[frame="8 98"]مونتانا ...و خاروف أمّ رمانة!!

مونتانا ...و خاروف أمّ رمانة!!
ولكن أنصحك حين تــُعرّج على نفس الولاية أن تمرَّ على النـُصُبِ التذكاري لــ "جانيت أمُّ رمانة" و هو نـُصُبٌ لا يقل أهميةً عن النـُصُبِ الأول بل قل أنه لا يقل أهمية عن تمثال الحرية!!
هذا النـُصُب الذي يمثل "جانيت أمُّ رمانة" التي تـُـبْطِحُ رجلاً و قد أشرعت سكينَ جزارٍ على رقبته لتذبحه...إنما يُعبر عن حب الحياة و العطاء ...
فالنصب التذكاري لــ "جانيت أم رمانة" هو نـُصُبِ تذكاري لأول سيدة تمارس مهنة الجـِزَارة , نعم مهنة ذبح الأغنام , يعني بالعربية القصَّابة "أمُّ رمانة" بائعة اللحمة في ولاية مونتانا..
يبدو أن كل من كان اسمها "جانيت" تمتاز بالسبق لكل مهنة شاقة على النساء أو أي منصب محتكر للرجال...
"جانيت أمُّ رمانة" كيف أصفها لك؟؟
لا أدري !!
و لكن هي ببساطة امرأة حديدية , مفتولة العضلات , تضع مدية الذبح في غمد مصنوع من الجلد على خصرها .. هذا هو الشكل الخارجي لها ...
مع أنها مليحة الملامح ,, صبوحة في إشراقة وجهها بشكل عام باستثناء فترة الذبح حين تـُبْطِح الخاروف أرضاً , و تضع إحدى ركبتيها على كرش الخاروف , و حين تبدأ بذبحه بيديها الناعمتين فإن أمّ رمانة تتحول بعقدة حاجبيها إلى كائن يمتلك كافة مقومات الشراسة...
الحقيقة أن الظروف جعلتها مضطرة لهذه المهنة ...
فالولاية كباقي الولايات الأمريكية تمرُّ بالربيع الأمريكي , و ما بين عمليتي التحرير و التطهير بين الفئات المسلحة في مدينة "هيلينا" عاصمة ولاية مونتانا ضاعت أرزاق العباد , تدهورت الحالة الاقتصادية,,,
دُمِّرت المنازل و المتاجر و المخازن و الحظائر ...
لا أريد أن أصف حالة الدمار , و لكنني أعيش مع حالة أنثى , و أية أنثى إنها أنثى تنبثق نافضةً تراب المعارك الضارية التي أصابت مدينة "هيلينا"...
قد تستغرب إن قلت لك أنَّ مهنتها الأساسية طبيبة , و هي من أقدر الأطباء و الطبيبات ,, و لكن أين أطباء المدينة أغلبهم نزحوا , و هاجروا بعد أن هـُدِدوا , و منهم اخـْتـُطِفوا , و منهم قـُتِلوا , و منهم دُمِّرت عياداتهم , و منازلهم ,,, فآثروا الهجرة إلى البلدان العربية حيث الأمان و الاستقرار...!
إلا أن "جانيت أمُّ رمانة" ظلـّت صامدة رغم انهيار مشاريعها الطبية كافة...و ظلـّت راسخة فحب الحياة و الإرادة و التصميم لديها جعلها تستبدل مهنتها النبيلة بمهنة جديدة و هي مسح السيارات بالماء , و السطل , و الصابون فالعمل لديها شرف مهما كان نوعه...
و لكن بعد فترة لم تبقى في المدينة أية سيارة من أثرياء المدينة و تجارها فقد حـُرِقت معاملهم و دمرت منشأتهم و نهبت بضائعهم...
إنها الحرب و ليست حرب...لا تقطعوا شجرة ..لا تقـتلوا بهيمة... لا تقـتلوا شيخا ولا امرأة ولا طفلا... إنها ليست حرب الفاتحين...
كما أسلفت أن مهنة تمسيح السيارات لم تستمر ,, فبدأت أمّ رمانة بمشروعها الصغير بذبح الخراف بعد أن كادت تلك المهنة تنقرض أيضاً في تلك المدينة ...
و في إحدى الأيام العصيبة للمدينة أشاعت الأخبار أنه ستحصل هدنة بين الأطراف المتنازعة , فقررت جانيت أمُّ رمانة بأخذ سيارتها المخصص لحمل الخراف إلى الضاحية القريبة من المدينة و لكن في الحقيقة لم تكن هنالك لا هدنة و لا بطيخ ... فالاشتباكات كانت في أغلب الطرقات ..
استطاعت جانيت بسرعة أن تجتاز الأماكن الساخنة رغم إصابة السيارة بطلقة و إصابة خاروف من الخراف المحملة معها إصابة مباشرة و لكن ـ الله قدَّر و لطف ـ لم تكن إصابته بليغة...
