أختي العزيزة سعاد :
أبعث إليكم أطيب تحياتي وسلامي الكثير وأشواقي.
أما الشوق،، فسأطفئ ناره قريبا لأنني حزمت حقائبي وحاجياتي وسأكون معكم قريباً.
إنها مسألة وقت لإنهاء إجراءات الطلاق. نعم يا سعاد الطلاق. فلا تستغربي حتى تسمعي تفاصيل الأسباب.
سأنفصل عن زوجي الثاني، ولا أسف عليه.
أعرف أنك ستصابين بدهشة كبيرة وإحباط أكبر.
ولكن أقسم بالله ليس بيدي شيء..
زوجي الأول أنت تعرفين قصته تماما،، وكيف أنقلب إلى وحش وتجرّد من آدميته بعد شهر من الزواج، فكان لا بد من الطلاق، بعد أن إقتنعت الأسرة بالانفصال دون تردد.
أما هذا يا سعاد فأمره عجيب وغريب ومريب،، بل مريض يحتاج إلى علاج.
إنه لغز يمشي على قدمين.
تذكرين والأسرة بأنه :
كان متزوجا وله طفلين من زوجته التي طلقها،
وأنه قال لنا أنها حوّلتْ حياته إلى جحيم. ( وكانت كذبة انطلت علينا ).
وعندما تقدم للزواج مني،، ذكّرْتُه بضرورة أن نعرف بعضنا البعض تماماً لأنني لا أريد أن أكرر التجربة. وكنتِ أنت مَن شدّد على تنفيذ هذا الشرط.
وأدّعى بأنه يعرفني جيدا،، و أنه رجل مثل كتاب مفتوح للكل،، و لا نحتاج إلى وقت طويل للتعارف.
وتذكرين بالطبع أنني مكثتُ حوالي الستة أشهر أحاول أن أدلف إلى دواخله قبل أن أوافق عليه. وللأسف الظواهر كانت مشجعة جدا، لذا أعطيناه الضوء الأخضر و تم الزواج.
يعرف هو تماماً كيف تزوجتُ و كيف تم طلاقي من زوجي الأول.
و إلى هنا كل شيء طبيعي وعادي.
ومرت الشهور الأولى كلها شهور عسل، دَلَقَ على حياتي طمأنينة مغلفة بالشفقة والحنان.
حمدت الله أن عوضني خيراً عن صبري.
ثم بدأتْ المنغصات تأخذ طريقها إلى حياتي رويداً رويداً.
فاجئني يوماً بسؤال كان كضربة من فأس على الرأس
قال وهو يتشاغل بصحيفة بيده : أحكي لي عن حياتك السابقة.
نظرت إليه طويلا قبل أن أقول له : ماذا تقصد ؟
قال بسرعة : أقصد حياتك السابقة،، زوجك الأول،، كيف قابلتيه،، و أين ؟ و بقية القصة.
أجبته : و ما الفائدة التي ستجنيها من حكاية نسيتها وصارت طي النسيان ؟
قال : أريد أن أعرف فقط.
قلت : لا طائل من معرفتك لموضوع انتهى أمره ونسيته أنا تماماً.
فامتقع وجهه و قال : ذكرى مؤلمه أليس كذلك ؟ لا تريدين نبْش الجراح.
غاص قلبي بين قدمي يا سعاد وقتها.
سكتُّ و لم أرد و أنا في حالة ذهول تام.
قال : أنا مُصِر على سماع الحكاية.
فقلت في نفسي،، لأحكي له ولأرى ماذا يريد.
فحكيت له أنه كان زميلي بالعمل أعجبني خلقه واحترامه وأدبه،، فتقدم لي ووافقت ثم تزوجنا وعندما وجدته عكس ما كان،، طلبت منه الطلاق.
اختزلتُ الفترة البسيطة التي عشتها مع زوجي الأول في كلمات بسيطة وبالشكل الذي يهمه.
