دارت سهرة الساخر بالغرفة الصوتية (يوم الأربعاء 10 / 10 / 2012 بين الساعتين الحادية عشرة والثانية عشرة) حول نص الأستاذة منار يوسف الموسوم
الخطط السحرية لتفسير النصوص العصية
وكانت سهرة لطيفة شرفها العميد بنفسه وشارك في التعليق. ولعل في ذكره ما يغني عن سرد الأسماء المميزة التي حضرت وأدلت برأيها صوتيا أو كتابيا، ولست مبالغا إذا قلت إن كل الآراء كانت مفيدة ومثرية. كان رأيي أن نص الأستاذة منار نص ساخر استجاب لأهم شروط وعناصر فن السخرية، أما الآخرون فصبوا اهتمامهم على موضوع النص وهدفه، أي على قضية أبي تمام الأزلية: لماذا لا تقول ما يُفْهَم / و لماذا لا تفهم ما يقال. كان حظ الطرف الأول من السؤال موفورا، وسرد البعض نصوصا من صنف "ما لا يفهم"، ولا شك أنها كانت نصوصا موغلة في الغموض (بالنسبة لي وربما لكثيرين غيري).
عدة أمور خطرت لي حول مسألة الغموض. فأنا ممن يؤمن بأن لا نص غامض غموضا مطلقا، حتى النصوص المشفرة بشفرات خفية لنقل رسائل سرية وموجهة إلى جمهور خاص. فإن كنت لا استطيع حل شفرتها وفهمها من ثم، فإن جهلي ليس عيبا في النص ولا علاقة له بما قد أصدره عليها من نقد تقييمي وقيمي. فالغموض هنا مقصود وموجه، ورسالته سيدركها من لديه شفرتها، أو من يَنْصَب في فكها كما هي الحال في الحروب واختراق اتصالات الأعداء.
فرضيتي هنا تنطلق من منطلق أن النص يتحلى بأدنى درجات الجودة لكن غموضا ما يعتريه، أما النصوص الرديئة التي ينبع غموضها من رداءتها فليست محل اعتبار، فهي رديئة سواء كانت واضحة أو غامضة، ولن تخدم غاية أو تؤسس لنهج. وخبراء اللسانيات وأهل النقد (الأدبي والاجتماعي) أثروا معرفتنا بفنون وفنيات اللغة والأجناس الأدبية وشرحوها (تشديد الراء) وفصّلوها. فقراءة رواية ليست كقراءة قصيدة، وقراءة قصيدة عمودية ليست كقراءة قصيدة نثر. فلكل منها شفراتها ومقتضيات إدراكها، حتى غموضها يتبع أعراف مقننة إذا خرجت عن هذه الأعراف تدنت قيمتها وساءت. وإذا كنت لا أحيط بهذه الأعراف فإنني بالتالي لن "أفهم ما يقال"، تماما كمن يسمع أو يقرأ لغة أجنبية حتى يتقنها. وما يتبع الأعراف والقوانين لا بد من كشف غموضه طال الزمن أو قصر. حتى الهيروغليفية بصورها وغموضها وبعدها التاريخي استطاع شاملبيون أن يحيط بها ويفهمها. بل كيف لنا أن نفهم المفارقة أو "النكتة" لو لم يكن للغة قوانينها وأعرافها.
لماذا نفهم أن كلمة محببة هي سخرية رغم أن لا شيء إطلاقا يوحي بالسخرية سوى تكرارها وما يضغط عليها من سياق. فمنار يوسف في نصها حين تكرر على امتداد النص أن أماني (صاحبة النص الغامض) هي "حبيبتي حبيبتي"، كيف لنا أن ندرك التذمر والاستياء في مثل هذا التكرار وأن الكلمات فقدت دلالتها حتى تحولت "شتيمة"! ليس في الكلمات نفسها ما يشير إلى سوئها، وإنما تكرارها بعد غيرها يجعل دلالتها تنزاح شيئا فشيئا حتى تنقلب الدلالة. هذا فقط على مستوى النص وسطحه، أما الذي يشحن مثل هذا الانقلاب هو "أفق الاستشراف" أو التوقعات الجنوسي: النص "جنس" نُشر في قسم "الساخر" وبهذا الموقع وحده وَسَم نفسها بسمة السخرية. وتوقعاتنا طبعا تفرض علينا أن ننظر إليه من منظور فن السخرية والمفارقة، وهذا الفن مقنن بقواعده وأعرافه منذ فجر التاريخ. وضمن هذا الفن كل كلمة مهما كانت لطيفة (بل كلما بالغت باللطف) تزيد اقتناعنا بأنها لا تعني ما تعنيه في غير هذا الجنس.
