قراءة في المجموعة القصصية القصيرة جدا "تلك الحياة "
للقاص شريف عابدين من ( مصر)
بقلم الناقد الكبير الأستاذ حميد ركاطة
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ــــــــــ
تأتي مجموعة " تلك الحياة " للكاتب المصري شريف عابدين في سياق تجدر القصة القصيرة جدا بالوطن العربي ، وهي مجموعة تتكون من من ثلاثة وثمانون نصا وهي من الحجم المتوسط وصادر عن
دار التنوخي بالمغرب سنة 2012 وقد قدم لها الناقد المغربي مسلك ميمون .
عملت المجموعة على تقديم منظور كاتبها الخاص ، اعتماد على اللجوء إلى السرد العجائبي، والبناء المشهدي ، والتناص . من خلال توظيف الأنسنة ، والسخرية، والحلم ، ضمن اللجوء إلى المفارقة، والتشييد التقابلي ، والتوازي . منتقدا موت القيم الانسانية من حب ، وتسامح ، نابذا الحقد والغيرة، والتدخل الانساني في مسار الطبيعة . كما رصد الصراع الطبقي ، وصورة المهمش ، وظواهر أخرى كالجنس، والدعارة ، كما ركز في العديد من النصوص على مفاهيم كالحرية ، والحياة ، والموت ، والافتقاد .
الكتابة
تتنوع طرق التناول في هذه المجموعة ، وتتعدد زوايا الالتقاط ، فالكاتب عمل على السفر من خلال سرد عجائبي أحيانا، أو اعتمادا على بناء مشاهد مختلفة ، لمناقشة العديد من القضايا . ففي نص " كيف ؟ " ص 11 بقدر ما تفتح العتبة باب نحو السؤال المفتوح على بياض ، تجعل من النص مجرد معبر للحيرة، والتيه، لذات تستسلم لحزنها ، وحرقتها وهي تكظم غيضها، واحتجاجها وشكواها . تدمر من الواقع وآلامه، مستعينة في ذلك بالنسيان . يقول السارد" جاهد أحاول التشبت بنبرة الصوت الذي أدمنت عشقها ، أشلاء شهقتها الأخيرة ... استأت من صوت الجرذان ..وقبلما أبادر بالشكوى ( لملاك) نصحني بالنسيان"
فالسؤال سيستمر في نص " تسامي " ص 12 ليبرز البعث والحشر مجسدا ضمنيا ، فسؤال السارد للملاك وهو متلذذ بحريته ، أملا أن يعاين الآخرين سعادته . وهذا الطرح بقدر ما يحول لحظة الحشر من لحظة محتومة عامة ، تتحول إلى لحظة خاصة ، يشبهها بمحاكمة واقعية ، فالحشر سيتحول نص "خطوات " ص 13 إلى مناسبة للقاء أخير للأحبة ، والاستئثار برؤيتهم ، ، مبرزا أمنيته السارد الذي ظل وفيا لحبه القديم ، مضحيا بذاته في سبيله ، مرة أخرى من أجل لقاء بالآخرة . يقول " حين أطلت تتعثر في مشيتها وتمنيت لو أخذوا بعض عظامي ..كي تسترد حبيبتي عافية الخطو " ص 13
وسنلمس تشييدا تقابليا في نص " امتعاض بين مشهدين انطلاقا من حركة الكلب ، ونظراته تجاه المتفرجين ، وقد أبدى استنكاره من حيادهم ، بعد تأكده من كون المصاب ليس من فصيلته . حين لاحظ عزوفهم عن تقديم أي مساعدة "..رمقنا بنظرة مقتضبة أخذ ينبح ..وهو يجري بعيدا " ص 20
فالكلب برز من خلال النص، ومفارقاته كضمير حي للمجتمع ، في مقابل أفراده السلبيين . في حين نلمس بناء مشهذيا في نص موروث 21 ، بناء يمارس سطوته مبرزا دلالته على موت القيم ، انطلاقا من تداعي أحداث كشفت عن ثمثلات طفل ، وتشبعه بالقيم الفاضلة تجلى ذلك من خلال حبه للعصفور ، وخوفه عليه من الموت .في حين تمركزت نظرة والديه فقط عليه هو ، دون الاكتراث بموت الطائر . موت سيطرح تناصا مع بعض نصوص الحديث الشريف ، حول مفهوم " تعذيب الحيوان " وبالتالي تناصا مع مفهوم الحرية .
ولعل وضع الطفل لدودة القز بقرب العصفور ، لمسة ترمز لأكثر من إشارة مستقاة من تاريخ الفكر الانساني ، و لها دلالة أعمق في الإيمان بالحياة بعد الموت . فنص موروث بقدر ما يوظف كما هائلا من التناصات ، يشيد مفارقته على متقابلات ضدية ، ومشاهد تدين الفعل البشري السلبي بشدة .
فالتناص قدر العديد من القصص التي شيدت منها نصوص المجموعة ، كنص " دغدغة " ص 22 الذي يتناص مع قصة الثعلب والغراب " فالإعجاب كان مجرد خدعة لسلب ما يملكه الآخر وهو ما يبرز سلاسة خطاب الاغواء وتأثيره القاتل ويبرز قيمة محورية " عدم معرفة الانسان لقدره " وهو محاط بمكر الآخرين " وسيتكرر هذا الطرح في نص " همس " ص 23 وبفظاعة أكبر مؤدية إلى الموت وبالتالي الترصد بضحايا آخرين .
فنصوص " دغدغة / همس ، وقماص ، وهمس " هي نصوص مدثرة بفظاعة المكر وخبث النوايا والتورط حد الأذى أو الموت لتظل القتامة سيدة الموقف .
