما ريماوي مشاهدة المشاركة
                محزنة حقا قصتك ,, ولا بد ان يلقى ابنها نفس المصير..
                اكيد اولاده سيرمونه كما رماها...

                شكرا لك، تحيتي وتقديري.
                أشكرك عزيزتي ريما
                حضورك مشرق وكلماتك معبرة عن واقع مؤلم ،وهذه حقيقة أن من يعق والديه يلاقي نفس المصير
                بوركت

                تعليق

                • فاطمة يوسف عبد الرحيم
                  أديب وكاتب
                  • 03-02-2011
                  • 413

                  #9
                  المشاركة الأصلية بواسطة نجاح عيسى مشاهدة المشاركة
                  يالَقسوة القلوب ..والتنكُّر والجحود ..
                  يالهُ من وجعٌ يفتك بالروح ..ويدمر الحياة ..
                  شيء مخيف مرعب أن يتصوّر الإنسان
                  نفسهُ مكان تلك المرأة ...التي كانت ذات عمرٍ

                  عباراتك مؤثرة وحاكت مغزى القصة بكل صدق
                  تمتلك الشباب والقوة العنفوان ، وكانت كالنحلة لا تكلُّ
                  ولا تملً من البذل والعطاء ..شمعةُ تذوب بكل رضىِ وتفانٍ ..
                  دون أن تقول آه ...
                  قصة موجعة سيدتي ...
                  شكرا لك هذا النص الذي أشعل الضوء الأحمر ..
                  أمام اولئك القساة .
                  عباراتك مؤثرة وحاكت مغزى القصة بكل صدق ،
                  وكما يقال قلبي على ولدي وقلب ولدي على الحجر
                  أشكر حضورك المفعم بالشفافية
                  سرني تواجدك
                  بوركتم

                  تعليق

                  • فاطمة يوسف عبد الرحيم
                    أديب وكاتب
                    • 03-02-2011
                    • 413

                    #10
                    المشاركة الأصلية بواسطة جلاديولس المنسي مشاهدة المشاركة
                    يقول المثل قلبي على ابني إنفطر .. وقلب أبني عليّ حجــر
                    وليتأكد أن الجزاء من جنس العمل
                    ***
                    سرد جمالي ولغة رشيقة دقيه حتى أنها أخذتني إلى حيث المكان الطقس فقد لسعتني برودته حقاً وعشت العتمات معكِ
                    تحياتي لكِ
                    الرائعة جلاديولس
                    تحية وتقدير لتشريفك صفحتي وتفاعلك العذب أضفى على النص رونقا ،
                    ،وليت الأبناء يشعرون بمعاناة الوالدين
                    تحية حب وتقدير

                    تعليق

                    • فاطمة يوسف عبد الرحيم
                      أديب وكاتب
                      • 03-02-2011
                      • 413

                      #11
                      المشاركة الأصلية بواسطة ربيع عقب الباب مشاهدة المشاركة
                      لست أدري
                      هل كان يجب أن تشيري إلي المصدر الذي استقيت منه قصتك هذه ؛ و قد ذكرت الدواعي إلي طرحك له و المناسبة ؟!
                      نعم اللغة كانت منسابة و جميلة و جيدة
                      و لكن الموضوع الذي هو محور الحديث
                      قد سبق و رأيناه على الشاشة الصغيرة مصريا و سوريًا مؤخرا
                      وهذا لا يجوز إطلاقا لأنه لم يكن تراثا إنسانيا حتى نتغافل عنه

                      أرجو منك التفضل بالتوضيح سيدتي فاطمة

                      تقديري و احترامي
                      الأخ الأديب الراقي ربيع
                      القصة روتها لي مشرفة في دار المسنين في عمان ، وأن الحكاية حدثت في منطقة اسمها العدسية على طريق البحر الميت في الأردن ، أما أنك قرأت مثلها ،أليست قصص الحب تتشابه وحكايا الاغتصاب تتشابه والجرائم تتشابه ، ألا تتشابه حكايا عقوق الوالدين !! حتى أفلام السينما تحكي أحيانا نفس القصة ، المهم المغزى من القصة وأسلوب السرد قد يكون مشوقا للقارئ ، سرني رأيك في الأسلوب واهتمامك في قضية التوثيق
                      تقديري

                      تعليق

                      • فاطمة يوسف عبد الرحيم
                        أديب وكاتب
                        • 03-02-2011
                        • 413

                        #12
                        المشاركة الأصلية بواسطة ميساء عباس مشاهدة المشاركة
                        صمتت مرتجفة، لا تقدر على التوغل في الزمن الغابر، انتحاب شجيّ من داخلها، حاصرتها عزلة الهرم، وطاردتها ظلال الخذلان،ألم يدرك أنّه أحلى ما في حياتها! أتُراه شعر بحبها واحتراق سنين عمرها وبغلبة الحنين في شغاف قلبها! أرعبني حالهاهي في وحدتها تلاطم الصخر وتقرض قسوة الحظ العاثر، والحياة لديه صاخبة بألوانها، لا تريد منه سوى نفحات حب ودفقات حنان تعينها على قسوة الهرم، لمَ ألقى بها في هذا الخواء تغالب مرارة الوحدة وتصارع نزعات الموت!!

                        جميييلة جداا
                        نبض حار
                        مواقف متوهجة
                        طريقة سرد راائعة
                        موضوع راائع
                        محبتي
                        ميساء العباس
                        العزيزة ميساء
                        أنت أيضا رائعة بإحساسك المفعم بالصدق ، حضورك تكريما لي أشكرك ولك محبتي

                        تعليق

                        يعمل...
                        X