فقال المجنون : ألم تخرجي معه ؟
قلت بثقة : كثيراً
قال في بلاهة مزدردا ريقه : وكان يمسك يدك بيده ؟
لم أرد عليه،، فسؤاله سؤال مراهق وساذج لا يجدر أن يطرحه رجل تجاوز الثلاثين.
فصرخ بأعلى صوته : ردي على سؤالي.
لم أرد،، فصفعني على وجهي.
نظرت إليه،، فوجدت الندم على محياه،، حاول أن يعتذر،، فصددته بعنف. وهرولت مذهولة إلى غرفتي وأقفلت على نفسي الباب.
ظللتُ أردد : ما هذا الحظ العاثر ؟ ماذا فعلت في دنيتي ؟
عاندتْني دموعي وكأنها تصالحتْ مع الغصة التي وقفتْ في حلقي.
طوال حياتي كنت أتمنى أن أجد زوجاً أتفانى في حبه،، ولكن القدر يوقف في طريقي مثل هؤلاء.فالحمد لله على كل شيء.
أختي العزيزة:
إليكِ بقية تفاصيل مأساتي ...
تصالحنا بعد عدة أيام بعد وعد منه بأن لا يتكرر ما حدث.
كان يتحاشى أن يسألني أي سؤال. و أنا أتحاشى أي حديث يأتي على ذكر زواج أو طلاق أو حياتي السابقة ،،
عشت وكأنني على حافة جرف يطل على وادٍ سحيق ،، أيام من التوتر والترقب والتوجس والقلق.
لا أنكر،، أنه طيب وكريم ويحبني ويخاف علي ،، و لكن ليس من حقه أن يسألني عن حياة مضت واندثرت،، كل ما يجب أن يعرفه عني هو أنه تزوجني إمرأة مطلقة عاشت تجربة فاشلة كتجربته مع أم أطفاله..
ثم جاء يوماً و هو ثمل بفعل الخمر، عرفت أنه ستكون وراء الأكمة ما ورائها.
قال : أتحبينني ؟
قلت : إن لم أكن أحبك لما تزوجتك.
قال : و هل أحببت زوجك الأول ؟
هكذا يا أختي،، يتسلل من بين الأسئلة كأفعى مجلجلة ليصل إلى شيء يريد أن يصل إليه وليشبع بقعة ظمأ عقيمة في نفسه لا أدري كنهها وحقيقتها،، و كأنه يريد أن يعاقبني لأنني تزوجت رجلاً قبله. كأنه يريد أن يلعن القدر الذي أوقعه في طريقي من خلال تعذيبي بهذه الأسئلة.
قلت له : لم تتح لنا الفرصة لنصل مرحلة الحب.
قال : إذن لو كانت هناك فرصة لحدث الحب؟
قلت من بين أسناني : أفعاله من البداية دلت على أنه شخص لا يمكن أن تحبه امرأة.
قال : إذن لماذا رضيت به زوجا ؟
قلت : قسمة ونصيب ،، ألا تؤمن بهما، ثم هل يمكن أن تترك هذه السيرة التي تصيبني بالغثيان ؟
فال : أرأيت ؟ لأن جرحك لم يندمل لا تطيقين سيرة زوجك الأول.
قلت بانفعال : أي جرح أيها المعتوه،، لو كانت هناك جروح لعدت له و هو الذي ظل يلهث ورائي و لم يتوقف حتى ظهرت أنت في حياتي،، ثم هل تريدني أن أسرد لك كل يوم سيرة حياته حتى أثبت أن جرحي قد اندمل ؟ أي جرح ؟
وعندما رأى الغضب بادياً على وجهي،، أنسحب وغطّ في نوم عميق.
ظل يمعن في إثارة هذه النقطة كلما سنحت له الفرصة. و إن لم أجاوب على أسئلته،، تنتهي المناقشة بمعركة كلامية أو بالضرب.كان يظن أن هيجاني عند فتح هذا الموضوع سببه حزني على حياتي السابقة رغم أنه يعرف أنني أنا من طلب الطلاق.
