رحلة البحث عن الهوية ما بين الواقع والأسطورة
قراءة في قصة السارد حسن الشحرة " إنكار "
أراد سماع صدى صوته..
صوّت في الكهف:
- أنا عربي..
ردد الصدى:هيهات..
إنكار .. ملحمة سسيولوجية وسيكلوجية ولأسميها - لو جاز لي ذلك - سسيوكولوجية .. تجتمع فيها شذرات الماضي وثقل الحاضر وهلامية المستقبل .. وما بين هذا وذاك رحلة البحث عن الهوية
القصة التي أمامنا للمبدع حسن الشحرة وظّف فيها كل مقومات السرد في جنس القصة القصيرة جدا .. من بداية العنوان إلى نهايتها بقفلة مدهشة بل لنقل بصفعة مؤلمة تلقاها بطل القصة ..
من خلال تنقلي ما بين سطور هذه القصة الرائعة بهذه القراءة السريعة سنكتشف من صفع البطل وكيف ولماذا.. ..!
نبدأ من نافذة العنوان لنطل منها على تخوم الرؤية والرؤى
التي تحملها هذه ق ق ج ..
نجد كلمات تحمل دلالات المغزى وهي بمثابة مفتاح لهذه الماتعة وهي : " .. أراد ، سماع ، صدى ، الكهف ، عربي ، هيهات "
البطل حاول أن يجرّب شيئا ما واختار مكانا يؤدي فيه تجربته وهو .. الكهف .. وسببها أو الدوافع لهذه التجربة هي الرغبة في سماع صدى صوته .. ونلاحظ هنا الدقة في استعمال المفردات من السارد المبدع حسن الشحرة .. لم يرغب بطل هذه القصة في سماع صوته بل أراد سماع صدى صوته والصدى كما نعلم هو رجع الصوت
لكن لمَ اختار بطل القصة الكهف كمكان يؤدي فيه تجربته في حين أن الوسيلة الأقرب لسماع الصدى هي الجبل ؟.. إذا عرفنا أن الكهف هو : مغارة داخل الجبل .. ما الذي جعل البطل يتحمل عناء الدخول للكهف في حين أن الجبل من الممكن أن يفي بهذا الغرض وهو المكان الأقرب من حيث المسافة ما بينه وما بين تنفيذ مهمة التجربة بل هو طريق يختصر من خلاله المدة والزمن لمعرفة النتيجة .. استعمل بطل القصة طريقا ملتوية ومنعرجة باختياره ل " الكهف " كمكان لتنفيذ تجربته وتحمل مشقة الدخول إليه في حين كان بإمكانه استعمال وسيلة " الجبل " يؤدي بها مهمة رجع صدى صوته .. ؟!!
سنعرف سبب اختياره للكهف كمكان للتجربة التي قام بها والتي من خلالها سيعرف الحقيقة وينفي شكوكا تخنقه بحبال هواجس الخوف والقلق حين نتتبع خطوات هذا السرد الذكي الرائع التي رسمها لنا المبدع حسن الشحرة
بعد الرغبة التي اجتاحت بطل القصة في سماع صدى صوته .. انتقل بخطوات العزم للمكان الذي سينفذ فيه تجربته .. ذهب للكهف ثم صوّت .. أطلق العنان لصوته لينطلق سابحا في مسام الكهف علّ ذلك المولود الذي ينتظره بشغف سيولد من بين ثنايا رجع الصدى – صدى صوته – يرتدّ إليه بصيرا في عتمة الخوف الذي يسيطر عليه .. فهو قلق ينتظر نتيجة تجربته .. بل ينتظر ما يسفر عنه مخاض الصدى ..
لقد صرخ بطل القصة في مسامع للكهف .. بعبارة واحدة لا ثاني لها إنها مفردة " أنا عربي " أطلقها بكل قوة وإصرار على أمل أن يرجع الصدى بالبشرى التي ينتظرها لتقرّ عينه وتهنئ نفسه
لكن يفاجئ بطل القصة بشيء آخر عكس ما كان ينتظره بلهفة
لقد صفعه الصدى بعبارة أخرى غير التي أطلقها بملء فيه ..