الحرقة والافتقاد
يبرز الافتقاد كحالة نفسية ناتجة عن الغياب والموت ، بعدما تكون بوادره قد شيدت على أنقاض الصرامة ، فالتكرار يسبب الملل ، وبالتالي التذمر ، والنفور . وعندما تدرك الذات فداحة فقدها تبدأ من جديد في محاولة لمد الجسور المنهارة .فمكانة رب لآسرة لا تبرز إلا بعد الغياب ، غياب لا ندرك وقعه ومرارته إلا بعد الوقوف على اثاره المزلزلة ، فنص " عودة " ص 15 مثلا هو تتمة لنص سابق " افتقاد " في إحالته على صورة الأب المنكسرة .
في حين يبرز نص " وجع" ص 16 الارتباط بالأب وصورته تستحضر من خلال تجارب موغلة في النسيان بأبعادها المحيلة على التوقف حينا والاستمرار حينا آخر ، محيلة على الحياة والموت . وهو ما يجعل الذكرى مدثرة بالوجع ، والمرارة " في لحظة سيرنا توقفنا ..أشار لي : ..وما تشبثث بجلبابه مجهشا بالبكاء " ص 16
وستبرز الصرخة في نص " وا ..أبتاه " ص 17 عمق المأساة وهي تنسج تفاصيل الرؤية التي تجتاح السارد من خلال إيهامه برؤية والده لكنها سرعان ما تبخرت " لمحته قادما / فاغرورقت عيني / ما كدت أجفف المع حتى اختفى / يا الله / أكان لا بد أن أبكي الآن "
فالفقد بقدر ما يعمق الجرح في ذات السارد ، يحول واقعه إلى سلسلة من اللحظات المسترجعة الخارقة ، المليئة بالحنين إلى ألم . كما هو الشأن بالنسبة للأم ذكريات تملأ الذاكرة بالأوجاع والصدر بالأحزان ، والتطلعات ، والاحتمالات " جريت لاهثا أبحث عن صدرها ؟ / ستغمرني بحنان سرمدي / وتهيئ بقبلتها الحياة / أفقت في الفراغ محتضنا ..كومة هشة من العظام الواهنة " ص 18
فالحلم عالم بقدر ما يعمل على تفجير المكبوتات ، ويحقق الرغبات المستعصية واقعيا ، هو زمن عبور نحو صحو مليء بالحسرة ، والألم .
الحياة والموت
يقترن مفهومي ، الحياة، والموت ، في نصوص المبدع شريف عابدين ، بالوهم ، والحلم العابر .الذي غالبا ما يصطدم بالواقع المرير ، والنهاية المحتومة . فالحياة سراب نقتفيه فينفلت كلما دنونا منه . يقول السارد" هربت إلى أحضانها فاحتوتني / أفقت داعبتها / أشاحت وجهها عني / وأظلمت حين مضيت في وجهي / في الليل / داهمتني رائحة القبر " ص 27 .
في حين يتحدد مفهوم الخلاص ، انطلاقا من تفاصيل نهائية في قصة نحيفة ، فالجسد هو آخر شيء يتم التخلص منه لتملأه هوة سحيقة . وهو ما يجعل النص الضامر نفسه ، جزء من نهاية مختومة بياض ، يعانق عتبة النص نفسه . فالقارئ لنصوص هذه المجموعة سيلاحظ تأملا عميقا في تفاضيل الحياة والموت ، من خلال العودة إلى مؤثثات المجال ، فالطبيعة شكلت مصدرا إلهام للكاتب ، وأثرت العديد من النصوص بمفارقاتها وقفلات نهاياتهاباللجوء إلى أنسنة الأشياء ، ومنحها حياة ومعنى من أجل إبراز رغباتها في المقاومة ، والبقاء ، كما في نص " رقصة الوداع " ص 31 حيث تبرز قطرة الندى ، كبطلة بين عالمي الحياة ، والموت . وهو ما جعل أمد الانتظار يطول حاملا القارئ على الكشف باستمرار ، من نص لآخر . كما في نص" أعمار " ص 32 وهي تقفز إلى ماء المزهرية ، دلالة على النجاة ، وتعبيرا عن حياة جديدة ، بعد كل المكابدات والمعاناة ، والمضايقات التي عاشتها مع الورقة ، أو مع الوردة . وقد تخلصت من هاجس الفناء ، ومن أشجانها القاتلة .
إننا نلمس أن هذه القصص ترثق بخيط رفيع ، ورصد متعدد الزوايا ، يبرز هيمنة الزمن النفسي وجاذبيته ، ويخلق وحدة الأثر ويكشف عن سر الاستمرار الرهيب ، وعن صراع وغيرة .لكننا سنلمس مآل قطرة الندى في نص " غيرة " ص 36 كمآل مختوم بنهاية موجعة ، وسقوط بسبب رفض الزهرة أن تمتص الفراشة رحيقها . يقول السارد " لم يرق للزهرة تلك النبرة ، وخزتها حين تأوهت , رفرف جناحاها مضطربين فسقطت القطرة " ص 36
الأنسنة
في أغلب نصوص المجموعة نلمس أنسنة بارعة ، لعبت دورا بارزا في الكشف بسلاسة عن تحولات عديدة ، ومسارات حيوات مختلفة ، لكائنات ضعيفة جدا ، وأحيانا صغيرة . وقد ساعد على هذا التوظيف ، استعمال أفعال الحركة التي تبعث الحياة داخل النص ، وتفتح أفاقا أخرى للتعبير السلس والخفي ، عن أشياء محسوسة ، أو ملموسة ، كتعاقب الفصول .مثلا في نص " الخريف " ص 28 "وأنسنة الحيوانات في نص " ملاحقة " ص 81
قيم إنسانية منهارة
عملت المجموعة على محاولة إعادة بناء العديد من القيم الفاضلة المنهارة ، من خلال انتقاد سلبياتها :كالأنانية ، والغيرة ، والبخل ، والحقد ، وغياب التسامح الانساني .
