عم سعيد جاري العزيز رجل هادىء مسالم , لا يعرف من الدنيا غير وظيفته الميري التي يتقاضى منها بضع مئات من الجنيهات و صحيفته اليومية المفضلة و قهوته التي يرتشفها على مهل شديد و هو يستمع لصوت أم كلثوم الذي كان يتسرب إلينا كل يوم عبر مذياعه العتيق فنعيش معه هذا الزمن الجميل الذي ولى و لن يعود .
لكن عم سعيد تغيّر كثيرا بعد الثورة بشكل لا يصدقه عقل مما دفعني لتسليط الضوء الأحمر و الأصفر و البرتقالي عليه بل و أضعه تحت مشرحة تحليلي النفسي و العقلي
و لأن شرفته مقابلة لشرفتي كان لي الحظ أن أتابعه عن كثب و من خلف جريدة مثقوب منتصفها و شرقها و غربها و جنوبها و شمالها
أرجوكم لا أحد يفهمني خطأ , أنا قصدي شريف و نظيف وعفيف
أنا فقد أحاول أن أفسرّ ظاهرة عمو سعيد . بعد أن أصبح رجلا فوق العادة و لم يعد هو هذا الرجل الذي نعرفه .., لا يمشي إلا و فوق كتفه علم مصر , لا يتحرك إلا بصخب .. لا يتحدث إلا بالصراخ , حتى أني أوقاتا كثيرة لا أستطيع النوم و أنا أسمعه يخطب و يتهدد و يتوعد و يصيح و يغني بلادي بلادي لك حبي و فؤادي
و طبعا كنت أظن أن الرجل يدير اجتماعات ثورية في شقته مما اضطرني لاستخدام جريدتي المثقوبة لأستطلع الموقف المريب و كانت المفاجأة .. أنه يدير اجتماعات مع نفسه و الجدران و النوافذ بعد أن هربت أفراد عائلته إلى هدوءستان .
في البداية ظننت الأمر عاديا و لم يتعد مرحلة الخطر بعد , لكن الأمر تطور عندما وجدته ذات يوم يناديني بعصبية أوقعت قلبي و قد ظننت أنه انتبه إلى جريدتي المثقوبة و قلت جالك الدمار يا مراقب الجار ..
وفوجئت به يسألني بصوت خفيض و علامات الارتباك تبدو على وجهه الشاحب
" أنتِ أيه موقفك من الثورة ؟ "
و لأني لاحظت ميوله الثورية رددت عليه بكل حماس
" الثورة يا عمو , دي حلم الشعب و أمله .. . و هي اللي رجعت للمصري كرامته جوه مصر و براها "
و لم انتبه في خضم حماسي إلا و هو يمسك بمزهرية الزرع و يوجهها ناحيتي و الشرر يتطاير من عينيه
" خاينة , عميلة , بتقبضي كام ؟ و من مين ؟ و بتدربي في أي خرابة ؟ و فين أجندتك ؟ وريني صوابعك كدة خفية ولا مكشوفة ؟ اعترفي أنت تبع الصهاينة و لا الست الأمريكانية ؟
و كانت مفاجأة لي أن الرجل الثوري يواجهني بهذه الاتهامات التي لم تخطر لي على بال , ولأنه كان ممسكا بمزهريته و يقربها ناحيتي في تحد , انطلقت أقول في غيظ :
_ "هي الصهيونية اللي جابت لنا المرار ده كله .. ما كنا قاعدين كويسين , فقرانين , مضروبين , مكتومين و حياتنا كانت زي الفل .. كان لازمتها أيه الثورة دي اللي خلتني أنا المتراية متهددة بحتة مزهرية بين أيديك "
و لم أكد أكمل جملتي حتى وجدته يرفع المزهرية وهو يهتز كزلزال قوته عشرين ريختر و هو يقول :
" آه يا فلولية .. اعترفي و قرّي و هاتي كل اللي جواكي يا حقودية .. ليه بتكرهي الثورة ؟ , مين دافع لك عشان تبيعي كرامتك و حريتك ,, أنت تبع مبارك و لا القذافي و لا الواد جمال ابن سوزان ؟ "
و لم أدر بنفسي إلا و أنا هاربة من أمامه و قد أغلقت النافذة خلفي قبل أن تصطدم بها مزهرية عم سعيد و بت ليلتي في كمد و أنا أتحسر على حال الرجل الذي استيقظ من سباته العميق على واقع جميل أسمه الثورة ليقع في كابوس مريع أسمه الانقسام , فتضاربت في عقله الرؤى و تخبطت في رأسه المعلومات و اختلطت أمامه المشاهد بعد أن تقاذفته موجات الشارع لتلقي به يمنة و يسارا , و لم يعد يدري هو مع ماذا ضد ماذا ؟ و مع من ضد من ؟ لكن كل ما يعرفه أنه يحب مصر من صميم قلبه