بل بملء ذاكرته المشبّعة بهذه العروبة وبصماته الوراثية المتعاقبة عبر أزمنة الصبغات الوراثية ( الكروموسومات ) رغبة منه في سماع صداها .. لكن الصدى ردّد " هيهات " لتطعن البطل في حشاشة ذاكرته وهويته ..!
عرفنا إذن أن بطل القصة مواطن عربي .. هذا المواطن العربي كان يرغب – رغبة ملحة وشديدة – في سماع الصدى وهو يردد معه عبارة : " أنا عربي " بل يعيدها إليه سالمة غانمة بكل ملامح وتقاسيم أحرفها وتاريخها غير مشوهة ولا مبتورة عبر رحلة البحث عن الهوية .. لكن الصدى وكأني أسمعه يضحك ساخرا بعد أن ردّد " هيهات " قائلا لبطل القصة " تأتي الرياح بما لا تشتهي السفن "
على ذكر الرياح .. لقد كانت تدخل ريح تغير الهواء في كهف أصحاب الكهف .. ترى ما علاقة أصحاب الكهف بهذه القصة أو ببطلها ؟ !
من ذكاء السارد أنه يستعمل كلمات رمزية مكثفة تبني زوايا قصته بقوة ومتن يجعلها توصل مضمونها بتميز واقتدار للمتلقي هذا ما فعله السارد المبدع حسن الشحرة هنا
استعمل كلمة الكهف ولم يستعمل كلمة " الجبل " ليكون الوسيلة في رجع الصدى .. لو تعمقنا في كلمة " الكهف " وربطنا رمزيتها بهذه القصة نجد أن بطل القصة كان لجوءه للكهف عمدا بدل الجبل ..
في أول هذه القراءة ذكرت أن القصة ملحمة سسيولوجية وسيكلوجية أو كما أطلقت عليها – لو جاز هذا المصطلح – سسيوكلوجية .. البطل يعاني من فقدان الثقة في النفس لهذا أراد سماع صدى صوته يردّد عبارته بل يردد كيانه وكينونته وتاريخه " أنا عربي " الهوية عند البطل مفقودة أو لنقل مشكوك فيها .. يتصور بطل القصة أن هويته مفقودة نظرا لمعطيات واقعه الذي يعيشه ..بل يشكّ فيها وهذا ما دفعه ليقوم بتجربة تعيد إليه ثقته بتصوره واقتناعه أنه عربي بكل ما تحمل كلمة " عربي " من رمزية الشموخ والعزة والكبرياء والقوة .. وتزيح عنه ثقل الهاجس والشكوك والوساوس التي تراوده على أنه ليس عربيا ..
والبطل برؤيته لواقع مجتمعه والأحداث التي يمر بها وتمر به يرى نفسه في سبات عميق كما أصحاب الكهف .. خائف ، وجلٌ ولهذا لجأ للكهف هاربا إليه ينتظر معجزة مثل معجزة أصحاب الكهف .. علّه يعود للحياة كما عادوا .. وعلّه يطمئن ويجد هويته التي فقدها إثر هاجس الشك الذي كان سببه طوفان الهزائم التي شهدها على مرّ أزمنة عاشها وسيل من الذل جرفه لمستنقع اللاهوية واللا وجود .. هنا تتصارع حقيقتان لكل منهما رؤى تشدّ بطل القصة في اتجاه معاكس .. حقيقة اللاوعي الذي مازال يؤمن بعروبة بطل القصة وعزته وشجاعته وحقيقة الوعي الذي يدرك ويقرّ – حسب الواقع المعاش - بلا عروبة بطل القصة وجبنه .. إلى جانب رؤية المكان والزمان التي تتضارب ما بين تيه الحاضر وعزة الماضي وهلامية وضبابية المستقبل ..
