نعيد رفع الموضوع و فتحه للّتعليق
مع إضافة أسماء أصحاب النّصوص
و المعذرة عن التّأخير.
[line]-[/line]
مشاركة رقم 1
(زفاف زهرة)
- وسام دبليز -
مع إضافة أسماء أصحاب النّصوص
و المعذرة عن التّأخير.
[line]-[/line]
مشاركة رقم 1
(زفاف زهرة)
- وسام دبليز -
عند رؤيتها
تمر من أمامي عند شاطئ البحر
مصادفة
اشتقت
أن
أسلم عليها ، وأدعوها إلى مكان جلوسي
وعند ذهابي
إليها
وجدتها تبكي ،
فاقتربت منها
لإرفع (لأرفع) من رأسها ، وأمسح من دموعها
حتى
تراني ،
ويذهب حزنها
فحاولت الإبتعاد(الابتعاد) عني ،
فجائتني الإسئلة (فجاءتني الأسئلة )
لتحيط بعقلي ،
وتجعلني أكثر فضولا
لمعرفة
لماذا ابتعدت ؟
فلحقتها حتى أعرف الإجابة
فقالت :
إن مايحزنني
أني
سوف أبتعد عنك
فقلت لها : لماذا ؟
فقالت :
أنت لا تعرف إلا أسمي (إسمي )،
ولا تعرف من أكون أنا
فازدادت بكاءا (بُكاءً)
ثم قالت :
ليس كل الأمور تجري كما نريد ،
وليس
لنا
إلا
أن نسايرها
ونرضى بواقعها
فقال : مالأمر الذي تخفيه عني ياحبيبتي ؟
فقالت : سوف أسافر وبشكل نهائي ،
فلا عودة لي إلى هذه الأرض التي جمعت بيننا ،
وهذا مايجعلني أزداد حزنا
على فراقك ياحبيبي ،
فأنت من حركت سواكن قلبي ،
أنت من رسمت البسمة على شفتي ،
أنت من غنيت باسمي ،
وجعلت الزهور ترقص بلحني .
فقال : يا حبيبتي لم تخبريني سبب رحيلك عني
علني أجد حلا لذلك
فقالت : إذا سوف أخبرك بسبب الرحيل
لعل أن(لعلك) تقتنع برحيلي
فا أبي (فأبي ) يعمل هنا طبيبا و جاء وقت تجديد العقد
فذهب إليهم رغبة أن يجددوا له
فأخبروه بأنهم لن يجددوا عقده
[line]-[/line]
قصة رقم (2)
(الجثة المشوهة)
- ليندة كامل -
يلفني الليل، يحضنني كالطفل. لم تتفتح عيناي إلا على ظلمته السرمدية حتى صرت من أبنائه، لقد أصبح نهاري ليلا أتسكع فيه مثل الخفافيش ،مّذ تركت الدراسة ،وانضممت إلى قائمة المتسكعين !خروجي من المدرسة لم يكن لعدم تفوقي ! بل كنت متفوقا جدا ! عرفت أن مصير طالب متفوق مثلي لن يكون سوى سندا لحائط مائل ! يستقيم بضغط ظهري عليه!
كنت أضحك ملء شفتيّ على معلميّ حين يعاتبنيّ " عليك ببذل جهد أكبر .. لا تتكاسل يا ولدي أمامك المستقبل كله ! "
إدراكي لما سيكون ؟ جعلني أهرب من مقاعد الدراسة، وبرامجها الطويلة، المملة ،الثقيلة حين أنظر إلى طفل ،وهو يحمل محفظته ،وكأنها قنبلة موقوتة غرست في جسده النحيل، أبكي بكاء طفل ضاعت منه سنوات حلوة من عمره !
وها أنا على هامش الدراسة ،والعلم أعمل في جحري الليلي الفاتر/ المقفر أمد الخطى لمستقبل قابع على شفة حفرة ،في عملي الزنجي أبيع كل ما يمكن بيعه ( أثار ، بنزين ،أراضي ..) هم يبيعون نهارا جهارا وتركوا لنا الليل نتقاسم في جوفه ،رغيفا لسد رمق أفواه جائعة ّ.
كنت على مرمى وصولي لوكري الليلي ( ذاك الذي يجمع الأجناس على تنوعها، ويوحد الأنفس على اختلاف طوائفها لتستقيم على خط أعوج بسياط يقال عنها الرغبة )
إذ بي ألمح جثة ،على قارعة طريق تنفض أنفاسها، زحفت نحوها كثعبان محترق ،شممت رائحة الدماء السائلة جا رفة سيول لحظات عمرها ،وأجمل ذكرياتها منظرها المرعب أفزعني ،جسمها الممزق صلبني فوق عمود الذهول ، وثبت مسامير الأسى على نياط قلبي ،وجهها المشوه فتح نوافذ عميقة من الألم في روحي واجترعت خوفي ،وشربت علقم تجهمي ،وانسحبت كأرنب بري قفز متنططا ،فارا بجلدي هاربا من فيئي ؟.
عدت أدراجي، وكلى مبعثر مرتعش خائف .. ضائع .. وعقلي المشدوه بالكاد يغير صورتها ،لقد تعلقت في خلايا ه كالعلقة ،بل حفرت أخاديد بعمق التاريخ العربي الحزين ،اعتلت روحي أحاسيس بعثرت كياني فأحاطت بي حمى أرعشت أطرافي،وأذابت ثلجا يحضن فؤادي خمدت للفراش ،وأنا أحاول محو صورتها المعلقة في عيني ،وما إن أطبق الجفن على الجفن حتى تشرق في وجهي كالطيف
أرتعش كلما برق وجهها المشوه في مخيلتي ،اعتلتني فوضى هزت كياني ،وفتحت صنابير أسئلة في فمي من ذالك الذي يقترف جرما ببشاعته !؟.
