رحلة لن تتكرر
قد كنتُ روحاً في الغياهبِ تقبعُ
والشمسُ دوماً من ظلامٍ تطلع
لمّا جنحتُ إلى المغيبِ مودعاً
قد أدمعتْ عيني عليَّ وأدمعوا
ما بالُ قلبيَ بالثرى متشبثٌ
ومشاعري بي في الهوى لا تقلعُ
وكأنها الدنيا تضاءلَ حجمُها
حتى تضيقَ بها الجهاتُ الأربعُ
روحي تحاولُ أن تطيرَ على المدى
والكونُ من حولي بدا يتقوقعُ
قلبي نباتٌ باسقٌ وهمومُه
كثبانُ رملٍ حولَه تتجمعُ
أملي إلى قطفِ النجومِ يقودني
والكفُّ من عجزٍ به لا يقنعُ
قد جئتُها الدنيا بهمةِ عاشقٍ
ما عادَ يؤلمه الذي يتجرعُ
فإذا أسيرُ ببحرِها متعمقاً
لوجدتُ روحي للغياهبِ تنزعُ
من راحَ في الدنيا يطاردُ فكرةً
صعبتْ فإن يقينَه يتزعزعُ
ولقد تتوهُ عنِ الحقيقةِ باحثاً
حتى ولو كانتْ أمامَك تلمعُ
والناسُ تمضي للمصيرِ بغفلة
والعمرُ حلمٌ والمصيرُ مروعُ
خضتُ الحياةَ وكم مخرتُ عبابَها
والآن حولَ ضفافِها أتسكعُ
والناسُ من حولي يسودُ سكونُهم
وكأنَّ من حولي الأنامَ تشمعوا
إن لاحَ نورٌ ذابَ منه قوامُهم
ولذاكَ يخشون الذي قد يسطعُ
والكونُ أفكارٌ تمرُّ بخاطري
والقلبُ أجراسٌ ترفُّ وتقرعُ
وإذا أنارتْ فكرةٌ في داخلي
أفكارُ ضدي حولَها تترعرعُ
وأتيه في منعِ الفؤادِ عن الهوى
وأعودُ أسعدُ أنه لا يسمعُ
وتعقلي يهدي إليَّ سكينتي
حتى يعاودني الجنونُ فأبدعُ
في الصدرِ أفكاري تموتُ حبيسةً
لا شيءَ يغريها تبينُ وتلمعُ
أبحرت في دمعي لنبع مواجعي
حتى كأني صرت لا أتوجع
فوجدتني طينا يعود لبلقع
في بلقع تودي إليها بلقع
روح ترفرف حينما حلت به
جاء الملائك حوله كي يركعوا
فإذا برئْنا من جراحِ حياتِنا
عادتْ تبسَّمُ من جديدٍ نُخدعُ
وإذا بلغتَ من النهايةِ مبلغاً
لوجدتَ أنَّك للبدايةِ ترجعُ
فيكَ الدروبُ تفرعتْ كي تلتقي
وتعودُ عنك لتلتقي تتفرعُ
وإليكَ تبقى حيث كانت وجهتي
دوماً فأنتَ المنتهى والمنبعُ
ما الحسنُ إلا ما تراه عيونُنا
ما الكونُ إلا ما حوتْه الأضلعُ
هذي هي الدنيا وأروع ما بها
أدركت ذاك المستحيل الأروع
ووهبتها دنياي بعض طبائعي
وجمعت في نفسي الذي لا يجمع
دار الزمان وتلك بعض طباعه
لأعود روحاً في الغياهب تقبع
تعليق