رغبةٌ أخيرة . الى أطفال غزة

تقليص
X
 
  • تصفية - فلترة
  • الوقت
  • عرض
إلغاء تحديد الكل
مشاركات جديدة
  • أحمد عيسى
    أديب وكاتب
    • 30-05-2008
    • 1359

    رغبةٌ أخيرة . الى أطفال غزة

    رغبةٌ أخيرة


    الى الشهيد الطفل : عبدالرحمن وأطفال غزة الشهداء



    تقهقرت الشمس قليلا ، بدت كأنها تسقط بغتة ، ببعض نور لم يزل بعد تظهر الأشياء دون وضوح تام ، أجسامٌ صغيرةٌ محمولةٌ على الأكف ، أرواح تتداعى ، ونجومٌ تخفت وأخرى تضاء ، حركة لا تنتهي في مكان ضيق ، واسعٌ جداً بما يحويه من أرواح ، أكثر رحابة من الحياة ذاتها !
    يتراجع د. مجدي من هول المشاهد ، يفرك عينيه المتعبتين ، يذهب ليغسل وجهه المرهق ، المشفى يهتز بعنفٍ من وقع الضربات التي لا تتوقف ، مشاهد الأطفال لا تفارق مخيلته ، كم أشتاقك يا عب الرحمن !
    عائلات بأكملها ممددة على الأسرة ، بين قتيل وجريح ، صراخٌ لا ينتهي ، زغاريد خفية ، يرقص شبح الموت على أنغام الطبول ، وصوت الرصاص ، ووقع القصف الذي لا ينتهي أبداً ..
    أمام مكتبه يجلس ، يتساقط فوق كرسيه متعباً ، لحظة انهيار بعد أيام لم يذق فيها طعم الراحة ..
    يزعجه أن يرى الأشياء واضحة هكذا ، دون زيف أو تصنع ، الصورة واضحة غير مقلوبة ، هؤلاء يتصرفون على طبيعتهم ، لأنهم لا يجدوا وقتاً لرفاهية التصنع ، لقد ولد هؤلاء .. ليموتوا ..
    تعود دائماً أن يتأمل سخرية الحياة ، أن يتعلم درساً من اختلافها ، واختلاف طرائق الموت في مباغتة ضحاياه ، وفاة داهمة بسكتة قلبية \ حادث سير\ مشاجرة عائلية \ غرق \ حريق منزلي ، وسائل وأشياء تتصنعها الحياة لكي تغتال أحداً ، قدرٌ ولا شك ، يجعل الاختلاف بين الناس في الحياة والموت ، طبيعة .
    الأجساد المسجاة أمامه اليوم ، تعلن توحداً في الموت ، كما كان في الحياة .
    انه المصير الواحد ، بذات الوسيلة والكيفية وبنفس الأداة .
    كم يلزمك من الشجاعة ، يقولها محدثاً نفسه المتعبة . لتشيع حبيباً ؟
    وماذا يلزمك ؟ من انفعالات لتعبر بها عن ذاتك ، وأنت تحفر قبراً ، وتضع رخاماً ، لتدفن أعز الناس إلى قلبك ؟
    يستفيق من غفوته ، على وقع انفجار عاشر بعد الألف ، ينتفض قليلاً وقد تعود هذا الصوت ، حتى أصبح يتساءل ، عندما تمضي دقيقة دون انفجار ، ماذا هناك ؟ وأي أمرٍ طارئ مخيف ، جعل القصف على غزة يتوقف ؟
    استر يا رب .
    يقف ، يغسل وجهه ، ومن خلفه استغاثة أحد الممرضين ، موجة جديدة من الشهداء ، وبينهم –كالعادة – أطفالاً في عمر الزهور ، الزهور التي ذبلت خوفاً ..
    ***
    - لا تخرج يا والدي
    يتمسك به عبد الرحمن ، يتشبث به بقوة غريبة ..
    يزيحه والده برفق ، انه واجبي يا صغيري ، وهو استدعاء طارئ ولا شك ، ربما ليلة واحدة وأعود إليك .
    يبتسم ، مرغماً ، وتتراخى قبضته حول ذراع والده ..
    - ماذا تحب أن أحضر لك ؟
    تتلاشى الابتسامة ، يجفل مع وقع الانفجار الثاني ، ويقول بصوت متهدج :
    - فقط أريدك أنت .. أن تعود لي .