يقال أن المجرم يحوم حول جريمته، بين رغبة جامحة في معرفة ذاك الصقر الهائج فوق سماء جريمته البشعة يصور تعفن ذاتها ويستمتع برؤيتها تتمزق قطعا في مشرحة البحث الجنائي، وفي لحظة أصبحت ابنا للنهار أتجول في الأسواق والشوارع ،أجالس الناس في المقاهي، قفزت إلى أدني كلمات طائشة حول الجريمة
- المسكينة قتلوها غدرا ،غدروا بها الجبناء!.
- لقد كانت غاية في الجمال.
- شوهوا وجهها الحسن.
- يا لقسوة قلوبهم.
- قيل أنها تعمل في مقهى ليلي ( عروس البحر).
- ما ذنب عروس تخفف الكدر عن الزبائن!.
- لقد كانت حنونة، ومعطاءة.
- عطوفة كالأخت .
- يا للخسارة..
- حسنة ...حسنة ..من كانت تعمل بالملهى الليلي عروس البحر!؟.
- حسنة صديقة الليل ذات العينين الواسعتين كبحر أزرق تمتد أمواج أهدابها، لتذرف دمعا رقراقا ينزل من مآقيها نورا ساطعا كاللؤلؤ وحبات الجمان .لقد كانت كالبحر بهدوئها وسعة صدرها
وبسمتها تحتضن الوجوه ،وبين شفتيها الزهريتين، تنبت شقائق النعمان وورود الجمال ،وشعرها المسدل كشرا شف الليل الهادئ لها حنان الأم ،وقلب يضج عطفا يتسع للوجود كله ،يسير العلم في دمها وعرقها رغم تخليها عن الدراسة مثلي .
تبكي حين ترى الشباب يذبل كأوراق الشجر معطاءة ،وصدوقة، وفيه للجميع رغم غدر الجميع لها كانت الملاك في زمن انقراض الملائكة!.يملؤه الشياطين.
تذكرت ملامح وجهها المقطعة ،من له مصلحة في قتل شابة يافعة الجمال تعطي كل شيء للكل بلا حساب ! ودون تميز قلبها الواسع كالفضاء يضم الليل بأحزانه ،وأنا أسامر أحد الرفاق قال لي بلمح الصدفة أو عن قصد
- ما كان يزعج حسنة وجود أشخاص لا يعرفون الشبع .
- كيف غاب عن ذهني ذالك!.
- من يريد الكثير هو من..!.
- لكن الجميع يريد المزيد.
-وهل للجشع حدود إن لم ترسم له حدوداَ !
حسنة... أه يا حسنة .. تذكرت ملامح وجهها المقطع يندى له الجبين ،أسعفتني ذاكرتي بذلك الشبح الذي كان يحوم حولها ، في تلك الليلة تذكرت تلك الأوسمة المتدلية من بذلته الدرعاء ،تذكرت شجره اللامنتهي مع الجميع دون استثناء ،لقد كان أشد أنانية وطمعا ،في ثرواتها في عقدها الماسي ،وفي ذهبها الأسود دائما أتساءل ماذا يفعل بكل تلك الثروة !.وما هذا الطمع الذي يسربله، تنافس مع الجميع في امتلاكها مع أنه حق مشروع لنا!؟ حسنة الصامة/ الخاضعة/ المطيعة.
قالت لي ذات حلم" لن تخذلني ِفأنتَ الوحيدُ الذي أثق به !"
بذلت كل ما يمكن، للظفر برضاها لأتحول من عاشق إلى معشوق !.لكن الوحوش الهائمة حولها منعتني التقرب إليها ،حاولت في كل مرة أن أثبت لها مدي عمق تعلقي بها!. لكنهم يخذلونني حتى أصبحت أسيرا للفشل صرت ابنا فاشلا تحوم حوله أصابع الاتهام بالفشل الذر يع ! .
تذكرت كيف اتخفى تحت جنح الظلام حين تحسس ،وجودي حاولت إخفاء وجهي الكاشف له اصطنعت قناع الغفلة مما يدور حولي ،كاد رأسي ينفجر كقنبلة ذرية ، تعصف بالجميع ! وبين مغناطيس يجذبني لها، و لذكراها وبين سلاسل الضغط التي تجرجرني إلى ليل لا يحمد عقباه! أردت ا لاختيار بين عشقي البريء نحوها ،وبين خنوعي للذل كنت مسمارا تتجاذبه قوة مغناطيسية داخلية وخارجية !؟ أرهقت كاهلي ....
أخيرا بين مد وجزر أيقنت أشد اليقين بأننا كلنا ساهمنا في قتلها هم بالمتاجرة بها ونحن بصمنتنا .
[line]-[/line]
تمر من أمامي عند شاطئ البحر
مصادفة
اشتقت
أن
أسلم عليها ، وأدعوها إلى مكان جلوسي
وعند ذهابي
إليها
وجدتها تبكي ،
فاقتربت منها
لإرفع (لأرفع) من رأسها ، وأمسح من دموعها
حتى
تراني ،
ويذهب حزنها
فحاولت الإبتعاد(الابتعاد) عني ،
فجائتني الإسئلة (فجاءتني الأسئلة )
لتحيط بعقلي ،
وتجعلني أكثر فضولا
لمعرفة
لماذا ابتعدت ؟
فلحقتها حتى أعرف الإجابة
فقالت :
إن مايحزنني
أني
سوف أبتعد عنك
فقلت لها : لماذا ؟
فقالت :
أنت لا تعرف إلا أسمي (إسمي )،
ولا تعرف من أكون أنا
فازدادت بكاءا (بُكاءً)
ثم قالت :
ليس كل الأمور تجري كما نريد ،
وليس
لنا
إلا
أن نسايرها
ونرضى بواقعها
فقال : مالأمر الذي تخفيه عني ياحبيبتي ؟
فقالت : سوف أسافر وبشكل نهائي ،
فلا عودة لي إلى هذه الأرض التي جمعت بيننا ،
وهذا مايجعلني أزداد حزنا
على فراقك ياحبيبي ،
فأنت من حركت سواكن قلبي ،
أنت من رسمت البسمة على شفتي ،
أنت من غنيت باسمي ،
وجعلت الزهور ترقص بلحني .
