حُب الأعمى
حينما أظلمت الدنيا وبقيت وحدى فى سجن أبدى، لايعرفة كائن بشرى إلاّ من ولج داخله. سجن العتمة المفروضة عليّ. سجن بلا حراس بلا أبواب، سجن تقبع فى ظلماته وحدك، سجن دخلته دون إرادتى، فقدت بصرى فى ذلك الصباح الذى لم أر شروقا للشمس بعده، أختفت كل معالم الدنيا من أمامى عندما سقط من صهوة حصانى هويت منهارًا فوق رأسى. ذهب بصرى فشعرت أن العالم يتدحرج إلى محيط الظلمة وبقيت وحدى فى زوايا الكفيف المشتعلة.
قدمت زينه ابنة العشرين ربيعا مع أمها لتعيش فى بلدتنا الوادعة فى أحضان الرمال، يحفها النهر فى جنباتها فيبعث الحياة فى ربوعها. كانت بلدتنا تضم سكانها فى إلفة ومودة، الناس متصالحون مع الأرض والأرض معطاءة. متصالحون مع أنفسهم، فما زالوا يعاملوننى كالمُبصر، لم تحرمنى الإعاقة من المضى قدما فى حياتى، ولكن كنت أتعس عندما تعبرنى الحياة دون أحلامى التى تركتها معلقة على هاوية السقوط والنسيان بعد أن كانت تعانق السماء، تمر قطارات الليل وأنا وحيد وحزين يشتعل قلبى يتوق إلى الحب.
كانت زينة حديث شباب البلدة الصغيرة. جمالها الأخاذ، ورقتها تحاكى النسائم المارة عبر الحقول الخضراء تلثمها فتزداد إخضرارا ونماء، هكذا يصفونها، لقد أحببتها بعين الخيال. كنت كل صباح أزور منزلهم، أتبادل السمر معها حين يكون كل أهل البلدة منشغلين فى معيشتهم. تلاشت وحدتى عندما صرت مقربا منها، وكانت تعاملنى برفق بالرغم من كراهيتى الشفقة، ولكن قبلتها منها. غازلتها ذات صباح بقولى :كل الجمال وهبه الله لك وحدك.
فسالتنى: كيف عرفت أنى جميلة..
فقلت لها: أنا أراك ببصيرتى وبصيرة الأعمى لاتكذب...
قالت:( فى دلال) صفّنى...؟
قلت لها: أنت خلاسية، بعض عربىّ وبعض زنجيّ... فى لونك القمح وشعرك الحرير... وخليط من هذا وخليط من ذاك وطلّ هذا القمر...
كانت تتقبل كل هذا بصدر رحب مما أشعل فتيل العواطف فى قلبى حتى كاد أن ينفجر.
ذات يوم وأنا العاشق الولهان، جلست وحيدًا بعيدًا على ربوة رملية فى طرف الشاطئ البعيد ، إجتر صوتها عندما يسرى فى أذنى، فتستحوذنى العتمة، فأحاول طرد اللحظة البهية من مخيلتى خوفا من القادم عبر ممرات الأيام. حتى شعرت بيد تربت على كتفى فجفلت خوفا، إذ لا أتوقع أحدًا يقطع علىّ خلوتى. ولكنها.. دُهشت عندما صافحتها وقلت لها : زينة.. يا زينة الجمال... أى ريح طيب سار بك إلى هنا.
.قالت بضحكتها التى تهز كيانى: كيف عرفتنى؟
قلت لها : أعرفك من رائحتك فقد هبت نسمة وحملت لى رائحتك فظننتها خيالا...
ضحكت وقالت : أنا لم أضع عطرا...
قلت لها : لا أقصد العطر وانما رائحة جسدك الذى يفوح منه المسوح الذى تضعينه، حتى صار جزءًا من رائحتك تتميزين به. ونحن غير المبصريين نستخدم حواسنا، ونوقظها لتساعدنا فى التعرف على الأشخاص. أنا أميز الناس بروائح أجسادهم مثل البصمة عندى.
جلسنا نتجاذب أطراف الحديث فوق تلك الربوة...فجاءة أبت الطبيعة إلّا أن تشاركنا بذخات مطرخفيفة بللتنا ولم نتحرك...إ متد بنا حديث الوداد وتطاولت كلماتنا كالأزهار، ولو أن ما أحسه إنتقل اليها لأشتعلت وعدا وحبا وتمنْى. كنت أخاف من هذه اللحظة التى أبوح فيها، فتضج البلدة وتحاصرنى العيون المبصرة. كل هذه الثقة التى جعلتنى أدخل المنازل دون إذن هى أننى أعمى، لن أكشف ستر الحرمات. وليتهم يعلمون أن الحب أحساس قائم خلق فى كل الكائنات. أنا اليوم إكتشفت حبى الكبير .
عندما أوشكت الشمس أن تودع النهار منسحبة تاركة لليل مكانها ...ذهبت زينة لمنزلها.وعدت أنا من حيث أتيت.أغالب وحدتى وحيرتى..توسلت الى الله أن يربطنى بزينة برباط مقدس لأتكئ على ساعدها وأبصر بعينيها الحياة.