ماذا تسمين مثل هذا ؟
لا يدري المسكين أنني أريد أن أنسى كل الماضي وأريده أن يساعدني على النسيان،، ولكنه من حيث لا يدري يأتي بحياتي السابقة كاملة يضعها نصب عيني ويبدأ في تشريحها على منضدة شكه وارتيابه، فيصيب الرذاذ قلبي المثقل وحياتي التي بدأت تميل كشمعة صغيرة في مهب الريح توشك أن تنطفئ نار فتيلها.
أختي العزيزة:
طلبت منه أن يكف عن مثل هذه الأسئلة لو أراد لسفينة حياتنا أن تبحر دون عقبات.
قال و هو يمسك بكلتا يدي : ألا تحسين بغيرتي عليك ؟
قلت في يأس : أتغار من شيء مضى ؟ أقسم لك بأن الرجل لم يحتل أي جزء في حياتي فقد حوّلَ حياتي بعد أيام معدودة إلى كابوس،، واعتبرت نفسي لم أتزوج أصلا وعندما تقدمتَ طالبا الزواج مني،، كنت أخطو كل خطوة معك وكأنني أُزفُّ لأول مرة. هل تصدقني أم لا ؟
قال : أصدقك يا عزيزتي،، ولكنني عندما أتخيل أن رجلاً آخر عاش معك تحت سقف واحد يجن جنوني ،، سامحيني أرجوك.
قلت : إذن هل يحق لي أن أسألك تفاصيل حياتك الزوجية مع طليقتك ؟ وهل يحق لي أن أغار منها و هي التي عاشت معك أكثر من أربعة سنوات وأنجبت لك طفلين ؟ رد على سؤالي أرجوك.
سكت و لم ينطق.
هل أدركت مدى أنانيته يا سعاد؟
ويظل يكرر : سامحيني أرجوك
حتى أشفق عليه أحيانا من كثرة ترديده لهذه الجملة، ويطوقني بذراعيه وأحس كأنه يريد أن يبدأ في بكاء مكتوم.
احترت في أمره، يغمرني بحب وعطف، ثم فجأة يطلق سهام أسئلته التي تصيبني بالدوار.
أتعتقدين أنه يحبني حباً شديداً ولكنه في قرارة نفسه الذاخرة بالأنانية والتسلُّط نادم على أنني كنت متزوجة من رجل آخر ؟ لو كان هذا صحيحا، ماذا نسمي هذا ؟ في اعتقادي هو الجنون بعينه.
وسارت الحياة بيننا هادئة لا ينغصها شيء، وعذرته على أسئلته وظننت أنني قد أفحمته بكلامي الأخير.
ولكن يبدو أنني كنت واهمة.
قال لي يوماً : لم تصرين على ارتداء هذا الفستان دائماً ؟
قلت : عزيز على نفسي جداً.
قال دونما تفكير : هل اشتراه لك هو ؟
قلت : من هو ؟
قال : من غيره ؟ زوجك الأول ؟
هوتْ كلماته كالمطرقة على رأسي.
قلت والشرر يتطاير أمام عيني : ما رأيك أنت ؟ بعد كل الذي قلته لك أتظن أنني أحتفظ بذكرى منه ؟
قال ببرود يجيده تماما : ربما
قلت : إذن لا داعي لأن نعيش سوياً.
قال : أنا أعرف أنك لا زلت تذكرينه.
