قصيدة افطار الصباح لجاك بريفير
دراسة وترجمة محمد زعل السلوم
وجبة الصباح أو وجبة الفطور من القصائد التي تعود لديوان كلمات لشاعر الحياة اليومية وتفاصيل الأشياء البسيطة العميقة بذات الوقت والمتمردة الهامسة الرومانسية اللاذعة أحياناً أخرى شاعر القرن العشرين بامتياز وهو جاك بريفير والذي أصدر ديوانه هذا عام 1945 متزامنا مع نهاية الحرب العالمية الثانية وبداية الحرب الباردة وكل تلك الأجواء المشحونة بالعواطف الانسانية الجياشة
يحمل بريفير كاميرته الشاعرية القلبية ويقرب تفاصيله من شجون قلوبنا ينقل الحدث ببساطة لتصل معه لمفاجأة ويمكنني تشبيهه بلكمات محمد علي كلاي إن قاربت عالم الملاكمة من عالم الشعر فكلاهما فناً نبيلاً ؟!!
محمد علي كلاي يحوم كالفراشة ويلسع كالنحلة فيعطي لخصمه مساحات وفرص تمكنه أو يعتقد أنه سيتمكن من إصابة خصمه ولكنه لم ولن يستطيع ليسقط تحت أقدام كلاي بالقاضية وهكذا كلمات بريفير بسيطة وتحوم كفراشة ولكنها ستلسعك في خاتمتها وكما سمى شكسبير إحدى مسرحياته الأمور بخواتيمها وهو مثل معروف . تلك كلمات بريفير فيبدأ قصيدته بعبارة " وضع القهوة " وبصيغة الماضي وكأنه يسرد إحدى الحكايات القديمة وكأن الحدث الماضي استكمل لوحته ويعبر عن لونه القهوة الأسود ليدل على جدية كلماته وأهميتها ووقعها النفسي فهو من البداية إما جاد بمعنى أنه يهم بالخروج إلى عمله وإما أنه حزين وبانتظار أمر مبهم لا طائل من الحصول عليه ثم ليستكمل عبارته التالية وهي بسيطة " في الفنجان " بمعنى أنه يقوم بسكب القهوة في الفنجان وهنا سيتساءل المتلقي إذا فليسكب قهوته بالفنجان ما القضية الهامة في ذلك ؟ ثم يستكمل بريفير " وضع الحليب " "في فنجان القهوة " إذا سيجد القارئ والمتلقي ضمن هذا الجو النفسي والتصوير نوع من الرتابة ولنفترض أن الحليب بلونه الأبيض يعبر عن الأمل والضياء والتفاؤل ولكن الشاعر يضعه بفنجان القهوة السوداء حيث الظلام الدامس واليأس ، في هذا الجو الملون يتابع بريفير قصيدته " وضع السكر " / " في القهوة بالحليب " إذا هناك لون أبيض آخر في هذه القصيدة وهو السكر إضافة للحليب وكأن الأشياء كائنات تتلون وتنتقل من حالٍ إلى حال فهنا شيء مادي آخر تتم إضافته ليتابع " حركها / بالملعقة الصغيرة " وبالتالي فالفنجان والملعقة شيئان من تراب والقهوة والحليب والسكر اختلط بعضها بالآخر وهم سوائل ونبات أي عناصر ماء وتراب ضمن ما نسميه الظاهراتية المتعلقة بالعناصر الأربعة بالطبيعة أي الماء والهواء والتراب والنار .
يتابع الشاعر قصيدته الشفيفة الناعمة البسيطة للوهلة الأولى فيقول : شرب القهوة بالحليب / وضع الفنجان / دون أن يكلّمني
إذا بعد قيامه بتحضير القهوة بالحليب وتحريك المعلقة قام بفعل جديد وهو شرب ما أعدت يداه ليعلن جوَه النفسي صراحةً ودون تردد ويكشف الظل ويضيء جانب آخر بالمكان وهو وجود شخص آخر ودفعة واحدة نفهم ونتفهم هذه الرتابة والروتين والمشهد القاسي المكرور كما يبدو كل صباح وخصوصاً أسلوب الحكواتي واستعمال الزمن الماضي ليبهرنا بلوحته معلنا وجود نوع من الطلاق الروحي والخلاف مع شخص آخر موجود بذات المكان وليؤكد نوعاً ما عن الروتين وروح الضجر والملل في جو نفسي حاضر.
