علمتني الوفاء
ذهبت إلى المقهى لكي أخرج من جو المدينة ، ومن هموم الدنيا ، وأعطي عقلي مجالا بأن يرتاح ، ويأخذ قسطا من التغيير مع أصدقائي ، وعند وصولي إلى المقهى ، وجدت الصديق والأنيس هشام ينتظرني في نفس المكان الذي تعودت فيه أن أجلس معه ، فسلمت عليه ،
حينها نادى هشام المضيف
فقال : تعال بكوبين من الشاي
وعلى الفور اتجه المضيف للبهو
فبدأ هشام يحدثني عن كل ما حصل له بالأمس من طرائف ، و مواقف محرجة حصلت له ، وكيف تعامل معها ، وأنا في غاية الاستمتاع لحديثه
حينها جاء المضيف بالكوبين ،
وهشام مازال مستمرا في حديثه ، فأخذت كوبي ، وأعطيته كوبه دون أن أقاطعه حتى انتهى من حديثه
فقال : وأنت يا أبا أحمد أخبرني ماذا حصل لك بالأمس ؟
فقلت :
ذهبت أنا وزوجتي وولدي في إجازة نهاية الأسبوع إلى المهرجان للاستمتاع بفعالياته ، و في الحقيقة وجدنا أنفسنا في حديقة غنّاء مليئة بالورود ،
وكل وردة تتباهى ببديع شكلها وجاذبية حسنها،
وفي أثناء تجوالي لفت نظر ولدي بائع الفراخ الملونة،
فبكى لكي يرغمني على الشراء
، وأنا شارد البال
فعيني تلاحق الجميلات
وتتبع كل حركة منهن ،
و كم كنت أتمنى بأنّ زوجتي لو تغفل عني لحظة
حتى أجد الفرصة لأختلس بنظرة من إحداهن ، وأبرز مدى إعجابي بها في حديث العيون ،
فإذا بصراخ ولدي يزداد ، فحن قلب أمه عليه ،
وقالت : اشتري لإبننا الوحيد هذا الفرخ ولا تحرمه منه ،
حينها تضجرت ، و أخفيت غضبي في ملامح وجهي، حتى لا أكشف أمامها ،
وتسألني لماذا أنت غاضب ؟
وماذا أقول لها وهي قد أفسدت علي الجو الذي كنت أعيشه ،
فخفت أن تشير إليّ بالبخل ، أو يقع تفكيرها على توزيع نظراتي للفاتنات الحسان،
وتفسر شرود ذهني ، فتحل المصيبة علي ، فتداركت الموضوع بخبث وحنكة
وقلت :
لن اشتري فرخا واحدا بل اثنين ، وسأشتري معهما قفصا حتى لا يفتك بهم ، ونهتم بهم ونرعاهم ،
فسرت عندما سمعت قولي هذا ،
وبالفعل اشتريت قفصا فيه فرخان ، لونهما وردي وأصفر ،
وعند وصولنا للبيت ، وضعت القفص في أحدى الغرف بجانب النافذة ، كي يصل النور إليهم ولا يحرمون من نعمته .