قلت : نعم، أذكره فقط عندما تذكره أنت، الفضل لك أنت أولا وأخيرا، تذكرني به دائما وكأنك ليس زوجي، وكأنك في سباق معه للوصول إليّ رغم أنك زوجي وهو طليقي الذي أجبرتُه على طلاقي، أمرك غريب ومحير، هل أسألك سؤالاً ؟ هل تذكر كم مرة قلت لي أن زوجتك قالتْ وفعلتْ ؟ و هل تذكر كم مرة قلت لي أنك هاتفتها للاطمئنان على أولادك ؟ لثقتي بك فقط لم تتملكني الغيرة ، لثقتي بأن حياتك معها كانت لا تطاق لم أسألك عن كُنْه محادثاتك معها، فلماذا هذا الموال الذي تردده كل يوم رغم أنني لا أملك شيئاً أتذكر به طليقي غير أسئلتك عنه ؟
قال : هل تريدين القول بأنك لم تقضي معه أياما حلوة ؟ ألم يقل أنه يحبك وقلت له بأنك كذلك ؟ ألم تخافي عليه إن مرض ؟ ألم تسهري على راحته ؟ ألم ........ و هل .. و ......
وانطلقت منه عشرات الأسئلة التي يمنعني حيائي أن أكتبها لك، و لكنه لحظتها كان قد سقط من نظري نهائياً، ولفظه قلبي بلا رجعة، ووقفت أستمع إلى صوته وكأنه يأتيني عبر مكبر للصوت في غرفة فارغة.
أسكتُّه بحركة من يدي و قلت له : رغم أن كل ما تقوله لم يحدث، و لكن هَب أنه حدث، أليس من حقي كزوجة أن أقوم بكل ذلك حيال زوج اخترته بمحض إرادتي ؟ ألم تقم زوجتك بذلك نحوك ؟ ألم تقم أنت حيال زوجتك بكل هذا؟ هل ستتوقف طليقتك عن الزواج لأنها أحبتك يوماً ومارست معك حقوقها ؟ أتريد أن تعاقبني على حياة زوجية فاشلة وتريد أن تجردني في خيالك المريض حتى من أبسط حقوق المعاشرة الزوجية في حياة سابقة ؟ داخل خيالك المريض تريدني، و لكن عقلك الباطن يصور لك بأنني أوزع مشاعري، تارة له في خيالي ثم لك أنت الماثل أمامي.. هل تقصد أنني كمطلقة كان يجب أن تكون علاقتي الزوجية مع طليقي علاقة مع وقف التنفيذ لأن حضرتكم سيأتي يوماً ما بعد طلاقه ليتزوجني ؟ كنت تريدني أن أكون عذراء حتى في مشاعري وتصرفاتي والوفاء بحقوق الزوجية ؟ هذه ليست بغيرة ، هذا مرض، أنت مريض. تحتاج بالفعل إلى علاج.
طوال حديثي هذا كان ينهال علي بالضرب حتى تعب هو و ليس أنا ،، عرفت أنني لمست موضع الداء فيه و ضغطتُ على أورام مرضه النفسي بيدي ،،،،
ثم واصلت حديثي :
طلقني الآن إن كنت رجلاً ،، طلقني وأذهب وأبحث عن زوجة تجدها محفوظة ومعلبة في انتظارك مكتوب على جبينها أنها صنعت خصيصاً لك، أو أذهب وتصالح مع أم أطفالك فأنا قد عرفت الآن أنك أنت الذي حول حياتها إلى جحيم.
و قد كان ، طلقني بهدوء.
...
ها قد عرفت كل شيء ،، فأرجوك أختي العزيزة لا تسألينني شيئاً عندما أحضر. صمتك وصمت أهلي عند مقابلتي سيعفيني من الالتفات خلفي ومشاهدة شريط هذا الكابوس الذي كُتِبَ عليْ.
كما أرجو أن يقرأ خطابي هذا كل أهل البيت حتى يوفروا على أنفسهم مشقة السؤال والاستماع إلى هذا الجنون، ويعفونني من الألم الذي ينهش قلبي.
محبتي لكم جميعا ،، و لا تقلقي أختي سعاد ،، فأنا ما زلت قوية ومتماسكة وإيماني بالله قوي وثقتي في نفسي لا تحدها حدود.
سلام إلى حين اللقاء.
***
أختك المنعتقة من رِبْقة عبودية إختياريه.