فقال : يا حبيبتي لم تخبريني سبب رحيلك عني
علني أجد حلا لذلك
فقالت : إذا سوف أخبرك بسبب الرحيل
لعل أن(لعلك) تقتنع برحيلي
فا أبي (فأبي ) يعمل هنا طبيبا و جاء وقت تجديد العقد
فذهب إليهم رغبة أن يجددوا له
فأخبروه بأنهم لن يجددوا عقده
[line]-[/line]
قصة رقم (2)
(الجثة المشوهة)
- ليندة كامل -
يلفني الليل، يحضنني كالطفل. لم تتفتح عيناي إلا على ظلمته السرمدية حتى صرت من أبنائه، لقد أصبح نهاري ليلا أتسكع فيه مثل الخفافيش ،مّذ تركت الدراسة ،وانضممت إلى قائمة المتسكعين !خروجي من المدرسة لم يكن لعدم تفوقي ! بل كنت متفوقا جدا ! عرفت أن مصير طالب متفوق مثلي لن يكون سوى سندا لحائط مائل ! يستقيم بضغط ظهري عليه!
كنت أضحك ملء شفتيّ على معلميّ حين يعاتبنيّ " عليك ببذل جهد أكبر .. لا تتكاسل يا ولدي أمامك المستقبل كله ! "
إدراكي لما سيكون ؟ جعلني أهرب من مقاعد الدراسة، وبرامجها الطويلة، المملة ،الثقيلة حين أنظر إلى طفل ،وهو يحمل محفظته ،وكأنها قنبلة موقوتة غرست في جسده النحيل، أبكي بكاء طفل ضاعت منه سنوات حلوة من عمره !
وها أنا على هامش الدراسة ،والعلم أعمل في جحري الليلي الفاتر/ المقفر أمد الخطى لمستقبل قابع على شفة حفرة ،في عملي الزنجي أبيع كل ما يمكن بيعه ( أثار ، بنزين ،أراضي ..) هم يبيعون نهارا جهارا وتركوا لنا الليل نتقاسم في جوفه ،رغيفا لسد رمق أفواه جائعة ّ.
كنت على مرمى وصولي لوكري الليلي ( ذاك الذي يجمع الأجناس على تنوعها، ويوحد الأنفس على اختلاف طوائفها لتستقيم على خط أعوج بسياط يقال عنها الرغبة )
إذ بي ألمح جثة ،على قارعة طريق تنفض أنفاسها، زحفت نحوها كثعبان محترق ،شممت رائحة الدماء السائلة جا رفة سيول لحظات عمرها ،وأجمل ذكرياتها منظرها المرعب أفزعني ،جسمها الممزق صلبني فوق عمود الذهول ، وثبت مسامير الأسى على نياط قلبي ،وجهها المشوه فتح نوافذ عميقة من الألم في روحي واجترعت خوفي ،وشربت علقم تجهمي ،وانسحبت كأرنب بري قفز متنططا ،فارا بجلدي هاربا من فيئي ؟.
عدت أدراجي، وكلى مبعثر مرتعش خائف .. ضائع .. وعقلي المشدوه بالكاد يغير صورتها ،لقد تعلقت في خلايا ه كالعلقة ،بل حفرت أخاديد بعمق التاريخ العربي الحزين ،اعتلت روحي أحاسيس بعثرت كياني فأحاطت بي حمى أرعشت أطرافي،وأذابت ثلجا يحضن فؤادي خمدت للفراش ،وأنا أحاول محو صورتها المعلقة في عيني ،وما إن أطبق الجفن على الجفن حتى تشرق في وجهي كالطيف
أرتعش كلما برق وجهها المشوه في مخيلتي ،اعتلتني فوضى هزت كياني ،وفتحت صنابير أسئلة في فمي من ذالك الذي يقترف جرما ببشاعته !؟.
يقال أن المجرم يحوم حول جريمته، بين رغبة جامحة في معرفة ذاك الصقر الهائج فوق سماء جريمته البشعة يصور تعفن ذاتها ويستمتع برؤيتها تتمزق قطعا في مشرحة البحث الجنائي، وفي لحظة أصبحت ابنا للنهار أتجول في الأسواق والشوارع ،أجالس الناس في المقاهي، قفزت إلى أدني كلمات طائشة حول الجريمة
- المسكينة قتلوها غدرا ،غدروا بها الجبناء!.
- لقد كانت غاية في الجمال.
- شوهوا وجهها الحسن.
- يا لقسوة قلوبهم.
- قيل أنها تعمل في مقهى ليلي ( عروس البحر).
- ما ذنب عروس تخفف الكدر عن الزبائن!.
- لقد كانت حنونة، ومعطاءة.
- عطوفة كالأخت .
- يا للخسارة..
- حسنة ...حسنة ..من كانت تعمل بالملهى الليلي عروس البحر!؟.
- حسنة صديقة الليل ذات العينين الواسعتين كبحر أزرق تمتد أمواج أهدابها، لتذرف دمعا رقراقا ينزل من مآقيها نورا ساطعا كاللؤلؤ وحبات الجمان .لقد كانت كالبحر بهدوئها وسعة صدرها
وبسمتها تحتضن الوجوه ،وبين شفتيها الزهريتين، تنبت شقائق النعمان وورود الجمال ،وشعرها المسدل كشرا شف الليل الهادئ لها حنان الأم ،وقلب يضج عطفا يتسع للوجود كله ،يسير العلم في دمها وعرقها رغم تخليها عن الدراسة مثلي .