والزمكان في هذه القصة مشابه تماما – حسب رأيي البسيط ولا أفسر سورة الكهف بل مجرد رؤية واستنباط مني – لزمان أصحاب الكهف إذ نجد أنهم عاشوا ثلاثة أزمنة في وقت واحد .. الماضي ، الحاضر ، والمستقبل .. الحاضر حين لجئوا للكهف هروبا من واقع يريد منهم الكفر وهم يريدون النجاة والإيمان .. الماضي حين علموا أن الملك الطاغية الذي عاشوا في عصره مات .. هنا نجد أنهم عاشوا الماضي .. المستقبل حين بعثوا من رقدتهم ليروا المستقبل متمثلا في ملك مؤمن وحياة أخرى تغيرت فيها معالم البلدة والناس
بطل القصة يعيش مثلهم ثلاثة أزمنة في وقت واحد .. الماضي الذي يدرك من خلاله أنه عربي والحاضر الذي يتلاطم بزوارق أيامه في بحر التيه والمستقبل حين رغب في تغيير واقعه واقتناعاته – حسب ما يعيشه – ورغبته الجارفة والملحة في سماع معجزة تعيده للحياة .. في زمن آخر تتنقل أيامه ما بين الماضي والحاضر والمستقبل ..!
بطل القصة يعيش حالة من ازدواجية الشخصية .. شخصية ممزّقة كل شرذمة منها في زمن تتنقل ذراتها وتسافر في عوالم من التيه تارة والشك تارة أخرى والرغبة في تحقيق الذات وإيجاد الهوية المفقودة أحاين كثيرة ..
وهذا يشير بشكل غير مباشر لاستخدام الأسطورة من طرف السارد المبدع حسن الشحرة في هذه الومضة إذ بطلها في رحلة بحث عن حقيقة هويته فهو يتنقل في مكوك ليس فضائي بل مكوك عجائبي ما بين الكهف وأبطال يرافقونه في رحلة البحث هذه من جنس غير جنس البشر .. إنها رحلة عجائبية بكل المقاييس كما رحلة أبطال الأساطير الذين يسافرون لعوالم يكون أبطالها لهم قوة خارقة كما للصدى حين جعله السارد يعي ويتحدث ويردّ على بطل القصة بعبارة أخرى تعني غير ما كان يريده .. لقد شاركه الحوار وكان طرفا غيّر مجرى الحدث
أما المكان في هذه القصة فيتحول من مجرد حيز جغرافي وطبوغرافي إلى حيّز تاريخي ذو رمزية موغلة في العتمة والخوف والموت والحياة معا .. عبارة " الكهف " كمكان استعمله السارد ليزيد من قوة التشتت والتيه وظلمة الرؤية والرؤى والتردد والتخبط عند بطل هذه الومضة السردية ..
تأتي بعد هذا القفلة لتضع هذه القصة في قالب تتمازج فيها الكوميديا بالتراجيديا .. يسقط خلالها بطل القصة على خشبة الحقيقة التي تنهار من قوة رصاصة قاتلة أطلقها الصدى .. حين ردّد " هيهات "
وهيهات كما نعلم اسم فعل يعني بعُد .. يصرخ الصدى في وجه بطل القصة بسخرية ضاحكا منه قائلا : " هيهات " بَعُد ما تريده واستحال ما ترغب فيه .. لم يردّد الصدى عبارة " أنا عربي " بل أخبر البطل أن ما يريد سماعه بعيد كل البعد عن حقيقة الأمر وواقع الحياة التي يعيشها .. قائلا له : ستظل فاقدا لهويتك .. مادمت اخترت الكهف بما يمثله من رمزية الظلام والهروب والبعد عن الحياة – الحضارة – لتقول أنك عربي وما دمت تنتظر من طرف آخر أن يقرّ بعروبتك ويردّد معك " أنا عربي " وحين تثق وتقرّ أنك عربي في قرارة نفسك ويتشبّع بها وعيك واللاوعي عندك حينها ستكون عربيا ويشهد لك بهذا كل ما يحيط بك ..
تحكي لنا هذه القصة الباذخة مشاهد من مسرحية تراجيدية عن الهوية المفقودة ورحلة البحث لبطل مازال يبحث عن ذاته وكينونته وهويته بعيدا عن الواقع تلفّه حبال الخوف وتقيده وتمنعه من الخروج إلى النور ليصرخ بها موقنا ومتأكدا ومؤمنا ب " أنا عربي " ..!!
