العقار
(قصّة للأطفال)
يحكى أنّ حكيما طيّبا طاعنا في السّن استبدّت به الوحشة والضّنك ،وقد
أصاب طاعون أهله .وكان له منزل عريق ورثه عن أجداد الأجداد حتى لم يبق
بحوزته ماهو أثمن منه ،دافع عنه بكلّ ما أوتي من مال وسداد رأي ،وحافظ
عليه أكثر من عينيه .و بلغ الكبر فخاف ضياع الحال وتلف المنزل كلّ الآمال،
فقرّ قراره على أن يكتريه لأوّل طارق تتوفر فيه الأمانة والعناية بهذه التحفة
النادرة والعزيزة على قلبه .ولأنّ الموضع الذي يوجد به هذا المنزل كان على
مشارف واد عميق فقد قلّ المارّ بذلك المكان، وبالتالي ازداد قلق الحكيم
على حظّ تحفته وحظّه من المآل
وذات يوم وبينما هو يفكّر في لو أنّ يد المنيّة سبقت إليه قبل الاطمئنان على
ما هو أغلى من عينيه ،سينقطع نسله ،وتضيع مآثره فلا عاد يُذَكَر بعد موته،
ولا رحمة تدخل عليه قبره من مارّ يستظلّ بمسكنه ،أو ذريّة تعمره فتخلّد
صاحبه
تكدّرت حال الحكيم يوما عن يوم حتى كاد ييأس ،فأقعى إلى حائطه مغتما
مهموما .وفجأة ،طالعته قبيلة مارّة بجانب الوادي دون أن تتلفّت إلى ذلك
البنيان ،فجعل يخبّط بيديه على فخذيه وبساقيه على الأرض كالديك
المذبوح ،حتى انتبه الجميع إلى انتفاضته التي قوّضت الغبار من حوله ،و
أطارت الأطيار في الجوّ ،و أجزعت الكائنات من على أوكارها
فعرّج المسافرون حيث الجلبة وقد نالهم الإعياء والتّعب ،ولّما وجدوا الحكيم
بمفرده تبادلت أعينهم علامات الظّفر بصيد ثمين وفرصة قطعوا لأجلها الليالي
والسّنين ،لكنّ الحكيم الطّيب انفرجت أساريره ،وعاد إلى الوراء عقودا من
الصحة والشّباب، وطار من الفرحة حتى كاد قلبه المرهق أن يتوقّف
هشّ للقائهم، وبسط على شرف ضيافتهم مائدة عليها ما لذّ وطاب من
المأكولات المنوّعة والثمار الشّهية ،وأمرهم قبلها أن يدخلوا حمّامات ذلك
المنزل الشّامخ فيزيلوا التعب عنهم بمائها الفوّار والذي فيه صحّة للسابح
في مغاطسها وشفاء ...
ولمّا اختلوا إلى أنفسهم ،دسّ الشّيطان في قلوبهم الدّسائس ،فتجاهروا
بالاستحواذ على القصر وقتل الحكيم ،لكنّ واحدا منهم بثّ اللّه في قلبه
رحمة ورأفا
أو هي غشاوة عن الأذى ،فنهرهم قائلا:
-كيف نقتله ؟وقد أطعمنا من جوع ،وآمننا من خوف ؟ !
عندها خجل الجمع من سوء نواياهم وفكّروا في حيلة أخرى
فأشاروا على بعضهم أن يتقاسموا المنزل بما فيه و يتركوا الحكيم معهم
حتى آخر العمر، فقد باتت أيّامه معدودة ولن تطول به المدّة ،قرّروا ذلك فيما
بينهم ،وخرجوا على العجوز باسمين مبطنين للخديعة ...
ولما قدم الليل وقد شبعت البطون ،وهدأت النفوس ،استأنس الحكيم
بوجودهم ففاتحهم الحديث :
تعرفون أن مقدمكم نفخ في روحي، و ألمهني أملا جديدا في الحياة ،فقد
نشأت وسط أهلي وعشيرتي لكن أغلبهم نسفهم الطاعون، أما القلة النّاجية
فقد غادرت هربا من الوباء، بينما تمسّكت بهذا المعقل، ولم أبرحه وإن كلّفني
موتي ،إن علاقتي به تزيد عن تلك الحاجة التي تشدّ الإنسان إلى بيت
يتخذه حماية من الناظر والرقيب وأمنا من سطوة الطبيعة و فورة غضبها
وويلاتها ،إنه سرّ امتدادي في الوجود وقيمة كلّ تلك السنوات من التّقلب
وسط هذا المكان النّائي ...تابع اللّصوص همساته في اهتمام ظاهر وقلب
ناكر حتى إذا فرغ من كلامه تكلّم قائدهم:
-ما رأيك يذهب بعضنا فيحضر حريمنا وعيالنا ونقيم معك ،نردّ عليك الأذى
،ونحرس المنزل وتعيش وبيننا كريما مبجّلا
أحسّ الحكيم بغبطة تملأ خاطره، وتسرّي عنه و،وافق دون قيد أو كتاب ...
