[TABLE="width: 99%"]
[TR]
[TD="class: auto-style1, align: right"]
بوفية راشد
في اليوم الثاني اجتمع الأصدقاء الثلاثة في بوفية راشد كعادتهم في نفس الموعد كأنهم ينتظرون صفوان بشوق أن يمر عليهم فقد كانوا على موعد معه منذ الأمس لكنه تأخر.
فاهم أتوقع عدم حضوره اليوم فقد لاحظته بالأمس مرهقا بسبب ضغط العمل عليه.
حامد وهو يبتسم: ليعرف مكنون صديقيه , لا بأس عليه وهو يستحق الراحة , لكن ما رأيكما فيما قاله بالأمس قبل أن ينصرف في إعادة الكرة بزواج الثانية:
رؤوف: هذا أمر حتمي فالتعدد أمر لا بد منه... فكلما رأيتُ السعادة تبزغ بين عيني صفوان وسمية تذكرتُ أيامي الجميلة مع سلوى...فلم نعد نرتدي تلك المشاعر المطرزة بالحب المتدفق كالسيل , والهيام المنساب كالجداول , كانت تغشى وديان أرواحنا فترتعش وروابي قلوبنا فتنتعش , كما ينتعش العشب الذابل بعد أن يروى بماء المطر , أم اليوم فلا نجد ما كان بالأمس وقد تزاحمت الأعمال , كتزاحم طلاب الفصول الأولى أثناء خروجهم للراحة , فلا الراحة وجدنا ولا الهم نفضنا.
حامد: قد أخالفك الرأي يا صديقي:!! , فما يزال حبي لأسماء قويا , راسخا كالجبال وأني لأرجو أن أحقق لها ما تصبو إليه وتأمل.
رؤوف هل تعود تلك الأيام بنسمات العشق المعبَّقة بالشيح والريحان, والفل والأقحوان , وبرحيق الصبابة الملتف بعرام الفؤاد , و نشاط الفتوة , أواه يا لها من أيام هيهات أن تعود...إلا إذا أعدنا الكرة , هكذا أمني نفسي عندما يتسلل إليها الملل أو يَدْهمها الكدر بعودتها , تنفتح شهيتي لزواج أخرى , فأقول لعلها تعيد أيامي الفضية وسنيني الذهبية , لكن التمني شيء والجدية شيءٌ أخر.
تنهد فاهم بنهنهة التأثر والحنين وقال : وما يمنعك من الجد , وقد أحله الله وشرعه , وأنت في سعة من العيش وبسطة من الرزق وأنت يا حامد ما يمنعك؟.
استحسنَ حامد الحوار وأراد أن يبسط في القول وكأنه أحس بميلٍ من أحدهم ؛ فاراد أن يثبطه ويصرفه عن الزواج , فهو يعلم بأنه إذا تزوج أحدهم تبعه صاحباه...لفرط حبهم لبعض.
ـ يمنعني حبي لأسماء , فإني أخشى على مشاعرها من أن يجرحها الطل الندي فكيف بالزواج !! ما أكاد أمزح مزحةً خفيفة معها في هذا الشأن حتى تتغير ملامحها !! ويصفر لونها , ويتعكر صفوها , كأنما صاعقة من السماء نزلت , أو طامة من الأرض هبتْ عليها ...و لا أكون مبالغا لوقلت :لعلَّ بعض النساء لفقد زوجها ربما أخف وطأة عليها من زواجه بأخرى !! وخصوصا في مجتمعتناهذه.
رؤوف : أمَّا هذه فأنا معك , إنهنَّ يَرينهُ السم الناقع , والوحش الكاسر الذي يفتك بهنَّ , ولا يقبلنَ فيه صرفاً ولا عدلا.
قال فاهم المال يكفينا مؤنة العناء ؛ نسترضيهنَّ ونفعل ما نشاء.
رد حامد: ليس كل شيء يشترى بالمال, لو كان كذلك لكانَ معك يا صديقي أربع جميلات تتأرجح بين عيونهن ونحورهن؛ فأنت أكثرنا مالا.
ثم ضحك وقال: ولا بمال الدنيا , إلا أن تُغلبَ على أمرها , فإذا استرضيتها تصنَّعت الرضا وهي كارهة.
