يجلسُ مُنزوياً في ركنٍ بعيد, مُنغلقاً على نفسهِ في غياهب غرفة مُظلمة. منذ متى لم يرَ الشمس ؟ لا يعرف .. خصومة نشبت بينهما منذ أمد . يوم أن كانت الشمس أكثر عنفواناً من هذا المُنتظر الذي لا يأتي. ينام النهار بأكمله.. وفي الليل ينظر خلف النافذة, يبحث عن أثرها !. يدفن وجهه بين ركبتيه .. ينصهر من البكاء .. تجثم على روحه الذكريات .. تصليه ناراً تأججت داخل قلبه .
ترك مذكرات أمه هنيهة ! , وتذكر يوم كانت تُمسك بيده؛ وتصعدْ به الدَّرج حتى الطابق الأخير, تُحملق في الهلال ملياً, تتساقط حبات دموعها ملتهبة تحرق وَجنتيها, قبل أن تحتضنه وتناجي القمر..
_ قال إنه سيأتي مع بداياتك, ولم يقل أن البدايات تتجدد كل شهر, فمع أي البدايات سيعود؟ اشتقتك تحمل اللّقاح , تلقي به كعادتك داخلي فتتفتح زهوري ,. لازلت أنتظرك مع حبات المطر, تزيل عني دنس الآخرين.
أطلق زفرةً ملتهبة, وراحَ يدفن عينيه مرة أخرى بين أوراقها المبعثرة, . صورة لشخص بين الأوراق كانت تُخرج له لسانها!, قبل أن تُمسك بسكين باردٍ وتُمزق أحشاء أمه , ثم تضرب رأسه بمطرقة في ضحكات متقطعة. ... يذكر أمه في طفولته؛ كانت تخاطبه كبالغ يدرك ويفهم !
_ سيأتي؛ يمسح دموعك من بعدي , سأراك من خلف غلاف الحياة , الذي زارني لا يرحم , وكيف يُرحم من وجدَ في الحياة بلا رحمة ؟
أمسك بيدها _ لماذا تبكين يا أمي ؟
قبل أن تُدخله غرفته وتوصد بابها جيداً, تمسح عيناها التي سرعان من تضع عليهما طلاءً وتذهب للمُنتظر الجديد , الذي ما يفتأ ينقدها المال ويذهب, بعد أن يفرغ شهوته . لازال يراها بعد انتهائها , تضمهُ إلى صدرها المرتعش بشدة . أربكته هذه المرة , لم تبكِ كعادتها .. كانت عيناها مُعلقتان بسقف الغرفة في صمت عميق .. رابض على ركبتيها تهزه في هدوء , والدمع يأبى ألا يفيض .
( في ساحة كان يراها تهرول , وخلفها سيارة فاغرة فاها تنتظر من تلوكه , يقودها شخصاً يضحكُ في بلاهة , أسرع باتجاهها.. رائحة الموت تزكّم أنفه .. يسدّ فتحتهما بأصبعيه .. عين الشمس ترمقه في سخرية .. ينظر تحت قدميه .. يركض بجوار البِنّايات, مختبئاً من عين الشمس التي تبحث عنه .. تتبعثر أوراق ذكرياتها على أرصفة عمره ! , فتدهسها عجلات المستقبل في بلاهة متصنعة رحمة .. يرى جسدها شفافاً, يكشف عن شيئاً ما ينخر في أعمدة الأمل داخلها.)
حلمٌ طالما راوده! .. لا يستطيع منه الفُكاك, يجبره على الهروب من عين الشمس, التي كانت يوماً السبب في فراقها, عندما أرسلتْ خيوطها داخل الغرفة, فعكست صورتها في المرآة للجارة سليطة اللـــسان فنفضح أمــرها, قبل أن يلطمها أحــدهم لكثرة طلــب الـمال, من أجل دراسة الصغير .
لازال يذكر المشهد الأخير لها في السادسة من عمره..عندما أتتْ السيارة مسرعة في جنون من يشتاق إلى إزهاق روحٍ وبعثرة أخريات .هناك وسط الزحام تحتضنه, تواري عنه النظرات بما تبقى لها من لباس النوم, , لا تريد أن تقع عينه على الوجوه المتشفية الساخرة , وضرب الكف بالكف ومصمصة الشفاه.. أمسك برأسها وبكى , أحاطت وجهه بكفيها.. مررتْ أصابعُها ببطء تتفحص معالمه.. تحركَ قليلاً نحو قدماها العاريتان .. بعفوية طفولية ؛ أخذ يُداري ما بدا من سوءتها بلباس النوم.. رجع سريعاً إلى حضنها, وجد عيناها تحملقان في عين الشمس دون حركة !, وضع أذنيه على صدرها, أتاه الصمت يدوي!. فوضع ذراعيها حوله , واحتضنها ..
وصل إلى نهاية الأوراق .. كلماتها مرتعشةً حروفها, تكاد تنزلق بين السطور, طَعنت الورقة بحربة قلمٍ يلفظُ أنفاسه الأخيرة
( زارني وافدٌ لا يرحم, إلى متى أنتظره يذهب بي إلى هناك , إلى حيث اللاعودة , لا أخشى الموت , سأبتسمُ له عندما أراه يأخذ روحي , سأُسلمها إياه في هدوء . يا هذا الرجل يسكنني, خَرِبَ السكن من دونك, امتطني آلة بشرية تُجرفني, تزج بي في ظلماتٍ بعضُها فوق بعض, يوم تأتي لن تجدني, عليك بالصغير, قطعتكَ التي تركتُها لي , أراك دائماً في ملامحه . عندما يكون القمر هلالاً , ذاك الموعد الذي أقسمنا عليه , وقتها تحسسَ القمر , ستجد دموع انتظاري على جداره !. )
تجهمَ وقد ازدادت رأسه سخونةً , نظرَ في الفضاء كأنما يناجي طيفاً
: لم يكن ذلك هو الموت ! ما فهمته عن الموت وقتها لم يطابق ما حدث .
قبل أن يشعر بيد تُربّت على كتفه , وظلاً رآه في ضوء الشموع , فبُترت رحلتهُ عبر الذكريات ..التفت ونظر له ملياً, زاغت عيناه فارتعشت في حركة لا إرادية .. اصطكاك أسنانه جعله يرتجف! . بحث كالمجنون بين الأوراق , حتى أخرج الصورة!!. قام منتفضاً يلتصقُ بالحائط , قبل أن يركض نحوه , أطبقَ فمه , عندما رآه يضحك في سخرية بينما يطاردها بالسيارة !. صرخ ... بكى ... أمسك بمؤخرة رأسه وانحنى مغمض العينين , قبل أن ينتصب في سرعة , ابتسم .. ضحك .. قهقه ملء شدقيه .. قبل أن يُلملم ذكرياتها . أطلقَ ساقاهُ للريح مُسرعاً , بينما كان هسيسَ دموعها يتعالى من الأوراق التي تتبعثر خلفه .
تعليق