الضحاكُ المشرقي...بكّاءاً
(1)
"قالي لي: ما يمنعك من نصرتي ؟.(1)
قلت: إنّ علي ديناً وإن لي لعيالاً، ولكنك إن جعلتني في حلٍ من الانصراف إذا لم أجد مقاتلا، قاتلت عنك ما كان لك نافعا وعنك دافعا، فقال: فأنت في حلٍ، فأقمت معه..."
(2)
"...قلت له: قد علمت ما كان بيني وبينك؛ أقاتل عنك ما رأيت مقاتلا، فإذا لم أر مقاتلاً فأنا في حلٍ من الانصراف فقلت لي نعم. فقال: صدقت، وكيف لك بالنجاء ؟، إن قدرت على ذلك فأنت في حل...فلما أذن لي استخرجت فرسي واستويت عليه وحملت على عرض القوم فأفرجوا لي وتبعني منهم خمسة عشر رجلاً ففتهم وسلمت.."تاريخ الأمم والملوك-الطبري
(3)
لا ينهض أبداً، فلا يستقيم جذعه إلا لقضاء حاجته والصلاة التي يتبعها برجاءٍ محمومٍ؛ توبةً من جرمٍ اجترحه ولكنني لم أتبين كنهه. كان يمسك بذؤابات لحيته الكثة وينتفها ويلوم حظه العاثر. يخمش وجهه. يضرب بكلتا قبضتيه الجدران ويرجع خائباً.
- لم أمت في ذلك اليوم. لا زلتُ حياً. حيٌ كأي شئ، ميتٌ مثل كلّ الأشياء.
يرفع نحو السقف عينيه فيمنحه ابتهالاتٍ شتى، لعلها تخرقه وتعبر للسماء. يشهق ودموعه تزحف على خديه، ويعود ليقتعد الركن وهو يضرب جبينه تحسراً. لم يُقتل في ذلك اليوم، لكنه قتلني معه، متّ منذ أن عاد من سفره ذاك، فهو لم يحيَ بعد أن نجى من القتل فيه.
ومذ عبر الجند بدارتنا وهو ينوح كالثاكلة !.
* * * *
جاء ذات يومٍ مغموماً بعد سفرٍ طويل. وضع زوادته وسرجه وأرخى الجسد الذي أنهكه السفر ومسٌ من جراحاتٍ متناثرةٍ تنبهت إلى أنها وخز أسهمٍ وسيوف.
- هل أصابك مكروهٌ في الطريق ؟. سألتهُ ذاهلةً !.
كان صامتاً، حزيناً، كئيباً وحوله يتحلق أطفاله وهو لا يطيق مدّ عينيه التي تسفح دمعةً طالما ترفع أن نراها في محاجره، ولكنّ فداحة ما أصابه جعلته لا يتورع عن هتك حجاب جأشه.
خلعتُ قميصهُ وأخذت منديلاً فغمسته بماءٍ فاترٍ لأمسح الدم عن جراحه، وذهلت لما رأيتُ وخز الأسهم الكثيرة:
- لا أظنّ أنه من فعلِ قطاع الطريق. ما أعتقده هو أن السماء أمطرت سهاماً حتى أصدقَ أنها نبالٌ طائشة ؟
نظر لي نظرةً ذليلةً، عينه المتوقدة لا تتسع لكبريائها المعتاد. مطّ شدقيه، ثم طأطأ رأسه، حتى سمعنا جعجةً وجلبةً، جعلتني أجفل وأذناي تركضان نحو الطريق التي تغصّ على ما يبدو بالخيل والجند والخطواتِ المتلاحقة.
رويداً رويداً قمت أزحف بالستارة لأرى ما خلف النافذة. كان هذا هو الفصل الأخير في حكايته وحكايتنا التي انتهت بعد أن ترك لي صرةً من المال أتقوّت بها أنا وأطفالي ووصيةً مكتوبةً على جلد شاةٍ مدبوغ.
كل ذلك حصل، ولكن...قبل أن تلتهمه العتمة.