أبعث إليكم أطيب تحياتي وسلامي الكثير وأشواقي.
أما الشوق،، فسأطفئ ناره قريبا لأنني حزمت حقائبي وحاجياتي وسأكون معكم قريباً.
إنها مسألة وقت لإنهاء إجراءات الطلاق. نعم يا سعاد الطلاق. فلا تستغربي حتى تسمعي تفاصيل الأسباب.
سأنفصل عن زوجي الثاني، ولا أسف عليه.
أعرف أنك ستصابين بدهشة كبيرة وإحباط أكبر.
ولكن أقسم بالله ليس بيدي شيء..
زوجي الأول أنت تعرفين قصته تماما،، وكيف أنقلب إلى وحش وتجرّد من آدميته بعد شهر من الزواج، فكان لا بد من الطلاق، بعد أن إقتنعت الأسرة بالانفصال دون تردد.
أما هذا يا سعاد فأمره عجيب وغريب ومريب،، بل مريض يحتاج إلى علاج.
إنه لغز يمشي على قدمين.
تذكرين والأسرة بأنه :
كان متزوجا وله طفلين من زوجته التي طلقها،
وأنه قال لنا أنها حوّلتْ حياته إلى جحيم. ( وكانت كذبة انطلت علينا ).
وعندما تقدم للزواج مني،، ذكّرْتُه بضرورة أن نعرف بعضنا البعض تماماً لأنني لا أريد أن أكرر التجربة. وكنتِ أنت مَن شدّد على تنفيذ هذا الشرط.
وأدّعى بأنه يعرفني جيدا،، و أنه رجل مثل كتاب مفتوح للكل،، و لا نحتاج إلى وقت طويل للتعارف.
وتذكرين بالطبع أنني مكثتُ حوالي الستة أشهر أحاول أن أدلف إلى دواخله قبل أن أوافق عليه. وللأسف الظواهر كانت مشجعة جدا، لذا أعطيناه الضوء الأخضر و تم الزواج.
يعرف هو تماماً كيف تزوجتُ و كيف تم طلاقي من زوجي الأول.
و إلى هنا كل شيء طبيعي وعادي.
ومرت الشهور الأولى كلها شهور عسل، دَلَقَ على حياتي طمأنينة مغلفة بالشفقة والحنان.
حمدت الله أن عوضني خيراً عن صبري.
ثم بدأتْ المنغصات تأخذ طريقها إلى حياتي رويداً رويداً.
فاجئني يوماً بسؤال كان كضربة من فأس على الرأس
قال وهو يتشاغل بصحيفة بيده : أحكي لي عن حياتك السابقة.
نظرت إليه طويلا قبل أن أقول له : ماذا تقصد ؟
قال بسرعة : أقصد حياتك السابقة،، زوجك الأول،، كيف قابلتيه،، و أين ؟ و بقية القصة.
أجبته : و ما الفائدة التي ستجنيها من حكاية نسيتها وصارت طي النسيان ؟
قال : أريد أن أعرف فقط.
قلت : لا طائل من معرفتك لموضوع انتهى أمره ونسيته أنا تماماً.
فامتقع وجهه و قال : ذكرى مؤلمه أليس كذلك ؟ لا تريدين نبْش الجراح.
غاص قلبي بين قدمي يا سعاد وقتها.
سكتُّ و لم أرد و أنا في حالة ذهول تام.
قال : أنا مُصِر على سماع الحكاية.
فقلت في نفسي،، لأحكي له ولأرى ماذا يريد.
فحكيت له أنه كان زميلي بالعمل أعجبني خلقه واحترامه وأدبه،، فتقدم لي ووافقت ثم تزوجنا وعندما وجدته عكس ما كان،، طلبت منه الطلاق.
اختزلتُ الفترة البسيطة التي عشتها مع زوجي الأول في كلمات بسيطة وبالشكل الذي يهمه.