لقد حرمت من نعمة البصر ولكن الله عوضنى صوتًا جميلًا شجيًا فى الغناء، وأُذنا موسيقية وإحساس شاعر فذ أغرض القصيد كلما أُستفذت قريحتى، ناجيتها فى الأحلام ورأيت نفسى أغنى لها وهى تتمايل كغصن البان عندما يداعبه الريح. لقد غزت زينة عالمى الشائك وتعددت لقاءتنا فوق الربوة. غنيت لها كثيرا فأدمنت صوتى، وصارت تأتى قبل الميعاد فى ربوة حبنا. أسمعتها مشاعر فنان أعمى تمور دواخله بمشاعر الخوف والفرح الجميل، لقد سرقت اللحظات من زمنى الصعب وعشتها كما ينبقى، حتى صرت أخال نفسى مبصر. لقد تسربت زينة فى مساماتى وأصبحت أهم من الهواء الذى أتنفسة بالضرورة .
سرقنا الوقت ذات يوم ولم نشعر بالزمن يقطعنا حتى جاء المساء يرفل فى حلته، وبزغ قمر فى صفحة السماء إنعكس ضياؤه الفضى على موج النهر قرب الربوة، كانت زينة تصف لى كل الجمال الذى تشاركنا به الطبيعة الساحرة، شيئا قويا يجعلنا نمكث فى هذه الربوة ساعات طوال ولكن بعمر اللحظة والمشاعر تتدفق ألوانا نجده قصيرا، فى تلك الليلة غنيت لها من أعماق نفسى الحان إنبثقت تترى، وجلسنا نردد الكلمات المموسقة:عود إلينا ... ياليل الفرح....
أنار القمر الشاطئ الممتد، وصوت الأمواج المتنوعة العصوف ترتطم بالشاطى وترتد، ناثرة رذاذ الماء كالبلور فوق أجسادنا وكنا نلعق بلورات الماء المتساقطة فوق وجوهنا، عندما كنت إقترب منها كان عالمى يتدحرج نحو بقعة مضيئة ملونة، أجد نفسى فيها محلقا فى عوالم أخرى وقد أختفى الكون إلّا هى . ونحن فى غفوتنا والحب مشتعل، أفقنا على أصوات تهدد وتتوعد هجم علينا نفر من البلدة. بعد أن إهتزت أسلاك المدينة معلنة غياب زينة من المنزل وانطلق الأهالى فى البحث عنها .
لم تهرب وتتركنى فقد إنهالوا على بالضرب والسب، وهى تصرخ وتدافع عنى، ولم أ،سمع شيئا بعد صراخها فقط أشعر بافواج من البشر يتراكمون فوقى، وجوه تقترب وتبتعد الكل يريد أن يثار لزينة...
وهى تصرخ : أتركوه.. أتركوه ...
أفقت من تلك الغيبوبة وأنا طريح الفراش فى منزل جَدّى، الذى ربانى وعلمنى الفروسية، تحسست يده الحانية وضممتها الى صدرى معتذرا له: أغفر لى ياجَدى هذة السِقطة.. ماكنت أظن إن الحب يمكن أن يواجه بهذا العنف.
قال جَدّى بصوته المتهدج كاد أن يبكى: ليست سقطة يابنىّ ولكنه قانون المجتمع...
قلت له حزينا: هل كتب على سجن البصر وسجن القلب أنا أحبها ياجَدّى...
صمت جدى برهةثم قال: هل هى تُحبك...؟
قلتها متلهفا: نعم ..نعم..إنها تحبنى. قلبى يحدثنى ذلك...
أفلت جدى يده من قبضتى وطبعة قبلة سريعة فوق جبينى وقال لى: أبشر ..ستكون لك.. صدق العواطف يسمو بالإنسان..
الأبواب موصدة فى وجهينا، وتلك المشاوير التى إعتدنا عليها، قد عبثت بها الأيام. حتى وصلنى رسولها يضئ بالكلمات قلبى المكسور (أنا فى انتظارك .. لن أكون لغيرك). اشتعلت نار العشق مجددا وصرت ألحّ على جدّى ليخبر أهلها. كان يخاف مغبة الرفض العنيف ولكنه مضى اليهم.
أينعت فى قلبى تباريح الهوى وأنا أسير بجوارها . ومددت يدى اليها فإشتعلت قناديل الحب حين لامست أناملها.أ صوات الدفوف ومزامير الفرح، والكل مبتهجٌ مباركين حب قد نما بين تلك المشاوير، التى كنت أتعثر فيها ثم أنهض واقفا، أغرق فى بحر ليس له قرار كي أفوز بقلبها وأنا أعمى. وسماسرة القرب والبعد يجعلون ذلك مستحيلا.
الليلة توجتها ملكة على قلبى مددت لها يدى وقلت هامسا : سأمنحك هذا المساء كل ما أملك..لقد أعدتنى الى الحياة، بعد أن عشت الظلمة وأَهيل التراب على أحلامى، فجعلت المستحيل ممكنا. نحن الذين لانبصر تعجز أجسادنا عن حملنا فحملتِنى إلى عوالمك .
إنتهت الليلة وأبصرت الصباح بقربها.