تبكي حين ترى الشباب يذبل كأوراق الشجر معطاءة ،وصدوقة، وفيه للجميع رغم غدر الجميع لها كانت الملاك في زمن انقراض الملائكة!.يملؤه الشياطين.
تذكرت ملامح وجهها المقطعة ،من له مصلحة في قتل شابة يافعة الجمال تعطي كل شيء للكل بلا حساب ! ودون تميز قلبها الواسع كالفضاء يضم الليل بأحزانه ،وأنا أسامر أحد الرفاق قال لي بلمح الصدفة أو عن قصد
- ما كان يزعج حسنة وجود أشخاص لا يعرفون الشبع .
- كيف غاب عن ذهني ذالك!.
- من يريد الكثير هو من..!.
- لكن الجميع يريد المزيد.
-وهل للجشع حدود إن لم ترسم له حدوداَ !
حسنة... أه يا حسنة .. تذكرت ملامح وجهها المقطع يندى له الجبين ،أسعفتني ذاكرتي بذلك الشبح الذي كان يحوم حولها ، في تلك الليلة تذكرت تلك الأوسمة المتدلية من بذلته الدرعاء ،تذكرت شجره اللامنتهي مع الجميع دون استثناء ،لقد كان أشد أنانية وطمعا ،في ثرواتها في عقدها الماسي ،وفي ذهبها الأسود دائما أتساءل ماذا يفعل بكل تلك الثروة !.وما هذا الطمع الذي يسربله، تنافس مع الجميع في امتلاكها مع أنه حق مشروع لنا!؟ حسنة الصامة/ الخاضعة/ المطيعة.
قالت لي ذات حلم" لن تخذلني ِفأنتَ الوحيدُ الذي أثق به !"
بذلت كل ما يمكن، للظفر برضاها لأتحول من عاشق إلى معشوق !.لكن الوحوش الهائمة حولها منعتني التقرب إليها ،حاولت في كل مرة أن أثبت لها مدي عمق تعلقي بها!. لكنهم يخذلونني حتى أصبحت أسيرا للفشل صرت ابنا فاشلا تحوم حوله أصابع الاتهام بالفشل الذر يع ! .
تذكرت كيف اتخفى تحت جنح الظلام حين تحسس ،وجودي حاولت إخفاء وجهي الكاشف له اصطنعت قناع الغفلة مما يدور حولي ،كاد رأسي ينفجر كقنبلة ذرية ، تعصف بالجميع ! وبين مغناطيس يجذبني لها، و لذكراها وبين سلاسل الضغط التي تجرجرني إلى ليل لا يحمد عقباه! أردت ا لاختيار بين عشقي البريء نحوها ،وبين خنوعي للذل كنت مسمارا تتجاذبه قوة مغناطيسية داخلية وخارجية !؟ أرهقت كاهلي ....
أخيرا بين مد وجزر أيقنت أشد اليقين بأننا كلنا ساهمنا في قتلها هم بالمتاجرة بها ونحن بصمنتنا .
[line]-[/line]
قصة رقم (3)
(رهان)
- أبو هيبة يحيى -
(رهان)
- أبو هيبة يحيى -
اختارها بعد طول تجوال أرضا له, أتى حرثه, وزرع زرعه, حفر بئره, وشق سيله, غير أنها وبجفاء الصحاري أمسكت عنه ينابيعها, راهنت على سنينها العجاف, وراهن على ما ادخر من صدق وصبر, فأغاث نفسه وعصر.
[line]-[/line]
قصة رقم (4)
(في المرايا بقايا رجل)
- فاطمة يوسف عبد الرّحيم -
وصلتُ وعلى عيني عصابة كتلك التي تُربط على عين الصقر فلا أفزع حين أرى أكثر مما يجب، أدرت مسكة الباب فأنّت في مغلاقها وتسللت إلى الداخل بهدوء بارد وبخفة قط هرم ،عصافير الحبّ في حالة عناق، على جدران غرفتك تتغلغل السكينة المريبة بخبايا العتمة،جسد الليل الغامض يهتز له سريرك،عطرك يعبق في غرفة نومنا ليثير فيّ نداءات كامنة، لكنّه في هذه اللحظة ينزّ بهبات نتنة وعفنيفوح فاختنق،جمالك الآسروبياضك الفاسق المشع أضفيا على المكان قبسا من وهن.
سكون المكان صفعني وطشّ الدم في أذناي، ولجم صرختي حين باغتني إحساس بوجود رجل في غرفتنا، نظراتي تجوب المكان وتقع ذاهلة على مرآتك المشروخة، خيبة تنثال عليّ من انعكاس المواقعة فيها لتشي بفظاعة فعلتك، فتنتك تغلغلتْ في عروقه فأشعلت رغبة جامحة ليضمِّك إلى صدره بقوة، تلفحيني بتكاثف نشيج لهيبك بين يديه وتغافلك عن شحنات معادلة من الشعور بالذنب،
دخان سيجارتك يكثّف غشاوة الرؤيا، لكنّي رأيت وسمعت الالتصاق الحرام واللذة المكبوتة، تبقّعات الشهوة تشي بوصمة عار على جلدك، تحسست برودة حديد مسدسي، لن أقتله، بل سأنازله بلعبة الموت في دوران الرصاصة الأخيرة في مكمن الطلقة، لكنّه في غفلة جبانة أطلق ساقيه فرارا من الشرفة،تركك تواجهين العار وحدك.