فقال المجنون : ألم تخرجي معه ؟
قلت بثقة : كثيراً
قال في بلاهة مزدردا ريقه : وكان يمسك يدك بيده ؟
لم أرد عليه،، فسؤاله سؤال مراهق وساذج لا يجدر أن يطرحه رجل تجاوز الثلاثين.
فصرخ بأعلى صوته : ردي على سؤالي.
لم أرد،، فصفعني على وجهي.
نظرت إليه،، فوجدت الندم على محياه،، حاول أن يعتذر،، فصددته بعنف. وهرولت مذهولة إلى غرفتي وأقفلت على نفسي الباب.
ظللتُ أردد : ما هذا الحظ العاثر ؟ ماذا فعلت في دنيتي ؟
عاندتْني دموعي وكأنها تصالحتْ مع الغصة التي وقفتْ في حلقي.
طوال حياتي كنت أتمنى أن أجد زوجاً أتفانى في حبه،، ولكن القدر يوقف في طريقي مثل هؤلاء.فالحمد لله على كل شيء.
أختي العزيزة:
إليكِ بقية تفاصيل مأساتي ...
تصالحنا بعد عدة أيام بعد وعد منه بأن لا يتكرر ما حدث.
كان يتحاشى أن يسألني أي سؤال. و أنا أتحاشى أي حديث يأتي على ذكر زواج أو طلاق أو حياتي السابقة ،،
عشت وكأنني على حافة جرف يطل على وادٍ سحيق ،، أيام من التوتر والترقب والتوجس والقلق.
لا أنكر،، أنه طيب وكريم ويحبني ويخاف علي ،، و لكن ليس من حقه أن يسألني عن حياة مضت واندثرت،، كل ما يجب أن يعرفه عني هو أنه تزوجني إمرأة مطلقة عاشت تجربة فاشلة كتجربته مع أم أطفاله..
ثم جاء يوماً و هو ثمل بفعل الخمر، عرفت أنه ستكون وراء الأكمة ما ورائها.
قال : أتحبينني ؟
قلت : إن لم أكن أحبك لما تزوجتك.
قال : و هل أحببت زوجك الأول ؟
هكذا يا أختي،، يتسلل من بين الأسئلة كأفعى مجلجلة ليصل إلى شيء يريد أن يصل إليه وليشبع بقعة ظمأ عقيمة في نفسه لا أدري كنهها وحقيقتها،، و كأنه يريد أن يعاقبني لأنني تزوجت رجلاً قبله. كأنه يريد أن يلعن القدر الذي أوقعه في طريقي من خلال تعذيبي بهذه الأسئلة.
قلت له : لم تتح لنا الفرصة لنصل مرحلة الحب.
قال : إذن لو كانت هناك فرصة لحدث الحب؟
قلت من بين أسناني : أفعاله من البداية دلت على أنه شخص لا يمكن أن تحبه امرأة.
قال : إذن لماذا رضيت به زوجا ؟
قلت : قسمة ونصيب ،، ألا تؤمن بهما، ثم هل يمكن أن تترك هذه السيرة التي تصيبني بالغثيان ؟
فال : أرأيت ؟ لأن جرحك لم يندمل لا تطيقين سيرة زوجك الأول.
قلت بانفعال : أي جرح أيها المعتوه،، لو كانت هناك جروح لعدت له و هو الذي ظل يلهث ورائي و لم يتوقف حتى ظهرت أنت في حياتي،، ثم هل تريدني أن أسرد لك كل يوم سيرة حياته حتى أثبت أن جرحي قد اندمل ؟ أي جرح ؟
وعندما رأى الغضب بادياً على وجهي،، أنسحب وغطّ في نوم عميق.
ظل يمعن في إثارة هذه النقطة كلما سنحت له الفرصة. و إن لم أجاوب على أسئلته،، تنتهي المناقشة بمعركة كلامية أو بالضرب.كان يظن أن هيجاني عند فتح هذا الموضوع سببه حزني على حياتي السابقة رغم أنه يعرف أنني أنا من طلب الطلاق.