ففي نص " عطاء " ص 37 ، يتحول الاحسان إلى موت ناتج عن التهور ، فكما يمنح النسيم الحياة ، يهب الموت ، كلما تقلب مزاجه ، دون مراعاة إحساس الآخرين ، وشروط حياتهم . فسلوك النسيم من خلال النص ، يبرز أنانية تحمل في طياتها بذور حتف رهيبة لمؤثثات محيطه ( القطرة والورقة ...) " حين هب عاصفا : عليك تقبل عيوبي إن صدقت مشاعرك ، لفظت أنفاسها ، انطفأت "
ومن خلال أنسنة العلاقات العاطفية على لساني نسمة الريح ، والوردة ، ندرك أن العق كلما تجاوز حدوده المنطقية ، تحول إلى رد فعل عكسي غير منتظر ، مشوب بالتهور ، والاندفاع . وهو في الواقع انعكاس للانفعالات غير مضبوطة . فرغبة الوردة في رؤية " النسيم " ستؤجج عواطف هذا الأخير ، وتحولها إلى عاصفة رملية صفراء ، "امتطى صهوتها ،هاتفا حين بلغها : أيتها الزهرة : ها أندا ، أجابته بصوت مزكوم معذرة حبيبي لا أقوى على فتح عيني من الغبار "
إن هذا الرصد سيتكرر من خلال رصد علاقات مكونات الطبيعة المؤنسنة ( القمر والكون) من خلال ثنائيات ، وتقابلات تبرز مخاطر الاصطدام المؤدي إلى التلاشي ، والفناء . فقدر كل مكون أن يظل محتفظا بمساحة من الوقار ، والعيش في المدار المخصص له ، اعتبارا لسنة الحياة والقدر المحتوم .
فقي حين سنلمس في نص " تلوث" غياب التسامح الانساني ، رغم ا أبداه بطل النص الورع والممتلئ قلبه بالتقوى ، من طرف محيطه الذي تمادى في ايذائه ، لينتهي مآله بالنبذ . كما يبرز الجحود الذي تملك العديد من القلوب كما في نص " عدل " ص 83 ، فرغم النعم التي حبا الله بها الغني ، يصل بجوره حد منع الصدقة ومعاملة طالبها بالمكر ، والحيلة ، والخداع ، والسخرية . ما يجعل رد الفعل الانساني أحيانا يبرز في غاية من التعقيد ، وأحيانا أخرى بنوع من الغلو . كما في نص "تخبط " ص 91 ، حيث يبرز الاعتقاد غير الصادق في غياب يقين وفهم منطقي للحقيقة ، ومضمون النصوص الدينية من قرآن ، وأحاديث . وهو ما أبرز سخرية ، ومفارقة في أن يتعرض البطل لسرقات متعددة .
إنها قيم إنسانية في مهب الريح ، تنقل تفاصيل منفلتة من مجريات الحياة اليومية ، وتعري عن الوجه الآخر للحقيقة ، ولما يقع في الأعماق . من غيرة ، وحقد ، وحمق ، وجنون ، وفساد دال على غرابة السلوك الانساني ، في مختلف مظاهره .نصوص اعتمدت التشييد على ، والأنسنة والانتقاد والسخرية للكشف عن الزيف الذي يغلف الحياة وقد تقمصته شخوص المجموعة كاشفة عم ذاتية من خلال مواقفها التي تبرز عاطفتها ، وانحيازها ، وتهدم قناعتها . كما في نص " جزاء " ص 62
خطورة التدخل الانساني في الطبيعة
لقد أثارت المجموعة قضايا أخرى من قبيل التدخل الانساني في الطبيعة ، وانتقدته بشدة . كما هو الامر في نص صراع " ص 41 الذي يرصد طبيعة العلاقة بين الانسان ، والزهرة ، التي تبرز حبا من طرف واحد ، ممزوج برغبة جامحة ، وإنسانية مفرطة ، تعري الوجه البشع لعلاقات الانسان بمحيطه ، ومآل تصرفه الخطير غير المحسوب العواقب . يقول " قبلما تلفظ أنفاسها ( الزهرة ) تأوهت فهاجمتني اسراب النحل "
إن وجه الصراع في النص ، يبرز إلى حد بعيد خطورة اختراق حرية الآخر ، وإيذائه حد الموت . تدخل عنصر أخر للحماية ، يعتبر الوردة من مؤثثات محيطة ، وأحد مقومات وجوده كذلك . وسنلمس استمرار هذا الطرح ، في العديد من النصوص " تأثير جانبي ص 55 / مضاعفات ص 56 / فعل فاضح ص 57 / مبرزا شكل الحياة من حب ، وقسوة ، وفرح ، وألم ، حياة ، وموت متناقضات شكلت أصل الوجود ، وسر استمراره .هكذا ينحى بنا نص " تاثير جانبي " ص 65 نحو الانتباه إلى منطق التحول السلس في الطبيعة ، وتدخل الانسان بحسن نية ، متسببا في اختلال خطير .
دلالة الوردة : الوجه الزئبقي
يتم الالتقاط في بعض نصوص هذه المجموعة اعتماد على التبئير ، الذي يصل حد تضييق مساحة الرصد ، ما يجعل الشخوص المنتمية لعالم الطبيعة ، تبرز في ضعفها ، وقهرها ، دلالة على الواقع الآخر . فحياة البسطاء بقدر ما تلفها القناعة ، والرضا، والصبر ، تتسم بطاقة تحمل كبيرة ، رغم آلامها ، وزيفها ابتسامتها التي تلازمها دائما .