تصلّبتِ بكامل فتنتك وجمالك عاريةً أمامَ عيني، تتحدين صبري ووجعي،وحتى لا يذوي عشقك للخيانة في الخواء وبكلّ نظرات العهر التي تسِمُك،نطقت" كلّ النساء تصاحب" أتريدين أن تذوب حقيقتك في كلّ النساء!! نظراتكتتواطأ لتضليل ذاتك، لتنهشنيملامحك التي تشي بسفك وقاحة لا رهبة خوف.
ابنتنا الصغيرة اندفعت إليك بشغف عطف "ماما البسي حتى لا تبردي"عريك فاضح، صدى فحيحك ثقب أذنيّ كأنك تمارسُين معي لعبة الغواية الأزلية فالتهب احتراقاُ"إن كان لديك رجولة طلقني" الصبي التصق بساق المربية، هدى اختفت لدقائق"دادي، جهزت أشياءها لتأخذها، افعل شيئا، اصفعها، لا تستحق براكين غضبك" نظرتِ إليها بازدراء"يا كلبة، خسارة حليبي الذي رضعتيه" خوف ما تمزّق وأطلق هذه الأنا المتعددة في داخلي.
دماغي يغلي معلناً عن انفجار باهت، وذرفت عيني الوحيدة دما، ذلك القدّ الساحر الواقف أمامي عارضاً فتنته بكل ابتذال،رغبتي إليك مترعة بجوع اشتهاء، كثيرا ما روادتني الشكوك التي تنبثق من داخلي لتهاجمني عقابا على الرائحة الغريبة التي لا تزال تفوح منك وعلى الرغبة التي بدأت تتلاشى مع كل خطوة أخطوها نحوك، الأسئلة العقيمة تتسلل نحوي، ما سر عزوفك عني؟ لا أذكر آخر مرة قمت بواجبي الزوجي معك، الآن عرفت سر انزلاقك كزئبق من بين أصابعي المحترقة شوقا إليك.
رجوتك بنداء توبة لإنقاذ ما تبقّى من حياتنا الزوجية الهشّة المتآكلة، أفركُ عيني لعل هلوسات الطهر التي تنتابني تحيي أملابصلاحك، لكنّ نظراتك تغوص في جوفي كسهم ينطلق من ذروة بركان ترميني شهبا، وتسألينني بدهاء: احترقت؟؟ أردّ بضعف: تندفعين وحدك للخطيئة برغبة جامحة لأنك تركيبة آثمة، بكل نفس تنفثينه أكره أفعالك، أضميرك متوافق مع الخيانة؟ الخذلان حيرني، وطفوت معك في موجة عتاب: أرجوك اندمي حتى أسامحك؟ أمنحي نفسك لحظة غفران صادقة، لا تتجاوزاللحظة التي تليها.
أنواتي حقدت عليّ وعاقبتني لضعفي أمامك، ساديتي نحو ذاتي خارقة وتلومني"كيف تتحمل هذه الآثام" أختقها، أُسكتها وأرد ذليلا"ولهي بها لا مدىً له، ومن أجل أولادي ألجم جنوني"لبست عباءة يأس فوق جسد منهك لاحتواء أشلاءِ فرح هارب، لسعتني سياط حبي لك حين أطلقت سهام غضبك قائلة" لم لا تدافع عن شرفك، إن كنت رجلا طلقني، كان هنا على سريرك، ألست امرأة خائنة؟؟؟"وقفتُ أمام المرآة بائسا وخلت ذاتي تتقزم وتذوي أمام"قرد البابون"الذي يقتل بشراسة أي قرد يحاول الاستيلاء على أنثاه،خيبتي تزداد وهجا، هواء رطب مثقل بالهوان ملأ صدري، جثوت عند قدميك راجياأكزّ على وجعي وأجأر"لا تتركي المنزل، لن أطلقك، في المرة القادمة، سأهشم المرايا، وأطرق الباب".
[line]-[/line]
[line]-[/line]
قصة رقم (4)
(في المرايا بقايا رجل)
- فاطمة يوسف عبد الرّحيم -
وصلتُ وعلى عيني عصابة كتلك التي تُربط على عين الصقر فلا أفزع حين أرى أكثر مما يجب، أدرت مسكة الباب فأنّت في مغلاقها وتسللت إلى الداخل بهدوء بارد وبخفة قط هرم ،عصافير الحبّ في حالة عناق، على جدران غرفتك تتغلغل السكينة المريبة بخبايا العتمة،جسد الليل الغامض يهتز له سريرك،عطرك يعبق في غرفة نومنا ليثير فيّ نداءات كامنة، لكنّه في هذه اللحظة ينزّ بهبات نتنة وعفنيفوح فاختنق،جمالك الآسروبياضك الفاسق المشع أضفيا على المكان قبسا من وهن.
سكون المكان صفعني وطشّ الدم في أذناي، ولجم صرختي حين باغتني إحساس بوجود رجل في غرفتنا، نظراتي تجوب المكان وتقع ذاهلة على مرآتك المشروخة، خيبة تنثال عليّ من انعكاس المواقعة فيها لتشي بفظاعة فعلتك، فتنتك تغلغلتْ في عروقه فأشعلت رغبة جامحة ليضمِّك إلى صدره بقوة، تلفحيني بتكاثف نشيج لهيبك بين يديه وتغافلك عن شحنات معادلة من الشعور بالذنب،
دخان سيجارتك يكثّف غشاوة الرؤيا، لكنّي رأيت وسمعت الالتصاق الحرام واللذة المكبوتة، تبقّعات الشهوة تشي بوصمة عار على جلدك، تحسست برودة حديد مسدسي، لن أقتله، بل سأنازله بلعبة الموت في دوران الرصاصة الأخيرة في مكمن الطلقة، لكنّه في غفلة جبانة أطلق ساقيه فرارا من الشرفة،تركك تواجهين العار وحدك.