قراءة في قصة السارد حسن الشحرة " إنكار "
أراد سماع صدى صوته..
صوّت في الكهف:
- أنا عربي..
ردد الصدى:هيهات..
إنكار .. ملحمة سسيولوجية وسيكلوجية ولأسميها - لو جاز لي ذلك - سسيوكولوجية .. تجتمع فيها شذرات الماضي وثقل الحاضر وهلامية المستقبل .. وما بين هذا وذاك رحلة البحث عن الهوية
القصة التي أمامنا للمبدع حسن الشحرة وظّف فيها كل مقومات السرد في جنس القصة القصيرة جدا .. من بداية العنوان إلى نهايتها بقفلة مدهشة بل لنقل بصفعة مؤلمة تلقاها بطل القصة ..
من خلال تنقلي ما بين سطور هذه القصة الرائعة بهذه القراءة السريعة سنكتشف من صفع البطل وكيف ولماذا.. ..!
نبدأ من نافذة العنوان لنطل منها على تخوم الرؤية والرؤى
التي تحملها هذه ق ق ج ..
نجد كلمات تحمل دلالات المغزى وهي بمثابة مفتاح لهذه الماتعة وهي : " .. أراد ، سماع ، صدى ، الكهف ، عربي ، هيهات "
البطل حاول أن يجرّب شيئا ما واختار مكانا يؤدي فيه تجربته وهو .. الكهف .. وسببها أو الدوافع لهذه التجربة هي الرغبة في سماع صدى صوته .. ونلاحظ هنا الدقة في استعمال المفردات من السارد المبدع حسن الشحرة .. لم يرغب بطل هذه القصة في سماع صوته بل أراد سماع صدى صوته والصدى كما نعلم هو رجع الصوت
لكن لمَ اختار بطل القصة الكهف كمكان يؤدي فيه تجربته في حين أن الوسيلة الأقرب لسماع الصدى هي الجبل ؟.. إذا عرفنا أن الكهف هو : مغارة داخل الجبل .. ما الذي جعل البطل يتحمل عناء الدخول للكهف في حين أن الجبل من الممكن أن يفي بهذا الغرض وهو المكان الأقرب من حيث المسافة ما بينه وما بين تنفيذ مهمة التجربة بل هو طريق يختصر من خلاله المدة والزمن لمعرفة النتيجة .. استعمل بطل القصة طريقا ملتوية ومنعرجة باختياره ل " الكهف " كمكان لتنفيذ تجربته وتحمل مشقة الدخول إليه في حين كان بإمكانه استعمال وسيلة " الجبل " يؤدي بها مهمة رجع صدى صوته .. ؟!!
سنعرف سبب اختياره للكهف كمكان للتجربة التي قام بها والتي من خلالها سيعرف الحقيقة وينفي شكوكا تخنقه بحبال هواجس الخوف والقلق حين نتتبع خطوات هذا السرد الذكي الرائع التي رسمها لنا المبدع حسن الشحرة
بعد الرغبة التي اجتاحت بطل القصة في سماع صدى صوته .. انتقل بخطوات العزم للمكان الذي سينفذ فيه تجربته .. ذهب للكهف ثم صوّت .. أطلق العنان لصوته لينطلق سابحا في مسام الكهف علّ ذلك المولود الذي ينتظره بشغف سيولد من بين ثنايا رجع الصدى – صدى صوته – يرتدّ إليه بصيرا في عتمة الخوف الذي يسيطر عليه .. فهو قلق ينتظر نتيجة تجربته .. بل ينتظر ما يسفر عنه مخاض الصدى ..
لقد صرخ بطل القصة في مسامع للكهف .. بعبارة واحدة لا ثاني لها إنها مفردة " أنا عربي " أطلقها بكل قوة وإصرار على أمل أن يرجع الصدى بالبشرى التي ينتظرها لتقرّ عينه وتهنئ نفسه
لكن يفاجئ بطل القصة بشيء آخر عكس ما كان ينتظره بلهفة
لقد صفعه الصدى بعبارة أخرى غير التي أطلقها بملء فيه ..