* * *
عندما مددتُ عينيّ إلى الطريق التي أثارت نقعها سنابك الخيول وخبط الأحذية الثقيلة، رأيت جمعاً كبيراً من الجند العائد من غزوٍ أو حرب. مغانمهم، والسبايا، ورماحٌ نبتت عليها رؤوسٌ تشجر شعرها، أرهقتها السكرات الأخيرة، ولوثها الدم الخاثر.في إثرهم، تمشي النياق الهزيلة، وعليها نسوةٌ وصبيةٌ، بعضهن كن يمشين مصفوداتٍ مع أطفالهن، يصرخن ويبكين ويندبن ذوي الرؤس، أولئك الذين يلوحون أمام أعينهم كزهورٍ قطفت من مياسمها. كن حزانى، ثاكلاتٍ، وبعضهن يقرضن شعراً، يتذكرن فيه أحبابهنّ وغدر الزمن العنيد.
سمعت بعد ذلك قرع طبولٍ ونشيداً من الجند يتدحرج نحو النافذة. رقصوا شامتين على ما يبدو، فرحين بانتصارٍ مزعومٍ على أولئك الرجال المقطوعة أرؤسهم، وبين الفينة والأخرى أسمع أحدهم يصرخ في الناس الذين وقفوا للفرجة متوعداً من يبدي قدراً من التعاطف أو الاسترحام على سباياهم.
كنت أرقب المشهد، أعاين أوجه الناس وعيون الأطفال المسبية، وأبعدتني عن غزل خيوط الحكاية؛ يده التي دفعتني دفعةٌ خفيفةً حتى يتبين ما يجري.
نظرت له بقلق، فبادلني قلقه بعينين مقروحتين.
لما وقعت عيناه على الرماح التي تتراقص على وقع الطبول المزهوةِ بالنصر، بصر بما لم أبصر به، فرفع يده ببطءٍ كمن لا يقوى على حمل إصبعه التي أنهضها وهي ترجف مشيرةً إلى رأس أحدهم. كان ينظر له بتحسرٍ وندمٍ. عض شفتيه، وقبض على لحيته كمن يريد أن يجزها من منبتها غضباً.
سمعته يقول بخجلٍ استبطنته سحنته المحمرة:
- هذا رأسه. الرجل الحكيم والشجاع. هذا وجهه وجبهته التي تفلعت ثفناتها من طول السجود.
استدار لي. نشج وهو يشير نحو الطريق المكتظ، الطريق الذي دفنته الأسئلة قبل ضجيجه والجلبة، فعلقت عينيّ بعينيه، أملاً في معرفة ما بداخله:
- انظري لهؤلاء الأوغاد. هل تعرفين رأس من هذا الذي على الرمح ؟. انظري لوجهه العفيف، وشفتيه اللتين لا تنطقان إلا بذكرٍ أو آية، انظري لهما كيف لا زالتا تتقلقلان في هذا الزحام، حتى بعدما قطعوا عروق جسده التي تمدهما بماء الحياة، رغم أنهما يابستان، لأنه مات عطشاناً، صدقيني مات ظامئاً، بينما يتلذذ القتلة واللصوص وقطاع الطريق مع كلابهم في النهر الذي منعوه منه.
لم أقاطعه، فأردف بشغف:
- ألا تسمعيه يتلو القرآن ؟، أنا أسمعه. أزيحي هذه الغشاوة عن قلبك يا امرأة، ستسمعيه لا زال يتلوهُ ويبكي خشوعاً، لا زال يتضرع منيباً للربّ الذي لن يرحم هؤلاء الأوغاد.
قال وهو يضرب يديه ببعضهما:
- أنا سمعته وهو يصيح في القوم، يمنحهم دمعته المشفقة عليهم، يهبهم الدعاء لهم قبل أن يجهزوا عليه، ثم يصرخ أخرى، لمن يريد أن يعبر جسراً ممدوداً إلى الفردوس: ألا من ناصرٍ ينصرني ؟، وكأن باباً إلى السماوات قد فتحت وستغلق بعد وقتٍ قصير.
طأطأ رأسه، واختنق بعبرته:
- أما أنا...أناي اللعينة، أنتِ، أطفالي، والدنيا، المال..كل ذلك، والأوغاد يعضون بأنيابهم النتنة على رقابنا، يلطخوننا بقذارتتهم ساعة يشاؤون، ويلوثوننا بعارهم، عار الدم الطهور الذي نبت على مخالبهم وصبغوا به أوجهنا المسودّة.
