بلا نهاية

تقليص
X
 
  • تصفية - فلترة
  • الوقت
  • عرض
إلغاء تحديد الكل
مشاركات جديدة
  • هائل الصرمي
    أديب وكاتب
    • 31-05-2011
    • 857

    بلا نهاية

    بسم الله الرحمن الرحيم
    بداية ونهاية
    كلما اقترب الموعد المضروب للزفاف ازدادت فرحة سمية وصفوان , وفاضت فرحتهما فلم تسعها الأرض فاحتضنتها السماء , حتى جاء اليوم الموعود الذي جمعهما في قفص ذهبي جميل , طُرِّزَ بجواهر الأشواق , وزُيِّنَ بألماس الحب , وبعد أن استراحت مواكب الأفراح , وأناخ في ربوعهما الانشراح , وتم لهما الوصال ,غادرا العريسان موطنهما نحو مدينة الأحلام , لقضاء أيام العسل.
    كانت سعادتهما لا توصف...لقد مرت الأيام كطرفة عين وومضة برق, كأنها حلم جميل سرعان ما انقضى وارتحل , ولولا انتهاء فترة إجازتهما , لاستمرا في متعتهما يسبحان بين أنهار الغبطة ,وبحار الأنس , ويرتعان من حدائق الوصال كما ترتع الضأن في الوادي الخصب.
    عادا وهما يصطحبان كأسا دهاقا مترعا بالآمال ؛ ليرشفا منه الحياة السعيدة الآمنة المطمئنة ,عادا والسعادة تغمرهما , والأحلام تندفع من بين عينيهما , كاندفاع الجداول بعد غيث مطير!! وقد عزما أن لا يدعا فرصة من ليل أو نهار تمر بهما إلا ويرشفان من كأس الهوى ما لذَّ وطاب , ويقطفان من خضروات البهجة , وفواكه المسرة أحلى ثمار العمر , ولن يسمحا لشيء من المنغصات بأن يعكر صفوهما , أو ينال من حبهما وأنسهما هكذا كانا يأملان..
    فهل يدرك المتمني ما يأمله أم يعترض سير الحياة بلاءُ؟.
    ما أن سمعتْ ناهد بعودتهما حتى انتفضت كانتفاضة الممسوس من الجن.. عاد وحش الاكتئاب من جديد ينهش قلبها, فقد كانت حديثة عهد به ؛ حيث أصيبت
    بصدمة نفسية بعد أن علمتْ بزفافهما , وظلت فترة لا يعرف الأطباء سببا لمرضها.
    لكنها هذه المرة تماسكت ؛لأنها قد نسجت أحقادها في خطة مدبرة عزمت عليها , كانت بمثابة المسكن الذي يخفف ألم الاكتئاب الموحش , فلم تذهب إلى الأطباء كما فعلت سابقا , إنه وحش كاسر مؤذي يدهمها كلما نبا إليها أريج سعادة , أو وميض هناء يمر بصفوان وسمية , فلا تستطيع التخلص منه إلا بإيذائهما , كيف تهدأ بالاً وهي تراهما يرفلان اليوم بسندس الحبور, وأثواب الهناء؟...وهاهما يرتديان تاج الأنس بهذا الزفاف , كيف يتم نزع هذا التاج المتلألئ الذي يثير كوامن غيضها وحقدها وحسدها , إنها لا تستطيع أن تراهما ينعمان في بساتين السعادة! ولا قدرة لها على تقبل ذلك , وكذلك يفعل الحسد بأصحابه إن تعاظمَ وأطلق سراحه.
    يا لمصيبتها!! , لقد انهارت مرات عديدة قبل أن يسعفها الشيطان بما ألقاه في روعها من خطتة لعينة وتدبيرٍ مقيت, ولعلها قد طابت بما ألقى , واطمأنت إليه بل وعزمت عليه عزمة من دونها مفاوز الموت وقطع الرقاب.
    يا الله !! كم أكل الحقد قلوب أصحابه ؟! وقتل الحسد حياة أربابه ؟!!.