ماذا تسمين مثل هذا ؟
لا يدري المسكين أنني أريد أن أنسى كل الماضي وأريده أن يساعدني على النسيان،، ولكنه من حيث لا يدري يأتي بحياتي السابقة كاملة يضعها نصب عيني ويبدأ في تشريحها على منضدة شكه وارتيابه، فيصيب الرذاذ قلبي المثقل وحياتي التي بدأت تميل كشمعة صغيرة في مهب الريح توشك أن تنطفئ نار فتيلها.
أختي العزيزة:
طلبت منه أن يكف عن مثل هذه الأسئلة لو أراد لسفينة حياتنا أن تبحر دون عقبات.
قال و هو يمسك بكلتا يدي : ألا تحسين بغيرتي عليك ؟
قلت في يأس : أتغار من شيء مضى ؟ أقسم لك بأن الرجل لم يحتل أي جزء في حياتي فقد حوّلَ حياتي بعد أيام معدودة إلى كابوس،، واعتبرت نفسي لم أتزوج أصلا وعندما تقدمتَ طالبا الزواج مني،، كنت أخطو كل خطوة معك وكأنني أُزفُّ لأول مرة. هل تصدقني أم لا ؟
قال : أصدقك يا عزيزتي،، ولكنني عندما أتخيل أن رجلاً آخر عاش معك تحت سقف واحد يجن جنوني ،، سامحيني أرجوك.
قلت : إذن هل يحق لي أن أسألك تفاصيل حياتك الزوجية مع طليقتك ؟ وهل يحق لي أن أغار منها و هي التي عاشت معك أكثر من أربعة سنوات وأنجبت لك طفلين ؟ رد على سؤالي أرجوك.
سكت و لم ينطق.
هل أدركت مدى أنانيته يا سعاد؟
ويظل يكرر : سامحيني أرجوك
حتى أشفق عليه أحيانا من كثرة ترديده لهذه الجملة، ويطوقني بذراعيه وأحس كأنه يريد أن يبدأ في بكاء مكتوم.
احترت في أمره، يغمرني بحب وعطف، ثم فجأة يطلق سهام أسئلته التي تصيبني بالدوار.
أتعتقدين أنه يحبني حباً شديداً ولكنه في قرارة نفسه الذاخرة بالأنانية والتسلُّط نادم على أنني كنت متزوجة من رجل آخر ؟ لو كان هذا صحيحا، ماذا نسمي هذا ؟ في اعتقادي هو الجنون بعينه.
وسارت الحياة بيننا هادئة لا ينغصها شيء، وعذرته على أسئلته وظننت أنني قد أفحمته بكلامي الأخير.
ولكن يبدو أنني كنت واهمة.
قال لي يوماً : لم تصرين على ارتداء هذا الفستان دائماً ؟
قلت : عزيز على نفسي جداً.
قال دونما تفكير : هل اشتراه لك هو ؟
قلت : من هو ؟
قال : من غيره ؟ زوجك الأول ؟
هوتْ كلماته كالمطرقة على رأسي.
قلت والشرر يتطاير أمام عيني : ما رأيك أنت ؟ بعد كل الذي قلته لك أتظن أنني أحتفظ بذكرى منه ؟
قال ببرود يجيده تماما : ربما
قلت : إذن لا داعي لأن نعيش سوياً.
قال : أنا أعرف أنك لا زلت تذكرينه.
