داخل الغرفة المغلقة وعلى الأريكة البيضاء ؛لاح طيف في الأفق , صوت أجش يخاطبني ! , روائح امتزجت فلم أعد أميز منها رائحة الورد من المطهر . أعطاني ورقة بيضاء وقلم فحم وقال : ارسم وجهك .. فرسمت دائرة مفرغة , تعجب : أين العين والأنف و... فقاطعته : أنا بلا ملامح . حياتك كيف ترسمها ؟ نقطة سوداء وضعتها في منتصف الورقة , وحتى لا أكبده عناء السؤال استطردت : حياتي نقطة سوداء تنتهي حيث تبدأ .
وضعتُ صورتها أمامي أتفقدها بكل معالمها الدقيقة , لم أعبث في حياتها الماضية أو الحاضرة حين أحببتها , عبثت هي بأشعاري حين قالت : لمن تكتب ؟ اللعنة .. لم تفهم من البداية أني أكتب لها , منذ الوهلة وأنا أعشق تفاصيلها . تلك العيناها مرسومتان بإبداع فنان , بعد أن استرسل الرموش المتدلية من ينبوع ماء لؤلؤي , شعر أسود كاحل غطى ذاك البياض الناصع المضيء , أنف قرمزية فواحة تقطر هاتان الشفتان اللامعتان دون طلاء , وقامة قصيرة منضبطة تعانق الحياة بمرحها , أصابع ناعمة حنونة أمسكتْ بالهاتف : مروان؟! , دلّها قلبها دون أن تتحرك شفتاي إلا همساً صامتاً داخل نفسي , وضعت السماعة بمجرد مراودة صوت أمي الزاعق داخلي ( اللي يبص لفوق يتعب ) , بعد أن قطعت عهداً على نفسي برؤيتها هذا المساء . .....
كانت تعشق حروف اسمي, خمس ساعات تربّت على يدي في توسل بعدم الفراق, بيد مضمدة بشاش وبها بقعة من مطهر ,في محاولة للموت دون رجاء , انحنت بجسدها على كتفي , وأحسست بدفئها ودموعها تبلل قميصي .. حجج وأباطيل وكذب , استعنت بكل الحيل كي أبرر ذهابي عنها , وللمرة الأولى أرى "سارة" تكذبني .. نعم إني كاذب حتى النخاع , أردت أن أصرخ : أذوب عشقا فيكِ وأذوب حزناً عليكِ , لكن ارتطمت صرختي بحلقي فابتلعت كلماتي ,حين تخيلتها تعيش في بيت صغير قد أموت وأكفن وأدفن فيه , دون أن يشعر أحداً أو يسأل ذي قربى .. ..
ارتديت ملابسي؛ وتسللت الدّرج ألتمس طريقاً للغفران فلم أجد , طريق البدايات هو الأنسب . كانت هنا تمسك بيدي وتشد عليها في سعادة غمرها الأمل , معللة : غداً أفضل .. قبل أن تستطردْ : لماذا قلّت رسائلك ؟ وكأنها تريد أن تتأكد من عدم تسرب الوهن لهذا الذي بين ضلوعي. أنا لا أملك قوت يومي يا "سارة" لأراسلكِ , راتبي يستنفذ في مساعدتي لوالدي وأسرتي .. وحافلة النقل العام .. وشطيرة فول أحمد الله عليها وأمضي بها يومي بأكمله .
. ذات يوم أمسكتْ بياقة قميصي وهمستْ: تبدو جميلا هذا الليلة .. عاجلتها :العيون الجميلة ترى كل قبيح جميل !! ..لبرهة نظرت إلى مرآة المرحاض لوجه هذا الإخشيدي الذي يبدو دخيلاً على تلك القاعة! , بعد أن أغلقت صنبور المياه ,متيقنا أن الماء لن يغير من الواقع شيئا ,وقبل أن تمسك بيدي؛ كنت أتخيلها بدلاً من العروس وأنا أراقصها, لكن شيئا كان يبدو ناقصاً مهما حاولت إتمامه في خيالي البهو , فأراود نفسي وأسالها : ما بك أيها الصعلوك يجذب تلك الفتاة إليك ؟ لا إجابة... وكان أخر سؤال قبل أن أدلف إلى بيتي وأدفن وجهي في وسادتي وأنام مؤرقا ,أما وسادتها فكان يغمرها رائحة عطري الرخيص , بعد أن تسكب عليها بعض قطراته , وتتخيل وجهي في صورتها وتروح ترقص معي على موسيقى شهرزاد ....