    في اليوم الثاني حملتْ نفسها بعد أن تزينت وأخذتْ من سوق النفاق هدية متكلفة وذهبت إليهما في شقتهما المستأجرة , وقدمت لهما التهنئة , متصنعة البسمة الصفراء على وجهها , متكلفة حسن الحديث وقلبها يغلي كغليان القدر إذا نضج محتواه , ونفسها تتهتك مرارة وحسرة !! ولهيب الغيرة يلسعها كلسع الحية الرقطاء , لتسري في دمائها سموم المكر , كما يسري النفاق على لسانها المعسول.
    لم يهدأ لها بال , ولم يقر لها قرار منذ ذلك الحين, وظلت تزور سمية وتحاول استمالتها بالكلام الجميل والهدايا الجذابة , حتى بدأت سمية تشك بهذا الاهتمام الزائد وتتخوف مما وراءه ؟!! وكانت تعلم أنها امرأة شريرة , لكنها مؤخرا بدأت تتأثر بحديثها المؤثر , وقد تسلل إليها حسن الظن بها , خصوصاً بعد أن أخبرتها بأنها تغيرت وشعرت بالندم لطيش أيامها السالفة.
    هكذا صدقت سمية ما تنسجه ناهد من معسول القول .. وغلب عليها هذا الظن. ومع مرور الأيام انبسطت معها واستأنست بها وبادلتها الهدايا والمشاعر وأصبحت من أحب صديقاتها , وعندما بلغت الثقة بينهما حدا لا يختلجه ريب شرعت ناهد في تنفيذ ما زين الشيطان لها من مكر.
    وفي أحد الأيام دخلتْ ناهد على سمية في مكتبها وهي تحملُ كأسين من الفراولة الطازج , وبعد أن ألقت التحية ووضعتهما على الطاوله , تناولت أحدهما وقعدت متكئة على كنبة بجوارها , وبدت عليها علامات الارتباك , وهي تقاوم رعشة القلق التي ظهرت في اهتزاز الكأس بين يديها , حاولت إخفاء الارتباك الذي ظهر بين عينيها لتمنعه بابتسامة خفيفة ,
    ثم قالت: عساك بخير يا سمية , تفضلي اشربي كأسك فإن للفراولة أثراً في حيوية الجسم ونشاطه , كما أنها تساعد على صفاء الذهن , والتفكير الجيد , فهو أجود من الليمون الذي نحتسيه كل يوم , ولا نشعر بأن حموضة المعدة بسببه.
    وقبل أن تتناوله سمية كأسها ـ شكرتها وقالت : دائما أنت المبادرة , لا حرمني الله منك!.
    ثم تناولت الكأس , وبدأت تشرب رويدا رويدا...حتى أتمته فخرجت زفرة من صدر ناهد كأنها حطت حملا ثقيلا من على صدرها...أثارَتْ زفرتها انتباه سمية ـ مما جعلها تقول: يبدو أنك لم تنامي بالأمس جيدا , فالأرق , والقلق ظاهران عليك.
    ـ تماما هو ذاك... واستمرتا بالحديث كعادتهما ثم صمتتا , وبعدها قطعت ناهد سلاسل الصمت , وبدأت تُلمحُ بأن لديها عملا وترغب بالانصراف , و قبل مغادرتها ظهر عليها انبساط كأنها تعانق نشوة نصر في حظرة حبيب , أو عودة فقيد بعد يأس وطول انقطاع , لذلك جاء الارتباك مصبوغاً بهذه النشوة , وتضاعف بها أكثر من بدايته... انصرفت وكأنها انفكت من عقال.
    ساور سمية بعض الشك من ارتباك ناهد , وتساءلت : عن سبب ذلك الارتباك , ولكن سرعان ما استدركته بالنفي وسكنت نفسها وذهب خوفها, وانشغلت بما في يديها من عمل.
