المكان رأس نيس
الزمان مع شروق يوم قائظ من سنة قاحلة أجدبت فيها الأرض
وجف الماء وهزل الحلال
وراعية البيت تنظر بعينين اغرورقتا بالدموع
من شدة ما تعانيه من ألم الحمل الثقيل وأوجاع الجسد
ومنظر أطفالها الصغار الجياع وحلالها الهزيل
أخذت عصاها الغليظة وقامت على وهن تتكئ عليها
وتسوق بها غنمها المتهالكة إلى حيث غور الوادي البعيد
وهي تسمع من ورائها بكاء الصغار وتألمهم من شدة الجوع ووجع الحمى
وتأبى الالتفات نحوهم حتى لا تضعف عن واجب رعي حلالها وحفظ مال الزوج الغائب
نزلت مع منحدرات وعرة تطيح مرة وتقوم الاخرى
وتصيح على أغنامها بصوت عليل
حتى وصلت الوادي و أسقت الغنم ثم جاءها المخاض
ارتعشت أطرافها وارتفعت حرارتها وضاق نفسها
ودب الهلع في أركان قلبها خوفا على نفسها من الهلاك وعلى حلالها من الضياع
ونظرت يمنة ويسرة فلم تجد حولها من يغيثها
فرفعت نظرها إلى السماء وقالت بصوت مرتفع (يا الله فزعتك)
خرجت المولودة الأولى فأخذت سكيناً من جيبها
– هي دائم معها هي والكبريت – ثم قطعت سر المولودة
وبعد قليل خرجت الثانية ثم الثالثة
قامت من مكانها وهي تذكر الله ونزعت ثوبها الرديف وقطّعته بين البنات الثلاثاء
ثم لاحظت إن احداهنّ قد فارقت الحياة فغسلتها ووضعتها في ظل مرتفع
وهي تتأمل أن يرد على الماء رعاة يساعدونها في دفنها
بينما أخذت ترضع البنتين الأخريين
و ( تصوع الغنم ) حول الماء حتى يأتي الفرج
وبينما هي كذلك رأت في أقصى الجبال المقابلة( زول ) يسوق غنمه
ويردد اهازيج تحث الحلال على المسير
فقامت واقفة تلوح بقناعها طلباً للاستغاثة غير قادرة على رفع الصوت
وبعد وقت غير يسير ورد مجموعة من الرعاة على الماء
وساعدوها في دفن الميتة وحمل الصغيرتين مع قربة الماء
وحزمة الحطب وسوق الحلال الهزيل إلى بيتها المتربع على قمة نيس
تعليق