ليتابع شاعرنا وهنا يدخل عاملي الهواء والنار دفعة واحدة فيقول : أشعل السيجارة / نفث دوائر / من دخان / ألقى الرماد / في المنفضة / دون أن يكلّمني ، دون أن ينظر إلي .
هذه الرتابة والتقطيع الموسيقي للقصيدة وللكلمات تدل على درجة الشعور بالكآبة والحزن والاحباط من تلك الحياة المكرورة والمثيرة للضجر حد الاختناق فيعبر عنها بنفث الدخان وتشكيل الدوائر وهنا كأنك بمشهد عبثي وحياة من الدوائر المغلقة وجو مسرحي وخشبة تكاد تنطبق على صدر صاحبها ، وكأن الرماد هنا هو بقايا هذا الرجل الذي يحترق من الداخل بل لدرجة الشعور بالموت ليرمي بقاياه من الرماد في المنفضة التي تبدو هنا أشبه بالقبر والمكان الموحش المقفر ليؤكد على مرارة معاناته وألمه الشديد " دون أن يكلمني " " دون أن ينظر إلي " فشريكه بالمكان لم ينظر حتى إليه ليصور بريفير درجة الفتور الهائلة لعلاقته مع الشريك ودرجة العزلة والقطيعة والفراق المؤلم رغم أنهما تحت سقف واحد
يتابع بريفير قصيدته التي تعبر بشدة عن ألم العيش وعدم الرضا والشعور بالسعادة والقسوة ليكمل كلماته : نهض / وضع قبَّعته على رأسه / ارتدى معطف الشتاء / لأن المطر كان يهطل / وانصرف تحت زخات المطر / دون كلمة / دون أن ينظر إلي . إذا يتضح لنا مشهد المعاناة أكثر ومشهد القسوة لا يتوقف وكأن الطرف المتكلم انثى كزوجة أو صديقة أو حبيبة تترقب زوجها ليعبرها ويكلمها ويودعها بأحضانه الدافئة بل ما حصل العكس وخرج من المكان مغادرا مرتديا قبعته ومعطف الشتاء وذلك البرود بالعلاقة كما في الطقس مع أن المطر كان يهطل وهناك زخات مطر - رغبة رومانسية- يتم حرمانها منها ليستمر البرد القاسي في المشاعر والاحاسيس والوجدان ليختم بريفير قصيدته بضربته القاضية المعتادة في ديوانه العذب القاسي الشفيف : وأنا وضعت رأسي/ بين يدي / وبكيت.
فالهو في هذه القصيدة او الموصوف بمعنى من وضع القهوة وكل التفاصيل الدقيقة المتعاقبة بالقصيدة هو الحبيب والانا هو ذلك المعزول المعذب المعاني والذي يعبر عن مأساته بصمت وسلبية وهي البكاء وحيدا ليكتمل مشهد الشقاء الانساني والجو النفسي المثقل بهموم الازدراء والتجاهل من الحبيب والشريك
Déjeuner du matin
Il a mis le café
Dans la tasse
Il a mis le lait
Dans la tasse de café
Il a mis le sucre
Dans le café au lait
Avec la petite cuiller
Il a tourné
Il a bu le café au lait
Et il a reposé la tasse
Sans me parler
Il a allumé
Une cigarette
Il a fait des ronds
Avec la fumée
Il a mis les cendres
Dans le cendrier
Sans me parler
Sans me regarder
Il s'est levé
Il a mis
Son chapeau sur sa tête
Il a mis
Son manteau de pluie
Parce qu'il pleuvait
Et il est parti
Sous la pluie
Sans une parole
Sans me regarder
Et moi j'ai pris
Ma tête dans ma main
Et j'ai pleuré.
وجبة الصباح
دراسة وترجمة محمد زعل السلوم
وجبة الصباح أو وجبة الفطور من القصائد التي تعود لديوان كلمات لشاعر الحياة اليومية وتفاصيل الأشياء البسيطة العميقة بذات الوقت والمتمردة الهامسة الرومانسية اللاذعة أحياناً أخرى شاعر القرن العشرين بامتياز وهو جاك بريفير والذي أصدر ديوانه هذا عام 1945 متزامنا مع نهاية الحرب العالمية الثانية وبداية الحرب الباردة وكل تلك الأجواء المشحونة بالعواطف الانسانية الجياشة
يحمل بريفير كاميرته الشاعرية القلبية ويقرب تفاصيله من شجون قلوبنا ينقل الحدث ببساطة لتصل معه لمفاجأة ويمكنني تشبيهه بلكمات محمد علي كلاي إن قاربت عالم الملاكمة من عالم الشعر فكلاهما فناً نبيلاً ؟!!