أغمضت عيني و أنا أسمع الصوت المتحشرج اليائس لعمو سعيد و هو يقول :
يا حبيبتي يا مصر
لكن عم سعيد تغيّر كثيرا بعد الثورة بشكل لا يصدقه عقل مما دفعني لتسليط الضوء الأحمر و الأصفر و البرتقالي عليه بل و أضعه تحت مشرحة تحليلي النفسي و العقلي
و لأن شرفته مقابلة لشرفتي كان لي الحظ أن أتابعه عن كثب و من خلف جريدة مثقوب منتصفها و شرقها و غربها و جنوبها و شمالها
أرجوكم لا أحد يفهمني خطأ , أنا قصدي شريف و نظيف وعفيف
أنا فقد أحاول أن أفسرّ ظاهرة عمو سعيد . بعد أن أصبح رجلا فوق العادة و لم يعد هو هذا الرجل الذي نعرفه .., لا يمشي إلا و فوق كتفه علم مصر , لا يتحرك إلا بصخب .. لا يتحدث إلا بالصراخ , حتى أني أوقاتا كثيرة لا أستطيع النوم و أنا أسمعه يخطب و يتهدد و يتوعد و يصيح و يغني بلادي بلادي لك حبي و فؤادي
و طبعا كنت أظن أن الرجل يدير اجتماعات ثورية في شقته مما اضطرني لاستخدام جريدتي المثقوبة لأستطلع الموقف المريب و كانت المفاجأة .. أنه يدير اجتماعات مع نفسه و الجدران و النوافذ بعد أن هربت أفراد عائلته إلى هدوءستان .
في البداية ظننت الأمر عاديا و لم يتعد مرحلة الخطر بعد , لكن الأمر تطور عندما وجدته ذات يوم يناديني بعصبية أوقعت قلبي و قد ظننت أنه انتبه إلى جريدتي المثقوبة و قلت جالك الدمار يا مراقب الجار ..
وفوجئت به يسألني بصوت خفيض و علامات الارتباك تبدو على وجهه الشاحب
" أنتِ أيه موقفك من الثورة ؟ "
و لأني لاحظت ميوله الثورية رددت عليه بكل حماس
" الثورة يا عمو , دي حلم الشعب و أمله .. . و هي اللي رجعت للمصري كرامته جوه مصر و براها "
و لم انتبه في خضم حماسي إلا و هو يمسك بمزهرية الزرع و يوجهها ناحيتي و الشرر يتطاير من عينيه
" خاينة , عميلة , بتقبضي كام ؟ و من مين ؟ و بتدربي في أي خرابة ؟ و فين أجندتك ؟ وريني صوابعك كدة خفية ولا مكشوفة ؟ اعترفي أنت تبع الصهاينة و لا الست الأمريكانية ؟
و كانت مفاجأة لي أن الرجل الثوري يواجهني بهذه الاتهامات التي لم تخطر لي على بال , ولأنه كان ممسكا بمزهريته و يقربها ناحيتي في تحد , انطلقت أقول في غيظ :
_ "هي الصهيونية اللي جابت لنا المرار ده كله .. ما كنا قاعدين كويسين , فقرانين , مضروبين , مكتومين و حياتنا كانت زي الفل .. كان لازمتها أيه الثورة دي اللي خلتني أنا المتراية متهددة بحتة مزهرية بين أيديك "
و لم أكد أكمل جملتي حتى وجدته يرفع المزهرية وهو يهتز كزلزال قوته عشرين ريختر و هو يقول :
" آه يا فلولية .. اعترفي و قرّي و هاتي كل اللي جواكي يا حقودية .. ليه بتكرهي الثورة ؟ , مين دافع لك عشان تبيعي كرامتك و حريتك ,, أنت تبع مبارك و لا القذافي و لا الواد جمال ابن سوزان ؟ "
و لم أدر بنفسي إلا و أنا هاربة من أمامه و قد أغلقت النافذة خلفي قبل أن تصطدم بها مزهرية عم سعيد و بت ليلتي في كمد و أنا أتحسر على حال الرجل الذي استيقظ من سباته العميق على واقع جميل أسمه الثورة ليقع في كابوس مريع أسمه الانقسام , فتضاربت في عقله الرؤى و تخبطت في رأسه المعلومات و اختلطت أمامه المشاهد بعد أن تقاذفته موجات الشارع لتلقي به يمنة و يسارا , و لم يعد يدري هو مع ماذا ضد ماذا ؟ و مع من ضد من ؟ لكن كل ما يعرفه أنه يحب مصر من صميم قلبه
أغمضت عيني و أنا أسمع الصوت المتحشرج اليائس لعمو سعيد و هو يقول :
يا حبيبتي يا مصر
تعليق