    مرت الأيام ... وتراجع إقبال ناهد على سمية , فلم تعد تتردد عليها ولا تلاطفها كما كانت تفعل , وأثار هذا استغراب سمية ,وحاولت أن تربط بين ما كان منها في ذلك اليوم من ارتباك وبين هذا الجفاء والتغير , لكنها لم تكترث لهذه الظنون ولم تلق بالا لهذا التغير بل لم تلتفت إليه وأهملته.
    وفي إحدى الأيام أصيب أحد أقرباء صفوان بطلقٍ ناري أثناء خروجه في مسيرة سلمية تطالب بالحرية من نظام مستبد طال فساده وأسن بقاؤه.
    أسعف إلى المستشفى وتم الاتصال بوالديه فاصطحبا معهما خاله صفوان إلى المستشفى , واللهفة والقلق تأكل قلبيهما , فلما وصلوا وجدوا الفتى في غيبوبة ... أسرع صفوان إلى الطبيب يسأله عن حالته! رد عليه قائلا : لقد نزف كثيرا وهو الآن بحاجة إلى دم , وعلى الفور أعطاه كرت الفحص بعد أن طمأنه بأن نسبة شفائه كبيرة.
    هرع صفوان للتبرع بالدم , وبعد أخذ عينه من دمه للتأكد من تطابق فصيلتيهما وكمية الدم وسلامته...كانت الطامة والمفاجأة المروعة التي لم تكن في الحسبان , ولم تخطر على بال , يا لهول الصدمة التي تلقاها صفوان , فاجأه الدكتور معتذرا له قائلا له أنتَ مصاب لن نستطيع أن نأخذ منك الدم , اندهش صفوان مستغربا!! : أريد أن أنقذ قريبي فهو مشرف على الهلاك ولست أعاني من شيء , وأظن أن فصيلتي كفصيلته وأنا أولى الناس به , فما يمنع ؟!.
    قال له: قلت لك أنك مصاب , وأولى بك أن تنقذ نفسك وتنأى بها عن غيرك, بدلا من أن تهلك الحرث والنسل ؛!! ازدادت حيرة صفوان وانتفخت أوداجه , وضاق بكلام محدثه , وقال بصوت مرتفع ماذا تعني؟! أفصح يا دكتور , قبل أن أفقد أعصابي ويزيغ عقلي هل عندي فيروس الكبد .
    ـ كلا: أنت مريض بفيروس الإيدز وأشك أنك تجهل مرضك!.
    انكمش صفوان وبدأ القلق يظهر عليه , قال وقد ساورهُ الخوف: وظهر ذلك بانخفاض صوته بعد أن كان حاداً , أخبرني ما الأمر فإني لا أعلم شيئا ؟ !.
    قالتُ لك: أنت مصاب بفيروس الإيدز! ونقل الدم لأي شخص يعرضه للإصابة بهذا المرض الخبيث , أحظر شخصا آخر كي نسحب منه الدم.
    لم يصدق صفوان ما سمع !! وقهقه ضاحكا بهستيرية مجنونة , وسخرية محزونة قائلا: لا تماريني أيها الرجل !! لقد خانتك معرفتك , ليس بي شيء , لقد أخطأت لقد أخطأتُ تأكد مما تقول!!.
    تناول الطبيب ورقة الفحص والقاها إليه صامتا وانصرف عنه إلى عمله .
    أخذها صفوان وذهب إلى الإدارة ليشكوهُ إليها كان مسرعا كأنما يسير على الجمر
    دخل على المدير وهو يلهث وقد تغير لونه , والعرق يتصبب من جبينه كأنه خرج مهزوما من معركة ضارية.
    ـ لقد رفض المختص سحب الدم وسخر مني , وأعطاني هذه الرشيته ؛ متعللا بدعوى مزرية.
    نظر فيها المدير ثم نظر إلى وجه صفوان , وأعاد النظر بين النتيجة وصفوان مندهشا ! أقلق هذا التصرف صفوان أكثر!! وبدأ يرتعش.
    ثم قال : لماذا تنظر إليَّ هكذا؟.
    ـ لقد صدقك المختص ولم يسخر منك أنت مصاب بفيروس الإيدز فعلاً!!.