إنها صورة مصغرة لواقع الحياة الشعبية في الاسكندرية يتم أنسنتها لسان أكثر من مخلوق طبيعي .وهذا الطرح سيتكرر في نصوص أخرى ، كتآكل ص 46 ، وخصوصية ص 47 ، بحيث سنلمس سيرة الوردة في تفاعلها مع محيطها ، وأسرارها التي تبرز معاناة كبيرة ، ومواقف مختلفة ، من الواقع .فهي ستتقمص وجه عاهرة حينا ، وحينا آخر وجه عاشقة ، لكن يبقى الحزن في النهاية هو الخيط الرابط بين كل تلك الشخوص ، فالجنس يبرز بكل مفاهيمه ودلالاته وإحالاته البشعة سيبرز كبتا يراود الذات ، ويؤجج رغباتها التي لا تفجر إلا عبر الحلم ، بسبب موانع الواقع ومعيقاته ( قيمه وتقاليده وأعرافه) لكنها رغبات تفجر بالقوة في عوالم آخرى ، استجابة لنداء الروح والجسد معا . يقول السارد في نص " الكبت " ص 74 " هذا الحرمان إلى متى ؟ ..غض البصر يا فتى ..ظلت تلوح لي وتستعرض مفاتنها حين تأججت نيران اللهفة ، انسكبت مياهها كالثلج ..أيقظتني "
في حين تتجلى الدعارة كإشارة إلى انهيار القيم الأخلاقية وقد تمت الاشارة إليها بشكل سلس من خلال رصد مؤثثات المكان والآثار الناجمة عن وقائع ليلة ماجنة . رغم الشكوك التي تدين الجارة ولن تتأكد إلا من خلال الربط بين قرائن النص العديدة . يقول السارد عند رؤيتها صباحا " تحضن الطفلة وتهرول نحو الحافلة العامة وبيدها كيس الثلج " ص 80
الصراع الطبقي رصد لصورة المهمشين
حاول القاص شريف عابدين النفاذ من خلال نصوص مجموعته إلى انتقاد الواقع المصري ، من خلال ابراز صراع طبقته ، صراع تمت أنسنته على لسان أدراج السلم كما في نص " احتجاج ص 69 بحيث يبرز التحول الكبير للاحتجاج بدخول عنصر جديد لميدان المنافسة " المصعد " كدلالة على ظهور فئة اجتماعية جديدة ، استطاعت تحقيق صعودها في زمن قياسي ، بالاستغناء على المسارات القديمة . وهذا الرصد لمؤثثات المكان تبرز وضعا اجتماعيا مزريا ستعقبه احتجاجات ، وتحولات ستبرزها نصوص أخرى ك " زجاج " ص 82 بحيث يتم رصد البؤس الذي تعيشه الفئات المهمشة على أرصفة الشوارع من خلال ممارسة التسول تحت شمس حارقة .في الوقت الذي يبرز فيه خبث الباحثين عن اللذة ، وهم يجسون نبض نفس الشارع من داخل سياراتهم الفارهة . وقد اغروا البسطاء بوهم مساعدتهم ، ، دون حصولها . لتظل الشبهة المغرضة هي التي تغلف سلوك الأبطال وتجعل منهم ذئابا بشرية .
صورة الوطن
نلمس طرحا خاصا في النصوص الحاملة للعناوين ( طابور: طابور الخبز ، طابور الماء ، طابور الوطن) وهو طرح غريب مغلف بالإقصاء ، والنبذ ، والحرمان . فالحكم على المظاهر يبدو دائما خادعا ، وغير عاكس للحقيقة ، وغير منصف لوضع الفرد . فما يتذرع به شخوص هذه المجموعة من حجج تظل واهية ، فالجائع يرد طلبه بحجة امتلاكه فكرا ، والعطشان بسبب تفصده عرقا ، والمصطف في طابور الوطن ستخسف به الارض . بحيث لا مجال لطلب حق المواطنة ، وهو ما يعلن عن انهيار حقيقي للقيم الفاضلة ، ولوصاية الآخرين عن رغبات الناس ، بالحكم على نواياهم ، ومظاهرهم الخادعة .
إن الاشكال المركزي في بعض نصوص هذه المجموعة يظل مقترنا على الدوام بمفهوم الحرية الواسع ، مفهوم تتجلى أهميته ضدا عن التعذيب الذي يطال روح الفرد وذاته ، وسيظل الحصول عليها مقترنا بالموت . وسنلمس في نص " اعتراف " ص 68 أن البطل كلما أدرك بر الأمان ، يفاجأ بالموت من حيت لا يدري . يقول السارد " تشبث بديلها ، فاختل توازن يدها ...بعدما أبعدت عم عينيها العصابة ..غمزت لي ..احتضنتها ..غمدت سيفها في قلبي " ص 68
وبالإضافة إلى تمنع الحرية ، تبرز الحقيقة المنفلتة في نص " الرذاذ " على شكل النور الذي يبهت ويختفي في عز شمس حارقة ، بسبب تشكيك الآخرين في مغزاها ، ومعناها يقول "حين استوقفني الآخر ظنا أنني مخمور .. أقسمت له.. استخف بي ، فأظلم الطريق تماما ..رغم أن الشمس كانت ساطعة " ص 69
على سبيل الختم
عموما تميزت مجموعة تلك الحياة للقاص المصري شريف عابدين بتنوع تيماتها وطرق اشتغالها ، وتوظيفها .ما جعلها من البواكير الجادة التي حاولت تقديم منظور جديد للقصة القصيرة جدا ، بانفتاحها على عوالم ، وحياة كائنات صغيرة جدا ، متوسلة بأنسنة رامت الانتقاد حينا والسخرية حينا آخر منبهة إلى انهيار القيم الفاضلة ، موت روح الانسان الخيرة ، بنزوعها نحو الأنانية والفردية ..فالمجموعة راهنت على تقديم منظور جديد للحرية والحق في الحياة موظفة كائنات ضعيفة جدا لكنها رمزت بقوة للواقع السياسي والاجتماعي المصري وهي تعري عن بؤسه منتقدة اختلالا ته .. فالقاص شريف عابدين حدد اخياراته بالكتابة في هذا الجنس الزئبقي والمتمرد والعصي منذ مدة ، ليعلن اليوم أنه من خلال مجموعته" تلك الحياة " أنه كسب رهانا كبيرا وكسب المغامرة في عشق الكتابة وفي عشقه الخاص للقصة القصيرة جدا .