وبعد ثلاثة أيّام وقد عاد النشاط للضيوف قفل بعضهم ليأتي ببقيّة الأهل
والعيال ،ولم تمرّ مدّة على غيابهم حتى أطلّ ركبهم محمّلين بكلّ ما
استطاعوا حمله من عتادهم الذي كانوا قد تركوه في موضعهم السّابق ،أما
المنزل فقد كان شاسعا واسعا فاحتواهم على كثرتهم ،لكنّ زوجة القائد لم
ترضها القسمة وحبّذت الجناح الذي تشرق منه الشمس على المنزل لها
ولأولادها ،بينما احتجّت بقيّة النّسوة من أن كلّ واحدة أولى به منها لأنهنّ
بنات رؤساء قبائل ،ووجب أن يسكنّ ما يليق بحسبهنّ و نسبهنّ ، وانتصر كلّ
زوج لزوجته، واحتدم النّقاش
حاول الحكيم بخبرته تهدئة الخواطر ،واقترح حلّا لتجاوز الأزمة الطّارئة، لكنّ
أحد الرجال نهره ،ونعته بالجهل فاغتاظ صاحب المنزل ،وأيقن أنّ حاله أصبح
كحال الأيتام بمأدبة اللّئام .
فاقتعد إلى الحائط مدركا ضيق قدرته أمام كثرتهم
أمّا اللّئام فقد توسعت رقعة الخلاف بينهم
فتواصل صياحهم وتخاصمهم ،وظلّوا أياما بلياليها وهم على تلك الحال حتى
ذبلت شجيرات المنزل ،من فرط الإهمال ،وتكدّست الأوساخ على اليمين
واليساروشطر سوره العتيد ،فتفاقم حزن الحكيم ،وعاوده الغمّ الذي أصابه
بعد هجر أهله للمكان وبدأ يستشعر أنّ هذا الطاعون الذي ألمّ به أكبر من كلّ
طاعون عاشه قبل ذلك ،وبدأ يفكّر في الخلاص وكفّ شرّ هؤلاء عن المنزل
وعنه
تسلّح بالعزيمة وكتم الآلام في قلبه وأقبل على الخصوم
يستلطفهم ويحاول
أن يفهمهم أن الفوضى إذا تواصلت ،ستطمس المكان بمن عليه
وسيخسرون هذا الحصن الذي بدأ يتآكل بفعل الإهمال كما أنّ
الوادي يحفر
من تحته إن لم يسارعوا إلى ترميمه وحمايته...
كان ضجيجهم يغطّي على صوته الضّعيف فلم يصغوا إليه ،بل
ازداد حنقهم
،وتفشّت البغضاء بينهم ،فراح الصّبية يرشقون نوافذ المنزل الجميل بالحجارة
من الناحية الشرقيّة حيث تقبع زوجة زعيمهم مع أطفالها ، فتسكب هي
عليهم المياه الملوّثة والفضلات بعد التنظيف والطّبخ ،وأمّا باقي النّسوة فقد
رشقنا السّلالم على الحائط ،وتعلّق بها أزواجهنّ يحدثون ضجيجا مرعبا على
المتساكنين ...
ابتعد الحكيم أمتارا ليست بالهيّنة عن مسكنه العزيز، وجعل يتابع من مسافة
هذا الدّاء الذي تفشّى في تحفته الرّائعة ،باكيا حظّه وعقاره ،ولمّا آيس من
الخلاص ابتنى كوخا صغيرا يأويه آخر حياته ،فكان كلما مرّ به مسافر أوصاه أن
يجلب له ما يحتاجه على الكفاف ،وهكذا بقي يتأمّل حكمة الخالق من الخلق ...
تواصل المدّ والزّجر بين العصابة،رغم تدخلّ عابري السّبيل في فضّ النّزاع حولهم ،ورغم الحلول المقترحة وتعدّدها فقد كانت لا تجد نفعا ،وآخرها وليس
آخرا أن تسكن كلّ عائلة منهم الجناح الشّرقيّ فترة حتى إذا انقضت المدّة
سكنت أخرى وهكذا دواليك ...لكنّ الطّمع عمى الأبصار فما كانت لتستقرّ
إحداها حتى يكيد لها البقيّة فلا هي تنعم بالإقامة ولا البقية ينصرفون
لأمورهم وأمور المنزل.
ومرّت الفصول، وتداولت حتى تغيرت سحنة السماء ذات عشيّ مدلهمّ،
فلمع البرق ،وزمجر الرّعد ،واحتقن الجوّ وفاضت دموع السّحاب حتى غزت
البطاح وغلّفت الأماكن بطامة من الموه جبّارة لا يقف دونها عود أو معمار
وتكاثفت حتى علت ،وتلوّنت حتى حملت كلّ ما يعترضها من زرع أو ضرع
وعرّت الجبال وجرفت الرّمال ،ولما كان وادي اللّصوص في طريقها، وبينما هم
في غيّهم يعمهون حملهم الوادي فيمن حمل واقتلعهم عن بكارة أبيهم بينما
بقي الحكيم بعيدا عن الواقعة لكنّ قلبه رحل معهم لرؤيته منزله وكلّ تاريخه
يهوي في الوادي ...
تعليق