بل بملء ذاكرته المشبّعة بهذه العروبة وبصماته الوراثية المتعاقبة عبر أزمنة الصبغات الوراثية ( الكروموسومات ) رغبة منه في سماع صداها .. لكن الصدى ردّد " هيهات " لتطعن البطل في حشاشة ذاكرته وهويته ..!
عرفنا إذن أن بطل القصة مواطن عربي .. هذا المواطن العربي كان يرغب – رغبة ملحة وشديدة – في سماع الصدى وهو يردد معه عبارة : " أنا عربي " بل يعيدها إليه سالمة غانمة بكل ملامح وتقاسيم أحرفها وتاريخها غير مشوهة ولا مبتورة عبر رحلة البحث عن الهوية .. لكن الصدى وكأني أسمعه يضحك ساخرا بعد أن ردّد " هيهات " قائلا لبطل القصة " تأتي الرياح بما لا تشتهي السفن "
على ذكر الرياح .. لقد كانت تدخل ريح تغير الهواء في كهف أصحاب الكهف .. ترى ما علاقة أصحاب الكهف بهذه القصة أو ببطلها ؟ !
من ذكاء السارد أنه يستعمل كلمات رمزية مكثفة تبني زوايا قصته بقوة ومتن يجعلها توصل مضمونها بتميز واقتدار للمتلقي هذا ما فعله السارد المبدع حسن الشحرة هنا
استعمل كلمة الكهف ولم يستعمل كلمة " الجبل " ليكون الوسيلة في رجع الصدى .. لو تعمقنا في كلمة " الكهف " وربطنا رمزيتها بهذه القصة نجد أن بطل القصة كان لجوءه للكهف عمدا بدل الجبل ..
في أول هذه القراءة ذكرت أن القصة ملحمة سسيولوجية وسيكلوجية أو كما أطلقت عليها – لو جاز هذا المصطلح – سسيوكلوجية .. البطل يعاني من فقدان الثقة في النفس لهذا أراد سماع صدى صوته يردّد عبارته بل يردد كيانه وكينونته وتاريخه " أنا عربي " الهوية عند البطل مفقودة أو لنقل مشكوك فيها .. يتصور بطل القصة أن هويته مفقودة نظرا لمعطيات واقعه الذي يعيشه ..بل يشكّ فيها وهذا ما دفعه ليقوم بتجربة تعيد إليه ثقته بتصوره واقتناعه أنه عربي بكل ما تحمل كلمة " عربي " من رمزية الشموخ والعزة والكبرياء والقوة .. وتزيح عنه ثقل الهاجس والشكوك والوساوس التي تراوده على أنه ليس عربيا ..
والبطل برؤيته لواقع مجتمعه والأحداث التي يمر بها وتمر به يرى نفسه في سبات عميق كما أصحاب الكهف .. خائف ، وجلٌ ولهذا لجأ للكهف هاربا إليه ينتظر معجزة مثل معجزة أصحاب الكهف .. علّه يعود للحياة كما عادوا .. وعلّه يطمئن ويجد هويته التي فقدها إثر هاجس الشك الذي كان سببه طوفان الهزائم التي شهدها على مرّ أزمنة عاشها وسيل من الذل جرفه لمستنقع اللاهوية واللا وجود .. هنا تتصارع حقيقتان لكل منهما رؤى تشدّ بطل القصة في اتجاه معاكس .. حقيقة اللاوعي الذي مازال يؤمن بعروبة بطل القصة وعزته وشجاعته وحقيقة الوعي الذي يدرك ويقرّ – حسب الواقع المعاش - بلا عروبة بطل القصة وجبنه .. إلى جانب رؤية المكان والزمان التي تتضارب ما بين تيه الحاضر وعزة الماضي وهلامية وضبابية المستقبل ..