حُب الأعمى
حينما أظلمت الدنيا وبقيت وحدى فى سجن أبدى، لايعرفة كائن بشرى إلاّ من ولج داخله. سجن العتمة المفروضة عليّ. سجن بلا حراس بلا أبواب، سجن تقبع فى ظلماته وحدك، سجن دخلته دون إرادتى، فقدت بصرى فى ذلك الصباح الذى لم أر شروقا للشمس بعده، أختفت كل معالم الدنيا من أمامى عندما سقط من صهوة حصانى هويت منهارًا فوق رأسى. ذهب بصرى فشعرت أن العالم يتدحرج إلى محيط الظلمة وبقيت وحدى فى زوايا الكفيف المشتعلة.
قدمت زينه ابنة العشرين ربيعا مع أمها لتعيش فى بلدتنا الوادعة فى أحضان الرمال، يحفها النهر فى جنباتها فيبعث الحياة فى ربوعها. كانت بلدتنا تضم سكانها فى إلفة ومودة، الناس متصالحون مع الأرض والأرض معطاءة. متصالحون مع أنفسهم، فما زالوا يعاملوننى كالمُبصر، لم تحرمنى الإعاقة من المضى قدما فى حياتى، ولكن كنت أتعس عندما تعبرنى الحياة دون أحلامى التى تركتها معلقة على هاوية السقوط والنسيان بعد أن كانت تعانق السماء، تمر قطارات الليل وأنا وحيد وحزين يشتعل قلبى يتوق إلى الحب.
كانت زينة حديث شباب البلدة الصغيرة. جمالها الأخاذ، ورقتها تحاكى النسائم المارة عبر الحقول الخضراء تلثمها فتزداد إخضرارا ونماء، هكذا يصفونها، لقد أحببتها بعين الخيال. كنت كل صباح أزور منزلهم، أتبادل السمر معها حين يكون كل أهل البلدة منشغلين فى معيشتهم. تلاشت وحدتى عندما صرت مقربا منها، وكانت تعاملنى برفق بالرغم من كراهيتى الشفقة، ولكن قبلتها منها. غازلتها ذات صباح بقولى :كل الجمال وهبه الله لك وحدك.
فسالتنى: كيف عرفت أنى جميلة..
فقلت لها: أنا أراك ببصيرتى وبصيرة الأعمى لاتكذب...
قالت:( فى دلال) صفّنى...؟
قلت لها: أنت خلاسية، بعض عربىّ وبعض زنجيّ... فى لونك القمح وشعرك الحرير... وخليط من هذا وخليط من ذاك وطلّ هذا القمر...
كانت تتقبل كل هذا بصدر رحب مما أشعل فتيل العواطف فى قلبى حتى كاد أن ينفجر.
ذات يوم وأنا العاشق الولهان، جلست وحيدًا بعيدًا على ربوة رملية فى طرف الشاطئ البعيد ، إجتر صوتها عندما يسرى فى أذنى، فتستحوذنى العتمة، فأحاول طرد اللحظة البهية من مخيلتى خوفا من القادم عبر ممرات الأيام. حتى شعرت بيد تربت على كتفى فجفلت خوفا، إذ لا أتوقع أحدًا يقطع علىّ خلوتى. ولكنها.. دُهشت عندما صافحتها وقلت لها : زينة.. يا زينة الجمال... أى ريح طيب سار بك إلى هنا.
.قالت بضحكتها التى تهز كيانى: كيف عرفتنى؟
قلت لها : أعرفك من رائحتك فقد هبت نسمة وحملت لى رائحتك فظننتها خيالا...
ضحكت وقالت : أنا لم أضع عطرا...
قلت لها : لا أقصد العطر وانما رائحة جسدك الذى يفوح منه المسوح الذى تضعينه، حتى صار جزءًا من رائحتك تتميزين به. ونحن غير المبصريين نستخدم حواسنا، ونوقظها لتساعدنا فى التعرف على الأشخاص. أنا أميز الناس بروائح أجسادهم مثل البصمة عندى.
جلسنا نتجاذب أطراف الحديث فوق تلك الربوة...فجاءة أبت الطبيعة إلّا أن تشاركنا بذخات مطرخفيفة بللتنا ولم نتحرك...إ متد بنا حديث الوداد وتطاولت كلماتنا كالأزهار، ولو أن ما أحسه إنتقل اليها لأشتعلت وعدا وحبا وتمنْى. كنت أخاف من هذه اللحظة التى أبوح فيها، فتضج البلدة وتحاصرنى العيون المبصرة. كل هذه الثقة التى جعلتنى أدخل المنازل دون إذن هى أننى أعمى، لن أكشف ستر الحرمات. وليتهم يعلمون أن الحب أحساس قائم خلق فى كل الكائنات. أنا اليوم إكتشفت حبى الكبير .
عندما أوشكت الشمس أن تودع النهار منسحبة تاركة لليل مكانها ...ذهبت زينة لمنزلها.وعدت أنا من حيث أتيت.أغالب وحدتى وحيرتى..توسلت الى الله أن يربطنى بزينة برباط مقدس لأتكئ على ساعدها وأبصر بعينيها الحياة.