    سقط صفوان مغشياً عليه !! ثم أفاق وليته ما أفاق , بعد أن أراقوا عليه دلوا من ماءً ,!! وضربات قلبه تنبض ووجهه مصفرٌ , كأنما مُصَّ دمه من بين عروقه , فلم يبق فيه قطرةً دمٍ واحدة...
    ـ صرخ مُشتطا: مخاطبا من حوله ,لستُ داعراً , فمن أين جاءني هذا الفيروس ؟! وأنا لا أعرف الفحش ولا السوء , هذا الفحص ليس لي , لابد من إعادته.
    وانتفض ـ من سريرٍـ كان قد وضع عليه بعد غاشيته ـ كالأسد متجها نحو غرفة الفحص يطلب إعادته والتأكد مرة أخرى , وبعد الإعادة كانت النتيجة كسابقتها..!
    عندها أصيب بصدمة نفسية فظيعة لم يصب بمثلها في حياته ؛ إنه يرى الموت بين عينيه!! وبدأ يفكر وهو يرتعش من أين جاءهُ هذا المرض الخبيث؟! وتذكر ما كان قد نسيه في زحمة أيامه بحسن ثقته...تذكر تلك الصورة التي تُظهر فيها سمية مع شاب يعانقها , ولم يهتدي إلى هذا الشاب أهو قريب أم عشيق وقد رجح قربه وأطفأ شكه حينها أم الآن فقد تغير الأمر تماماً.
    صعق وذاب كيانه وتهتكت أعصابه , كأنما خر من شاهق أو تخطفه الطير والرياح تهوي به ـ بعد أن ظن أنه أيقنَ ـ في مكان سحيق , إن اللغز القديم انفكتْ شفرته بنتيجة الفحص المروعة , وأصبح ما كان بالأمس شكا اليوم يقيناً.
    ولأنه لم يكن يعلم أن تلك الصورة هي مكيدة ساقطة من ناهد.... لذلك ازدحمتْ بعد هذه النتيجة صور الخيانة في مخيلته !! فانهارت قواه وشعر بانتكاسةٍ أطاحت به أرضا !! يالحمقه وخيبته , انهار كل شيء في حياته ... كل ما بناه طوال عمره تهاوى أمام عينيه في لحظة , كما يتهاوى الجدار الخرب الذي أكل الدهر عليه وشرب , لقد داهمه سيل جارف من الهموم لا طاقة له بها! بل لا طاقة لأحد مهما كانت قوته وصلابته !! أي مصيبة هذه التي انقضت عليه كما ينقض الوحش على فريسته!!.
    كيف يصنع بمن ملَّكها عمره ووهبها حياته , وأعطاها مالم يعطِ أمه وأباه؟...! فخانته وقتلته أبشع قتله , كان يظنها الطاهرة العفيفة , وهي الفاجرة العاهرة , كيف لم يتنبه لهذا من قبل ؟! لقد أعماه الحب أن يراها على حقيقتها!!.
    هكذا حدث نفسه وسكب الشيطان بعقله سمومه حتى أصبحت وساوسه يقينا في مخيلته , تتنا وشه كما تتناوش الضباع بقايا ميتة الأسد , حتى أسلمته لها.
    لقد طغى هذا الشعور واستولى عليه .. لقد كان خبا فيما مضى يالغبائه كيف استطاعت هذه الفتاة أن تخدعه وتستولي عليه وهو من هو!...يا للعار يا للفضيحة!!.
    ها هو الموت أمام عينيه يريد أن يبتلعه لكنه مقتول في ذهوله وغيرته أكثر من الموت نفسه , فمصابه في عرضه أشد عليه من مصابه في نفسه.
    وفجأة صاح صيحة خر على أثرها مغشيا عليه...اجتمع الناس حوله وأسرع الأطباء إليه وبعد أن أفاق نَهَرَ من حولهُ وانتفض انتفاضة المغبون نحو باب المستشفى كأنه أراد أمراً هاما ...فهو مسرعٌ مهرولٌ إليه , يخاطب نفسه كالمجنون خدعتني الخائنة وقتلتني والله لن أموتَ حتى تموت.
