أنا وليلى والنسناس*
1
يا كوكباً لأنين القلبِ يَسْتَمِعُ
قفْ صوب حيفا وقل أنَّى سنجتمعُ
بلِّغْ حنيناً إلى النسناسِ إنَّ بهِ
ذكرى حبيبٍ عن الأحداقِ ينقطعُ
ذكراكِ ليلى سَرتْ مع ليلةٍ سَلَفتْ
هل يا تُرى واديَ النسناسِ مُر تجٌع
1
*- النسناس: المقصود به حي وادي النسناس، وهو أحد الأحياء العريقة في مدينة حيفا
23
كم بين ليلى وبين اليومِ والهفي
كُلُ السنين مَضَتْ في إثْرِها وَجعُ
ممشوقةٌ نجلةُ العينين زيَّنها
خدٌ أسيلٌ تلاقتْ حولهُ الفُرُعُ
كأن طرفة عينيْها إذا برقتْ
كالبرقِ من خدِّها المصقولِ يلتمعُ
كأن خصلة شعرٍ من جديلتها
غصنٌ إذا داعبته الريحُ يرتفعُ
فتترُكُ الجيدَ لا سترٌ يُدَثِّرهُ
فتمتطي بِدعاً من خلفِها بِدعُ
يفوحُ منها عبيرٌ نرجسٌ هَمسَتْ
في أُذْنهِ نسمَةٌ فانسابَ يستمعُ
24
ذكرتُ ليلى وفي النسناسِ قُبلَتُنا
يشدو لها البحرُ والأمواجُ تَطَّلعُ
ذَكرتُ ليلى ودمعُ العينِ مُنسكِبٌ
يبكي على وطنٍ قد هزَّهُ الفَزَعُ
من بعدِ ما هجَرَ النسناسَ آهِلُهُ
كانت لليلى قُبيلَ الموتِ مُتَّسعُ
كي تدعوَ الرَّب إيماناً ومغفرةً
سلَّتْ صَليباً عَليهِ الدَّمُ ينتَجِعُ
قالتْ فِراقٌ ، رجوتُ الربَّ يُسْلِمُها
وَدمعُ عيني على وجناتها يَقَعُ
دماؤها درجت والشمس قد سطعت
لكنها بَرَدَتْ والحرُّ يصطَرِعُ
25
ما راعَ ليلى قُبيلَ الفزع أنَّ لها
أخاً رضيعاً قضى والبيتُ ينصدعُ
أسرعتُ والَهَفي أمشي وأحملُها
حتى وصلتُ كُهَيفاً فيهِ نضطجعُ
ضمَّدتُ جُرحاً لها في صدرِها خَرِقاً
قَبلتُها شرِهاً في قُبلَتي وَلَعُ
لمَّا سَمِعتُ أنيناً قال صاحِبُنا
أسرعْ لها الماءَ فهي الآنَ تَنْتَفِعُ
جَرَّعتُها شُربَةً حتى إذا شَرِبَتْ
دَعوتُ أربابها أن تَنفَعَ الجُرَعُ
نظرتُ من بطنِ كهفٍ للسماءِ بَدت
غضبى تنوء وبالأرزاء تنزرعُ
26
بدرٌ جريحٌ بها ينسابُ في ظُلَمٍ
ليلى تَئنُّ وذاكَ البدرُ يستَمِعُ
يا بدرُ ما لك من ليلى وبسمَتِها
هل منْ بُكاءٍ يُزيلُ الجُرحَ أو يَضَعُ؟
ليلى أفاقتْ على صوتٍ يُزلزِلُنا
قَنابلُ القتلِ تهوي ثمَّ تندَفِعُ
قالتْ : رويدكَ تُزجيني إلى قَمَرٍ
قد كُنتُ بدرَكَ قبلَ اليومِ يا طَمِع
أدرِكْ قُميرَكَ إنَّ الجوعَ ضوَّرهُ
وإذ بثالثنا في زادهِ بِضَعُ
قلتُ البُكاء من الأرزاءِ يدهمنا
فالبدرُ مثلي وفي ليلائهِِ فَجِعُ
27
قد يَخلعُ الليلَ صبحٌ بانَ مَطلَعُهُ
لَكنَّ ليلَ المآسي ليس ينخَلِعُ
سِرنا ثلاثاً وكانَ الفجرُ يجمَعُنا
مع من يُهجِّرهُ الإرهابُ والخِدَعُ
زَعامةٌ عُصبَةٌ رعناءُ يترَعُها
كأسُ الخيانةِ في الأفواه ينقرعُ
نبتُ الخُنوعِ روى من نبعِ ذِلَّتهم
فأنبتت غصنُهُ ملهى لمن خنعوا
يُحلي الرُكوعَ لغازٍ فيهمُ طَمِعٍ
يسطون في سيفه للهِ ما ركعوا
هَذا الذي قاله النسناسُ حينَ بَغت
صهيونُ في أرضهِ بالقتلِ تنتزعُ
28
حيفا تئنُ وعكا بعدها سَقطتْ
وَالهفَ نفسي على بيسانَ إذ تَقَعُ
مُخيَّمٌ ضمَّ ليلى مع أبٍ فَزِعٍ
شَرُّ البليَّةِ أنْ يغلو به الفَزَعُ