لقد حرمت من نعمة البصر ولكن الله عوضنى صوتًا جميلًا شجيًا فى الغناء، وأُذنا موسيقية وإحساس شاعر فذ أغرض القصيد كلما أُستفذت قريحتى، ناجيتها فى الأحلام ورأيت نفسى أغنى لها وهى تتمايل كغصن البان عندما يداعبه الريح. لقد غزت زينة عالمى الشائك وتعددت لقاءتنا فوق الربوة. غنيت لها كثيرا فأدمنت صوتى، وصارت تأتى قبل الميعاد فى ربوة حبنا. أسمعتها مشاعر فنان أعمى تمور دواخله بمشاعر الخوف والفرح الجميل، لقد سرقت اللحظات من زمنى الصعب وعشتها كما ينبقى، حتى صرت أخال نفسى مبصر. لقد تسربت زينة فى مساماتى وأصبحت أهم من الهواء الذى أتنفسة بالضرورة .
سرقنا الوقت ذات يوم ولم نشعر بالزمن يقطعنا حتى جاء المساء يرفل فى حلته، وبزغ قمر فى صفحة السماء إنعكس ضياؤه الفضى على موج النهر قرب الربوة، كانت زينة تصف لى كل الجمال الذى تشاركنا به الطبيعة الساحرة، شيئا قويا يجعلنا نمكث فى هذه الربوة ساعات طوال ولكن بعمر اللحظة والمشاعر تتدفق ألوانا نجده قصيرا، فى تلك الليلة غنيت لها من أعماق نفسى الحان إنبثقت تترى، وجلسنا نردد الكلمات المموسقة:عود إلينا ... ياليل الفرح....
أنار القمر الشاطئ الممتد، وصوت الأمواج المتنوعة العصوف ترتطم بالشاطى وترتد، ناثرة رذاذ الماء كالبلور فوق أجسادنا وكنا نلعق بلورات الماء المتساقطة فوق وجوهنا، عندما كنت إقترب منها كان عالمى يتدحرج نحو بقعة مضيئة ملونة، أجد نفسى فيها محلقا فى عوالم أخرى وقد أختفى الكون إلّا هى . ونحن فى غفوتنا والحب مشتعل، أفقنا على أصوات تهدد وتتوعد هجم علينا نفر من البلدة. بعد أن إهتزت أسلاك المدينة معلنة غياب زينة من المنزل وانطلق الأهالى فى البحث عنها .
لم تهرب وتتركنى فقد إنهالوا على بالضرب والسب، وهى تصرخ وتدافع عنى، ولم أ،سمع شيئا بعد صراخها فقط أشعر بافواج من البشر يتراكمون فوقى، وجوه تقترب وتبتعد الكل يريد أن يثار لزينة...
وهى تصرخ : أتركوه.. أتركوه ...
أفقت من تلك الغيبوبة وأنا طريح الفراش فى منزل جَدّى، الذى ربانى وعلمنى الفروسية، تحسست يده الحانية وضممتها الى صدرى معتذرا له: أغفر لى ياجَدى هذة السِقطة.. ماكنت أظن إن الحب يمكن أن يواجه بهذا العنف.
قال جَدّى بصوته المتهدج كاد أن يبكى: ليست سقطة يابنىّ ولكنه قانون المجتمع...
قلت له حزينا: هل كتب على سجن البصر وسجن القلب أنا أحبها ياجَدّى...
صمت جدى برهةثم قال: هل هى تُحبك...؟
قلتها متلهفا: نعم ..نعم..إنها تحبنى. قلبى يحدثنى ذلك...
أفلت جدى يده من قبضتى وطبعة قبلة سريعة فوق جبينى وقال لى: أبشر ..ستكون لك.. صدق العواطف يسمو بالإنسان..
الأبواب موصدة فى وجهينا، وتلك المشاوير التى إعتدنا عليها، قد عبثت بها الأيام. حتى وصلنى رسولها يضئ بالكلمات قلبى المكسور (أنا فى انتظارك .. لن أكون لغيرك). اشتعلت نار العشق مجددا وصرت ألحّ على جدّى ليخبر أهلها. كان يخاف مغبة الرفض العنيف ولكنه مضى اليهم.
أينعت فى قلبى تباريح الهوى وأنا أسير بجوارها . ومددت يدى اليها فإشتعلت قناديل الحب حين لامست أناملها.أ صوات الدفوف ومزامير الفرح، والكل مبتهجٌ مباركين حب قد نما بين تلك المشاوير، التى كنت أتعثر فيها ثم أنهض واقفا، أغرق فى بحر ليس له قرار كي أفوز بقلبها وأنا أعمى. وسماسرة القرب والبعد يجعلون ذلك مستحيلا.
الليلة توجتها ملكة على قلبى مددت لها يدى وقلت هامسا : سأمنحك هذا المساء كل ما أملك..لقد أعدتنى الى الحياة، بعد أن عشت الظلمة وأَهيل التراب على أحلامى، فجعلت المستحيل ممكنا. نحن الذين لانبصر تعجز أجسادنا عن حملنا فحملتِنى إلى عوالمك .
إنتهت الليلة وأبصرت الصباح بقربها.