تصلّبتِ بكامل فتنتك وجمالك عاريةً أمامَ عيني، تتحدين صبري ووجعي،وحتى لا يذوي عشقك للخيانة في الخواء وبكلّ نظرات العهر التي تسِمُك،نطقت" كلّ النساء تصاحب" أتريدين أن تذوب حقيقتك في كلّ النساء!! نظراتكتتواطأ لتضليل ذاتك، لتنهشنيملامحك التي تشي بسفك وقاحة لا رهبة خوف.
ابنتنا الصغيرة اندفعت إليك بشغف عطف "ماما البسي حتى لا تبردي"عريك فاضح، صدى فحيحك ثقب أذنيّ كأنك تمارسُين معي لعبة الغواية الأزلية فالتهب احتراقاُ"إن كان لديك رجولة طلقني" الصبي التصق بساق المربية، هدى اختفت لدقائق"دادي، جهزت أشياءها لتأخذها، افعل شيئا، اصفعها، لا تستحق براكين غضبك" نظرتِ إليها بازدراء"يا كلبة، خسارة حليبي الذي رضعتيه" خوف ما تمزّق وأطلق هذه الأنا المتعددة في داخلي.
دماغي يغلي معلناً عن انفجار باهت، وذرفت عيني الوحيدة دما، ذلك القدّ الساحر الواقف أمامي عارضاً فتنته بكل ابتذال،رغبتي إليك مترعة بجوع اشتهاء، كثيرا ما روادتني الشكوك التي تنبثق من داخلي لتهاجمني عقابا على الرائحة الغريبة التي لا تزال تفوح منك وعلى الرغبة التي بدأت تتلاشى مع كل خطوة أخطوها نحوك، الأسئلة العقيمة تتسلل نحوي، ما سر عزوفك عني؟ لا أذكر آخر مرة قمت بواجبي الزوجي معك، الآن عرفت سر انزلاقك كزئبق من بين أصابعي المحترقة شوقا إليك.
رجوتك بنداء توبة لإنقاذ ما تبقّى من حياتنا الزوجية الهشّة المتآكلة، أفركُ عيني لعل هلوسات الطهر التي تنتابني تحيي أملابصلاحك، لكنّ نظراتك تغوص في جوفي كسهم ينطلق من ذروة بركان ترميني شهبا، وتسألينني بدهاء: احترقت؟؟ أردّ بضعف: تندفعين وحدك للخطيئة برغبة جامحة لأنك تركيبة آثمة، بكل نفس تنفثينه أكره أفعالك، أضميرك متوافق مع الخيانة؟ الخذلان حيرني، وطفوت معك في موجة عتاب: أرجوك اندمي حتى أسامحك؟ أمنحي نفسك لحظة غفران صادقة، لا تتجاوزاللحظة التي تليها.
أنواتي حقدت عليّ وعاقبتني لضعفي أمامك، ساديتي نحو ذاتي خارقة وتلومني"كيف تتحمل هذه الآثام" أختقها، أُسكتها وأرد ذليلا"ولهي بها لا مدىً له، ومن أجل أولادي ألجم جنوني"لبست عباءة يأس فوق جسد منهك لاحتواء أشلاءِ فرح هارب، لسعتني سياط حبي لك حين أطلقت سهام غضبك قائلة" لم لا تدافع عن شرفك، إن كنت رجلا طلقني، كان هنا على سريرك، ألست امرأة خائنة؟؟؟"وقفتُ أمام المرآة بائسا وخلت ذاتي تتقزم وتذوي أمام"قرد البابون"الذي يقتل بشراسة أي قرد يحاول الاستيلاء على أنثاه،خيبتي تزداد وهجا، هواء رطب مثقل بالهوان ملأ صدري، جثوت عند قدميك راجياأكزّ على وجعي وأجأر"لا تتركي المنزل، لن أطلقك، في المرة القادمة، سأهشم المرايا، وأطرق الباب".
[line]-[/line]
قصة رقم (5)
الشط التاني من الترعة
- محمد عزّت الشّريف -
***
"ولا.. يااا قوووضب !".. دي أم قطب جارة دار خالي .. وصوتها العالي!
ــ انت يا ولد يا زفت يا قطب.. انت مش سامع أمك بقالها ساعة و اتنين تنادي عليك؟!!
وبتصرّخ : "ولا.. يااا قوووضب !"
"ولا.. يااا قوووضب !" ؟!
" أُمي؟!! .. أُمّ إللا.. توك.. توك !.. أُمّ اللا توك توووك !" .. ده ردّ الولد قطب عليّ،
وهو بيتحنجل ويلعب "سيجا" مع بنات الجيران في الشارع الفرعي اللي قدامنا.
ــ "يبدو أنه مفيش فايدة يا أمي نقعد شوية على الباب ، في الهوا بعيد عن دوشة البيت، وريحة الطبيخ "
"معلهش بقه ، خلينا في حالنا يا ابني يا شريف .. احنا مهما يكون برضه ضيوف "
" ولد يا شريف، تعالى خذ لك "عِرق كرنب مسلوق" قبل ولاد خالك ميخلـَّصوا عليه "
ــ أنا مش عايز عروق كرنب يا امراة خالي
أنا كنت قاعد شوية في أمان الله مع أمي على الباب، لكن ..
أم قطب صوتها عالي !
عامله دوشة قدام دارها، و مش راضية تبطل زعق ع الواد قطب..
" ولا.. يااا قوووضب !"
" ولا.. يااا قوووضب !"
وابنها مش معبَّرها وبيلعب سيجا قدام بيت الشيخ عبد الله
ولمّا رحت أقول له عيب عليك يا واد يا قطب رُدّ على أمك ..