دفع برأسه للخلف:
- أنا...آه، صحراءٌ قاحلةٌ تفصل بين إيماني واليقين الحق، هذه المسافة التي قطعها أصحابي وبقيت أنا على الضفة الأخرى، خائفاً، متردداً.
يالسوء حظي !.
رفع وجهه وتكسرت في صدره الذكريات فقام ينظر للرأس بحنانٍ:
- من قريبٍ التفت لي ونحن في غمرات الحرب، ودعته فعانقني بامتنانٍ بالغ، شكرني، دعا ربه العظيم أن يحفظني، أن يوصلني لكم سالماً بعد أن امتلأت وديان هذا القفر بالضباع والذئاب الضارية التي اقتلعت لحمه وشوهت طلعته فيما بعد.
لوح لي من بعيد. نظر إلى السماء وهو يرفع كفين ضارعيتن. تناهى إلى أذني صوته الخشوع يرجو الله أن يخرجني من بينهم، ثم ينظر لي من بعيدٍ وأنا أخبّ هارباً في الصحراء.
وبعد أن نجوتُ، قمت أنظرُ لميدان المعركة التي أشرفت على نهايتها فرأيت سلماً مرصعاً باللآلئ يمتدّ بعتباته الرخامية إلى السماء ليصل إلى هالةٍ عظيمةٍ ينبعث منها النور، يعبرها أصحابي الذين تسامرت معهم الليلة الفائتة، كانوا يلوّحون لي مسلّمين، واحداً تلو الآخر يصعدون وهم يمتطون صهوةَ مهرٍ أبيضٍ كبياض الثلج له عرفٌ مخمليٌ يصل لحوافره وأجنجةٌ ريشيةٌ طويلةٌ ترفرف كلما خفقت في الفضاء وهي تحملهم لتلك الهالة، رغم أنني وجدت بعضهم مطعوناً والدم يفور من ميازيب جسده الذي انطفأت فيه الحياة، بل حملت بعضهم حتى يلقنه هذا الرجل الشهادتين فيسلم الروح أمام عينيه.
- هل فاتني اللحاق بصحبٍ لم تجمعهم هذه الأرض أبداً، إلا عند هذا الرجل ؟.
قال وهو يستذكر متعجباً:
- ما الذي جمع الأعجمي والعربي، السيد والعبد، الأبيض والأسود، المسلم والنصراني، إنه هذا الرجل، حب هذا الرجل الذي يرغمك على أن تنصفه من نفسه.
ثمّ حوقل واستغفر، ومضى بعد أن زحف بالستارة ليتسر النافذة فيحجب ما أراه:
- لا تتفرجي على هذا العار يا امرأة، فإنه إثمٌ مشاهدة أبناء وبنات النبيين والصديقين وهم في هذه الحال.
وبعدها وجدته لا يكاد يفارق الدار، فانقطع عن صحبته، وظلّ صامتاً مهموماً، تأكل أحشاءه نارٌ سجرها ذاك المشهد القاني ووقع الطبول الحاقدة، فلم نكن نسمع إلا رجاءاتٍ يبثها على الدوام واعتذاراً مبهماً لصاحب الرأس الذي أشار له في ذلك اليوم.
ثمّ...ابتلعه الغلس.
* * * *
خبأتُ جوادي في خباءٍ بعيدٍ. تسللت من بين الصفوف لأقصد الجواد الذي بدى عليه الإعياء من شدة الظمأ، فقد رأيت خيل أصحابنا تعقر والقوم يحيطون بهم من كل جانبٍ. أمسكت عنانه وأدخلته في تلك الخيمة وغطيته ووفيت بوعدٍ قطعته على نفسي أمام هذا الرجل؛ أن أقاتل في صفه ما بقي معه أحدٌ، وإلا فإنني في حلٍ من وعدي.
كان في الصحراء مع بناته وعياله ورهطٌ قليلٌ من أهل بيته. صادف وأن مررت أنا وصاحبي بمضاربهم التي حوصرت من عسكرٍ وجيشٍ لجبٍ يقف بإزائهم، أتذكر أنه استوقفنا واستنصرنا على أولئك الجمع الذين يعتزمون أخذه رهينةً في أيديهم طوعاً أو كرهاً.