كانت أسماء أحيانا إذا بلغ المزاح مبلغه , تضحك كي تظهر أنها غير مبالية ؛ لتواري بكبريائها غيضا يغلي داخلها كأنه مرجل, فإذا كان هذا في حال المزاح فكيف لوكان فعلا جزما.
قال فاهم : هذه حالة خاصة بك وبأسماء لفرط المحبة بينكما , لا تعممها فتمنعنا مما أحل الله وشرع ... نحن نمزح ونهدد ونعزم أحياناً بجد.. فلا نجد الحدة السادرة ولا المثالية النادرة...ثم صمت فجأة و لم يكمل وقد قطب جبينه وتغير لونه وكساه الحزن كأنما زاره الردى في نفسه أو فجعه في عزيز عليه , بعد أن كان هاشا جذلا, فما الذي أهمه وما الذي أغمه؟!!..
اندهش كلا من حامد ورؤوف لما أصاب فاهم وسألاه عن سبب صمته وما حل به , فأجابهم وقد ثقل لسانه وخفتَ نبرات صوته لا شيء استمرا.
أراد حامد أن لا يشعر فاهم بحرج , فاستمر قائلا: ربما تكون حالة خاصة كما ذكر فاهم , وهذا ما جعلني أترك الكلام في الزواج مازحا أو جادا , وأبدلته بعذب القول وحسن الحديث الذي يبعث على الطمأنينة والرضا , وذلك سر سعادتي وأسماء وهو أولى : فما جدوى أن أجعلها في قلق يقضُّ مضجعها ويؤرِّقُ صفوها ويهزُّ كيانها, حتى لو كنتُ جادا مُنفذا لا ينبغي لي إقلاق سكينتها كل يوم بالتهديد.
فالذي يهدد ربما أسوء من الذي ينفذ , لأن ألم التنفيذ مرة واحدة وألم التهديد مرات متعددة فأيهما أخف وطأةً عليهن؟!!.
ـ رؤوف وهو يطلب كأسا من الشاي :إنما نلجأ للتهديد عند احتدام الشجار, بل نعزم أحيانا بجدية الزواج إذا شط الخلاف عن حده.
حامد: في حياتي اعتمدت منهجا نبويا حكيما بدد الخلاف وأذهب الشجار , قول النبي الكريم (ص) " لا يفرك مؤمن مؤمنة , إن ساءه منها خلق فسيرضيه خلق أخر" وهذا عزَّز قراري وعزمي بأن لا أفجعها قولا ولا فعلا إلا أن يشاء الله.
ـ رؤوف وقد امتعض كالنسر الجريح , وكأنه لم يرق له ما سمع.. وبدأ ينظر إلى ساعته : قال :لا تضيق واسعا يا حامد, فما أحل الله التعدد إلا لحكمة ومنفعة , ففي التعدد مصلحة اجتماعية , وما أكثر النساء اليوم وأقل الرجال , ألا ترى أن الحروب تأخذ نصيبها منهم فتكثر النساء ويقل الرجال.
ــ قد تكون وجهة نظري هذه لنفسي ؛ لأني أعتبر الزواج الثاني دون حاجة نزوةً غريزية لا ضرورة لها ولا مبرر , بل ربما يكون نوعا من الترف , فآثرتُ الوفاء ولكل ظروفه وعذره ودوافعه , فأسرار البيوت لا يعرفها سوى أصحابها... فلا تمتعض يا صدقي فسأكون عونك متى أبحر مركبك وأسرج خيلك , ليكن عندك الشجاعة والإقدام وستلقاني عند الحاجة عونا لك.
ــ لم أمتعض كرها من قولك , لكن ألا ترى أنك تبالغ بما تسميه وفاءً , بينما التعدد في نظري أراهُ ضروريا كالماء تتجدد معه الحياة , وتزهر كما تزهر الوردة بعد ذبولها. حتى لو لم يكن هناك حاجة له ولا مبرر.