والزمكان في هذه القصة مشابه تماما – حسب رأيي البسيط ولا أفسر سورة الكهف بل مجرد رؤية واستنباط مني – لزمان أصحاب الكهف إذ نجد أنهم عاشوا ثلاثة أزمنة في وقت واحد .. الماضي ، الحاضر ، والمستقبل .. الحاضر حين لجئوا للكهف هروبا من واقع يريد منهم الكفر وهم يريدون النجاة والإيمان .. الماضي حين علموا أن الملك الطاغية الذي عاشوا في عصره مات .. هنا نجد أنهم عاشوا الماضي .. المستقبل حين بعثوا من رقدتهم ليروا المستقبل متمثلا في ملك مؤمن وحياة أخرى تغيرت فيها معالم البلدة والناس
بطل القصة يعيش مثلهم ثلاثة أزمنة في وقت واحد .. الماضي الذي يدرك من خلاله أنه عربي والحاضر الذي يتلاطم بزوارق أيامه في بحر التيه والمستقبل حين رغب في تغيير واقعه واقتناعاته – حسب ما يعيشه – ورغبته الجارفة والملحة في سماع معجزة تعيده للحياة .. في زمن آخر تتنقل أيامه ما بين الماضي والحاضر والمستقبل ..!
بطل القصة يعيش حالة من ازدواجية الشخصية .. شخصية ممزّقة كل شرذمة منها في زمن تتنقل ذراتها وتسافر في عوالم من التيه تارة والشك تارة أخرى والرغبة في تحقيق الذات وإيجاد الهوية المفقودة أحاين كثيرة ..
وهذا يشير بشكل غير مباشر لاستخدام الأسطورة من طرف السارد المبدع حسن الشحرة في هذه الومضة إذ بطلها في رحلة بحث عن حقيقة هويته فهو يتنقل في مكوك ليس فضائي بل مكوك عجائبي ما بين الكهف وأبطال يرافقونه في رحلة البحث هذه من جنس غير جنس البشر .. إنها رحلة عجائبية بكل المقاييس كما رحلة أبطال الأساطير الذين يسافرون لعوالم يكون أبطالها لهم قوة خارقة كما للصدى حين جعله السارد يعي ويتحدث ويردّ على بطل القصة بعبارة أخرى تعني غير ما كان يريده .. لقد شاركه الحوار وكان طرفا غيّر مجرى الحدث
أما المكان في هذه القصة فيتحول من مجرد حيز جغرافي وطبوغرافي إلى حيّز تاريخي ذو رمزية موغلة في العتمة والخوف والموت والحياة معا .. عبارة " الكهف " كمكان استعمله السارد ليزيد من قوة التشتت والتيه وظلمة الرؤية والرؤى والتردد والتخبط عند بطل هذه الومضة السردية ..
تأتي بعد هذا القفلة لتضع هذه القصة في قالب تتمازج فيها الكوميديا بالتراجيديا .. يسقط خلالها بطل القصة على خشبة الحقيقة التي تنهار من قوة رصاصة قاتلة أطلقها الصدى .. حين ردّد " هيهات "
وهيهات كما نعلم اسم فعل يعني بعُد .. يصرخ الصدى في وجه بطل القصة بسخرية ضاحكا منه قائلا : " هيهات " بَعُد ما تريده واستحال ما ترغب فيه .. لم يردّد الصدى عبارة " أنا عربي " بل أخبر البطل أن ما يريد سماعه بعيد كل البعد عن حقيقة الأمر وواقع الحياة التي يعيشها .. قائلا له : ستظل فاقدا لهويتك .. مادمت اخترت الكهف بما يمثله من رمزية الظلام والهروب والبعد عن الحياة – الحضارة – لتقول أنك عربي وما دمت تنتظر من طرف آخر أن يقرّ بعروبتك ويردّد معك " أنا عربي " وحين تثق وتقرّ أنك عربي في قرارة نفسك ويتشبّع بها وعيك واللاوعي عندك حينها ستكون عربيا ويشهد لك بهذا كل ما يحيط بك ..
تحكي لنا هذه القصة الباذخة مشاهد من مسرحية تراجيدية عن الهوية المفقودة ورحلة البحث لبطل مازال يبحث عن ذاته وكينونته وهويته بعيدا عن الواقع تلفّه حبال الخوف وتقيده وتمنعه من الخروج إلى النور ليصرخ بها موقنا ومتأكدا ومؤمنا ب " أنا عربي " ..!!
تعليق