    واستمر لاهثا يسابق خطا الريح في شوارع المدينة متجها نحو منزله , لا يلتفت لشيء , حتى وصل وهو مشنج القوى مشدود الأعصاب مشتت الذهن مذهولاً !! كأنما يلاحق الموت والموتُ يلاحقه !! فدخل غرفة نومه وأخرج مسدساً من دولابه , ثم اتجه إلى المطبخ ـ حيث زوجته سمية تعد طعام الغداءـ وبينما هي منهمكة تطهو ـ وقد سمعتْ جلبه عرفتْ من خلالها قدومه ـ فنادت: صفوان , هل وصلت؟! لقد عدتَ مبكراً , أخبرني كيف حال قريبك؟!!.
    وفجأة وثب أمام باب المطبخ , وهي تحدثه وعيناها على النار حتى لا يتلف الطعام , ولم تلتفت إليه , إلا عندما سمعته يقول: فعلتِيها يا خائنة !! فعلتِيها يا فاجرة! قتلتِني بفجورك أيتها الساقطة!!.
    تسمرت في مكانها كأنها جدار حائط , وقد تغير لونها وانكمش ظلها , وخنقت الفجيعة والعبرة أنفاسها , فبدت كأنها عرجون ذابل هشمته العواصف في شتاء قارس , والعرق يتصبب منها كشلال منحدر بعد يوم مطير! وكلماته تنهال عليها كأنها صواعق من السماء , فلم تسمع غلظة موحشة بهذه الصورة , ولا فحشا مقذعاً بهذا القدر؟! من أحد طيلة حياتها , هل هذا صفوان الذي لم ترى منه نكأة قبل الآن؟! أم شبح عفريت؟! ما الذي حصل؟!!.
    كانت يد صفوان خلف ظهره , وهو يزبد ويرعد والرضاب يسبق كلماته الفجة الغليظة , كما يسبق الغثاء السيل الهادر الموار , وكان المسدس في قبضته والزناد على إصبعه , لم يمهلها ! وقد تسمرتْ كأنها عود قضيب , أوجذع طلح يابس قرضته الأيام وغبره الدهر بكلكله !! وسرعان ما وجه إليها فوهة المسدس وأطلق على الفور ثلاث رصاصات في صدرها النحيل, أردتها أرضا تتخبط في دمائها , وهي تقول: ماذا صنعتُ وماذا جنيت؟! وكانت آخر كلماتها : لمَ قتلتني؟! ماهي جنايتي ؟! ولم تستطع اتمام الجملة , وكانت تتدحرج وتزحف بين دمائها وتمد يدها كأنها تستغيثُ به لينقذها من صراع مرير , والموت يشظيها لينزع روحها من جسدها... وصفوان ينظر إليها كأنه صخرة أو وحش كاسر لم يرق لها وهو يشاهد تلك الدماء تتدفق , وهي تتلوى كما تتلوى الحمامة المذبوحة , وفي يدها ملعقة قد التصقت في لحمها كما يلتصق الساطور إذا ضرب به لحم الجزور من شدة قبضتها عليها أثناء خروج روحها الطاهرة خرجت أنفاسها وعضت نواجذها العليا على شفتها السفلي وهمد الجسد وسكن فوق دمائها التي ملأت المكان.
    يا لهول ما صنع!!.
    خر جاثيا على ركبتيه مذهولاً غير مصدق أهو في يقظة أم منام؟ ... أيشاهد حلما أم فلما أم حقيقة أمامه ؟! لم يتمالك نفسه انهار بجوارها كأنه ميت!.
    فاق من غاشيته وقلَّب المسدس بين يديه ووضعه على رأسه ثم ضغط الزناد لكن المسدس أبى , لفرغه من الرصاص , فسقط مرة أخرى على الأرض لا يدري كيف يتخلص من نفسه ؟! وبعد هنيهة من استرخائه كأنما اهتدى لأمر... أدخل يده في جيب معطفه واستخرج التلفون وبصعوبة شديدة تلمس رقم الشرطة واتصل بهم يطلب حضورهم إليه , وهنا بدأت القصة تأخذ مسارا آخر لتتكشف الحقائق وينجلي المستور.
  • ريما ريماوي
    عضو الملتقى
    • 07-05-2011
    • 8501