تبسم حامد وهو ينزع نظارته , ثم تنهد كأنما حنَّ لفقيد, أو أشجاهُ بعيد...كيف لا أكون وفيا مع من وفت معي ؟!! وهي التي أفنتْ زهرة عمرها وأيام شبابها من أجلي , وما زالتْ تعطي بلا حدود , وتفرش بين يديَّ الورود , و إذا اشتطَّ بيَ الضَّيم , أوطاش بي الجحود , فهي الحنونُ الودود , التي أحُطَّ حمائل همي بين يديها فتواسيني بأعذب الكلمات , وتمحو برقتها عنتي, وتداوي بعطفها جراح أيامي , كيف لا أراعي شعورها , وأحفظ عشرتها ؟ وهي مستودع سري وراعية بيتي , وأم أولادي , فهي عوني في كل مُلِمَّة , وشريكتي في كل مٌهمة, تصوِّبني إذا أخطأت وتعينني إذا أصبت , أفضي إليها بما يعتلج في صدري فتئنُّ لشكوايَ, كما يئنُّ الجريح عندما يبلسم الطبيب جراحه , وكأنها هي من أصيبت... فكم تحملتني في الشدائد!! أفلا يجدر بي أن أتحملها إن وهنت في العوائد ؟! , وكم صبرتْ علَيَّ في الضراء , ألا يَحسنُ بي أن أكافئها في السراء؟! , بسمتها تبرئ الجروح , ودعاؤها يفتح الفتوح , فكيف أجازيها بضرَّةٍ تعكِّرُ صفوها, وتمحقُ طمأنينتها ,وتهتك مسرَّتها ؟! فتتخيل أني قد عِفْتها وكرهتُ عشرتها , وعِبْتُ سيرتها, وجحدتُ فضلها!! لا أفعل أبدا وقد أوصاني حبيبي بها , فقال :استوصوا بالقوارير خيراً... وصمتَ برهه لعله تذكر أسماء وحن إليها , وما يزال حديث عهد بها... ثم استطرد مستلذا بذكر مناقب العشرة.
فقال: ولئن رضيتْ بضرتها كغصةَ في حلقها مرغمة بقبولها , فلن تتقبل نظرات صُوَيْحِبَاتِها , حيث تظنُّ أنهن شامتات بها محقراتٍ لها ؛ يتناقلنا القول فيما بينهن كتناقل النمل لحبة القمح , فتقول الأولى للأخرى : لا يحبها... وتقول الأخرى لعيب فيها زهد عنها واستبدل سواها !..
وهذا ما يفت عضد النساء ويمزقُ قلوبهنَّ , هذا الشعور لوحده كالأفعى التي تلتف حول رقاب عامة النساء .. وهو ناجم من سوء تصرف الذين تزوجوا و لم يتقوا الله في زوجاتهم اللاتي تزوَّجوا عليهنَّ ولم يعدلوا بينهن بالسوية , هجروا القديم وآثروا الجديد! ذاك ما جعل النساء ينفرنَ ولا يرضين بالضرائر... فقل الطلب على التعدد وزاد الشطط واللغط حوله , حتى أصبح في بعض المجتمعات كأنه جريمة نكراء وفي بعض الدول يعاقب عليه القانون فمن ينصف النساء وهذا حال الرجال ممن تعددوا ولم يعدلوا...؟!!.
لم يجد رؤوف ما يقوله بعد الذي أفصح عنه حامد بجلاء منقطع وقول بليغ.. عم السكون والصمت أرجاء المكان !! ثم قال رؤوف: تكلم يا فاهم فقد أقلقنا صمتك.
قال فاهم وهو ينقد ثمن الإفطار ويضعه على الطاولة: صدق حامد و أصاب كبد الحقيقة, إن سوء معاملة البعض لزوجاتهم السابقات واهتمامهم الزائد بالزوجات الجديدات, أضرم النار في الهشيم ووسع الهوة وزاد الخرق اتساعا , وتعاظم الأمر عليهن, وأصبح التعدد في مجتمعاتنا كأنه جريمة شنعاء على الأقل في أعين غالبية النساء... بالإضافة إلى مورثات خاطئة زادت الطين بله , لذلك عزَّ ... فتوسعت دوائر العنوسة في أوساط النساء والعزوبة في أوساط الشباب وخاصة بعد موجة غلاء المهور !!
فلو أقيم العدل , لما ضخَّمت النسوة تبعاته في مشاعرهنَّ, ولربما كان الرضا مع الغيرة سبيلهنَّ...