حينما أظلمت الدنيا وبقيت وحدى فى سجن أبدى، لايعرفة كائن بشرى إلاّ من ولج داخله. سجن العتمة المفروضة عليّ. سجن بلا حراس بلا أبواب، سجن تقبع فى ظلماته وحدك، سجن دخلته دون إرادتى، فقدت بصرى فى ذلك الصباح الذى لم أر شروقا للشمس بعده، أختفت كل معالم الدنيا من أمامى عندما سقط من صهوة حصانى هويت منهارًا فوق رأسى. ذهب بصرى فشعرت أن العالم يتدحرج إلى محيط الظلمة وبقيت وحدى فى زوايا الكفيف المشتعلة.
قدمت زينه ابنة العشرين ربيعا مع أمها لتعيش فى بلدتنا الوادعة فى أحضان الرمال، يحفها النهر فى جنباتها فيبعث الحياة فى ربوعها. كانت بلدتنا تضم سكانها فى إلفة ومودة، الناس متصالحون مع الأرض والأرض معطاءة. متصالحون مع أنفسهم، فما زالوا يعاملوننى كالمُبصر، لم تحرمنى الإعاقة من المضى قدما فى حياتى، ولكن كنت أتعس عندما تعبرنى الحياة دون أحلامى التى تركتها معلقة على هاوية السقوط والنسيان بعد أن كانت تعانق السماء، تمر قطارات الليل وأنا وحيد وحزين يشتعل قلبى يتوق إلى الحب.
كانت زينة حديث شباب البلدة الصغيرة. جمالها الأخاذ، ورقتها تحاكى النسائم المارة عبر الحقول الخضراء تلثمها فتزداد إخضرارا ونماء، هكذا يصفونها، لقد أحببتها بعين الخيال. كنت كل صباح أزور منزلهم، أتبادل السمر معها حين يكون كل أهل البلدة منشغلين فى معيشتهم. تلاشت وحدتى عندما صرت مقربا منها، وكانت تعاملنى برفق بالرغم من كراهيتى الشفقة، ولكن قبلتها منها. غازلتها ذات صباح بقولى :كل الجمال وهبه الله لك وحدك.
فسالتنى: كيف عرفت أنى جميلة..
فقلت لها: أنا أراك ببصيرتى وبصيرة الأعمى لاتكذب...
قالت:( فى دلال) صفّنى...؟
قلت لها: أنت خلاسية، بعض عربىّ وبعض زنجيّ... فى لونك القمح وشعرك الحرير... وخليط من هذا وخليط من ذاك وطلّ هذا القمر...
كانت تتقبل كل هذا بصدر رحب مما أشعل فتيل العواطف فى قلبى حتى كاد أن ينفجر.
ذات يوم وأنا العاشق الولهان، جلست وحيدًا بعيدًا على ربوة رملية فى طرف الشاطئ البعيد ، إجتر صوتها عندما يسرى فى أذنى، فتستحوذنى العتمة، فأحاول طرد اللحظة البهية من مخيلتى خوفا من القادم عبر ممرات الأيام. حتى شعرت بيد تربت على كتفى فجفلت خوفا، إذ لا أتوقع أحدًا يقطع علىّ خلوتى. ولكنها.. دُهشت عندما صافحتها وقلت لها : زينة.. يا زينة الجمال... أى ريح طيب سار بك إلى هنا.
.قالت بضحكتها التى تهز كيانى: كيف عرفتنى؟
قلت لها : أعرفك من رائحتك فقد هبت نسمة وحملت لى رائحتك فظننتها خيالا...
ضحكت وقالت : أنا لم أضع عطرا...
قلت لها : لا أقصد العطر وانما رائحة جسدك الذى يفوح منه المسوح الذى تضعينه، حتى صار جزءًا من رائحتك تتميزين به. ونحن غير المبصريين نستخدم حواسنا، ونوقظها لتساعدنا فى التعرف على الأشخاص. أنا أميز الناس بروائح أجسادهم مثل البصمة عندى.
جلسنا نتجاذب أطراف الحديث فوق تلك الربوة...فجاءة أبت الطبيعة إلّا أن تشاركنا بذخات مطرخفيفة بللتنا ولم نتحرك...إ متد بنا حديث الوداد وتطاولت كلماتنا كالأزهار، ولو أن ما أحسه إنتقل اليها لأشتعلت وعدا وحبا وتمنْى. كنت أخاف من هذه اللحظة التى أبوح فيها، فتضج البلدة وتحاصرنى العيون المبصرة. كل هذه الثقة التى جعلتنى أدخل المنازل دون إذن هى أننى أعمى، لن أكشف ستر الحرمات. وليتهم يعلمون أن الحب أحساس قائم خلق فى كل الكائنات. أنا اليوم إكتشفت حبى الكبير .
عندما أوشكت الشمس أن تودع النهار منسحبة تاركة لليل مكانها ...ذهبت زينة لمنزلها.وعدت أنا من حيث أتيت.أغالب وحدتى وحيرتى..توسلت الى الله أن يربطنى بزينة برباط مقدس لأتكئ على ساعدها وأبصر بعينيها الحياة.