يَهذي بهِ نومُهُ أركانَ عِزتهِ
بالذُعرِ يصحو وبالأقداحِ يرتَدِعُ
يوماً دعاني على كاسٍ فأمطَرني
وبلاً من الشعرِ فيهِ تُسحَقُ الشُّرُعُ
إذ قالَ من بحرهِ بيتاً ليوجِزَني
« حيفا تموتُ وما النسناسُ مُر تَجعَُ »
نَظرتُ في حينها إذ قلتُ موجِزهُ:
يوماً نعودُ وفي النسناسِ نجتمعُ
29
صاحَ الشِّراعُ إلى الأغرابِ قِبلَتهُ
قلتُ الفدِاءُ شِراعٌ ليسَ ينخدعُ
قد جئتُ ليلى خطيباً ما تقولُ بنا؟
أجابني خَجِلاً الدينُ يمتنعُ
إنْ كان فرَّقَنا دينٌ ومعتَقدٌ
فالعُرْبُ تاجٌ وفيهِ الحبُّ يرتصعُ
والوصلُ إنْ صدقت مُهجاتنا وُصِلت
والربُ حبٌ وليس الرَّبُ يمتنعُ
أجابني صارماً: الدينُ فرَّقكم
وَحبلُ وصلك من ليلى سينقطعُ
نظرتُ ليلى وإذ بالدمعِ منسفِحٌ
من مُقلتيها كأن الجُرحَ مُنصَدِعُ
30
أصبحتُ مأسورَ دينٍ لا فِكاكَ لهُ
ليلى كحيفا وكالنسناسِ تُنتَزَعُ
بالدينِ صهيونُ قد أخفتْ جريمتها
لمَّا أتت واديَ النسناسِ تصطرعُ
يا ربِّ إني رسولُ الحبِ في زمنٍ
الحِقدُ في أرضهِ ينمو ويتسعُ
يا ربِ هل أنت من أفقدتني وطني؟
أم أصبح الدينُ بالأحقادِ ينزَرِعُ
يا ربِ أنت الذي حررتَ آدَمَنا
فكيف باسمِكَ يا ربي سيختضعُ
يا ربِ من يمنعُ القلبينِ أنْ يَقَعا؟
كيف الفِراقُ نمت في هديهِ الشُّرُعُ
31
حيفا تنوء وليلى والشتاتُ غدوا
غَيْماً تَلبَّدَ في ويلاتهِ أقعُ
ناديتُ ليلى بصوتٍ هزَّ خيمتَنا
ليلى الفراقُ بنى سوراً ويرتفعُ
سورٌ ينوء بحيفا عن لقِاءِ غدٍ
سورٌ زُميِّقُنا هيهاتَ نستطعُ
ليلى رمت نفسها ثكلى تُقبِّلُني
أحسستُ أني إلى النسناسِ اندفعُ
لكنَّ والدَِها قد دسَّ خنجَرَهُ
في ظهرِها ورماهُ الذعرُ والهلعُ
سَقطتُ أرضاً كأني منْ غُدرتُ بهِ
هوت عليَّ تداويني وتلتفعُ
32
واحرَّ قلباهُ هل تبكي لفرقتنا؟
أجبتُها قدرٌ قالتْ فهل أُطَعُ
قلتُ: اطلُبي فأنا عبدٌ لبُغيتكِ
قالت: توصى أبي إنْ مسَّهُ وَجعُ
سقطتُ من شدة الآلام مفتقداً
وعيي كأني إلى ليلاي اتبعُ
رأيتُ في سكرتي حيفا وكرملها
يلتفُ حولهما وحشٌ به بُقَعُ
الوحشُ أزرق مثل البحرِ أولهُ
حيفا وآخره في البحرِ يندفعُ
ليلى بقربي ويا للهولِ قد برقتْ
عيناهُ منا وإذ بالوحشِ يبتلعُ
33
شاهدتُ فكاً على حيفاي قد طبقت
ثمَّ التوى نحونا في بغيهِ ولعُ
ليلى من الرُّعبِ شَدتني جوارحُها
لكنه شدَّها وحشٌ بهِ صَرَعُ
ليلى تصيحُ على فكيه باكيةً
أسنانه خنجرٌ والرأسُ يتَّسِعُ
لمستهُ ناعماً كالقطنِ ملمسهُ
أحدقتُ فيهِ وإذ بالنارِ تندلعُ
رأيتهُ ينظرُ العلياءَ مبتسماً
كأنهُ عابدٌ من ربِّهِ ضَرِعُ
دمعي يصيحُ على ليلى فيغرِقها
أغمضتُ أعينَها وانتابني الفَجَعُ
34
صَرختُ ليلى وداعاً ليتها سمِعتْ
يا موتُ ويحَكَ ليلى ما بها سَمعُ
ماذا أقول إلى حيفا أذكِّرُها
إن عدتُ يوماً إلى النسناسِ أهتجعُ
ماذا أقولُ إلى الأطيارِ إن سألت
عن صوت ليلى ومن منها سيقتنعُ
الحبُ تقتلهُ الأضغان إنْ نبتتْ
منْ للضغينةِ غيرُ الحبِ ترتدعُ
تعليق