ولعلكما تذكران زينب زوجة عاصم حينما توخت في زوجها العدل لم تمنحه الرضا فحسب , بل خطبت له بنفسها , لتصبحَ مثالا للمرآة الناضجة عقلا ونبلاً بكل ما تحمل المثالية من النبوغ الفريد.
رؤوف: بعد أن أشار إلى ساعته منبهاً بأن الوقت أزف وحان موعد العمل.
قال وهو ينهض لينتصب قوامه: الوقت يزحف نحونا كأنه سيل جارف ينبغي الذهاب إلى حيث نأمن عبابه , ولا يطالنا رغاؤهُ , هيا بنا لنفسح له ونغادر هذه الجلسة الممتعة , ولولاه لاسترسلنا في هذا الحديث الشيق الذي أثر في نفسي , وعزمتُ على إطفاء حرائق نزقي , ولهيب شططي , وكل ما يقلق سكينة عمري! وموطن سكني!!.
من اليوم سأكون بإذن الله متحريا لحسن العشرة , مبادرا للكلمة الطيبة والتصرف الحسن! وهذا لا يمنعني إن تيسر لي التعدد بشرطيه العدل والإحسان, فحرارة عزمي عليه متوثبه , لكم دينكم ولي دين , دون إرهاصٍ مُحرق ولا تهديد مُقلقْ , لا معرضا بنقيصة ولا ملوحا بفريسة...أستغفر الله لما سلف .
شكرا لروحيكما هيا بنا... وعقب بقوله نتمنى أن يخبرنا فاهم ما الذي غيره وعكر صفوه؟!!.
فاهم بعد أن نهض واقفا, وخطاه تحاذي خطى صاحبيه , وتقرأ الطريق ببطيء شديد كأنما تتهجاها تهجيا , وقد توجهوا لمصافحة أعمالهم...قال: حرارة الموضوع ذكرتني بأناس يقسون بشدة على زوجاتهم ـ ليس في إقلاقهن بالزواج عليهن كما ذكر أخي حامد, فذلك أمر هين من وجهة نظري, ولكن في إرهابهن كلما انكسر كأس, أو ضاعت ملعقة , بغول الطلاق اللعين وإرساله بين الحين والحين, كأنه لعبة أطفال , يتلهى بها صغار العقول, وضيقِّي الآفاق لأتفه الأسباب , وهم كثر , وأرقتني حالة ابنة أختي التي أصابها الطلاق دون سبب يذكر ظلما وعدوانا , ومعها ابنتين وطفل , فانتكست ولم تتحمل فجيعتها وأصابها.... ولم يستطع أن يكمل كأن خطبا جللا أصابها ؛ لذلك أمسك عنه , وقد عنَّجَ البكاء وجهه فهو يقاومه ويصده حياء وتجلد.
ـ ذلك ما غمني ذكره وأعياني وقعه , ولابد من وقفة توعوية جاده لإيقاف هذا العبث الذي يدمر الأسر.
حامد صدقت يا أخي علينا أن نجدُ طرائق وسبل ؛ للتوعية , لننسج من خيوطها , ونضوِّع عبير أفكارها في المجتمع , بما يجعل الجميع حريصين على بنية الأسرة وتماسكها ؛ وذلك بإفساح مكانٍ واسعٍ في منازل القلوب , ودُور الأفئدة ؛ كي تحل الطمأنينة والسكينة عليها , في ضيافة دائمة لا تنفك عراها ولا ينقطع سناها.
عندها تشرق السعادة في غرف القلوب الهائمة , وصالات المهج الظامئة , كما تشرق الشمس على الأرض الباردة ؛ ليسري الدفيء في أعصاب تربتها كما يسري تيار الكهرباء مؤذنا بالحياة أن تدب عليها.!
كيف لا وقد رحل غول الشقاء وذئب القلق , الَّذيْن يُفتِّتَانِ بمخالبهما جسم الوئام, فتكثر مطبات الخلاف وحفائر الشجار التي تدمر بنيان الأسرة , ويضيع تحتَ كومة ركامها الأبناء , وما أكثر حالات الطلاق في أيامنا , ولا حول ولا قوة إلا بالله ... ما ذكرته أخي فاهم أثارني وأشعل ثورة نفسي , لقد نكأت جرحا عميقا حُقَّ لك أن تحزن لهذا الأمر فهو جد خطير.