عاودت السير فساقني القدر إلى بيتها , أناشده بأن أراها مرة أخيرة ,لازال الأسود معلقا في الشرفة , هو ذاك اللون المفضل لديها دائما !, وكأنه إشارة من القدر , عندما أخبرتني أنها تعشق السواد في الملابس , وكأنها تنعى حبي لها في بداية حضانته .
تركتها..
ماذا سأعطيها سوى الوهن والخنوع , مالي ودنياها المرهفة الناطحة السحاب , لا مزيد من ألم الأخرين , تتناثر خلايا عقلي بعد تفخيخها بفكرة لا تفارقها البتة , هي.. مدللة أسرتها الثرية بين يدي عامل ضعيف, لا يمتلك سوى شهادة جامعية لا يُعترف بها, إلا بأخرى تُطبع بخاتم " خبرة خمس سنوات " وكلمة "خريج جديد" لا تعني لهم شيئاً, ستأكل خبزاً بلا ملح , وتشرب صبراً مراً , وتنام على صوت صنبور أعلن مسبقاً ؛أنه لا نوم للغرباء هنا ,ممن لا يأكلون الفول فيضرب عقولهم كمنوم يريحهم من عناء يوم لا ينتهي ,إلا بصوت قطط تموء , وكلاب تنبح في حي شعبي. فلأدفن نفسي تحت أرصفة عمري , قبل أن تدهسني أحذية عالية الكعوب بلامبالاة ,غير عابئين بقلبي . لن أتركها ترى جحيم حياتي , ولأُسحق بعدها فخط حياتي قد تذبذب ولن يستقيم .
على نفس الأريكة , مرتدياً لباساً أبيض , رأيت "سارة " !! تشد على يدي بعد أن انهمرت دموعي ترتل بقصائد شوقي لها , مسحتْ عيناي , وضمتني برفق إلى صدرها بعد أن طبعتٌ على جبينها بقُبلة . يدها الناعمة لا أزال اشعر بدفئها , وهمسة " أحبك " هي الباقية من روحها !! وساد عليها البياض وخلع عنها لونها الأسود المفضل .
وقتها علمتُ أن حدادي قد انتهى, فأقتُ على صرختي المدوية في غرفة الإنعاش ! لتتصارعن الممرضات من حولي , هذه بأكسجين وأخرى بصعقات كهربائية , ومع كل صاعقة أرى نفس المشهد , البياض الغالب عليها والتفافها حول ذراعي .
"سارة " لم تَمٌتْ قٌبيل عقد قرانها بغيري !! بل تعيش بجانبي , واقضي معها أجمل لحظات حياتي برفقة ابنتنا, تلهو وتلعب في الحياة الأخرى , بعد أن استقام خط جهاز القلب المتذبذب في عين الطبيب .!
========
أول ما كتبت .
وضعتُ صورتها أمامي أتفقدها بكل معالمها الدقيقة , لم أعبث في حياتها الماضية أو الحاضرة حين أحببتها , عبثت هي بأشعاري حين قالت : لمن تكتب ؟ اللعنة .. لم تفهم من البداية أني أكتب لها , منذ الوهلة وأنا أعشق تفاصيلها . تلك العيناها مرسومتان بإبداع فنان , بعد أن استرسل الرموش المتدلية من ينبوع ماء لؤلؤي , شعر أسود كاحل غطى ذاك البياض الناصع المضيء , أنف قرمزية فواحة تقطر هاتان الشفتان اللامعتان دون طلاء , وقامة قصيرة منضبطة تعانق الحياة بمرحها , أصابع ناعمة حنونة أمسكتْ بالهاتف : مروان؟! , دلّها قلبها دون أن تتحرك شفتاي إلا همساً صامتاً داخل نفسي , وضعت السماعة بمجرد مراودة صوت أمي الزاعق داخلي ( اللي يبص لفوق يتعب ) , بعد أن قطعت عهداً على نفسي برؤيتها هذا المساء . .....
كانت تعشق حروف اسمي, خمس ساعات تربّت على يدي في توسل بعدم الفراق, بيد مضمدة بشاش وبها بقعة من مطهر ,في محاولة للموت دون رجاء , انحنت بجسدها على كتفي , وأحسست بدفئها ودموعها تبلل قميصي .. حجج وأباطيل وكذب , استعنت بكل الحيل كي أبرر ذهابي عنها , وللمرة الأولى أرى "سارة" تكذبني .. نعم إني كاذب حتى النخاع , أردت أن أصرخ : أذوب عشقا فيكِ وأذوب حزناً عليكِ , لكن ارتطمت صرختي بحلقي فابتلعت كلماتي ,حين تخيلتها تعيش في بيت صغير قد أموت وأكفن وأدفن فيه , دون أن يشعر أحداً أو يسأل ذي قربى .. ..