لقد حرمت من نعمة البصر ولكن الله عوضنى صوتًا جميلًا شجيًا فى الغناء، وأُذنا موسيقية وإحساس شاعر فذ أغرض القصيد كلما أُستفذت قريحتى، ناجيتها فى الأحلام ورأيت نفسى أغنى لها وهى تتمايل كغصن البان عندما يداعبه الريح. لقد غزت زينة عالمى الشائك وتعددت لقاءتنا فوق الربوة. غنيت لها كثيرا فأدمنت صوتى، وصارت تأتى قبل الميعاد فى ربوة حبنا. أسمعتها مشاعر فنان أعمى تمور دواخله بمشاعر الخوف والفرح الجميل، لقد سرقت اللحظات من زمنى الصعب وعشتها كما ينبقى، حتى صرت أخال نفسى مبصر. لقد تسربت زينة فى مساماتى وأصبحت أهم من الهواء الذى أتنفسة بالضرورة .
سرقنا الوقت ذات يوم ولم نشعر بالزمن يقطعنا حتى جاء المساء يرفل فى حلته، وبزغ قمر فى صفحة السماء إنعكس ضياؤه الفضى على موج النهر قرب الربوة، كانت زينة تصف لى كل الجمال الذى تشاركنا به الطبيعة الساحرة، شيئا قويا يجعلنا نمكث فى هذه الربوة ساعات طوال ولكن بعمر اللحظة والمشاعر تتدفق ألوانا نجده قصيرا، فى تلك الليلة غنيت لها من أعماق نفسى الحان إنبثقت تترى، وجلسنا نردد الكلمات المموسقة:عود إلينا ... ياليل الفرح....
أنار القمر الشاطئ الممتد، وصوت الأمواج المتنوعة العصوف ترتطم بالشاطى وترتد، ناثرة رذاذ الماء كالبلور فوق أجسادنا وكنا نلعق بلورات الماء المتساقطة فوق وجوهنا، عندما كنت إقترب منها كان عالمى يتدحرج نحو بقعة مضيئة ملونة، أجد نفسى فيها محلقا فى عوالم أخرى وقد أختفى الكون إلّا هى . ونحن فى غفوتنا والحب مشتعل، أفقنا على أصوات تهدد وتتوعد هجم علينا نفر من البلدة. بعد أن إهتزت أسلاك المدينة معلنة غياب زينة من المنزل وانطلق الأهالى فى البحث عنها .
لم تهرب وتتركنى فقد إنهالوا على بالضرب والسب، وهى تصرخ وتدافع عنى، ولم أ،سمع شيئا بعد صراخها فقط أشعر بافواج من البشر يتراكمون فوقى، وجوه تقترب وتبتعد الكل يريد أن يثار لزينة...
وهى تصرخ : أتركوه.. أتركوه ...
أفقت من تلك الغيبوبة وأنا طريح الفراش فى منزل جَدّى، الذى ربانى وعلمنى الفروسية، تحسست يده الحانية وضممتها الى صدرى معتذرا له: أغفر لى ياجَدى هذة السِقطة.. ماكنت أظن إن الحب يمكن أن يواجه بهذا العنف.
قال جَدّى بصوته المتهدج كاد أن يبكى: ليست سقطة يابنىّ ولكنه قانون المجتمع...
قلت له حزينا: هل كتب على سجن البصر وسجن القلب أنا أحبها ياجَدّى...
صمت جدى برهةثم قال: هل هى تُحبك...؟
قلتها متلهفا: نعم ..نعم..إنها تحبنى. قلبى يحدثنى ذلك...
أفلت جدى يده من قبضتى وطبعة قبلة سريعة فوق جبينى وقال لى: أبشر ..ستكون لك.. صدق العواطف يسمو بالإنسان..
الأبواب موصدة فى وجهينا، وتلك المشاوير التى إعتدنا عليها، قد عبثت بها الأيام. حتى وصلنى رسولها يضئ بالكلمات قلبى المكسور (أنا فى انتظارك .. لن أكون لغيرك). اشتعلت نار العشق مجددا وصرت ألحّ على جدّى ليخبر أهلها. كان يخاف مغبة الرفض العنيف ولكنه مضى اليهم.
أينعت فى قلبى تباريح الهوى وأنا أسير بجوارها . ومددت يدى اليها فإشتعلت قناديل الحب حين لامست أناملها.أ صوات الدفوف ومزامير الفرح، والكل مبتهجٌ مباركين حب قد نما بين تلك المشاوير، التى كنت أتعثر فيها ثم أنهض واقفا، أغرق فى بحر ليس له قرار كي أفوز بقلبها وأنا أعمى. وسماسرة القرب والبعد يجعلون ذلك مستحيلا.
الليلة توجتها ملكة على قلبى مددت لها يدى وقلت هامسا : سأمنحك هذا المساء كل ما أملك..لقد أعدتنى الى الحياة، بعد أن عشت الظلمة وأَهيل التراب على أحلامى، فجعلت المستحيل ممكنا. نحن الذين لانبصر تعجز أجسادنا عن حملنا فحملتِنى إلى عوالمك .
إنتهت الليلة وأبصرت الصباح بقربها.