للقاص شريف عابدين من ( مصر)
بقلم الناقد الكبير الأستاذ حميد ركاطة
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ــــــــــ
تأتي مجموعة " تلك الحياة " للكاتب المصري شريف عابدين في سياق تجدر القصة القصيرة جدا بالوطن العربي ، وهي مجموعة تتكون من من ثلاثة وثمانون نصا وهي من الحجم المتوسط وصادر عن
دار التنوخي بالمغرب سنة 2012 وقد قدم لها الناقد المغربي مسلك ميمون .
عملت المجموعة على تقديم منظور كاتبها الخاص ، اعتماد على اللجوء إلى السرد العجائبي، والبناء المشهدي ، والتناص . من خلال توظيف الأنسنة ، والسخرية، والحلم ، ضمن اللجوء إلى المفارقة، والتشييد التقابلي ، والتوازي . منتقدا موت القيم الانسانية من حب ، وتسامح ، نابذا الحقد والغيرة، والتدخل الانساني في مسار الطبيعة . كما رصد الصراع الطبقي ، وصورة المهمش ، وظواهر أخرى كالجنس، والدعارة ، كما ركز في العديد من النصوص على مفاهيم كالحرية ، والحياة ، والموت ، والافتقاد .
الكتابة
تتنوع طرق التناول في هذه المجموعة ، وتتعدد زوايا الالتقاط ، فالكاتب عمل على السفر من خلال سرد عجائبي أحيانا، أو اعتمادا على بناء مشاهد مختلفة ، لمناقشة العديد من القضايا . ففي نص " كيف ؟ " ص 11 بقدر ما تفتح العتبة باب نحو السؤال المفتوح على بياض ، تجعل من النص مجرد معبر للحيرة، والتيه، لذات تستسلم لحزنها ، وحرقتها وهي تكظم غيضها، واحتجاجها وشكواها . تدمر من الواقع وآلامه، مستعينة في ذلك بالنسيان . يقول السارد" جاهد أحاول التشبت بنبرة الصوت الذي أدمنت عشقها ، أشلاء شهقتها الأخيرة ... استأت من صوت الجرذان ..وقبلما أبادر بالشكوى ( لملاك) نصحني بالنسيان"
فالسؤال سيستمر في نص " تسامي " ص 12 ليبرز البعث والحشر مجسدا ضمنيا ، فسؤال السارد للملاك وهو متلذذ بحريته ، أملا أن يعاين الآخرين سعادته . وهذا الطرح بقدر ما يحول لحظة الحشر من لحظة محتومة عامة ، تتحول إلى لحظة خاصة ، يشبهها بمحاكمة واقعية ، فالحشر سيتحول نص "خطوات " ص 13 إلى مناسبة للقاء أخير للأحبة ، والاستئثار برؤيتهم ، ، مبرزا أمنيته السارد الذي ظل وفيا لحبه القديم ، مضحيا بذاته في سبيله ، مرة أخرى من أجل لقاء بالآخرة . يقول " حين أطلت تتعثر في مشيتها وتمنيت لو أخذوا بعض عظامي ..كي تسترد حبيبتي عافية الخطو " ص 13
وسنلمس تشييدا تقابليا في نص " امتعاض بين مشهدين انطلاقا من حركة الكلب ، ونظراته تجاه المتفرجين ، وقد أبدى استنكاره من حيادهم ، بعد تأكده من كون المصاب ليس من فصيلته . حين لاحظ عزوفهم عن تقديم أي مساعدة "..رمقنا بنظرة مقتضبة أخذ ينبح ..وهو يجري بعيدا " ص 20
فالكلب برز من خلال النص، ومفارقاته كضمير حي للمجتمع ، في مقابل أفراده السلبيين . في حين نلمس بناء مشهذيا في نص موروث 21 ، بناء يمارس سطوته مبرزا دلالته على موت القيم ، انطلاقا من تداعي أحداث كشفت عن ثمثلات طفل ، وتشبعه بالقيم الفاضلة تجلى ذلك من خلال حبه للعصفور ، وخوفه عليه من الموت .في حين تمركزت نظرة والديه فقط عليه هو ، دون الاكتراث بموت الطائر . موت سيطرح تناصا مع بعض نصوص الحديث الشريف ، حول مفهوم " تعذيب الحيوان " وبالتالي تناصا مع مفهوم الحرية .
ولعل وضع الطفل لدودة القز بقرب العصفور ، لمسة ترمز لأكثر من إشارة مستقاة من تاريخ الفكر الانساني ، و لها دلالة أعمق في الإيمان بالحياة بعد الموت . فنص موروث بقدر ما يوظف كما هائلا من التناصات ، يشيد مفارقته على متقابلات ضدية ، ومشاهد تدين الفعل البشري السلبي بشدة .
فالتناص قدر العديد من القصص التي شيدت منها نصوص المجموعة ، كنص " دغدغة " ص 22 الذي يتناص مع قصة الثعلب والغراب " فالإعجاب كان مجرد خدعة لسلب ما يملكه الآخر وهو ما يبرز سلاسة خطاب الاغواء وتأثيره القاتل ويبرز قيمة محورية " عدم معرفة الانسان لقدره " وهو محاط بمكر الآخرين " وسيتكرر هذا الطرح في نص " همس " ص 23 وبفظاعة أكبر مؤدية إلى الموت وبالتالي الترصد بضحايا آخرين .
فنصوص " دغدغة / همس ، وقماص ، وهمس " هي نصوص مدثرة بفظاعة المكر وخبث النوايا والتورط حد الأذى أو الموت لتظل القتامة سيدة الموقف .