[TR]
[TD="class: auto-style1, align: right"]
بوفية راشد
في اليوم الثاني اجتمع الأصدقاء الثلاثة في بوفية راشد كعادتهم في نفس الموعد كأنهم ينتظرون صفوان بشوق أن يمر عليهم فقد كانوا على موعد معه منذ الأمس لكنه تأخر.
فاهم أتوقع عدم حضوره اليوم فقد لاحظته بالأمس مرهقا بسبب ضغط العمل عليه.
حامد وهو يبتسم: ليعرف مكنون صديقيه , لا بأس عليه وهو يستحق الراحة , لكن ما رأيكما فيما قاله بالأمس قبل أن ينصرف في إعادة الكرة بزواج الثانية:
رؤوف: هذا أمر حتمي فالتعدد أمر لا بد منه... فكلما رأيتُ السعادة تبزغ بين عيني صفوان وسمية تذكرتُ أيامي الجميلة مع سلوى...فلم نعد نرتدي تلك المشاعر المطرزة بالحب المتدفق كالسيل , والهيام المنساب كالجداول , كانت تغشى وديان أرواحنا فترتعش وروابي قلوبنا فتنتعش , كما ينتعش العشب الذابل بعد أن يروى بماء المطر , أم اليوم فلا نجد ما كان بالأمس وقد تزاحمت الأعمال , كتزاحم طلاب الفصول الأولى أثناء خروجهم للراحة , فلا الراحة وجدنا ولا الهم نفضنا.
حامد: قد أخالفك الرأي يا صديقي:!! , فما يزال حبي لأسماء قويا , راسخا كالجبال وأني لأرجو أن أحقق لها ما تصبو إليه وتأمل.
رؤوف هل تعود تلك الأيام بنسمات العشق المعبَّقة بالشيح والريحان, والفل والأقحوان , وبرحيق الصبابة الملتف بعرام الفؤاد , و نشاط الفتوة , أواه يا لها من أيام هيهات أن تعود...إلا إذا أعدنا الكرة , هكذا أمني نفسي عندما يتسلل إليها الملل أو يَدْهمها الكدر بعودتها , تنفتح شهيتي لزواج أخرى , فأقول لعلها تعيد أيامي الفضية وسنيني الذهبية , لكن التمني شيء والجدية شيءٌ أخر.
تنهد فاهم بنهنهة التأثر والحنين وقال : وما يمنعك من الجد , وقد أحله الله وشرعه , وأنت في سعة من العيش وبسطة من الرزق وأنت يا حامد ما يمنعك؟.
استحسنَ حامد الحوار وأراد أن يبسط في القول وكأنه أحس بميلٍ من أحدهم ؛ فاراد أن يثبطه ويصرفه عن الزواج , فهو يعلم بأنه إذا تزوج أحدهم تبعه صاحباه...لفرط حبهم لبعض.
ـ يمنعني حبي لأسماء , فإني أخشى على مشاعرها من أن يجرحها الطل الندي فكيف بالزواج !! ما أكاد أمزح مزحةً خفيفة معها في هذا الشأن حتى تتغير ملامحها !! ويصفر لونها , ويتعكر صفوها , كأنما صاعقة من السماء نزلت , أو طامة من الأرض هبتْ عليها ...و لا أكون مبالغا لوقلت :لعلَّ بعض النساء لفقد زوجها ربما أخف وطأة عليها من زواجه بأخرى !! وخصوصا في مجتمعتناهذه.
رؤوف : أمَّا هذه فأنا معك , إنهنَّ يَرينهُ السم الناقع , والوحش الكاسر الذي يفتك بهنَّ , ولا يقبلنَ فيه صرفاً ولا عدلا.
قال فاهم المال يكفينا مؤنة العناء ؛ نسترضيهنَّ ونفعل ما نشاء.
رد حامد: ليس كل شيء يشترى بالمال, لو كان كذلك لكانَ معك يا صديقي أربع جميلات تتأرجح بين عيونهن ونحورهن؛ فأنت أكثرنا مالا.
ثم ضحك وقال: ولا بمال الدنيا , إلا أن تُغلبَ على أمرها , فإذا استرضيتها تصنَّعت الرضا وهي كارهة.