ارتديت ملابسي؛ وتسللت الدّرج ألتمس طريقاً للغفران فلم أجد , طريق البدايات هو الأنسب . كانت هنا تمسك بيدي وتشد عليها في سعادة غمرها الأمل , معللة : غداً أفضل .. قبل أن تستطردْ : لماذا قلّت رسائلك ؟ وكأنها تريد أن تتأكد من عدم تسرب الوهن لهذا الذي بين ضلوعي. أنا لا أملك قوت يومي يا "سارة" لأراسلكِ , راتبي يستنفذ في مساعدتي لوالدي وأسرتي .. وحافلة النقل العام .. وشطيرة فول أحمد الله عليها وأمضي بها يومي بأكمله .
. ذات يوم أمسكتْ بياقة قميصي وهمستْ: تبدو جميلا هذا الليلة .. عاجلتها :العيون الجميلة ترى كل قبيح جميل !! ..لبرهة نظرت إلى مرآة المرحاض لوجه هذا الإخشيدي الذي يبدو دخيلاً على تلك القاعة! , بعد أن أغلقت صنبور المياه ,متيقنا أن الماء لن يغير من الواقع شيئا ,وقبل أن تمسك بيدي؛ كنت أتخيلها بدلاً من العروس وأنا أراقصها, لكن شيئا كان يبدو ناقصاً مهما حاولت إتمامه في خيالي البهو , فأراود نفسي وأسالها : ما بك أيها الصعلوك يجذب تلك الفتاة إليك ؟ لا إجابة... وكان أخر سؤال قبل أن أدلف إلى بيتي وأدفن وجهي في وسادتي وأنام مؤرقا ,أما وسادتها فكان يغمرها رائحة عطري الرخيص , بعد أن تسكب عليها بعض قطراته , وتتخيل وجهي في صورتها وتروح ترقص معي على موسيقى شهرزاد ....
عاودت السير فساقني القدر إلى بيتها , أناشده بأن أراها مرة أخيرة ,لازال الأسود معلقا في الشرفة , هو ذاك اللون المفضل لديها دائما !, وكأنه إشارة من القدر , عندما أخبرتني أنها تعشق السواد في الملابس , وكأنها تنعى حبي لها في بداية حضانته .
تركتها..
ماذا سأعطيها سوى الوهن والخنوع , مالي ودنياها المرهفة الناطحة السحاب , لا مزيد من ألم الأخرين , تتناثر خلايا عقلي بعد تفخيخها بفكرة لا تفارقها البتة , هي.. مدللة أسرتها الثرية بين يدي عامل ضعيف, لا يمتلك سوى شهادة جامعية لا يُعترف بها, إلا بأخرى تُطبع بخاتم " خبرة خمس سنوات " وكلمة "خريج جديد" لا تعني لهم شيئاً, ستأكل خبزاً بلا ملح , وتشرب صبراً مراً , وتنام على صوت صنبور أعلن مسبقاً ؛أنه لا نوم للغرباء هنا ,ممن لا يأكلون الفول فيضرب عقولهم كمنوم يريحهم من عناء يوم لا ينتهي ,إلا بصوت قطط تموء , وكلاب تنبح في حي شعبي. فلأدفن نفسي تحت أرصفة عمري , قبل أن تدهسني أحذية عالية الكعوب بلامبالاة ,غير عابئين بقلبي . لن أتركها ترى جحيم حياتي , ولأُسحق بعدها فخط حياتي قد تذبذب ولن يستقيم .
على نفس الأريكة , مرتدياً لباساً أبيض , رأيت "سارة " !! تشد على يدي بعد أن انهمرت دموعي ترتل بقصائد شوقي لها , مسحتْ عيناي , وضمتني برفق إلى صدرها بعد أن طبعتٌ على جبينها بقُبلة . يدها الناعمة لا أزال اشعر بدفئها , وهمسة " أحبك " هي الباقية من روحها !! وساد عليها البياض وخلع عنها لونها الأسود المفضل .
وقتها علمتُ أن حدادي قد انتهى, فأقتُ على صرختي المدوية في غرفة الإنعاش ! لتتصارعن الممرضات من حولي , هذه بأكسجين وأخرى بصعقات كهربائية , ومع كل صاعقة أرى نفس المشهد , البياض الغالب عليها والتفافها حول ذراعي .
"سارة " لم تَمٌتْ قٌبيل عقد قرانها بغيري !! بل تعيش بجانبي , واقضي معها أجمل لحظات حياتي برفقة ابنتنا, تلهو وتلعب في الحياة الأخرى , بعد أن استقام خط جهاز القلب المتذبذب في عين الطبيب .!
========
أول ما كتبت .
تعليق