حُب الأعمى
حينما أظلمت الدنيا وبقيت وحدى فى سجن أبدى، لايعرفة كائن بشرى إلاّ من ولج داخله. سجن العتمة المفروضة عليّ. سجن بلا حراس بلا أبواب، سجن تقبع فى ظلماته وحدك، سجن دخلته دون إرادتى، فقدت بصرى فى ذلك الصباح الذى لم أر شروقا للشمس بعده، أختفت كل معالم الدنيا من أمامى عندما سقط من صهوة حصانى هويت منهارًا فوق رأسى. ذهب بصرى فشعرت أن العالم يتدحرج إلى محيط الظلمة وبقيت وحدى فى زوايا الكفيف المشتعلة.
قدمت زينه ابنة العشرين ربيعا مع أمها لتعيش فى بلدتنا الوادعة فى أحضان الرمال، يحفها النهر فى جنباتها فيبعث الحياة فى ربوعها. كانت بلدتنا تضم سكانها فى إلفة ومودة، الناس متصالحون مع الأرض والأرض معطاءة. متصالحون مع أنفسهم، فما زالوا يعاملوننى كالمُبصر، لم تحرمنى الإعاقة من المضى قدما فى حياتى، ولكن كنت أتعس عندما تعبرنى الحياة دون أحلامى التى تركتها معلقة على هاوية السقوط والنسيان بعد أن كانت تعانق السماء، تمر قطارات الليل وأنا وحيد وحزين يشتعل قلبى يتوق إلى الحب.
كانت زينة حديث شباب البلدة الصغيرة. جمالها الأخاذ، ورقتها تحاكى النسائم المارة عبر الحقول الخضراء تلثمها فتزداد إخضرارا ونماء، هكذا يصفونها، لقد أحببتها بعين الخيال. كنت كل صباح أزور منزلهم، أتبادل السمر معها حين يكون كل أهل البلدة منشغلين فى معيشتهم. تلاشت وحدتى عندما صرت مقربا منها، وكانت تعاملنى برفق بالرغم من كراهيتى الشفقة، ولكن قبلتها منها. غازلتها ذات صباح بقولى :كل الجمال وهبه الله لك وحدك.
فسالتنى: كيف عرفت أنى جميلة..
فقلت لها: أنا أراك ببصيرتى وبصيرة الأعمى لاتكذب...
قالت:( فى دلال) صفّنى...؟
قلت لها: أنت خلاسية، بعض عربىّ وبعض زنجيّ... فى لونك القمح وشعرك الحرير... وخليط من هذا وخليط من ذاك وطلّ هذا القمر...
كانت تتقبل كل هذا بصدر رحب مما أشعل فتيل العواطف فى قلبى حتى كاد أن ينفجر.
ذات يوم وأنا العاشق الولهان، جلست وحيدًا بعيدًا على ربوة رملية فى طرف الشاطئ البعيد ، إجتر صوتها عندما يسرى فى أذنى، فتستحوذنى العتمة، فأحاول طرد اللحظة البهية من مخيلتى خوفا من القادم عبر ممرات الأيام. حتى شعرت بيد تربت على كتفى فجفلت خوفا، إذ لا أتوقع أحدًا يقطع علىّ خلوتى. ولكنها.. دُهشت عندما صافحتها وقلت لها : زينة.. يا زينة الجمال... أى ريح طيب سار بك إلى هنا.
.قالت بضحكتها التى تهز كيانى: كيف عرفتنى؟
قلت لها : أعرفك من رائحتك فقد هبت نسمة وحملت لى رائحتك فظننتها خيالا...
ضحكت وقالت : أنا لم أضع عطرا...
قلت لها : لا أقصد العطر وانما رائحة جسدك الذى يفوح منه المسوح الذى تضعينه، حتى صار جزءًا من رائحتك تتميزين به. ونحن غير المبصريين نستخدم حواسنا، ونوقظها لتساعدنا فى التعرف على الأشخاص. أنا أميز الناس بروائح أجسادهم مثل البصمة عندى.
جلسنا نتجاذب أطراف الحديث فوق تلك الربوة...فجاءة أبت الطبيعة إلّا أن تشاركنا بذخات مطرخفيفة بللتنا ولم نتحرك...إ متد بنا حديث الوداد وتطاولت كلماتنا كالأزهار، ولو أن ما أحسه إنتقل اليها لأشتعلت وعدا وحبا وتمنْى. كنت أخاف من هذه اللحظة التى أبوح فيها، فتضج البلدة وتحاصرنى العيون المبصرة. كل هذه الثقة التى جعلتنى أدخل المنازل دون إذن هى أننى أعمى، لن أكشف ستر الحرمات. وليتهم يعلمون أن الحب أحساس قائم خلق فى كل الكائنات. أنا اليوم إكتشفت حبى الكبير .
عندما أوشكت الشمس أن تودع النهار منسحبة تاركة لليل مكانها ...ذهبت زينة لمنزلها.وعدت أنا من حيث أتيت.أغالب وحدتى وحيرتى..توسلت الى الله أن يربطنى بزينة برباط مقدس لأتكئ على ساعدها وأبصر بعينيها الحياة.
