علمتني الوفاء

تقليص
X
 
  • تصفية - فلترة
  • الوقت
  • عرض
إلغاء تحديد الكل
مشاركات جديدة
  • حسين راجحي
    أديب وكاتب
    • 13-08-2012
    • 219

    علمتني الوفاء

    علمتني الوفاء

    ذهبت إلى المقهى لكي أخرج من جو المدينة ، ومن هموم الدنيا ، وأعطي عقلي مجالا بأن يرتاح ، ويأخذ قسطا من التغيير مع أصدقائي ، وعند وصولي إلى المقهى ، وجدت الصديق والأنيس هشام ينتظرني في نفس المكان الذي تعودت فيه أن أجلس معه ، فسلمت عليه ،

    حينها نادى هشام المضيف
    فقال : تعال بكوبين من الشاي

    وعلى الفور اتجه المضيف للبهو

    فبدأ هشام يحدثني عن كل ما حصل له بالأمس من طرائف ، و مواقف محرجة حصلت له ، وكيف تعامل معها ، وأنا في غاية الاستمتاع لحديثه

    حينها جاء المضيف بالكوبين ،

    وهشام مازال مستمرا في حديثه ، فأخذت كوبي ، وأعطيته كوبه دون أن أقاطعه حتى انتهى من حديثه
    فقال : وأنت يا أبا أحمد أخبرني ماذا حصل لك بالأمس ؟

    فقلت :
    ذهبت أنا وزوجتي وولدي في إجازة نهاية الأسبوع إلى المهرجان للاستمتاع بفعالياته ، و في الحقيقة وجدنا أنفسنا في حديقة غنّاء مليئة بالورود ،

    وكل وردة تتباهى ببديع شكلها وجاذبية حسنها،
    وفي أثناء تجوالي لفت نظر ولدي بائع الفراخ الملونة،

    فبكى لكي يرغمني على الشراء
    ، وأنا شارد البال

    فعيني تلاحق الجميلات
    وتتبع كل حركة منهن ،

    و كم كنت أتمنى بأنّ زوجتي لو تغفل عني لحظة
    حتى أجد الفرصة لأختلس بنظرة من إحداهن ، وأبرز مدى إعجابي بها في حديث العيون ،

    فإذا بصراخ ولدي يزداد ، فحن قلب أمه عليه ،

    وقالت : اشتري لإبننا الوحيد هذا الفرخ ولا تحرمه منه ،

    حينها تضجرت ، و أخفيت غضبي في ملامح وجهي، حتى لا أكشف أمامها ،

    وتسألني لماذا أنت غاضب ؟

    وماذا أقول لها وهي قد أفسدت علي الجو الذي كنت أعيشه ،
    فخفت أن تشير إليّ بالبخل ، أو يقع تفكيرها على توزيع نظراتي للفاتنات الحسان،
    وتفسر شرود ذهني ، فتحل المصيبة علي ، فتداركت الموضوع بخبث وحنكة

    وقلت :
    لن اشتري فرخا واحدا بل اثنين ، وسأشتري معهما قفصا حتى لا يفتك بهم ، ونهتم بهم ونرعاهم ،

    فسرت عندما سمعت قولي هذا ،

    وبالفعل اشتريت قفصا فيه فرخان ، لونهما وردي وأصفر ،

    وعند وصولنا للبيت ، وضعت القفص في أحدى الغرف بجانب النافذة ، كي يصل النور إليهم ولا يحرمون من نعمته .

    والفرخين بأصوات شقشقتهما تسحر لها الأذان ، حتى أن ولدي يصحو من النوم على نغمات ذلك الصوت فيقول مباشرة : دو دو يقصدهما ،

    وحقا أن وجودهما قد أعطى الإضافة الرائعة في البيت ، لا سيما أن زوجتي أعطت جلّ اهتمامها للاعتناء وتوفير الجو المناسب لهما ،

    والأجمل أنها تذكرني بحديث الرسول
    صلى الله عليه وسلم : ( في كل كبد رطب أجر )

    فتمر الأيام ، ونحن في غاية الاستمتاع بلعبهما ،
    حيث أن الفرخ الأصفر دائما ما يمازح الفرخ الوردي ، وكأن بينهما رسائل غزل
    ليتناسى عزلتهما، وسجنهما في القفص،

    وفي يوم من الأيام داهم المرض الفرخ الوردي ،
    فنحل جسده ولم يستطع الوقوف ، وانهارت قواه ، فجلس يشتكي من المرض بصوته الهزيل لصديقه ورفيق دربه ،
    إلا والصديق يقترب منه ويصيح بأعلى صوته
    هل من منقذ له ؟ هل من دواء له ؟

    وللأسف فلا حياة لمن تنادي ، فلقد كنا في خارج البيت ،
    ولم نأتي إلا والفرخ الوردي يلفظ أنفاسه الأخيرة ،
    والفرخ الأصفر بجانبه لم يبرح من مكانه ،

    ينظر إليه في حزن
    وألم و لحظات الصمت قد رسمت ظلامها عليه ،

    وما هي إلا دقائق ، إلا والفرخ الوردي تنطبق عيناه ،

    ليرحل من هذه الدنيا ، تحت أنظار عيني صديقه وحبيبه ،

    فبكى بكاءا لا نفهمه ، و وقف وقفة حداد وعزاء

    امتدت لساعات حتى جاءت زوجتي ،

    فأخذته لترميه من القفص ، حينها ذهب الفرخ الأصفر إلى زاوية من زوايا القفص ،

    ليرثي موت
    صديقه ، ويتذكر كل الذكريات التي جمعت بينهما ، فذرفت دموعه عليه،

    وكأن لسان حاله كما يقول الشاعر :

    لئن سترتك بطون اللحود فوجدي بعدك لا يستتر

    حين ذلك امتنع الفرخ الأصفر من الأكل والشرب ،

    وبدأ شبح الموت يتسلل إليه
    وهو يتوق إلى مرافقة صديقه ،

    في عالم الأرواح والرحيل من هذه الدنيا ،

    فلا حياة تطيب له ، ولا طيف سعادة ترنو له ، وصديقه قد رحل عنه ،

    و ما هي إلا دقائق إلا والفرخ الأصفر يلحق بصديقه ، ويرحل من هذه الدنيا ،

    حينها جئت لإخراجه من القفص ،

    والحزن قد اخترق قلبي ، وتسلل إلى عيني ،

    فجاشت نفسي بالبكاء ، مما تبلل ريشه بدموعي

    وأنا في حالة يرثى لها ،

    عند ذلك بدأت أتمالك من نفسي ، لأترجم ما بداخلي من حزن وأسى وحرقة على عدم احترام مشاعر زوجتي ،
    والنظر إلى غيرها ،

    وأقول له : لقد علمتني درسا في الوفاء لن أنساه .
    التعديل الأخير تم بواسطة حسين راجحي; الساعة 12-10-2012, 15:37.
يعمل...
X