    #2
    حزينة القصة ومشوقة ..
    شكرا لك .. سانقلها الى مكانها المناسب..
    بانتظار التتمة ولو لم يكن سنكملها بانفسنا...
    تحيتي وتقديري.


    أنين ناي
    يبث الحنين لأصله
    غصن مورّق صغير.

    تعليق

    • هائل الصرمي
      أديب وكاتب
      • 31-05-2011
      • 857

      #3
      أتمنى ذلك ريما ساعديني في تصور الفصل الأخير

      تعليق

      • ريما ريماوي
        عضو الملتقى
        • 07-05-2011
        • 8501

        #4
        لا أخي هائل.. كنت أقصد لأنك تركتها مفتوحة حسب العنوان بلا نهاية...

        لك خالص التقدير.


        أنين ناي
        يبث الحنين لأصله
        غصن مورّق صغير.

        تعليق

        • هائل الصرمي
          أديب وكاتب
          • 31-05-2011
          • 857

          #5
          أشكرك من كل قلبي
          تقديري لك دوام

          تعليق

          • هائل الصرمي
            أديب وكاتب
            • 31-05-2011
            • 857

            #6
            هرَعتْ الشُّرطة إلى مكان الحادث , فوجدت ضحيتين أمامها , الأولى سمية وهي تفترش دماءها الزكية و قد غادرت الحياة في منظر مروع يثير الشفقة عليها كما يثير السخط والاشمئزاز على من فعل بها هذه الفعلة الشنيعة , وقد ارتسمتْ على محياها علامة استفهام وتعجب!! كأنها فجعت بحيرتها أكثر من فجيعتها بموتها , وكانت الضحية الثانية زوجها صفوان مرميا على الأرض بعد أن قتلها , وهو في حالة انهيار عصبي يكاد يُفقدهُ عقله إن لم يفقده حياته , حتى أن الضابط الذي حضر قام بتحريكه يمينا وشمالا ؛ ظنا بأن به طلق ناري من شدة ما رأى عليه من إعياء , فلم يجد به شيئا!! عندها نزع المسدس من يده, وأمر بحمله إلى سيارة الإسعاف بجوار ضحيته , وقد عرف من وجود المسدس في يديه أنه القاتل , توجهوا إلى المستشفى وقبل أن يضع المجني عليها في قسم الضحايا توجه بالجاني إلى الطبيب المختص وكلف حارسين بجواره وأوصى بالاعتناء به وبذل ما يمكن بذله لإنقاذه.
            قام الطبيب بما يلزم وأمر بنقل المريض إلى غرفة العناية , فقد كان بين الصحو والإغماء.
            ـ الضابطُ للطبيبَ :هل يمكن أن يسترد بعض عافيته قريبا ليتسنى لنا التحقيق معه ـ لا أظن حالته الصحية تسمح بذلك , يحتاج إلى فترة من العناية والراحة ربما تطول أو تقصر , ولا أستطع أن أحددها قبل مرور ثمانٍ وأربعين ساعة.
            ـ إذن إهتم بشأنه أرجوك
            ــ إن شاء الله
            شكر الضابط الطبيب وانصرف بعد أن أضاف حارسا ثالثا جوار صاحبيه.
            ظل الضابط يتردد على المشفى يوميا تقريبا,. ليعرف من صفوان تفاصيل الحادث. وكان قد جمع معلومات شبه مفصلة عنه وعن زوجته وخصوصا من أهليهما بعد أن تعرَّف عليهم وأبلغهم بالحادث , ومع أنهم لا يعلمون من المجرم الذي سولت له نفسه بهذه الجريمة الشنعاء الذي أصابت صفوان وقتلت سمية ...لكنهم لا يمكن أن يخطر ببالهم أن الجاني صفوان؛ لمعرفتهم بمدى الحب الذي كان بينه وبين زوجته!.
            لم تتحسن حالة صفوان إلا بعد عدة أيام من تاريخ جريمته .
            ـ دخل عليه الضابط مروان بعد تحسنه و طلبَ إخلاء الغرفة , و قعد أمامه و فتح محضرا بعد أن تناول قلما كان مُغمداً في جيب كتفه الأيسر.
            ــ أخبرني بكل ما حدث؟.
            ــ تنهد صفوان نهدة عميقه وكأنه ينزع أنفاسه معها , والتفت في اتجاهٍ أخر .. ثم نظر نحو الضابط وعيناه تترقرقان بالدموع , والعرق يتصبب من جبينه كتصبب النبع إذا انفك عقاله , و بمرارة أشد من العلقم , يقول في نفسه : بطن الأرض خير من ظاهرها , وددت لو أني لم أخلق ولم أتزوج لقد لطختني بدمها , ألم يكن خير لي أن أتركها بدلا عن حمل وزرها وسوأتها , ليتني هباء في واد سحيق أو حبة رمل في صحراء قاحلة , ولا أتعرض لهذا.