لقد حرمت من نعمة البصر ولكن الله عوضنى صوتًا جميلًا شجيًا فى الغناء، وأُذنا موسيقية وإحساس شاعر فذ أغرض القصيد كلما أُستفذت قريحتى، ناجيتها فى الأحلام ورأيت نفسى أغنى لها وهى تتمايل كغصن البان عندما يداعبه الريح. لقد غزت زينة عالمى الشائك وتعددت لقاءتنا فوق الربوة. غنيت لها كثيرا فأدمنت صوتى، وصارت تأتى قبل الميعاد فى ربوة حبنا. أسمعتها مشاعر فنان أعمى تمور دواخله بمشاعر الخوف والفرح الجميل، لقد سرقت اللحظات من زمنى الصعب وعشتها كما ينبقى، حتى صرت أخال نفسى مبصر. لقد تسربت زينة فى مساماتى وأصبحت أهم من الهواء الذى أتنفسة بالضرورة .
سرقنا الوقت ذات يوم ولم نشعر بالزمن يقطعنا حتى جاء المساء يرفل فى حلته، وبزغ قمر فى صفحة السماء إنعكس ضياؤه الفضى على موج النهر قرب الربوة، كانت زينة تصف لى كل الجمال الذى تشاركنا به الطبيعة الساحرة، شيئا قويا يجعلنا نمكث فى هذه الربوة ساعات طوال ولكن بعمر اللحظة والمشاعر تتدفق ألوانا نجده قصيرا، فى تلك الليلة غنيت لها من أعماق نفسى الحان إنبثقت تترى، وجلسنا نردد الكلمات المموسقة:عود إلينا ... ياليل الفرح....
أنار القمر الشاطئ الممتد، وصوت الأمواج المتنوعة العصوف ترتطم بالشاطى وترتد، ناثرة رذاذ الماء كالبلور فوق أجسادنا وكنا نلعق بلورات الماء المتساقطة فوق وجوهنا، عندما كنت إقترب منها كان عالمى يتدحرج نحو بقعة مضيئة ملونة، أجد نفسى فيها محلقا فى عوالم أخرى وقد أختفى الكون إلّا هى . ونحن فى غفوتنا والحب مشتعل، أفقنا على أصوات تهدد وتتوعد هجم علينا نفر من البلدة. بعد أن إهتزت أسلاك المدينة معلنة غياب زينة من المنزل وانطلق الأهالى فى البحث عنها .
لم تهرب وتتركنى فقد إنهالوا على بالضرب والسب، وهى تصرخ وتدافع عنى، ولم أ،سمع شيئا بعد صراخها فقط أشعر بافواج من البشر يتراكمون فوقى، وجوه تقترب وتبتعد الكل يريد أن يثار لزينة...
وهى تصرخ : أتركوه.. أتركوه ...
أفقت من تلك الغيبوبة وأنا طريح الفراش فى منزل جَدّى، الذى ربانى وعلمنى الفروسية، تحسست يده الحانية وضممتها الى صدرى معتذرا له: أغفر لى ياجَدى هذة السِقطة.. ماكنت أظن إن الحب يمكن أن يواجه بهذا العنف.
قال جَدّى بصوته المتهدج كاد أن يبكى: ليست سقطة يابنىّ ولكنه قانون المجتمع...
قلت له حزينا: هل كتب على سجن البصر وسجن القلب أنا أحبها ياجَدّى...
صمت جدى برهةثم قال: هل هى تُحبك...؟
قلتها متلهفا: نعم ..نعم..إنها تحبنى. قلبى يحدثنى ذلك...
أفلت جدى يده من قبضتى وطبعة قبلة سريعة فوق جبينى وقال لى: أبشر ..ستكون لك.. صدق العواطف يسمو بالإنسان..
الأبواب موصدة فى وجهينا، وتلك المشاوير التى إعتدنا عليها، قد عبثت بها الأيام. حتى وصلنى رسولها يضئ بالكلمات قلبى المكسور (أنا فى انتظارك .. لن أكون لغيرك). اشتعلت نار العشق مجددا وصرت ألحّ على جدّى ليخبر أهلها. كان يخاف مغبة الرفض العنيف ولكنه مضى اليهم.
أينعت فى قلبى تباريح الهوى وأنا أسير بجوارها . ومددت يدى اليها فإشتعلت قناديل الحب حين لامست أناملها.أ صوات الدفوف ومزامير الفرح، والكل مبتهجٌ مباركين حب قد نما بين تلك المشاوير، التى كنت أتعثر فيها ثم أنهض واقفا، أغرق فى بحر ليس له قرار كي أفوز بقلبها وأنا أعمى. وسماسرة القرب والبعد يجعلون ذلك مستحيلا.
الليلة توجتها ملكة على قلبى مددت لها يدى وقلت هامسا : سأمنحك هذا المساء كل ما أملك..لقد أعدتنى الى الحياة، بعد أن عشت الظلمة وأَهيل التراب على أحلامى، فجعلت المستحيل ممكنا. نحن الذين لانبصر تعجز أجسادنا عن حملنا فحملتِنى إلى عوالمك .
إنتهت الليلة وأبصرت الصباح بقربها.
تعليق