كانت أسماء أحيانا إذا بلغ المزاح مبلغه , تضحك كي تظهر أنها غير مبالية ؛ لتواري بكبريائها غيضا يغلي داخلها كأنه مرجل, فإذا كان هذا في حال المزاح فكيف لوكان فعلا جزما.
قال فاهم : هذه حالة خاصة بك وبأسماء لفرط المحبة بينكما , لا تعممها فتمنعنا مما أحل الله وشرع ... نحن نمزح ونهدد ونعزم أحياناً بجد.. فلا نجد الحدة السادرة ولا المثالية النادرة...ثم صمت فجأة و لم يكمل وقد قطب جبينه وتغير لونه وكساه الحزن كأنما زاره الردى في نفسه أو فجعه في عزيز عليه , بعد أن كان هاشا جذلا, فما الذي أهمه وما الذي أغمه؟!!..
اندهش كلا من حامد ورؤوف لما أصاب فاهم وسألاه عن سبب صمته وما حل به , فأجابهم وقد ثقل لسانه وخفتَ نبرات صوته لا شيء استمرا.
أراد حامد أن لا يشعر فاهم بحرج , فاستمر قائلا: ربما تكون حالة خاصة كما ذكر فاهم , وهذا ما جعلني أترك الكلام في الزواج مازحا أو جادا , وأبدلته بعذب القول وحسن الحديث الذي يبعث على الطمأنينة والرضا , وذلك سر سعادتي وأسماء وهو أولى : فما جدوى أن أجعلها في قلق يقضُّ مضجعها ويؤرِّقُ صفوها ويهزُّ كيانها, حتى لو كنتُ جادا مُنفذا لا ينبغي لي إقلاق سكينتها كل يوم بالتهديد.
فالذي يهدد ربما أسوء من الذي ينفذ , لأن ألم التنفيذ مرة واحدة وألم التهديد مرات متعددة فأيهما أخف وطأةً عليهن؟!!.
ـ رؤوف وهو يطلب كأسا من الشاي :إنما نلجأ للتهديد عند احتدام الشجار, بل نعزم أحيانا بجدية الزواج إذا شط الخلاف عن حده.
حامد: في حياتي اعتمدت منهجا نبويا حكيما بدد الخلاف وأذهب الشجار , قول النبي الكريم (ص) " لا يفرك مؤمن مؤمنة , إن ساءه منها خلق فسيرضيه خلق أخر" وهذا عزَّز قراري وعزمي بأن لا أفجعها قولا ولا فعلا إلا أن يشاء الله.
ـ رؤوف وقد امتعض كالنسر الجريح , وكأنه لم يرق له ما سمع.. وبدأ ينظر إلى ساعته : قال :لا تضيق واسعا يا حامد, فما أحل الله التعدد إلا لحكمة ومنفعة , ففي التعدد مصلحة اجتماعية , وما أكثر النساء اليوم وأقل الرجال , ألا ترى أن الحروب تأخذ نصيبها منهم فتكثر النساء ويقل الرجال.
ــ قد تكون وجهة نظري هذه لنفسي ؛ لأني أعتبر الزواج الثاني دون حاجة نزوةً غريزية لا ضرورة لها ولا مبرر , بل ربما يكون نوعا من الترف , فآثرتُ الوفاء ولكل ظروفه وعذره ودوافعه , فأسرار البيوت لا يعرفها سوى أصحابها... فلا تمتعض يا صدقي فسأكون عونك متى أبحر مركبك وأسرج خيلك , ليكن عندك الشجاعة والإقدام وستلقاني عند الحاجة عونا لك.
ــ لم أمتعض كرها من قولك , لكن ألا ترى أنك تبالغ بما تسميه وفاءً , بينما التعدد في نظري أراهُ ضروريا كالماء تتجدد معه الحياة , وتزهر كما تزهر الوردة بعد ذبولها. حتى لو لم يكن هناك حاجة له ولا مبرر.