استعبط عليّ، ولا عبَّرني .. !
و قام يتحنجل برجل واحدة ويقوللي : أُمِّ اللاّ .. توك توك .. !!
اوعى يا ولد يا شريف ! .. مالكش دعوة أنت .. دي مش عايزة قطب.. ولا غير قطب..
دي بتستعرض بس ..!
ــ بتستعرض بس؟!! ..
بتستعرض ليه؟ وبتستعرض على مين يا امراة خالي؟!
ده مفيش غيري أنا وأمي قاعدين قدام الباب، والشارع خالي !
" ولا .. يااا قوووضب !"
لا حولَ .. ولا قوة !!
فعلا .. الست "أم قطب" دي أكيد بتستعرض ..
كل ده صوت ؟! وعرض وطول .. و كل دي قوة، و مروّة؟!
ده الولد قطب جوّه البيت ، وأمه سايباه و طالعة تنادي عليه برّه في الشارع !!
" ولا.. يااا قوووضب !"
أنا مالي ؟! أمي وامراة خالي قالولي ـ امبارح ـ مالكش دعوة انت بحاجة ..!
أمّ موزة جارة دارخالي زعلانة شوية من أمي وامراة خالي؛
علشان كان خطيب موزة ـ الغالي ـ طالع على القناة الثانية بالتليفزيون ونسيوا يشوفوه؛
رغم أن موزة وأم موزة قاموا بالتنبيه علي أمي وامراة خالي أكثر من مرة قدّامي ..
وحدّدوا لهم اسم القناة وموعدّ البرنامج !!
مش مشكلة بقى يا أمّ موزة (جلّ مَن لا يسهو .. !)
لكن صحيح أنا مالي ؟! خليني في حالي، وسيب الملك للمالك زي ما قالت أمي وامراة خالي !
لكن ـ من حق ـ مين "كيداهم " جارتكم دي يا امراة خالي ؟ ويعني إيه "كيداهم"؟
ومين سمّاها كيداهم ؟ وليه سمّوها كيداهم ؟
لكن .. على رأيك أنا مالي ومال "كيداهم"
ومال "حلاوتهم" و غلاوتهم ، والاّّ حتى خيبتهم .. آآآهي أسااامي !!
خليني في حاااالي زيّ ما قالت أمي و امرأة خالي !
الولد هشام أصغر مني بسنة .. و يمكن سنتين .. يعني عمره حوالي تسع سنين
هشام ده ابن أم موزة .. أيوة ـ بالحق ـ ليه دي كمان سمُّوها موزة ؟!
لكن أقول لك ..
مالناش دعوة بموزة، ولا أمّ موزة .. خلينا في هشاااام ابن أم موزة ..
هشام ده أكيد "كشّافة" .. كل يوم يرجع وجهه أحمر وشكله من الشمس أسمر ،
بييجي دايما آخر النهار متأخر واحنا بنلعب كورةالمغربيّة ، قدام البيبان، مع العيال في الحارة .
باين عليه فعلاً كشافة .. لابس نفس لبس فريق الكشافة .. حتى الطاقية ، طاقية كشافة ..
من يومين تلاتة وهشام كل ما يشوفني يحمد ربنا أنه شافني ..!
كنت عايز أسأله : إيه الحكاية؟!
لكن أنا مالي .. خلـِّيني في حالي
بعدين عرفت أن هشام عايزني في خدمة قبل ما أسافر ..
خدمة مهمة ..!
بس ربنا يسهل وتكون خدمة بسيطة مش "ولا.. يااا قوووضب !"
هشام ما رحش الكشافة في اليوم اللي أنا رح أسافر فيه أنا وأمي من بيت خالي وجيران بيت خالي ،
والـ " ولا.. قوووضب !" ابن أم قطب جارة دار خالي،
وموزة وأم موزة وكيداهم وحلاوتهم وغلاوتهم، واللي حطّ بذرتهم .. أنا مالي؟! خلـِّيني في حالي ..
جاني هشام يوميها يتـنِفض و يشـَحَّر من الجريّ، ويحمد ربنا أنه لحقني و شافني قبل ما أمشي ..
ــ لكن إيه دي اللي شايلها في كفّ ايدك يا صحبي هشام ؟
هديتي ليك صديقي شريف .. أمانة عليك تحفظها في جيبك ساعتين بس، لغاية متوصل بلدكم ..
دي مش أي حجر عادي ..
دي حجرة من السبع حجرات اللي كنا بنلعب بيهم آخر مرة في الشارع ..
أمانة عليك .. تخليها معاك ولو ساعتين ..
اوعي تخلِّي أمك تشوفها في جيبك ، تاخدها منك وترميها قبل ما توصل بلدكم
ما لقيتش حاجة أقدر أهديها لك وأنت مسافر غير هوّ الحجر ده !
ااايه ..!! يا زماااان .. !!
تذكرت كل ده وأنا حاضرحفل زفاف أصغر واحد من عيال خالي
بعد 25 سنة من التوهان ..
رجعت تاني لبيت خالي.
حاجات كتير اتغيّرت في الشارع
حاجات كتير
وحاجات بترفض تنمحي
وحاجات عصيّة ع التغيير !
وزيّ مافيه زمان رايح
مؤكد فيه زمان راجع
"ولا .. يااا قوووضب !"
و قعدت طول العصرية مع المعازيم
في نفس الحارة و الشارع
و فوق رِيْحِة طبيخ البيت، كمان شمّيت ، ريحة دخان
يا سيدي ..!!
ده كله مش مهم ..
المهم تظهر أُمّ قوووضب .. على واحد من البيبان !
وفات آذان .. وفات اتنين ..