    ***
    غرفة الطوارئ مكتظة ، عن آخرها ، والأجساد متلاصقة ، يصعب أن تميز بين الجرحى والشهداء ، فكلهم هناك ، كلهم تشع أجسادهم عبيرا ، كلهم ينزفون ، بدماءٍ من لونٍ .. واحدْ .
    وهو يهرول ، ليتفقد أحد الشهداء الصغار ، تصلب شعر رأسه بغتة ، شعورٌ غريب يعتريه أن ثمة مصيبة .. قادمة .
    الجسد أمامه ملقى على ظهره ، وجهه مغطى بالغبار بع انتشاله من ركام منزله ، قميصه الأزرق ممزق ، قميصه الأزرق !
    " فقط أريك أنت .. أن تعود لي "
    الدموع تتجمد في مقلتيه ، يفحص صدر الطفل ، لا نبض
    يمسح بكفيه وجهه الصغير ، يزيح الغبار عنه ، تتبدى رويداً رويداً ، ملامح طفلٍ تركه منذ ثمانية أيامٍ وحيداً ، مع زوجته الصابرة ، في منزلٍ بعيدٍ عن كل بؤر التوتر ، منزلٍ لم يعد اليوم ، كما كان .
    يحاول أن ينعشه ، أن يعطيه دفقة حياة ، يصرخ بما أوتي من قوة ، يتجمد المشهد في قاعة الطوارئ ، حتى المصابين ، يرقبوا المشهد في دهشة ، وزملائه من الأطباء ، والممرضين ، يهرعون ليواسوه ، يتساقط أمام جثة الصغير ، يحمله بين يديه ، يبكيه ، ترتعد فرائصه وهو يتخيل لحظة كان يخشاها ، حين يواريه التراب ، ويتركه هناك ، وحيدا ..
    يقبله في جبينه ، ويصرخ :
    - وداعاً يا عبدالرحمن .
    وبصوتٍ كالذهول يقول :
    - ليتني أهديك عمري
    ويرد الطفل ذات حياة :
    " فقط أريدك أنت .. أن تعود لي "


    ***


    غزة
    22 نوفمبر
    معركة حجارة السجيل
    التعديل الأخير تم بواسطة أحمد عيسى; الساعة 22-11-2012, 12:13.
    ” ينبغي للإنسان ألاّ يكتب إلاّ إذا تـرك بضعة من لحمه في الدّواة كلّما غمس فيها القلم” تولستوي
    [align=center]أمــــوتُ .. أقـــــاومْ [/align]
  • ريما ريماوي
    عضو الملتقى
    • 07-05-2011
    • 8501

    #2
    رحم الله شهداء غزة ...عنوان الصمود والإباء...
    وضع حزين جدا.. اعتادوا وتعودنا عليه مرغمين..
    وبإبائهم المجيد وبدماء شهدائهم أفضل العبر.

    النص حزين، تعاطفت مع الدكتور وحزنه على
    ابنه عبد الرحمن قلبا وقالبا...

    تحيتي وتقديري.


    أنين ناي
    يبث الحنين لأصله
    غصن مورّق صغير.

    تعليق

    • ليندة كامل
      مشرفة ملتقى صيد الخاطر
      • 31-12-2011
      • 1638

      #3
      السلام عليكم
      قصة حزينة أدرفت الدموع على أهل غزة
      استطعت في سطور قليلة ايصال لنا مدى القهر الذي يعشونه كان الله بعونها
      وبعون ابناءها تقديري
      http://lindakamel.maktoobblog.com
      من قلب الجزائر ينطلق نبض الوجود راسلا كلمات تتدفق ألقا الى من يقرأها

      تعليق

      • سمير طبيل
        عضو الملتقى
        • 04-12-2007
        • 120

        #4
        رحم الله عبد الرحمن والهم والده الصبر والسلون
        فانا اشهد للدكتور مجدي نعيم بانه انسان في زمن
        لاوجود لهذه الكلمة في قاموسه
        تحياتي
        التعديل الأخير تم بواسطة سمير طبيل; الساعة 26-11-2012, 10:31.

        تعليق

        يعمل...
        X