تبسم حامد وهو ينزع نظارته , ثم تنهد كأنما حنَّ لفقيد, أو أشجاهُ بعيد...كيف لا أكون وفيا مع من وفت معي ؟!! وهي التي أفنتْ زهرة عمرها وأيام شبابها من أجلي , وما زالتْ تعطي بلا حدود , وتفرش بين يديَّ الورود , و إذا اشتطَّ بيَ الضَّيم , أوطاش بي الجحود , فهي الحنونُ الودود , التي أحُطَّ حمائل همي بين يديها فتواسيني بأعذب الكلمات , وتمحو برقتها عنتي, وتداوي بعطفها جراح أيامي , كيف لا أراعي شعورها , وأحفظ عشرتها ؟ وهي مستودع سري وراعية بيتي , وأم أولادي , فهي عوني في كل مُلِمَّة , وشريكتي في كل مٌهمة, تصوِّبني إذا أخطأت وتعينني إذا أصبت , أفضي إليها بما يعتلج في صدري فتئنُّ لشكوايَ, كما يئنُّ الجريح عندما يبلسم الطبيب جراحه , وكأنها هي من أصيبت... فكم تحملتني في الشدائد!! أفلا يجدر بي أن أتحملها إن وهنت في العوائد ؟! , وكم صبرتْ علَيَّ في الضراء , ألا يَحسنُ بي أن أكافئها في السراء؟! , بسمتها تبرئ الجروح , ودعاؤها يفتح الفتوح , فكيف أجازيها بضرَّةٍ تعكِّرُ صفوها, وتمحقُ طمأنينتها ,وتهتك مسرَّتها ؟! فتتخيل أني قد عِفْتها وكرهتُ عشرتها , وعِبْتُ سيرتها, وجحدتُ فضلها!! لا أفعل أبدا وقد أوصاني حبيبي بها , فقال :استوصوا بالقوارير خيراً... وصمتَ برهه لعله تذكر أسماء وحن إليها , وما يزال حديث عهد بها... ثم استطرد مستلذا بذكر مناقب العشرة.
فقال: ولئن رضيتْ بضرتها كغصةَ في حلقها مرغمة بقبولها , فلن تتقبل نظرات صُوَيْحِبَاتِها , حيث تظنُّ أنهن شامتات بها محقراتٍ لها ؛ يتناقلنا القول فيما بينهن كتناقل النمل لحبة القمح , فتقول الأولى للأخرى : لا يحبها... وتقول الأخرى لعيب فيها زهد عنها واستبدل سواها !..
وهذا ما يفت عضد النساء ويمزقُ قلوبهنَّ , هذا الشعور لوحده كالأفعى التي تلتف حول رقاب عامة النساء .. وهو ناجم من سوء تصرف الذين تزوجوا و لم يتقوا الله في زوجاتهم اللاتي تزوَّجوا عليهنَّ ولم يعدلوا بينهن بالسوية , هجروا القديم وآثروا الجديد! ذاك ما جعل النساء ينفرنَ ولا يرضين بالضرائر... فقل الطلب على التعدد وزاد الشطط واللغط حوله , حتى أصبح في بعض المجتمعات كأنه جريمة نكراء وفي بعض الدول يعاقب عليه القانون فمن ينصف النساء وهذا حال الرجال ممن تعددوا ولم يعدلوا...؟!!.
لم يجد رؤوف ما يقوله بعد الذي أفصح عنه حامد بجلاء منقطع وقول بليغ.. عم السكون والصمت أرجاء المكان !! ثم قال رؤوف: تكلم يا فاهم فقد أقلقنا صمتك.
قال فاهم وهو ينقد ثمن الإفطار ويضعه على الطاولة: صدق حامد و أصاب كبد الحقيقة, إن سوء معاملة البعض لزوجاتهم السابقات واهتمامهم الزائد بالزوجات الجديدات, أضرم النار في الهشيم ووسع الهوة وزاد الخرق اتساعا , وتعاظم الأمر عليهن, وأصبح التعدد في مجتمعاتنا كأنه جريمة شنعاء على الأقل في أعين غالبية النساء... بالإضافة إلى مورثات خاطئة زادت الطين بله , لذلك عزَّ ... فتوسعت دوائر العنوسة في أوساط النساء والعزوبة في أوساط الشباب وخاصة بعد موجة غلاء المهور !!
فلو أقيم العدل , لما ضخَّمت النسوة تبعاته في مشاعرهنَّ, ولربما كان الرضا مع الغيرة سبيلهنَّ...