محمد علي كلاي يحوم كالفراشة ويلسع كالنحلة فيعطي لخصمه مساحات وفرص تمكنه أو يعتقد أنه سيتمكن من إصابة خصمه ولكنه لم ولن يستطيع ليسقط تحت أقدام كلاي بالقاضية وهكذا كلمات بريفير بسيطة وتحوم كفراشة ولكنها ستلسعك في خاتمتها وكما سمى شكسبير إحدى مسرحياته الأمور بخواتيمها وهو مثل معروف . تلك كلمات بريفير فيبدأ قصيدته بعبارة " وضع القهوة " وبصيغة الماضي وكأنه يسرد إحدى الحكايات القديمة وكأن الحدث الماضي استكمل لوحته ويعبر عن لونه القهوة الأسود ليدل على جدية كلماته وأهميتها ووقعها النفسي فهو من البداية إما جاد بمعنى أنه يهم بالخروج إلى عمله وإما أنه حزين وبانتظار أمر مبهم لا طائل من الحصول عليه ثم ليستكمل عبارته التالية وهي بسيطة " في الفنجان " بمعنى أنه يقوم بسكب القهوة في الفنجان وهنا سيتساءل المتلقي إذا فليسكب قهوته بالفنجان ما القضية الهامة في ذلك ؟ ثم يستكمل بريفير " وضع الحليب " "في فنجان القهوة " إذا سيجد القارئ والمتلقي ضمن هذا الجو النفسي والتصوير نوع من الرتابة ولنفترض أن الحليب بلونه الأبيض يعبر عن الأمل والضياء والتفاؤل ولكن الشاعر يضعه بفنجان القهوة السوداء حيث الظلام الدامس واليأس ، في هذا الجو الملون يتابع بريفير قصيدته " وضع السكر " / " في القهوة بالحليب " إذا هناك لون أبيض آخر في هذه القصيدة وهو السكر إضافة للحليب وكأن الأشياء كائنات تتلون وتنتقل من حالٍ إلى حال فهنا شيء مادي آخر تتم إضافته ليتابع " حركها / بالملعقة الصغيرة " وبالتالي فالفنجان والملعقة شيئان من تراب والقهوة والحليب والسكر اختلط بعضها بالآخر وهم سوائل ونبات أي عناصر ماء وتراب ضمن ما نسميه الظاهراتية المتعلقة بالعناصر الأربعة بالطبيعة أي الماء والهواء والتراب والنار .
يتابع الشاعر قصيدته الشفيفة الناعمة البسيطة للوهلة الأولى فيقول : شرب القهوة بالحليب / وضع الفنجان / دون أن يكلّمني
إذا بعد قيامه بتحضير القهوة بالحليب وتحريك المعلقة قام بفعل جديد وهو شرب ما أعدت يداه ليعلن جوَه النفسي صراحةً ودون تردد ويكشف الظل ويضيء جانب آخر بالمكان وهو وجود شخص آخر ودفعة واحدة نفهم ونتفهم هذه الرتابة والروتين والمشهد القاسي المكرور كما يبدو كل صباح وخصوصاً أسلوب الحكواتي واستعمال الزمن الماضي ليبهرنا بلوحته معلنا وجود نوع من الطلاق الروحي والخلاف مع شخص آخر موجود بذات المكان وليؤكد نوعاً ما عن الروتين وروح الضجر والملل في جو نفسي حاضر.
ليتابع شاعرنا وهنا يدخل عاملي الهواء والنار دفعة واحدة فيقول : أشعل السيجارة / نفث دوائر / من دخان / ألقى الرماد / في المنفضة / دون أن يكلّمني ، دون أن ينظر إلي .