الحرقة والافتقاد
يبرز الافتقاد كحالة نفسية ناتجة عن الغياب والموت ، بعدما تكون بوادره قد شيدت على أنقاض الصرامة ، فالتكرار يسبب الملل ، وبالتالي التذمر ، والنفور . وعندما تدرك الذات فداحة فقدها تبدأ من جديد في محاولة لمد الجسور المنهارة .فمكانة رب لآسرة لا تبرز إلا بعد الغياب ، غياب لا ندرك وقعه ومرارته إلا بعد الوقوف على اثاره المزلزلة ، فنص " عودة " ص 15 مثلا هو تتمة لنص سابق " افتقاد " في إحالته على صورة الأب المنكسرة .
في حين يبرز نص " وجع" ص 16 الارتباط بالأب وصورته تستحضر من خلال تجارب موغلة في النسيان بأبعادها المحيلة على التوقف حينا والاستمرار حينا آخر ، محيلة على الحياة والموت . وهو ما يجعل الذكرى مدثرة بالوجع ، والمرارة " في لحظة سيرنا توقفنا ..أشار لي : ..وما تشبثث بجلبابه مجهشا بالبكاء " ص 16
وستبرز الصرخة في نص " وا ..أبتاه " ص 17 عمق المأساة وهي تنسج تفاصيل الرؤية التي تجتاح السارد من خلال إيهامه برؤية والده لكنها سرعان ما تبخرت " لمحته قادما / فاغرورقت عيني / ما كدت أجفف المع حتى اختفى / يا الله / أكان لا بد أن أبكي الآن "
فالفقد بقدر ما يعمق الجرح في ذات السارد ، يحول واقعه إلى سلسلة من اللحظات المسترجعة الخارقة ، المليئة بالحنين إلى ألم . كما هو الشأن بالنسبة للأم ذكريات تملأ الذاكرة بالأوجاع والصدر بالأحزان ، والتطلعات ، والاحتمالات " جريت لاهثا أبحث عن صدرها ؟ / ستغمرني بحنان سرمدي / وتهيئ بقبلتها الحياة / أفقت في الفراغ محتضنا ..كومة هشة من العظام الواهنة " ص 18
فالحلم عالم بقدر ما يعمل على تفجير المكبوتات ، ويحقق الرغبات المستعصية واقعيا ، هو زمن عبور نحو صحو مليء بالحسرة ، والألم .
الحياة والموت
يقترن مفهومي ، الحياة، والموت ، في نصوص المبدع شريف عابدين ، بالوهم ، والحلم العابر .الذي غالبا ما يصطدم بالواقع المرير ، والنهاية المحتومة . فالحياة سراب نقتفيه فينفلت كلما دنونا منه . يقول السارد" هربت إلى أحضانها فاحتوتني / أفقت داعبتها / أشاحت وجهها عني / وأظلمت حين مضيت في وجهي / في الليل / داهمتني رائحة القبر " ص 27 .
في حين يتحدد مفهوم الخلاص ، انطلاقا من تفاصيل نهائية في قصة نحيفة ، فالجسد هو آخر شيء يتم التخلص منه لتملأه هوة سحيقة . وهو ما يجعل النص الضامر نفسه ، جزء من نهاية مختومة بياض ، يعانق عتبة النص نفسه . فالقارئ لنصوص هذه المجموعة سيلاحظ تأملا عميقا في تفاضيل الحياة والموت ، من خلال العودة إلى مؤثثات المجال ، فالطبيعة شكلت مصدرا إلهام للكاتب ، وأثرت العديد من النصوص بمفارقاتها وقفلات نهاياتهاباللجوء إلى أنسنة الأشياء ، ومنحها حياة ومعنى من أجل إبراز رغباتها في المقاومة ، والبقاء ، كما في نص " رقصة الوداع " ص 31 حيث تبرز قطرة الندى ، كبطلة بين عالمي الحياة ، والموت . وهو ما جعل أمد الانتظار يطول حاملا القارئ على الكشف باستمرار ، من نص لآخر . كما في نص" أعمار " ص 32 وهي تقفز إلى ماء المزهرية ، دلالة على النجاة ، وتعبيرا عن حياة جديدة ، بعد كل المكابدات والمعاناة ، والمضايقات التي عاشتها مع الورقة ، أو مع الوردة . وقد تخلصت من هاجس الفناء ، ومن أشجانها القاتلة .
إننا نلمس أن هذه القصص ترثق بخيط رفيع ، ورصد متعدد الزوايا ، يبرز هيمنة الزمن النفسي وجاذبيته ، ويخلق وحدة الأثر ويكشف عن سر الاستمرار الرهيب ، وعن صراع وغيرة .لكننا سنلمس مآل قطرة الندى في نص " غيرة " ص 36 كمآل مختوم بنهاية موجعة ، وسقوط بسبب رفض الزهرة أن تمتص الفراشة رحيقها . يقول السارد " لم يرق للزهرة تلك النبرة ، وخزتها حين تأوهت , رفرف جناحاها مضطربين فسقطت القطرة " ص 36
الأنسنة
في أغلب نصوص المجموعة نلمس أنسنة بارعة ، لعبت دورا بارزا في الكشف بسلاسة عن تحولات عديدة ، ومسارات حيوات مختلفة ، لكائنات ضعيفة جدا ، وأحيانا صغيرة . وقد ساعد على هذا التوظيف ، استعمال أفعال الحركة التي تبعث الحياة داخل النص ، وتفتح أفاقا أخرى للتعبير السلس والخفي ، عن أشياء محسوسة ، أو ملموسة ، كتعاقب الفصول .مثلا في نص " الخريف " ص 28 "وأنسنة الحيوانات في نص " ملاحقة " ص 81
قيم إنسانية منهارة
عملت المجموعة على محاولة إعادة بناء العديد من القيم الفاضلة المنهارة ، من خلال انتقاد سلبياتها :كالأنانية ، والغيرة ، والبخل ، والحقد ، وغياب التسامح الانساني .
