بوح صامت

تقليص
X
 
  • تصفية - فلترة
  • الوقت
  • عرض
إلغاء تحديد الكل
مشاركات جديدة
  • مصطفى لهروب
    أديب وكاتب
    • 25-07-2010
    • 18

    بوح صامت

    استدعاها للجلوس على ذلك المقعد الوثير بقربه و كأنه يخشى أن تغفل عيناه عن التطلع إلى ملامحها و لو ثانية واحدة .. هو هنا لإرواء ذلك الظمأ الذي تعاني منه حدقتاه منذآخر لقاء بينهما.. منذ ما يزيد عن أربعة أشهر..
    أتى النادل فقطع تطلعه المرتقب:
    - ماذا تود أنتشرب يا سيدي ؟
    - مشروبا باردا.. و تطلع إليها يحثها على طلب شيء.. فأجابت بعبارة مقتضية هامسة :
    - نفس الشيء .. و مع اختفاء النادل مهرولا..أعاد عينيه لتستقر على كل ذلك الجمال..
    كانت الحروف تخرج من حلقها الرخيم مثل همسات ذلك الشلال الذي يتدفق في عذوبته على مقربة منهما.. و لولا أنها تستحثه الكلام لفضل أن يترك لأذنيه فرصة اختزان أكبر قدر ممكن من حروفها الناعمة.
    وضع النادل المشروب أمامه بأدب زائد فشكره بسرعة و كأنه لا يريد أن يشاركه أحد في وقته معها.... نظرت إليه بتلك العينين اللتين تخترقان دوما فؤاده.. تفتك بدواخله فتحيله أشتاتا و شظايا، ترجوه إخراج كلماته إلى الوجود و هو يحاول بتملص ألا يصب عليها خباياه الساخنة، يخشى عليها حتى من حرارة دفئه وحنانه.. تنقل بها من نقاش إلى آخر و من حوار إلى مثله و في كل مرة تستحثه على إتمام حديثه..
    في الحقيقة كان يبحث عنها منذ زمن بعيد.. منذ أصبح يعرف موضع قلبه.. كيف لا وهي التي جعلته يتحسس شقه الأيسر .
    أطال النظر إلى عينيها و كأنه يستمد منهما القوة قبل أن يقرر في قرارة نفسه أن يبوح بالحقيقة.. و بسره المكتوم في دواخله منذ ثلاث سنوات أو يزيد..
    الحقيقة أنه عاشق و متيم، دون أن يسمح لها بالتعرف على نقطة ضعفه الوحيدة.. كان يعشقها في صمت وابتهال و كأنه ناسك يصلي في معبد عينيها الساحرتين.. و أقصى مناه نبضات من قلبها تكون له ترياقا يشفي مايجهش في دواخله من براكين، ينتظر قطرة من رحيقها تخمد ما اشتعل منذ سنوات.
    لقد عشقها منذ أول يوم رأتها فيه عيناه، و تنقل بين السوداوات و السمراوات والشقراوات لكي ينسى طيفها ، في كل مرة كان يفضل سعادتها على سعادته، يفضل أن يحل ما استعصى عليها من مواضيع، و هي لاتدري أنها موضوعه الأوحد والوحيد، كان لابد من صبر أيوب لكي يقنعها بحياده وبإقصاء نفسه من حديقتها الفيروزية، و بقوة "سيزيف " لترفع عنه أثقاله..
    عندما تخبره أن شخصا ما بدأ يدخل حياتها،يحس بغيرة تنتابه من أخمص قدمه حتى أصغر شعرة في رأسه، ومع ذلك يضمد كل هذا بابتسامته الجريحة و هو يشجعها على السير قدما، كم ود لو كان شمعة تنير لها كل خبايا شوارعها الدامسة.. يحترق لترى الطريق بوضوح..
    نظرت إليه بدلال و غنج متأصل ساحرتستحثه الكلام لقطع حبال الصمت، استيقظ من سهوه، وهم بتحريك شفتيه بتثاقل، فقد أدرك بأنه منذ جلوسه لم يحرك ساكنا وأن شفتاه ظلتا مطبقتين منذ نصف ساعة.. و ماهذا الكلام سوى رقصات و نفحات يصدح بها رأسه الملغوم.. وأن ما فعله منذ جلوسهما هو التطلع إلى عينيها والتمعن في تلك الملامح التي أسرته يوما..
    أراد أن يقول شيئا.. وضعت سبابتها على شفتيه علامة الصمت و كأنها تمنعه الكلام و هي تقول في همس حنون: " أووش..أترك لعينيك فرصة قول ما لم تتجرأ على أن تنبس به شفتاك.. " ابتسم في دفء.. و في هدوء أهداها عينيه..
    التعديل الأخير تم بواسطة مصطفى لهروب; الساعة 28-10-2012, 21:53.
    من لا يعتبر وجودي مكسبا له
    لن أعتبر غيابه خسارة لي
  • ريما ريماوي
    عضو الملتقى
    • 07-05-2011
    • 8501

    #2
    قمة الرومانسية .. نعم العيون باستطاعتها قول ما لا يقدر عليه خير المفوهين..
    استمتعت معك بقصتك شكرا لك الاستاذ الصديق مصطفى لهروب..
    وكل عام وانت بالف خير.. احترامي وتقديري.
    وأطيب التحايا.


    أنين ناي
    يبث الحنين لأصله
    غصن مورّق صغير.

    تعليق

    يعمل...
    X