قال له صاحبي أن عليه ديناً ولا بد أن يعود لسداده، أما أنا ففضلت أن أبقى معه، ولكنني اخترت طريقاً أسهل من أصحابه الذين بايعوه على أن تعبر الخيل أجسادهم قبل أن تصيبه أيدي هؤلاء القوم بمكروه، فاخترت أن أظفرَ باثنتين؛ أن أقوم بنصرتهِ لكي لا أعيشَ تأنيباً قاسياً إن أنا فوّت ذلك، ولا أقطع حبال عمري التي يشدها صغارٌ ذوي بطونٍ غرثى ومرأةٌ حزينةٌ ترقب طلتي بعد سفرٍ بعيد.
كنت موقناً أن جميع رجاله إن لم يكن نساءه أيضاً؛ سيكونون على موعدٍ مع الموت المحتم وهم يقفون في وجه بحرٍ لجيٍ من الوحوش الشرسة التي تتعطش لسحقهم، جيش الرغبةِ والعهر والدراهم المعدودة، ورهطٌ يتوقون للانعتاق الأبدي من الزيف والرغبة الفانية، رغم أنهم كانوا يتراءون في عيونهم كفريسةٍ قليلة الحيلةِ في مرمى نسرٍ جارح.*
* مما قالته زوجة الضحاك لجارتها عن حديثه لها قبل أن يختفي بليلة.
* * * *
"ها أنذا تقطعني سكاكين الندم. نفسي التي تلومني بعد أن تركته وحيداً عندما لم أجد مقاتلاً معه ما خلا أحد أصحابه، وقد كان أعداؤنا يتسللون بين الحين والآخر فيحرقونَ خيمةً وندفعهم عنها، ثم لا يلبثوا أن يعودوا مجدداً فيحرقون أخرى، فلما قلّ عديدنا، وقفنا راجلين ننظر بلا حيلةٍ للرماح التي تهبط من علٍ.
رحت إليه، يالوقاحتي، كنت مع الرجل للتوّ، أسحب جثث إخوته وأبناءه، وقد شهدته يوم خرج يطلب الماء لابنه الرضيع الذي تقطعت أحشاؤه من الظمأ.
رأيته يستصرخهم أن يجودوا عليه بقطرة ماءٍ أقسم أنها لن تمرق في حلق أحدٍ سوى هذا الرضيع، ولكن أحدهم شد وتر قوسه فانطلق سهمٌ حملته الريح إلى نحره الرقراق، فتفجر ميزابٌ قانٍ من رقبته. رأيت كفيه الصغيرتين تمتدان من تحت قماطه الناصع وهما تتلألآن. كانت رجلاه تفحصان من حرارةِ السهم النابت في حلقهِ فأمسك بذؤابات أبيه الذي عضّ شفتيه واستطعم مرارة لؤم هؤلاء القوم، ثم سكنت صيحاتُ الصغير بعدما أسلم نفسه المعذبة.
جرى دم الطفل على منساباً على يديه، فملأ كفه منه ثم قذفه في السماء فتلاشى، حتى لم تسقط منه قطرةٌ واحدة، وكأن هناك من حمل هذه القطرات النبيلة كي لا يخمد ثأرها المقدس أبداً.
ياه...ما الذي فعلوه بعد ذلك ؟. لم أشك أن الأراذل وقتلة الأطفال سيفعلون أي شئ. فقد سمعت صوتاً من السماء يصرخ متوعداً، وريحاً سوداء تجتاح الوديان العارية، ودماً عبيطاً يسح من قرص الشمس التي كنت أواجهها وأنا أشق طريق العودة في فيافي نينوى.
وهذا ما دعاني لأستيقن من أنهم فعلوها: قتلوهُ."*
* مخطوطةٌ وجدت تحت سرير الضحاك، بعد اختفائه.
* * * *
جئتك حافياً.أنا ومهري الذي وضعته خلسةً في الخباء كي لا يعقر كما عقرت خيل أصحابك فأضمن النجاة لنفسي التي اشتريت لها حياةً بائسةً بعد ذلك، ثمن أن أبقى عبداً آبقاً للأوغاد والقتلة. لكنني جئتك في يومك العظيم، وقد بعت كل شئ واشتريت ثمن رغبتي عن الموتِ قبل سنةٍ من الآن.