و حين وصولها إلى حواجز التفتيش قالوا لها : هل معك قنابل ؟! هل خرافك محشو بالطلقات ...!!!؟
فأجابت : اللهم أمض هذه الأيام بخير ..
فأجابها المقاتل المتفائل : اطمئني ستمضي و سننسحب شتاءً من المدينة خشية على النازحين الذين ينامون في الطرقات , و سننقل صراعنا خارج "هيلينا" كما سنخفض سعر المازوت و نوَّفِر الخبز ...
فقالت : كأنك تقول كل هذه المعارك الطاحنة , و تهجير السكان , و تدمير الحياة من أجل تخفيض سعر المازوت , و توفير الخبز ...الله عليكم طمأنتني....
و ربما هذه المرأة الحديدية كانت شاهد عيان في معارك هذه المدينة , فهي التي رأت بأمِّ عينها كيف كان أحدهم يجلس و يشرب "مَـتـَّةَ خارْطه" ثم يـُخرج رأسه ليرشق عدة رشقات بسلاح الكلاشينكوف, و يرسل "باي باي" بيده إلى خصمه الذي يعلك القات و يلعق من علبة المربى التي هي أمامه ليطير بلا جوانح ثم يرشق هو الآخر بالـ "بيه كيه سيه" رشقات ليرد عليه ضاحكاً " هههههه , لم تصبني يا أحول..."
بل كانت أمُّ رمانة شاهدة عيان حينما أخرجا رأسيهما في نفس اللحظة و هما يتراشقان الطلقات فيكتشفا أنهما أبناء عمٍّ و أنهما من نفس صلب الجدِّ, فأوقفا الضرب لحظة , و احتضنا بعضهما البعض و أخذا يسألان بعضهما البعض عن أحوال العائلة ,, و بعدها عادا لتنتهي هدنة الدقائق المعدودة و لتبدأ رشقات الاشتباكات من جديد!!!...
المهم ,,, أخيراً ....
و بعد صعوبة وصلت "جانيت أمُّ رمانة" إلى حارتها لتــُـنزِل القطيع إلى حظيرتها الصغيرة...
و لكن لسوء الحظ اندفعت الخِراف راكضة هاربة منها , فمنها من ذهبت إلى حاجز مؤيد , و أخرى إلى حاجز معارض , و منها إلى المول المدمر , بل و خاروف بجانب المراسل الصحفي الميداني الذي استغل المشهد ليكون سبقاً صحفياً و حالة نادرة لخراف هائجة , و قد كانت "جانيت أمُّ رمانة" تركض خلف الخراف , و المراسل يلحق بها ...
و بين الطلقات و أصوات المدفعية و قذائف الهاون و الشظايا المتناثرة كانت تثبت جانيت للعالم أنها امرأة خارقة ,, و خارقة أكثر من ذلك المراسل الصحفي الذي أراد أن يُجري معها اللقاء...
و بينما المراسل يلحق بـ"جانيت" من مكان لأخر و يسألها:
هل الخراف لكِ ؟ ..
كانت جانيت لا تجيب فهي منهمكة بجمع الخراف ...
فيحاول الصحفي مجدداً سؤالها:
هل الخراف لكِ؟! ...
فتقول : بقي خاروفان أين هما ؟؟
ثم تشحط أحدهما كان يقف على لغم دبابة ,,,و الثاني بين ركام و أنقاض بناية منهارة....و المراسل على نفس السؤال و لكن بصيغ جديدة ...
أخيراً جمعت جانيت كل الخراف ...و لكن من شدة انفعالها من المراسل الميداني أمسكته كالخاروف و بطحته أرضاً و المراسل يولول الولاويل و يصيح بينما المصور الذي معه كان يصور التفاصيل ....
و بعد أن اصفرَّ وجه المراسل و جحظت عيناه .. هدأت أعصاب "جانيت" قليلاً فأعادت السكين إلى الغمد الجلدي , ثم حملت مجددا المراسل المسكين و وضعته في برميلٍ لروث الغنم انتقاماً من غلاظته , و قالت له : (أنت مراسل ميداني للحروب , و مكانك بين الفئات المتنازعة ما الذي حشرك بين خرافي ...؟!!)
زال اصفرار المراسل و انتعش من كثرة ما اشتمت من رائحة الروث , و قال لها : إذن هي خرافك ...أتسمحين لي بسؤال آخر ؟؟؟
عندها كانت جانيت قد هدأت تماماً فقالت له :
(( خذ هذه الوردة مني ...أسف على ما بَدَرَ مني ,,, كنت منفعلة لأني...
أيها المراسل شمَّ رائحة الوردة و لا تسدَّ أنفك و سل ما شئت...عن أحوالي و عني...))
و ما زال مراسل الحروب يشتم الوردة في برميل الروث و يجري حواره الرنـَّان و لسان حاله يقول : إذا كان هذا فعل أمُّ رمانة فكيف يكون فعل أمُّ الرمانتين ...
كانت هذه هي قصة النـُصُب التذكاري باختصار!!!![/frame]
تعليق