ملامح البيئة وحضورها في لغة الشاعر // بقلم الشاعر إبراهيم بشوات
نشأنا ونحن نسمع حديثا عن بيئة الشاعر ،وعرفنا ونحن لا نزال في الطفولة أنه نسخة من محيطه الذي يتنفس هواءه، ويطأ ثراه ويجوب دروبه. نعم، في هذا الكلام نصيب كبير من الصحة والمنطق، إذ أن السابقين ممن تفجرت مواهبهم فغدوا شعراء مشهورين، تفتحت أعينهم في عالم يصعب الابتعاد عنه، ولم الابتعاد وحولهم من يعشق كلامهم ويتوق لكل همسة تغادر شفاههم..؟ لم الرحيل وقد اجتمع في القبيلة أعلامها وساداتها تشرئب أعناقهم كلما تكلم فصيح، وأسكت الجهابذة من حوله؟
وفوق هذا فهناك الكثير من الرواة يقطعون المسافات ليَسمعوا ويُسمعوا؛ فإذا عادوا من حيث خرجوا تلقف الشعراء الدرر التي جاءوا بها وسمعوها، فأدركوا ما يجول بخاطر أترابهم من أماكنَ بعيدة وأصقاع متفرقة.
كان الشاعر قديما يلتفت فإذا الأفق حوله بيئة شاذة، صعبة المراس تفتك بمن لا يغالبها، ويصطبر على أوارها، ورمضائها، وصقيعها ،فيتجلى ذلك كلُّه في بوحهم الموزون، تتلمس حضور الجغرافيا وتتشمم أريج التاريخ،وتتبين طيف المجتمع ،وتتذوق طعم الشيم،فأنت حينها أمام موسوعة تفتح لك باب فترة أفَلَتْ بصورتها، وخلدت بتراثها الممتد.
أمَا وقد غدونا في عصر غير الذي تحدثنا عنه،فما حال الشعراء مع البيئة؟ وما حال البيئة معهم؟.
لعله سيكون طرحا جدليا يصعب الوقوف عند نتيجة حتمية فيه،إلا إذا كانت الدراسة مرحلية متأنية غير متسرعة. وأفضل طريقة أراها هي أن أتحدث عن نفسي كشاعر فأعرفَ بيني وبين نفسي مدى حضور البيئة بكل مكوناتها في كتاباتي المتواضعة.
وأنا بعدُ فتى في الخامسة عشرة من العمر، داعبتني أولى نسائم الحرف ،فنسجتُ قصائدي الغضةَ اللينة ،وكم كانت مشحونة بالوطنية والروح الإسلامية، ولا شيء غير ذلك، إذ كانت الصحوة الدينية في أوجها، ولا حديث إلا عن الشيم الرفيعة من أساتذة أجلاء، وطلبة يفوقوننا سنا ومعرفة خلال حلقات الدروس أثناء فترات الراحة،وإذا سمعنا شريطا وجدنا الأنشودة الإسلامية تطغى بعنفوانها وسحرها مع اللحن والإيقاع الجذاب، فلا نزداد إلا ثورة وتمسكا بروح الدين الحنيف ،وموازاة مع كل هذا تشربنا الثورة من خلال ما درسنا في المقررات، وسَحَرنا مفدي زكريا بملحمته الخالدة المضيئة،وسمعنا الكثير عن بطولات شهدائنا، فانغمسنا نصوغ حب الجزائر شعرا يتفجر وطنية، ووفاء والتزاما،وكانت الجزائرُ المعشوقةَ الأولى التي ملكت أفئدتنا، وأجبرتنا دون وعي منا أن نعطيَها عواطفنا مع كل نبضة قلب،ثم مضينا والسنوات تغذينا وتسقي قرائحنا، حتى تلمسنا بيئة جديدة، نظرْنا فإذا كائنٌ لطيف رقيق الشعور، يطوف جيئة وذهابا، وتطوف حوله غيماتنا المثقلة بألف بوح وبوح، وتُجَسِّدُ الوحي كلاما عاطفيا بأسمى تجلياته،يلون المرأة بألوان قلبنا، ويهبها نَفَسًا من أفق المعنى، لتأخذَ مواسمَ ومواسمَ في رحلة العمر.