قلت : نعم، أذكره فقط عندما تذكره أنت، الفضل لك أنت أولا وأخيرا، تذكرني به دائما وكأنك ليس زوجي، وكأنك في سباق معه للوصول إليّ رغم أنك زوجي وهو طليقي الذي أجبرتُه على طلاقي، أمرك غريب ومحير، هل أسألك سؤالاً ؟ هل تذكر كم مرة قلت لي أن زوجتك قالتْ وفعلتْ ؟ و هل تذكر كم مرة قلت لي أنك هاتفتها للاطمئنان على أولادك ؟ لثقتي بك فقط لم تتملكني الغيرة ، لثقتي بأن حياتك معها كانت لا تطاق لم أسألك عن كُنْه محادثاتك معها، فلماذا هذا الموال الذي تردده كل يوم رغم أنني لا أملك شيئاً أتذكر به طليقي غير أسئلتك عنه ؟
قال : هل تريدين القول بأنك لم تقضي معه أياما حلوة ؟ ألم يقل أنه يحبك وقلت له بأنك كذلك ؟ ألم تخافي عليه إن مرض ؟ ألم تسهري على راحته ؟ ألم ........ و هل .. و ......
وانطلقت منه عشرات الأسئلة التي يمنعني حيائي أن أكتبها لك، و لكنه لحظتها كان قد سقط من نظري نهائياً، ولفظه قلبي بلا رجعة، ووقفت أستمع إلى صوته وكأنه يأتيني عبر مكبر للصوت في غرفة فارغة.
أسكتُّه بحركة من يدي و قلت له : رغم أن كل ما تقوله لم يحدث، و لكن هَب أنه حدث، أليس من حقي كزوجة أن أقوم بكل ذلك حيال زوج اخترته بمحض إرادتي ؟ ألم تقم زوجتك بذلك نحوك ؟ ألم تقم أنت حيال زوجتك بكل هذا؟ هل ستتوقف طليقتك عن الزواج لأنها أحبتك يوماً ومارست معك حقوقها ؟ أتريد أن تعاقبني على حياة زوجية فاشلة وتريد أن تجردني في خيالك المريض حتى من أبسط حقوق المعاشرة الزوجية في حياة سابقة ؟ داخل خيالك المريض تريدني، و لكن عقلك الباطن يصور لك بأنني أوزع مشاعري، تارة له في خيالي ثم لك أنت الماثل أمامي.. هل تقصد أنني كمطلقة كان يجب أن تكون علاقتي الزوجية مع طليقي علاقة مع وقف التنفيذ لأن حضرتكم سيأتي يوماً ما بعد طلاقه ليتزوجني ؟ كنت تريدني أن أكون عذراء حتى في مشاعري وتصرفاتي والوفاء بحقوق الزوجية ؟ هذه ليست بغيرة ، هذا مرض، أنت مريض. تحتاج بالفعل إلى علاج.
طوال حديثي هذا كان ينهال علي بالضرب حتى تعب هو و ليس أنا ،، عرفت أنني لمست موضع الداء فيه و ضغطتُ على أورام مرضه النفسي بيدي ،،،،
ثم واصلت حديثي :
طلقني الآن إن كنت رجلاً ،، طلقني وأذهب وأبحث عن زوجة تجدها محفوظة ومعلبة في انتظارك مكتوب على جبينها أنها صنعت خصيصاً لك، أو أذهب وتصالح مع أم أطفالك فأنا قد عرفت الآن أنك أنت الذي حول حياتها إلى جحيم.
و قد كان ، طلقني بهدوء.
...
ها قد عرفت كل شيء ،، فأرجوك أختي العزيزة لا تسألينني شيئاً عندما أحضر. صمتك وصمت أهلي عند مقابلتي سيعفيني من الالتفات خلفي ومشاهدة شريط هذا الكابوس الذي كُتِبَ عليْ.
كما أرجو أن يقرأ خطابي هذا كل أهل البيت حتى يوفروا على أنفسهم مشقة السؤال والاستماع إلى هذا الجنون، ويعفونني من الألم الذي ينهش قلبي.
محبتي لكم جميعا ،، و لا تقلقي أختي سعاد ،، فأنا ما زلت قوية ومتماسكة وإيماني بالله قوي وثقتي في نفسي لا تحدها حدود.
سلام إلى حين اللقاء.
***
أختك المنعتقة من رِبْقة عبودية إختياريه.
تعليق