قبل عامٍ، كنتَ أنت هنا، جئتك ضحىً لأنني سمعت أنك قتلت في الظهيرة والشمس القائظة تأكل جسدك الذي هشمته السنابك المتوحشة.
أمرّ بقبرك الآن ولا أعلم هل جئ برأسك فدفن فيه أم لا زال يعبر المدن الخائنة وهو يرمح الفضاء ؟. أشم عبقك الذي علق فيّ يوم عانقتني وشكرتني على وقوفي معك في آخر ساعات عمركِ، فلم أرعوي عن طلب النجاة لنفسي، وكأن الأرض لا تدور إلا على محور حياتي التي لن تضيف لك شيئاً، لأنك تعلم أن المعركة غير متكافئة، لكنك وددت أن أعبر معك لتلك الهالة المضيئة.
أنا عطشانٌ الآن، ظامئٌ ولن أطلب الماء، فمذ خرجت من تلك المدينة اللعينة، لم أرتشف أي رشفةٍ كي آتيك في العاشر من المحرم عطشاناً كما كنت أنت.
قبل أن أغرس يدي في ثراك وأسقيه بالدموع، توجهت إلى الفرات كي أغتسل فأتطهر من دنس خطيئتي وأتحرر من الرق للأوغاد والقتلة. ولما عدت لجوادي؛ أوحى لي بإيماءةٍ أنه يرغب في الغسل أيضاً لما أشار برأسه إلى النهر.
أرخيت عنانه فجاز اليابسة واقتحم الماء كمن يريد أن ينزع عنه أدران عامٍ من خيانتك، حتى إذا غاصت حوافرهُ في الماء وجدته يتلاشى غرقاً وهو يرفع وجهه للسماء، يسحب أنفاساً متلاحقةً بحزنٍ ويحتضرُ راضياً، قانعاً بفناءهِ ثمناً لغدره قبل أن يخرج من الضفة الأخرى كالمهر الذي رأيته يحمل القتلى للسماء في يوم العاشر؛ أجنحته وعرفه المخملي ولونه الأبيض الساحر.
بقي ينتظرني في الجانب الآخر. يصهلُ ويحتفر الأرض بحوافره كمن يستعجل الذهاب إلى مكانٍ ما فيستحثني للصعود معه.
وبقيت أنت تلوح لي، قبرك والنهر الشحيح على مثلك، ساعداك وأنت تعانقني، رائحتك، أصحابك، رضيعك المذبوح والأطفال الحيرى.
شحذت سيفي، أنا الذليل الذي كنت معك ولم أبق في صفك حتى آخر اللحظات. طلبت النجاة، وها أنذا بقربك، مبعوثاً من قبر هوايَ، أريد أن أكون كما يجب أن كنتهُ منذ زمن. لن أخذلك مرةً أخرى، أريد أن أصعد على مهريَ الذي عمّد نفسه بالغرق كي يحملني لتلك الهالة فألقاكَ وأصحابك الطيبين.
نعم، أنا الذي سأغرس النصل في أحشاءي كي يختلط دمي بالتراب الذي شرب من عروقك الظامئة، فأصل إليك سريعاً وأنا أصرخ: يا حسين...يا حسين...يا حسين !.*
*مما كتبه الضحاك المشرقي بعد موته !.
وجدته زوجتهُ مدوناً على نفس جلد الشاة المدبوغ التي كتب فيها وصيته حيث اختفت تماماً لولا حفظها لها عن ظاهر قلب، وقد فزعت لذلك أيما فزعٍ فقصدت الفرات لترى قبراً يتيماً، أحد شاهديه ملفوفٌ بثوب الضحاك ورائحتهُ التي تسكن رئتيها لا زالت ملتصقةً به.
وجدته زوجتهُ مدوناً على نفس جلد الشاة المدبوغ التي كتب فيها وصيته حيث اختفت تماماً لولا حفظها لها عن ظاهر قلب، وقد فزعت لذلك أيما فزعٍ فقصدت الفرات لترى قبراً يتيماً، أحد شاهديه ملفوفٌ بثوب الضحاك ورائحتهُ التي تسكن رئتيها لا زالت ملتصقةً به.
تعليق