ففي نص " عطاء " ص 37 ، يتحول الاحسان إلى موت ناتج عن التهور ، فكما يمنح النسيم الحياة ، يهب الموت ، كلما تقلب مزاجه ، دون مراعاة إحساس الآخرين ، وشروط حياتهم . فسلوك النسيم من خلال النص ، يبرز أنانية تحمل في طياتها بذور حتف رهيبة لمؤثثات محيطه ( القطرة والورقة ...) " حين هب عاصفا : عليك تقبل عيوبي إن صدقت مشاعرك ، لفظت أنفاسها ، انطفأت "
ومن خلال أنسنة العلاقات العاطفية على لساني نسمة الريح ، والوردة ، ندرك أن العق كلما تجاوز حدوده المنطقية ، تحول إلى رد فعل عكسي غير منتظر ، مشوب بالتهور ، والاندفاع . وهو في الواقع انعكاس للانفعالات غير مضبوطة . فرغبة الوردة في رؤية " النسيم " ستؤجج عواطف هذا الأخير ، وتحولها إلى عاصفة رملية صفراء ، "امتطى صهوتها ،هاتفا حين بلغها : أيتها الزهرة : ها أندا ، أجابته بصوت مزكوم معذرة حبيبي لا أقوى على فتح عيني من الغبار "
إن هذا الرصد سيتكرر من خلال رصد علاقات مكونات الطبيعة المؤنسنة ( القمر والكون) من خلال ثنائيات ، وتقابلات تبرز مخاطر الاصطدام المؤدي إلى التلاشي ، والفناء . فقدر كل مكون أن يظل محتفظا بمساحة من الوقار ، والعيش في المدار المخصص له ، اعتبارا لسنة الحياة والقدر المحتوم .
فقي حين سنلمس في نص " تلوث" غياب التسامح الانساني ، رغم ا أبداه بطل النص الورع والممتلئ قلبه بالتقوى ، من طرف محيطه الذي تمادى في ايذائه ، لينتهي مآله بالنبذ . كما يبرز الجحود الذي تملك العديد من القلوب كما في نص " عدل " ص 83 ، فرغم النعم التي حبا الله بها الغني ، يصل بجوره حد منع الصدقة ومعاملة طالبها بالمكر ، والحيلة ، والخداع ، والسخرية . ما يجعل رد الفعل الانساني أحيانا يبرز في غاية من التعقيد ، وأحيانا أخرى بنوع من الغلو . كما في نص "تخبط " ص 91 ، حيث يبرز الاعتقاد غير الصادق في غياب يقين وفهم منطقي للحقيقة ، ومضمون النصوص الدينية من قرآن ، وأحاديث . وهو ما أبرز سخرية ، ومفارقة في أن يتعرض البطل لسرقات متعددة .
إنها قيم إنسانية في مهب الريح ، تنقل تفاصيل منفلتة من مجريات الحياة اليومية ، وتعري عن الوجه الآخر للحقيقة ، ولما يقع في الأعماق . من غيرة ، وحقد ، وحمق ، وجنون ، وفساد دال على غرابة السلوك الانساني ، في مختلف مظاهره .نصوص اعتمدت التشييد على ، والأنسنة والانتقاد والسخرية للكشف عن الزيف الذي يغلف الحياة وقد تقمصته شخوص المجموعة كاشفة عم ذاتية من خلال مواقفها التي تبرز عاطفتها ، وانحيازها ، وتهدم قناعتها . كما في نص " جزاء " ص 62
خطورة التدخل الانساني في الطبيعة
لقد أثارت المجموعة قضايا أخرى من قبيل التدخل الانساني في الطبيعة ، وانتقدته بشدة . كما هو الامر في نص صراع " ص 41 الذي يرصد طبيعة العلاقة بين الانسان ، والزهرة ، التي تبرز حبا من طرف واحد ، ممزوج برغبة جامحة ، وإنسانية مفرطة ، تعري الوجه البشع لعلاقات الانسان بمحيطه ، ومآل تصرفه الخطير غير المحسوب العواقب . يقول " قبلما تلفظ أنفاسها ( الزهرة ) تأوهت فهاجمتني اسراب النحل "
إن وجه الصراع في النص ، يبرز إلى حد بعيد خطورة اختراق حرية الآخر ، وإيذائه حد الموت . تدخل عنصر أخر للحماية ، يعتبر الوردة من مؤثثات محيطة ، وأحد مقومات وجوده كذلك . وسنلمس استمرار هذا الطرح ، في العديد من النصوص " تأثير جانبي ص 55 / مضاعفات ص 56 / فعل فاضح ص 57 / مبرزا شكل الحياة من حب ، وقسوة ، وفرح ، وألم ، حياة ، وموت متناقضات شكلت أصل الوجود ، وسر استمراره .هكذا ينحى بنا نص " تاثير جانبي " ص 65 نحو الانتباه إلى منطق التحول السلس في الطبيعة ، وتدخل الانسان بحسن نية ، متسببا في اختلال خطير .
دلالة الوردة : الوجه الزئبقي
يتم الالتقاط في بعض نصوص هذه المجموعة اعتماد على التبئير ، الذي يصل حد تضييق مساحة الرصد ، ما يجعل الشخوص المنتمية لعالم الطبيعة ، تبرز في ضعفها ، وقهرها ، دلالة على الواقع الآخر . فحياة البسطاء بقدر ما تلفها القناعة ، والرضا، والصبر ، تتسم بطاقة تحمل كبيرة ، رغم آلامها ، وزيفها ابتسامتها التي تلازمها دائما .