وبين الدين والوطن والحب النقي، وكلِّ قراءة في كتاب جديد، ترعد السحابات فتروَى الروحُ من كل ثمرة ، حتى أقبل زمن تصفحنا فيه ما ألهمَ غيرَنا.. ذاك هو زمن الشبكة العالمية التي فتحت لنا باب المعرفة والتعرف، وأين البيئة هنا يا ترى؟ كنّا بعد هذه المرحلة، أو خلالها نقرأ الشعر من كل أفق ومن كل لغة، ولا ننتظر وجود البيئة إذ نحن فيها بغير قصد، هي التي تجد نفسها بيننا، وتجسد وجودها بين لحظة وأخرى، كتبنا بروح الشعراء من كل بقاع الأرض، وقاسمناهم آلامهم وآمالهم، وجعلونا نتذوق طعم وطنهم، فتثمر بيئتهم فينا، وجعلناهم يتلذذون بشعرنا،فيزهر ثرى وطننا بين حنو أفئدتهم، وإذا الكلمة الراقية لا تعرف انتماء ضيقا، بل تحيا حلما يجول بين الخواطر، يفسره الشاعر كيفما بدا له، ويتقبله السامع بأريحية ناضجة.
ورغم كل هذا فإنك تلمس من حين إلى حين خصوصية الشاعر الذاتية، وأسلوبه المتفرد، وتقطف ثمرة طعمها بطعم وطنه، ومذاقها بمذاق بيئته، والأمثلة على ذلك كثيرة متفرعة.
هكذا أرى نشأة الشاعر مع بيئته منذ القدم، وهكذا اصطبغ بأطيافها ليغدوَ ترجمانها، وتغدوَ لغتَه التي يخاطب بها كلَّ إنسان في الكون.
بقلم الشاعر إبراهيم بشوات
22 / 09 / 2012
نشأنا ونحن نسمع حديثا عن بيئة الشاعر ،وعرفنا ونحن لا نزال في الطفولة أنه نسخة من محيطه الذي يتنفس هواءه، ويطأ ثراه ويجوب دروبه. نعم، في هذا الكلام نصيب كبير من الصحة والمنطق، إذ أن السابقين ممن تفجرت مواهبهم فغدوا شعراء مشهورين، تفتحت أعينهم في عالم يصعب الابتعاد عنه، ولم الابتعاد وحولهم من يعشق كلامهم ويتوق لكل همسة تغادر شفاههم..؟ لم الرحيل وقد اجتمع في القبيلة أعلامها وساداتها تشرئب أعناقهم كلما تكلم فصيح، وأسكت الجهابذة من حوله؟
وفوق هذا فهناك الكثير من الرواة يقطعون المسافات ليَسمعوا ويُسمعوا؛ فإذا عادوا من حيث خرجوا تلقف الشعراء الدرر التي جاءوا بها وسمعوها، فأدركوا ما يجول بخاطر أترابهم من أماكنَ بعيدة وأصقاع متفرقة.
كان الشاعر قديما يلتفت فإذا الأفق حوله بيئة شاذة، صعبة المراس تفتك بمن لا يغالبها، ويصطبر على أوارها، ورمضائها، وصقيعها ،فيتجلى ذلك كلُّه في بوحهم الموزون، تتلمس حضور الجغرافيا وتتشمم أريج التاريخ،وتتبين طيف المجتمع ،وتتذوق طعم الشيم،فأنت حينها أمام موسوعة تفتح لك باب فترة أفَلَتْ بصورتها، وخلدت بتراثها الممتد.
أمَا وقد غدونا في عصر غير الذي تحدثنا عنه،فما حال الشعراء مع البيئة؟ وما حال البيئة معهم؟.