            وظل يقلب نظره ويجول بفكره صامتا حائرا لا يكاد يبين , تبين الضابط ذلك في امتقاع لونه وتغير ملامح وجهه , فتركه برهة ولم يثقل عليه بتكرار السؤل , حتى بدأ يسترسل بالإجابة من بداية تعرفه على سمية وما صاحب ذلك من مخاوف وغيرة , ثم ذكر خشيته وخوفه من غواية ناهد لها , وعقب بقوله : و يا للأسف فكل ما كنُتُ أخافه حدث , ولم يتبين لي ذلك إلا في نهاية الأمر عندما أصبتُ بفيروس الإيدز , واعترف بجنايته , عندما أجاب على سؤل لما قتلتها ؟!
            ـ قَتَلتني فقتلتها والبادئ أظلم , وكم حذرتها من صحبة ناهد , وهذه نتيجة صحبة السوء.
            واستمر الضابط يدون كل ما يقوله بدقة ولم ينطق ببنت شفه , حتى أتم حديثه.
            عندها أغلق المحضر بعد أن وقع صفوان عليه , وخرج مسرعا كأنه أراد أمرا هاماً وصل إلى مكتبه وتناول ملف القضية وبه تقرير الطبيب حول وفاة سمية وبعض ما جمعها عنها من معلومات , لعله أن يجد ما يفيد أن المجني عليها تحمل المرض أم لا... ولكن دون جدوى لم يجد ما يفيد ذلك.
            واستمر الضابط مروان بالتحقيق يريد أن يرسو على شاطئٍ واحد بين ما سمعه عن عفة وأخلاق سمية , وبين اتهامات صفوان لها , كأنه لم يقتنع بما اتهم به صفوان زوجته .
            لذلك قرار التحقيق بعمق مع كل أصحابهما ليعرف عمق القضية وأبعادها وبدأ, بناهد التي اتهمها صفوان بأنها هي التي أفسدت سمية وأغوتها وأدخلتها في المجون.
            وبعد أن جمع المعلومات عنها وتعرف على سلوكها تم استدعاءها للتحقيق...وتم مواجهتها بما اتهمت به, لكنها أنكرت , وزكت نفسها بالطهر والعفة.
            ـ صمت الضابط برهه , وهو يتحرك في أرجاء الغرفة يمينا وشمالا , ثم قال: أنت تنفين ما ادعاه صفوان إذن.
            ــ نعم.
            ــ ماذا لو ثبت ذلك
            ـ أتحمل المسؤولية
            ــ لا بد إذن أن نفحص دمك
            ـ أنا لا أسمح بمثل هذا الذي تقول:
            ـ صفَّق الضابط بيديهِ فهرع أحد الحراس إليه , أمره بأن يصطحب ناهد إلى أقرب مستشفى لأجراء فحص الدم.
            ـ ارتبكت ناهد وأبدت انزعاجها!!.
            ولكن الضابط لم يعطها وجها , وأشار برأسه بأخذها , فتثاقلت وهي تصيح أريد محامي هذا افتراء وظلم وعبث , لا أقبل هذا السفه , لن أذهب أبدا .. لا بد أن تحاسبوا على هذا التصرف الغير قانوني .
            خرجا بها ولم يلبثا ساعة من زمان حتى عادا ومعهما الفحص بالإدانة.. وبعد أن أرهقها التحقيق وحاصرتها الأدلة , اعترفت بكل شيء, اعترفت بأنها هي وراء مكيدة الصورة التي ظهرت فيها سمية تعانق شابا...واعترفت أيضا بأنها هي من وضعتْ المخدر في كوب الفراولة , ثم خرجت قبل أن يغمى على سمية وعادت وبيدها حقنة من دمها, حقنتها في وريدها وانصرفت دون أن يشعر بها أحد , وأقرت بأن سمية أعف من عرفت في حياتها وهذا هو سبب غيرتها منها وجنايتها عليها.
            أخذ الضابط مروان التسجيل , وأسمعه صفوان وقبل أن ينتهي التسجيل , دارت بصفوان الدنيا وأظلمت في عينيه كأنه في ليل دامس موحش حالك الظلمة , والمكان أشد انبلاجا وضواء , فالشمس في رابعة النهار.. وقد تحركت كل ذرات جسمه وارتعش ارتعاشة المحموم الذي أجهدته الحمى في ليلةٍ شاتية , وهو يستعرض مشاهد زوجته ورقتها وحسن توددها له , ومشاهد أخرى مفزعة كان آخرها وهي تستغيثه وتسأله بأي ذنب قتلت !.
            لم يستطع أن يتحمل تلك المشاهد المؤثر ولا بشاعة ما اقترف.
