النقطة التي قصمت فكرالأديب
التقيت بمحمود درويش وأنسي الحاج وبسيسو والماغوط وأدونيس وعشقت صوت فيروز صادحا والتقيت نزار قباني في مكتبه وخرجت مع الرافضين في "مسيرة الشموع" في محاولة لثني أصحاب «مقهى مودكا» عن إغلاقه، لأنّ الحرب أفقدته هويته الثقافية، وخطفت «السوليدير» منه الأضواء بمقاهيها الراقية الخالية من البؤر الثقافية.
صحوت من ومضات حلم ورديّ طافت خيالي وتوقعات ذاهلة، نزعت الملصق بنفس لهفة استعرضت صفحة بيضاء توسطها سطران"السيد محمد صادق البيروتي" لقد تمّ انتدابكم من قبل لجنة النقد الأدبي لإدارة ندوة للأديب"حاكم السلحدار"ولإلقاء الضوء على إبداعاته الأدبية، في تاريخ..." أذهلتني المفاجأة،خلت هناك لبس ما، لكني صدّقت هواجسي فأنا أديب مبدع، لكنّهم تأخروا في إدراك أهميتي،و داخلني فرح وخالطني يقين أن شأني قد علا بين عمالقة الأدب وانتفخ الصدر بحجم بالون نيتروجيّ، وتراءت لي صورا مشرقة أفقدتني القدرة على النّوم حتى لو سلّمت نفسي لسلطانه.
لكن من هذا "السلحدار" الذي كلفت لإدارة ندوة لأعماله الأدبية؟ فالأدباء كثر ولا يعرفهم إلا ذويهم وجيرانهم وبعض المهتمين بالأدب، لجأت للصاحب "جوجل" واستعرضت الاسم ومشتقاته، وتبين أنه أديب مشهور زاخر بالعطاء، وانصبّ جهدي على كلّ إنتاجه الأدبي دراسة وتحليلا.
غرقت في هالة من التكبر والكبرياء حين طلبت زوجتي أن أحضر لها الخضار، رددت بغضب:أجننت،"ألم تعلمي أنا المحاضر في ندوة "السلحدار" أأذهب إلى سوق الخضار! تدبري أمرك. مرّ جاري وألقى السلام فلم أعبأ به وتمتمت: كيف أرد السلام على جار جاهل"ألم يعلم أنا المحاضر ...." وهاتفني أخي لحل مشكلات أسرية!! ادعيت أنّه لا وقت لدي لحل مشكلات عقول لا تفكر"ألم يعلم، أنا المحاضر ... " زارني صديق يمارس الكتابة وقدم لي كتابه الجديد ممهورا بإهدائه، رفعت حاجبي وصعرت خدي: أنا لا أقرأ للمبتدئين من هواة القلم،"ألم يعلم، أنا المحاضر ..."
صممت منشورا دعائيا لسيرة "السلحدار" وأظهرت صورتي إلى جانب صورته ليوزع أثناء الندوة، وأخذت أجترّ فرحتي بخيلاء منتظرا اليوم الموعود وخلت نفسي أثناء الندوة خارج مقتضيات الوصف، ورتبت مجريات الأداء الخطابي أوّلا بأوّل بأساليب متميزة، ومنحرصي المفرط على وجاهتي ارتديت عباءة الشيوخ وغطرة موشاة بخيوط الذهب،توجهت إلى المركز الثقافي، وقدمت كتاب الدعوة للمسؤول عن استقبال المدعوين، نظرت إليه بشموخ وعجرفة المشهورين، لم يعرني انتباها، استشطت غضبا، ألا يعرف قدري هذا المغفل!!وانتظرت حلّ عقدة لسانه بصبر وشيك على الانهيار، سألني: أين بطاقة الدعوة التي أرسلت لكبار الأدباء والمفكرين؟
أجبت بشراسة: ماذا! هذه الندوة لن تكون إلا بوجودي، أنا الذي كُلفت بإدارة الندوة.
ردّ بلا مبالاة: عفوا، من أنت؟
بكبرياء صادح: أنا الأديب محمد صادق البيروتـــــي!
: نأسف، الندوة للدكتور محمد صادق البيرونــي، أستاذ النقد الأدبي في الجامعة الوطنية الحرة.
قرأ كتاب التكليف: نأسف الخطأ في الاسم أدى إلى إرسال كتاب التكليف لعنوانكم والفارق نقطة!! لكنّا استدركنا الخطأ ولم نخطرك بالتغيير.
تعكّر دمي: الفارق نقطة، أولم تعلم ماذا فعلت بي تلك النقطة!! ولكني حضرت!! الخطأ خطؤكم ولديّ جاهزية عالية لإدارة الندوة (هزّ رأسه بالرفض) فليكن، فلأحضر الندوة وأشارك الرأي من خلال الحضور.
ردّ باستهتار:لا يمكن، الدعوات تمّ توزيعها لذوي الشهرة، لكلّ مكانه حسب مكانته.
غادرت إلى حيث لا أدريشامتا بعجرفتيحزينا لنزف كرامتي،واعترانيإحساس مقيت بالخيبة والقهر، حار ذهني في مسببات الشهرةمنذ سنين بعيدة وأنا انتظر العمل الذي يضعني على قارعة الشهرة،لكن لا أمل، وكدت أصرخ بلا صوت وأمدّ يدي إلى رواياتي المهزومة لأمزقها، قاربت في كتاباتي نهج تولستوي وهيجو وباولو وو..،؟
صممتُ رواياتي حول االتابوهات الثلاث، لكني لم أوغل فيها خوفا من الرقيب، البعض أوغل، وأباح الإباحية فطارت شهرته الآفاق، أو ذاك الذي عاش تجربته في الغرب ووثق زمكنة النص في رواية يضجّ لها الإعلام، ألأن كل"فرنجي برنجي"!وتلك الشاعرة الحسناء التي تجيد عهر الكلام وسقطه فكان التغني بحسنها لا بشوارد شعرها حتى لو كتبت تفاهة، أو ذاك الذي يكتب طلاسم فيدّعون أنها قمة الإبداع لعدم إدراكهم ما خفي وراء الفكر وكي لا يُتّهموا بالغباء، والنقاد يمجدون أعمال المشهورين لينالوا حظا من الشهرة ونقدهم مدائح تملق، لأنّ النقد يكون للعمل الجيد أوالسيئ، وأيقنت أنهم يصفقون لشخوص وليس لنصوص.
وتزداد حيرتي وجعا حين أرتاد مقر إتحاد الأدباء، فالمشهورون يتحلّقون في حوارات صاخبة في ندوات خاصة بهم، متجاهلين المغمورين، أحيانا أتطفل على شموخهم مشاركا الرأي، فيتجاهلون الرد ويدعون عدم الانتباه مع أن صوتي قد خرق آذانهم، ومن نال وساما تشجيعيا يتعامل بترفع كمن حصل على نوبل للآداب، والبعض يجاملني رأفة "عملك رائع ل.."ويكون قد تصفّح ملخصا لنص أدبي أو اصطاد مواقفا من بين السطور، وأشدّ على يده شاكرا لتلك المبادرة اليتيمة، إلى متى سأبقى قابعا في الظل والبعض تدوّي شهرتهم الآفاق، بربكم ما مقياس الإبداع ومتى سيُردّ الاعتبار لحرمة النفس الخامدة!!!!
تعليق