كما أن للغة "ذاكرة" تشحن مفرداتها، ولكل مفردة أيضا ذاكرتها، وكلا الذاكرتين تؤدي عملها ضمن سياقها في الجملة وضمن سياق النص وضمن الجنس الذي ينتمي إليه. كل هذه تتفاعل وتتضافر لتؤدي دلالتها "الثقافية" وبالتالي تجعل النص مقروءا. هذه بعض العوامل التي يعتمد عليها فهم النص ووضوحه.
فمن أين يأتي النصَ غموضُه؟ يأتيه من سبب بين عدة أسباب أو منها مجتمعة، أهمها ولادة جنس جديد لسنا على معرفة كافية بأعرافه وقوانينه، ولن ينجلي غموض النص حتى نتعلم أعرافه وقوانينه، أو من كسر عرف من أعراف الجنس المألوفة لضرورة تبدأ غريبة حتى يستقر الكسر عرفا يألفه الجميع فيصبح مبتذلا بدهيا كما هي الحال مع الاستعارات، أو قد يأتي الغموض من تطور التقنية وتأثيرها واستجابة النص لخصائصها الافتراضية وغير "الخطية". هذه بعض وليس كل الأسباب. ولا أعتقد أن قارئا بذل جهدا للإلمام بما يقتضيه نص من أعراف وقوانين، لا أعتقد، أنه سيفشل في حل غموضه. والقضية ليست مقصورة على البيئة العربية، بل انتظمت العالم منذ أن أصبحت البلاغة والخطابة جزءا من الحياة الاجتماعية والسياسية (منذ ظهور التحضر المدني). وإذا تجاوزنا العصر الكلاسيكي (الأغريقي والروماني) وبدأنا بما نعرف، نرى أنه في بداية القرن العشرين كان جيمس جويس (الكاتب الأيرلندي الشهير) محور تندر في الغموض، وفي منتصفه كان مسرح العبث محورا آخر، وكان وليام فولكنر (الكاتب الأمريكي) حلقة أخرى، وكان اللوم كل اللوم يوجه إلى "خزعبلات" الحداثة في بداياتها. وإذا جئنا إلى حقبة ما بعد الحداثة فحدث ولا حرج. لكنها جميعا استقرت وأصبح مصدر غموضها هو القيمة التي يشار إليها بالبنان (ولا شك لدي أن ما بعد الحداثة ستستقر وتصبح تقليدية مبتذلة).
يخيفني ويرعبني (وأظن هذا حال غيري) أن أجد نفسي قد فاتني قطار المعرفة وما تجود به من مستجدات، وقد فاتني الكثير حتى هذه اللحظة، وليس لدي لا الاستعداد ولا الرغبة في تعلم ما يستجد. حتى تحديثات برامج الكمبيوتر أصبحت تشكل لي عبئا ثقيلا، فما بالك بمتابعة مستجدات الفكر والعلم والثقافة.
في مثل هذه الحال أمران يتجاذباني: الميل إلى الاستقرار (الركون إلى مقولة ليست بالإمكان خير مما كان، والحقائق مطلقة) وانطلاق الحياة واستمرارها بإفراز الجديد. عذري في عدم مجاراتها ومتابعة الجديد والركون إلى استقراري وترك الحياة تسير، هو العذر الأزلي: الجيل الجديد "خربان" وأيامنا زمان كانت هي الأفضل والمعرفة كانت معرفة حقيقية، والأدب كان أدبا حقيقيا ولا شعر غير الشعر العمودي (وربما شعر التفعيلة). هذا بطبيعية الحال يرضي غروري أكثر مما يعبر عن واقع الحال أو عن جودة ما يُكتب أو حتى عن رداءته. وعلى مثل هذه التيمة ستدور كل تبريراتي حتى لو كانت بكلمات أخرى. كلنا أوفياء لما تعلمناه وما ألفناه، وتضخم الذات أحيانا يصبح عائقا وسدا بيننا وبين المحاولة الجادة في إدراك ما نراه مختلفا أو غامضا. لذلك نطلب من الكاتب أن يكتب ما نريده نحن وبالصيغة والمفردات والأسلوب الذي ألفناه: فالكاتب لديه "فكرة" وينبغي أن يوصلها لي (على طبق من ذهب إن أمكن، وإن تعذر الذهب فعلى طبق من فضة).
يجب على الكاتب أن يقدم لي (لي: أنا الزبون والزبون دائما على حق) فكرته، دون أدنى جهد مني في أن أتعلم (إليوت البريطاني الأمريكي أضاف هوامش إلى الأرض الخراب، ولا زال الجدل حول ما إذا كانت الهوامش جزءا عضويا من القصيدة). وضمن هذه العلاقة التجارية لا خيار للكاتب أن يكتب كيف شاء هو (وسيكتب كيف شاء) وإنما أن يجهد نفسه ليعرف كيف أقرأ أنا فيكتب لي (ولن يفعل ما يتجاوز العرف المألوف في علاقة الكاتب بالقارئ). سيكتب الكاتب كيف شاء وسأشغل نفسي بغموض ما يكتب و"أبدع" في شتم غموضه.
تعليق