            ظلت الغرفة تدور به كما تدور الرحى , ونبضات قلبه تدق كأنها مطرقة , وفجأة شعر باختناق شديد سقط من سريره على الأرض , ثم صاح صيحة مدوية و شهق شهقة خرجت معها أنفاسه وفارق الحياة , تلك كانت نهاية التسرع المفرط والغيرة القاتلة.
            أمَّا ناهد فقد نالتْ جزاء جريمتيها النكراء بما تستحقه , فكم قتل الحقد والحسد أصحابه بلا ثمن ... ولربما شعرت بالندم قبل أن تنال عقوبتها , ولكن هيهات بعد فوات الأوان .
            أمرتهُمُ أمري بمنعرج اللوى فلم يستبينوا الرشد إلا ضحى الغد
            لقد أقيم عليها الجزاء العادل لفتكها بضحيتين.
            الأولى سمية قُتلت ولا ذنب لها ... وإن كان عليها من ذنب, فصحبتها لها, ..ولو كانت تتوقع أن هذه الصحبة تحمل لها السم الناقع ,لما صحبتها , الذنب الثاني أنها لم تلقي بالا لنصائح زوجها وتحذيراته من هذه الصحبة , ظنت أنه كعادته يبالغ في الغيرة والتخوف من فرط حبه لها , ولن يحصل شيئا ؛ لذلك لم تكترث بأوامره وقد علمت بوجوب طاعته , فنالها ما نالها وهي أطهر من ماء السماء.
            الضحية الثانية صفوان الذي طغت عليه غيرته فقتلته ؛ حيث أصبح مصيدة للحسد والحقد لينفذا إليه من خلالها , فهذه الغيرة الطافحة وأبناؤها الشك وسوء الظن , هما من أغرى ناهد وجعلها تكيد لسمية ؛ لتستعدي زوجها عليها, لعلمها بتمكن الغيرة منه , وفعلا قتل صفوان زوجته ظلما وعدوانا بدون تروٍ , ولو تريث وتعقل , لما حصل ما حصل , ولكنه استجاب لنزق نفسه وجموح غيرته وانفراط ضابط التقوى والخوف من الله لديه ؛ مما جعله يتهور ويقدم على جريمة نكراء تهتز لها السماء , وتتزلزل الأرض , وتخر منها الجبال هدّا , فمن يفعل مثل فعله حتى ولو كانت المجني عليها مدانة كما ظن بها واعتقد , فلا يحق له هدم بنيان الله , ناهيك أن تكون بريئة طاهره يا لسوء ما اقترف ... لذلك مات كمدا وقهرا بعدما تبين له الحق وانكشف له الغطاء وهيهات هل يجديه نفعا..
            وهل يجدي مع الكأس التئامُ وقد شظته في صلفٍ سهام
            وكـم شطتْ بأقــوامٍ نفـــوسٌ فتاهوا في غرائزهم وهاموا
            فلا يبقى لهم عزٌ مصان ولا أمل ٌ يرام ولا احتـرام
            وهل يُهدى لدرب الحق ماضٍ إذا ما عمّ في النفس الظلامُ
            وأغواها وتاه بها اغترار وأضرمها وأغراها العرام
            وأركسها وتاه بكل معنىً عن الخط السوي هوىً حرامُ
            فمن رام الوصول بغير هدي تشتته المتـــــاهات العظام
            يصدق كل وسواس إلى أن تطيش به عفاريتٌ لئامُ
            ويطوي ظله التاريخ يوما بما صنعت يداه ولا يلامُ
            وكم قوم أضر بهم هواهم وتاه بهم عن الدرب الختام
            وقد حادوا بما اقترفوه ظلما وعرَّش في مسالكم ظلام
            أساءوا دون تقدير وعلم وهم من قبل سوءتهم كرام
            عن الحق المبين نأوا بعيدا كأنهــمُ بيقظتهم نيام
            فلا يهمي بهم طل وغيث ولا ينمو بساحتهم سلام
            فعاشوا غافلين بغير رشد وقد أردى بعشرتهم خصامُ
            فهل يبقى لهم في الأرض مجد وهل يهمي بروضتهم غمام
            وقوم أسرجوا خيل المعالي وعاشوا كالملوك وهم صيام
            فيا ربي أنلنا برد عفو بقربك كي يشرفنا المقام
            فإنا معشر ضعفاء ننسى فهل يغني صيام أو قيام
            وكم أهواؤنا أغرت خطانا فما بان الحلال ولا الحرامُ
            إذا لم تهدنا دربا سويا تُغرد في نواحيه الحمام
            لعشنا كالبهائم في ضلال تسربلنا الغواية والظلام
            فزدنا من فيوض النور إنا نــؤمل أن يرافقنا العظام
            ومن يستمطر الرحمات غوثا ينعـم بالهناء فلا يضام
            فربك يصطفى من يرتجيه وينصر من لشرعته أقاموا

            تعليق

            يعمل...
            X