والفرخين بأصوات شقشقتهما تسحر لها الأذان ، حتى أن ولدي يصحو من النوم على نغمات ذلك الصوت فيقول مباشرة : دو دو يقصدهما ،
وحقا أن وجودهما قد أعطى الإضافة الرائعة في البيت ، لا سيما أن زوجتي أعطت جلّ اهتمامها للاعتناء وتوفير الجو المناسب لهما ،
والأجمل أنها تذكرني بحديث الرسول
صلى الله عليه وسلم : ( في كل كبد رطب أجر )
فتمر الأيام ، ونحن في غاية الاستمتاع بلعبهما ،
حيث أن الفرخ الأصفر دائما ما يمازح الفرخ الوردي ، وكأن بينهما رسائل غزل
ليتناسى عزلتهما، وسجنهما في القفص،
وفي يوم من الأيام داهم المرض الفرخ الوردي ،
فنحل جسده ولم يستطع الوقوف ، وانهارت قواه ، فجلس يشتكي من المرض بصوته الهزيل لصديقه ورفيق دربه ،
إلا والصديق يقترب منه ويصيح بأعلى صوته
هل من منقذ له ؟ هل من دواء له ؟
وللأسف فلا حياة لمن تنادي ، فلقد كنا في خارج البيت ،
ولم نأتي إلا والفرخ الوردي يلفظ أنفاسه الأخيرة ،
والفرخ الأصفر بجانبه لم يبرح من مكانه ،
ينظر إليه في حزن
وألم و لحظات الصمت قد رسمت ظلامها عليه ،
وما هي إلا دقائق ، إلا والفرخ الوردي تنطبق عيناه ،
ليرحل من هذه الدنيا ، تحت أنظار عيني صديقه وحبيبه ،
فبكى بكاءا لا نفهمه ، و وقف وقفة حداد وعزاء
امتدت لساعات حتى جاءت زوجتي ،
فأخذته لترميه من القفص ، حينها ذهب الفرخ الأصفر إلى زاوية من زوايا القفص ،
ليرثي موت
صديقه ، ويتذكر كل الذكريات التي جمعت بينهما ، فذرفت دموعه عليه،
وكأن لسان حاله كما يقول الشاعر :
لئن سترتك بطون اللحود فوجدي بعدك لا يستتر
حين ذلك امتنع الفرخ الأصفر من الأكل والشرب ،
وبدأ شبح الموت يتسلل إليه
وهو يتوق إلى مرافقة صديقه ،
في عالم الأرواح والرحيل من هذه الدنيا ،
فلا حياة تطيب له ، ولا طيف سعادة ترنو له ، وصديقه قد رحل عنه ،
و ما هي إلا دقائق إلا والفرخ الأصفر يلحق بصديقه ، ويرحل من هذه الدنيا ،
حينها جئت لإخراجه من القفص ،
والحزن قد اخترق قلبي ، وتسلل إلى عيني ،
فجاشت نفسي بالبكاء ، مما تبلل ريشه بدموعي
وأنا في حالة يرثى لها ،
عند ذلك بدأت أتمالك من نفسي ، لأترجم ما بداخلي من حزن وأسى وحرقة على عدم احترام مشاعر زوجتي ،
والنظر إلى غيرها ،
وأقول له : لقد علمتني درسا في الوفاء لن أنساه .
ذهبت إلى المقهى لكي أخرج من جو المدينة ، ومن هموم الدنيا ، وأعطي عقلي مجالا بأن يرتاح ، ويأخذ قسطا من التغيير مع أصدقائي ، وعند وصولي إلى المقهى ، وجدت الصديق والأنيس هشام ينتظرني في نفس المكان الذي تعودت فيه أن أجلس معه ، فسلمت عليه ،
حينها نادى هشام المضيف
فقال : تعال بكوبين من الشاي
وعلى الفور اتجه المضيف للبهو
فبدأ هشام يحدثني عن كل ما حصل له بالأمس من طرائف ، و مواقف محرجة حصلت له ، وكيف تعامل معها ، وأنا في غاية الاستمتاع لحديثه
حينها جاء المضيف بالكوبين ،
وهشام مازال مستمرا في حديثه ، فأخذت كوبي ، وأعطيته كوبه دون أن أقاطعه حتى انتهى من حديثه
فقال : وأنت يا أبا أحمد أخبرني ماذا حصل لك بالأمس ؟
فقلت :
ذهبت أنا وزوجتي وولدي في إجازة نهاية الأسبوع إلى المهرجان للاستمتاع بفعالياته ، و في الحقيقة وجدنا أنفسنا في حديقة غنّاء مليئة بالورود ،
وكل وردة تتباهى ببديع شكلها وجاذبية حسنها،
وفي أثناء تجوالي لفت نظر ولدي بائع الفراخ الملونة،
فبكى لكي يرغمني على الشراء
، وأنا شارد البال
فعيني تلاحق الجميلات
وتتبع كل حركة منهن ،
و كم كنت أتمنى بأنّ زوجتي لو تغفل عني لحظة
حتى أجد الفرصة لأختلس بنظرة من إحداهن ، وأبرز مدى إعجابي بها في حديث العيون ،
فإذا بصراخ ولدي يزداد ، فحن قلب أمه عليه ،
وقالت : اشتري لإبننا الوحيد هذا الفرخ ولا تحرمه منه ،
حينها تضجرت ، و أخفيت غضبي في ملامح وجهي، حتى لا أكشف أمامها ،
وتسألني لماذا أنت غاضب ؟
وماذا أقول لها وهي قد أفسدت علي الجو الذي كنت أعيشه ،
فخفت أن تشير إليّ بالبخل ، أو يقع تفكيرها على توزيع نظراتي للفاتنات الحسان،
وتفسر شرود ذهني ، فتحل المصيبة علي ، فتداركت الموضوع بخبث وحنكة
وقلت :
لن اشتري فرخا واحدا بل اثنين ، وسأشتري معهما قفصا حتى لا يفتك بهم ، ونهتم بهم ونرعاهم ،
فسرت عندما سمعت قولي هذا ،
وبالفعل اشتريت قفصا فيه فرخان ، لونهما وردي وأصفر ،
وعند وصولنا للبيت ، وضعت القفص في أحدى الغرف بجانب النافذة ، كي يصل النور إليهم ولا يحرمون من نعمته .