لعله سيكون طرحا جدليا يصعب الوقوف عند نتيجة حتمية فيه،إلا إذا كانت الدراسة مرحلية متأنية غير متسرعة. وأفضل طريقة أراها هي أن أتحدث عن نفسي كشاعر فأعرفَ بيني وبين نفسي مدى حضور البيئة بكل مكوناتها في كتاباتي المتواضعة.
وأنا بعدُ فتى في الخامسة عشرة من العمر، داعبتني أولى نسائم الحرف ،فنسجتُ قصائدي الغضةَ اللينة ،وكم كانت مشحونة بالوطنية والروح الإسلامية، ولا شيء غير ذلك، إذ كانت الصحوة الدينية في أوجها، ولا حديث إلا عن الشيم الرفيعة من أساتذة أجلاء، وطلبة يفوقوننا سنا ومعرفة خلال حلقات الدروس أثناء فترات الراحة،وإذا سمعنا شريطا وجدنا الأنشودة الإسلامية تطغى بعنفوانها وسحرها مع اللحن والإيقاع الجذاب، فلا نزداد إلا ثورة وتمسكا بروح الدين الحنيف ،وموازاة مع كل هذا تشربنا الثورة من خلال ما درسنا في المقررات، وسَحَرنا مفدي زكريا بملحمته الخالدة المضيئة،وسمعنا الكثير عن بطولات شهدائنا، فانغمسنا نصوغ حب الجزائر شعرا يتفجر وطنية، ووفاء والتزاما،وكانت الجزائرُ المعشوقةَ الأولى التي ملكت أفئدتنا، وأجبرتنا دون وعي منا أن نعطيَها عواطفنا مع كل نبضة قلب،ثم مضينا والسنوات تغذينا وتسقي قرائحنا، حتى تلمسنا بيئة جديدة، نظرْنا فإذا كائنٌ لطيف رقيق الشعور، يطوف جيئة وذهابا، وتطوف حوله غيماتنا المثقلة بألف بوح وبوح، وتُجَسِّدُ الوحي كلاما عاطفيا بأسمى تجلياته،يلون المرأة بألوان قلبنا، ويهبها نَفَسًا من أفق المعنى، لتأخذَ مواسمَ ومواسمَ في رحلة العمر.وبين الدين والوطن والحب النقي، وكلِّ قراءة في كتاب جديد، ترعد السحابات فتروَى الروحُ من كل ثمرة ، حتى أقبل زمن تصفحنا فيه ما ألهمَ غيرَنا.. ذاك هو زمن الشبكة العالمية التي فتحت لنا باب المعرفة والتعرف، وأين البيئة هنا يا ترى؟ كنّا بعد هذه المرحلة، أو خلالها نقرأ الشعر من كل أفق ومن كل لغة، ولا ننتظر وجود البيئة إذ نحن فيها بغير قصد، هي التي تجد نفسها بيننا، وتجسد وجودها بين لحظة وأخرى، كتبنا بروح الشعراء من كل بقاع الأرض، وقاسمناهم آلامهم وآمالهم، وجعلونا نتذوق طعم وطنهم، فتثمر بيئتهم فينا، وجعلناهم يتلذذون بشعرنا،فيزهر ثرى وطننا بين حنو أفئدتهم، وإذا الكلمة الراقية لا تعرف انتماء ضيقا، بل تحيا حلما يجول بين الخواطر، يفسره الشاعر كيفما بدا له، ويتقبله السامع بأريحية ناضجة.
ورغم كل هذا فإنك تلمس من حين إلى حين خصوصية الشاعر الذاتية، وأسلوبه المتفرد، وتقطف ثمرة طعمها بطعم وطنه، ومذاقها بمذاق بيئته، والأمثلة على ذلك كثيرة متفرعة.
هكذا أرى نشأة الشاعر مع بيئته منذ القدم، وهكذا اصطبغ بأطيافها ليغدوَ ترجمانها، وتغدوَ لغتَه التي يخاطب بها كلَّ إنسان في الكون.
بقلم الشاعر إبراهيم بشوات
22 / 09 / 2012