إنها صورة مصغرة لواقع الحياة الشعبية في الاسكندرية يتم أنسنتها لسان أكثر من مخلوق طبيعي .وهذا الطرح سيتكرر في نصوص أخرى ، كتآكل ص 46 ، وخصوصية ص 47 ، بحيث سنلمس سيرة الوردة في تفاعلها مع محيطها ، وأسرارها التي تبرز معاناة كبيرة ، ومواقف مختلفة ، من الواقع .فهي ستتقمص وجه عاهرة حينا ، وحينا آخر وجه عاشقة ، لكن يبقى الحزن في النهاية هو الخيط الرابط بين كل تلك الشخوص ، فالجنس يبرز بكل مفاهيمه ودلالاته وإحالاته البشعة سيبرز كبتا يراود الذات ، ويؤجج رغباتها التي لا تفجر إلا عبر الحلم ، بسبب موانع الواقع ومعيقاته ( قيمه وتقاليده وأعرافه) لكنها رغبات تفجر بالقوة في عوالم آخرى ، استجابة لنداء الروح والجسد معا . يقول السارد في نص " الكبت " ص 74 " هذا الحرمان إلى متى ؟ ..غض البصر يا فتى ..ظلت تلوح لي وتستعرض مفاتنها حين تأججت نيران اللهفة ، انسكبت مياهها كالثلج ..أيقظتني "
في حين تتجلى الدعارة كإشارة إلى انهيار القيم الأخلاقية وقد تمت الاشارة إليها بشكل سلس من خلال رصد مؤثثات المكان والآثار الناجمة عن وقائع ليلة ماجنة . رغم الشكوك التي تدين الجارة ولن تتأكد إلا من خلال الربط بين قرائن النص العديدة . يقول السارد عند رؤيتها صباحا " تحضن الطفلة وتهرول نحو الحافلة العامة وبيدها كيس الثلج " ص 80
الصراع الطبقي رصد لصورة المهمشين
حاول القاص شريف عابدين النفاذ من خلال نصوص مجموعته إلى انتقاد الواقع المصري ، من خلال ابراز صراع طبقته ، صراع تمت أنسنته على لسان أدراج السلم كما في نص " احتجاج ص 69 بحيث يبرز التحول الكبير للاحتجاج بدخول عنصر جديد لميدان المنافسة " المصعد " كدلالة على ظهور فئة اجتماعية جديدة ، استطاعت تحقيق صعودها في زمن قياسي ، بالاستغناء على المسارات القديمة . وهذا الرصد لمؤثثات المكان تبرز وضعا اجتماعيا مزريا ستعقبه احتجاجات ، وتحولات ستبرزها نصوص أخرى ك " زجاج " ص 82 بحيث يتم رصد البؤس الذي تعيشه الفئات المهمشة على أرصفة الشوارع من خلال ممارسة التسول تحت شمس حارقة .في الوقت الذي يبرز فيه خبث الباحثين عن اللذة ، وهم يجسون نبض نفس الشارع من داخل سياراتهم الفارهة . وقد اغروا البسطاء بوهم مساعدتهم ، ، دون حصولها . لتظل الشبهة المغرضة هي التي تغلف سلوك الأبطال وتجعل منهم ذئابا بشرية .
صورة الوطن
نلمس طرحا خاصا في النصوص الحاملة للعناوين ( طابور: طابور الخبز ، طابور الماء ، طابور الوطن) وهو طرح غريب مغلف بالإقصاء ، والنبذ ، والحرمان . فالحكم على المظاهر يبدو دائما خادعا ، وغير عاكس للحقيقة ، وغير منصف لوضع الفرد . فما يتذرع به شخوص هذه المجموعة من حجج تظل واهية ، فالجائع يرد طلبه بحجة امتلاكه فكرا ، والعطشان بسبب تفصده عرقا ، والمصطف في طابور الوطن ستخسف به الارض . بحيث لا مجال لطلب حق المواطنة ، وهو ما يعلن عن انهيار حقيقي للقيم الفاضلة ، ولوصاية الآخرين عن رغبات الناس ، بالحكم على نواياهم ، ومظاهرهم الخادعة .
إن الاشكال المركزي في بعض نصوص هذه المجموعة يظل مقترنا على الدوام بمفهوم الحرية الواسع ، مفهوم تتجلى أهميته ضدا عن التعذيب الذي يطال روح الفرد وذاته ، وسيظل الحصول عليها مقترنا بالموت . وسنلمس في نص " اعتراف " ص 68 أن البطل كلما أدرك بر الأمان ، يفاجأ بالموت من حيت لا يدري . يقول السارد " تشبث بديلها ، فاختل توازن يدها ...بعدما أبعدت عم عينيها العصابة ..غمزت لي ..احتضنتها ..غمدت سيفها في قلبي " ص 68
وبالإضافة إلى تمنع الحرية ، تبرز الحقيقة المنفلتة في نص " الرذاذ " على شكل النور الذي يبهت ويختفي في عز شمس حارقة ، بسبب تشكيك الآخرين في مغزاها ، ومعناها يقول "حين استوقفني الآخر ظنا أنني مخمور .. أقسمت له.. استخف بي ، فأظلم الطريق تماما ..رغم أن الشمس كانت ساطعة " ص 69
على سبيل الختم
عموما تميزت مجموعة تلك الحياة للقاص المصري شريف عابدين بتنوع تيماتها وطرق اشتغالها ، وتوظيفها .ما جعلها من البواكير الجادة التي حاولت تقديم منظور جديد للقصة القصيرة جدا ، بانفتاحها على عوالم ، وحياة كائنات صغيرة جدا ، متوسلة بأنسنة رامت الانتقاد حينا والسخرية حينا آخر منبهة إلى انهيار القيم الفاضلة ، موت روح الانسان الخيرة ، بنزوعها نحو الأنانية والفردية ..فالمجموعة راهنت على تقديم منظور جديد للحرية والحق في الحياة موظفة كائنات ضعيفة جدا لكنها رمزت بقوة للواقع السياسي والاجتماعي المصري وهي تعري عن بؤسه منتقدة اختلالا ته .. فالقاص شريف عابدين حدد اخياراته بالكتابة في هذا الجنس الزئبقي والمتمرد والعصي منذ مدة ، ليعلن اليوم أنه من خلال مجموعته" تلك الحياة " أنه كسب رهانا كبيرا وكسب المغامرة في عشق الكتابة وفي عشقه الخاص للقصة القصيرة جدا .
تعليق