والفرخين بأصوات شقشقتهما تسحر لها الأذان ، حتى أن ولدي يصحو من النوم على نغمات ذلك الصوت فيقول مباشرة : دو دو يقصدهما ،
وحقا أن وجودهما قد أعطى الإضافة الرائعة في البيت ، لا سيما أن زوجتي أعطت جلّ اهتمامها للاعتناء وتوفير الجو المناسب لهما ،
والأجمل أنها تذكرني بحديث الرسول
صلى الله عليه وسلم : ( في كل كبد رطب أجر )
فتمر الأيام ، ونحن في غاية الاستمتاع بلعبهما ،
حيث أن الفرخ الأصفر دائما ما يمازح الفرخ الوردي ، وكأن بينهما رسائل غزل
ليتناسى عزلتهما، وسجنهما في القفص،
وفي يوم من الأيام داهم المرض الفرخ الوردي ،
فنحل جسده ولم يستطع الوقوف ، وانهارت قواه ، فجلس يشتكي من المرض بصوته الهزيل لصديقه ورفيق دربه ،
إلا والصديق يقترب منه ويصيح بأعلى صوته
هل من منقذ له ؟ هل من دواء له ؟
وللأسف فلا حياة لمن تنادي ، فلقد كنا في خارج البيت ،
ولم نأتي إلا والفرخ الوردي يلفظ أنفاسه الأخيرة ،
والفرخ الأصفر بجانبه لم يبرح من مكانه ،
ينظر إليه في حزن
وألم و لحظات الصمت قد رسمت ظلامها عليه ،
وما هي إلا دقائق ، إلا والفرخ الوردي تنطبق عيناه ،
ليرحل من هذه الدنيا ، تحت أنظار عيني صديقه وحبيبه ،
فبكى بكاءا لا نفهمه ، و وقف وقفة حداد وعزاء
امتدت لساعات حتى جاءت زوجتي ،
فأخذته لترميه من القفص ، حينها ذهب الفرخ الأصفر إلى زاوية من زوايا القفص ،
ليرثي موت
صديقه ، ويتذكر كل الذكريات التي جمعت بينهما ، فذرفت دموعه عليه،
وكأن لسان حاله كما يقول الشاعر :
لئن سترتك بطون اللحود فوجدي بعدك لا يستتر
حين ذلك امتنع الفرخ الأصفر من الأكل والشرب ،
وبدأ شبح الموت يتسلل إليه
وهو يتوق إلى مرافقة صديقه ،
في عالم الأرواح والرحيل من هذه الدنيا ،
فلا حياة تطيب له ، ولا طيف سعادة ترنو له ، وصديقه قد رحل عنه ،
و ما هي إلا دقائق إلا والفرخ الأصفر يلحق بصديقه ، ويرحل من هذه الدنيا ،
حينها جئت لإخراجه من القفص ،
والحزن قد اخترق قلبي ، وتسلل إلى عيني ،
فجاشت نفسي بالبكاء ، مما تبلل ريشه بدموعي
وأنا في حالة يرثى لها ،
عند ذلك بدأت أتمالك من نفسي ، لأترجم ما بداخلي من حزن وأسى وحرقة على عدم احترام مشاعر زوجتي ،
والنظر إلى غيرها ،
وأقول له : لقد علمتني درسا في الوفاء لن أنساه .