ولعلكما تذكران زينب زوجة عاصم حينما توخت في زوجها العدل لم تمنحه الرضا فحسب , بل خطبت له بنفسها , لتصبحَ مثالا للمرآة الناضجة عقلا ونبلاً بكل ما تحمل المثالية من النبوغ الفريد.
رؤوف: بعد أن أشار إلى ساعته منبهاً بأن الوقت أزف وحان موعد العمل.
قال وهو ينهض لينتصب قوامه: الوقت يزحف نحونا كأنه سيل جارف ينبغي الذهاب إلى حيث نأمن عبابه , ولا يطالنا رغاؤهُ , هيا بنا لنفسح له ونغادر هذه الجلسة الممتعة , ولولاه لاسترسلنا في هذا الحديث الشيق الذي أثر في نفسي , وعزمتُ على إطفاء حرائق نزقي , ولهيب شططي , وكل ما يقلق سكينة عمري! وموطن سكني!!.
من اليوم سأكون بإذن الله متحريا لحسن العشرة , مبادرا للكلمة الطيبة والتصرف الحسن! وهذا لا يمنعني إن تيسر لي التعدد بشرطيه العدل والإحسان, فحرارة عزمي عليه متوثبه , لكم دينكم ولي دين , دون إرهاصٍ مُحرق ولا تهديد مُقلقْ , لا معرضا بنقيصة ولا ملوحا بفريسة...أستغفر الله لما سلف .
شكرا لروحيكما هيا بنا... وعقب بقوله نتمنى أن يخبرنا فاهم ما الذي غيره وعكر صفوه؟!!.
فاهم بعد أن نهض واقفا, وخطاه تحاذي خطى صاحبيه , وتقرأ الطريق ببطيء شديد كأنما تتهجاها تهجيا , وقد توجهوا لمصافحة أعمالهم...قال: حرارة الموضوع ذكرتني بأناس يقسون بشدة على زوجاتهم ـ ليس في إقلاقهن بالزواج عليهن كما ذكر أخي حامد, فذلك أمر هين من وجهة نظري, ولكن في إرهابهن كلما انكسر كأس, أو ضاعت ملعقة , بغول الطلاق اللعين وإرساله بين الحين والحين, كأنه لعبة أطفال , يتلهى بها صغار العقول, وضيقِّي الآفاق لأتفه الأسباب , وهم كثر , وأرقتني حالة ابنة أختي التي أصابها الطلاق دون سبب يذكر ظلما وعدوانا , ومعها ابنتين وطفل , فانتكست ولم تتحمل فجيعتها وأصابها.... ولم يستطع أن يكمل كأن خطبا جللا أصابها ؛ لذلك أمسك عنه , وقد عنَّجَ البكاء وجهه فهو يقاومه ويصده حياء وتجلد.
ـ ذلك ما غمني ذكره وأعياني وقعه , ولابد من وقفة توعوية جاده لإيقاف هذا العبث الذي يدمر الأسر.
حامد صدقت يا أخي علينا أن نجدُ طرائق وسبل ؛ للتوعية , لننسج من خيوطها , ونضوِّع عبير أفكارها في المجتمع , بما يجعل الجميع حريصين على بنية الأسرة وتماسكها ؛ وذلك بإفساح مكانٍ واسعٍ في منازل القلوب , ودُور الأفئدة ؛ كي تحل الطمأنينة والسكينة عليها , في ضيافة دائمة لا تنفك عراها ولا ينقطع سناها.
عندها تشرق السعادة في غرف القلوب الهائمة , وصالات المهج الظامئة , كما تشرق الشمس على الأرض الباردة ؛ ليسري الدفيء في أعصاب تربتها كما يسري تيار الكهرباء مؤذنا بالحياة أن تدب عليها.!
كيف لا وقد رحل غول الشقاء وذئب القلق , الَّذيْن يُفتِّتَانِ بمخالبهما جسم الوئام, فتكثر مطبات الخلاف وحفائر الشجار التي تدمر بنيان الأسرة , ويضيع تحتَ كومة ركامها الأبناء , وما أكثر حالات الطلاق في أيامنا , ولا حول ولا قوة إلا بالله ... ما ذكرته أخي فاهم أثارني وأشعل ثورة نفسي , لقد نكأت جرحا عميقا حُقَّ لك أن تحزن لهذا الأمر فهو جد خطير.
تعليق