هذه الرتابة والتقطيع الموسيقي للقصيدة وللكلمات تدل على درجة الشعور بالكآبة والحزن والاحباط من تلك الحياة المكرورة والمثيرة للضجر حد الاختناق فيعبر عنها بنفث الدخان وتشكيل الدوائر وهنا كأنك بمشهد عبثي وحياة من الدوائر المغلقة وجو مسرحي وخشبة تكاد تنطبق على صدر صاحبها ، وكأن الرماد هنا هو بقايا هذا الرجل الذي يحترق من الداخل بل لدرجة الشعور بالموت ليرمي بقاياه من الرماد في المنفضة التي تبدو هنا أشبه بالقبر والمكان الموحش المقفر ليؤكد على مرارة معاناته وألمه الشديد " دون أن يكلمني " " دون أن ينظر إلي " فشريكه بالمكان لم ينظر حتى إليه ليصور بريفير درجة الفتور الهائلة لعلاقته مع الشريك ودرجة العزلة والقطيعة والفراق المؤلم رغم أنهما تحت سقف واحد
يتابع بريفير قصيدته التي تعبر بشدة عن ألم العيش وعدم الرضا والشعور بالسعادة والقسوة ليكمل كلماته : نهض / وضع قبَّعته على رأسه / ارتدى معطف الشتاء / لأن المطر كان يهطل / وانصرف تحت زخات المطر / دون كلمة / دون أن ينظر إلي . إذا يتضح لنا مشهد المعاناة أكثر ومشهد القسوة لا يتوقف وكأن الطرف المتكلم انثى كزوجة أو صديقة أو حبيبة تترقب زوجها ليعبرها ويكلمها ويودعها بأحضانه الدافئة بل ما حصل العكس وخرج من المكان مغادرا مرتديا قبعته ومعطف الشتاء وذلك البرود بالعلاقة كما في الطقس مع أن المطر كان يهطل وهناك زخات مطر - رغبة رومانسية- يتم حرمانها منها ليستمر البرد القاسي في المشاعر والاحاسيس والوجدان ليختم بريفير قصيدته بضربته القاضية المعتادة في ديوانه العذب القاسي الشفيف : وأنا وضعت رأسي/ بين يدي / وبكيت.
فالهو في هذه القصيدة او الموصوف بمعنى من وضع القهوة وكل التفاصيل الدقيقة المتعاقبة بالقصيدة هو الحبيب والانا هو ذلك المعزول المعذب المعاني والذي يعبر عن مأساته بصمت وسلبية وهي البكاء وحيدا ليكتمل مشهد الشقاء الانساني والجو النفسي المثقل بهموم الازدراء والتجاهل من الحبيب والشريك
Déjeuner du matin
Il a mis le café
Dans la tasse
Il a mis le lait
Dans la tasse de café
Il a mis le sucre
Dans le café au lait
Avec la petite cuiller
Il a tourné
Il a bu le café au lait
Et il a reposé la tasse
Sans me parler
Il a allumé
Une cigarette
Il a fait des ronds
Avec la fumée
Il a mis les cendres
Dans le cendrier
Sans me parler
Sans me regarder
Il s'est levé
Il a mis
Son chapeau sur sa tête
Il a mis
Son manteau de pluie
Parce qu'il pleuvait
Et il est parti
Sous la pluie
Sans une parole
Sans me regarder
Et moi j'ai pris
Ma tête dans ma main
Et j'ai pleuré.
وجبة الصباح
وضع القهوة
في الفنجان
وضع الحليب في فنجان القهوة
وضع السكر
في القهوة بالحليب
حرّكها
بالملعقة الصغيرة
شرب القهوة بالحليب
وضع الفنجان
دون أن يكلّمني
أشعل سيجارة
نفث دوائر
من دخانٍ
ألقى الرماد
في المنفضة
دون أن يكلّمني، دون أن ينظر إليّ
نهض
وضع قبّعته على رأسه
ارتدى معطف الشتاء
لأنّ المطر كان يهطل
وانصرف تحت زخّات المطر
دون كلمة
دون أن ينظر إليّ
وأنا وضعتُ
رأسي بين يديّ
وبكيتُ
في الفنجان
وضع الحليب في فنجان القهوة
وضع السكر
في القهوة بالحليب
حرّكها
بالملعقة الصغيرة
شرب القهوة بالحليب
وضع الفنجان
دون أن يكلّمني
أشعل سيجارة
نفث دوائر
من دخانٍ
ألقى الرماد
في المنفضة
دون أن يكلّمني، دون أن ينظر إليّ
نهض
وضع قبّعته على رأسه
ارتدى معطف الشتاء
لأنّ المطر كان يهطل
وانصرف تحت زخّات المطر
دون كلمة
دون أن ينظر إليّ
وأنا وضعتُ
رأسي بين يديّ
وبكيتُ
تعليق