وراحت الشمس .. وطلعت مكانها نجوم .. وطلعت كمان قمرة ..
هناك في آخر الشارع ورا الشجرة
الشجرة اللي كانت بتطرح زمان جميز
وبدل المرة
صلينا كمان مرة ..
وصلينا كمان اتنين
ونروح .. ونرجع ..
نروح .. ونرجع ، لنفس الحارة والشارع
وزي مافيه زمان رايح
مؤكد فيه زمان راجع
لكن فينك يا أم الـ قوووضب ؟!
وفين هيّه كمان كيداهم ؟ وفين أمّك ، وفين بيتكم يا كيداهم
مفيش ـ أصلاً ـ أثار للبيت .. !
ولا انا حتى شايف غيط،
الغيط اللي كان نايم .. فـي ضِلـَّة تحت جميزة
و كمان ..
ما شفتهاش موزة .. ولا الغالي خطيب موزة ،
لكن؛ يمكن أخوها ـ هشام ـ
يكون موجود هناك قدام .. مع المعازيم
ويمكن برضه حتى يكون
هشام واحد من القاعدين من العصرية حواليّا، ومش عارفين !!
يمكن آه .. ويمكن لا !! مين عارف ؟!! ومين يدري ..
أنا أصلاً ـ نسيت ـ شكله .. وهو كمان ـ زمانه يكون ـ نسي شكلي !
أنا الشيء الوحيد اللي فاكر شكله
الحجر اللي رميته زمان؛ وانا ع الترعة في بلدنا ـ رمية قوية فنيّة ـ
و راح لحجارـ بسرعة ـ يطير و يقشـُط راقة م المايّة..
يقشط راقة م المايّة..
لكن قـَشطة بِحِنيَّة
خفيف طاير كما الوِِلـْعَة !!
وكان شايف ..
وكان عارف ..
مؤكد رح يكون مثواه ..
الشط التاني م الترعة !!
مؤكد رح يكون مثواه ..
الشط التاني م الترعة !!
"ولا.. يااا قوووضب !"
***
قصّة رقم (6)
(شهقة)
- بلقيس بغدادي -
صرخ بقلمها ثائراً :
هذا أدب فوضى .
جفلت !!!
سقطت سيجارتها من شفاه الأحرف
شَعَلَت الأفكار فوق ثوبها الكرستالي
و راحت أناملها تلاعب النار عناداً
فأحترق بشهقة تحت بند إرهاب أنثوي .
[line]-[/line]
قصة رقم (7)
لحظتان
- منتظر السوّادي -
تتدحرج نظراته من ثغرِها المنقط عسلاً إِلى بقعة ناصعة بيضاء بين شعرِها والقميص ، تتفرس جيدها ، يلعقُ شفتيه بحرقةٍ ، تخترق عيناه المشتعلتانِ الثوب الضبابيّ الناعم ، يثمل فِي كأسِ نشوةٍ ، ويستولي عليه ارتجافٌ وَهمسٌ خافتٌ . لم تنتبه للعابه ، ولم ترَ شرارَ عينيه ، وَبعدَ أن أَخذه الخيالُ إِلى هناك ، تثني جسدها برشاقةٍ ، تخلفه لا يفقه من القولِ حرفاً .
يُشخِّصُ قلبه في أَردافها وتتراقص خفقاته مع اهتزازِ حركتها المائسة ، يأخذه الشوقُ إِلى عناقها ، فيغفو فِي حُلمٍ هنيئة ، يستفيق بضربة على الأَرض بِكُلِّ قوته ، يغادر عتبة الدارِ إِلى كتبه المتربة ، يحبس أنفاسه حَتَّى يكمل الجملة ، أَنا داخل سجنٍ الآنَ ، لا أصيبُ النبع حَتَّى يجني الزهرَ مني تعبٌ ، وسياط العرق لا بُدَّ أَن ترسمَ على وجنتيّ حكاياتِها ، ينظر إِلى صورتِهَا المنقوشةِ فِي ذاكرته ، فتاة يانعة فوق الرأس قبعة ، وبيدها ورقة يغطيها ( روب ) أَسود ، وبياض أسنانها يضاحك الشمس ، تقف بين عشرات من الزملاء . يأَكلُ الندمُ أَطراف جسده المتهرئ ، وينكمشُ الوقتُ ، يغمض عينيه ، يعاود التركيز لما بين يديه ، حتماً سأصل ، لا لن يفوتني القطارُ بعد .
يحاولُ الوصولَ ، لكنّ الدرب لم يعرف الورود ، ساحة الصراع شاسعة ، لا حدود لها ، التفكير والقراءة ، وصياح الظمأ ، وسكرات الروح بينَ أَوجاع السخرية والاستهزاء ، وصدود طائر الأَحلامِ ، وصمت الأَحباء .
الليلُ قصيرٌ لم يسعفه الوقت الثقيل كما رآه بإِكمالِ مجموعة يسيرة من دروسه ، وقبل أَن ينسجَ الديكُ من خيوط الفجرِ راية يومٍ جديد يستيقظ ، يرشُ ذاكرتَه برشفات ممّا قرأه ، ثم يخرج بين سطر النخيل ويقرأ بشغفٍ .
دلفت منزلها ، ما يزال أَمر المجنون ينازع عواطفها ، ليته كان معي ظلّاً ، هل يتنازل عني لو غمزته الغواني ؟ ، أيستطيع أن يرسمَ سعادتي بحروفه المجنونة ؟ أَم كُلّ ذلك نزوة عابرة ؟ ، انتظر ضحكة الفجر ، عساه يرجع إِلى كتبه ، ليته يعرفُ بِأَنَّ أهلي يرفضونه حَتَّى يحصلَ على شهادةٍ ، الحبّ لم تعرفه أحكامهم ، تعض أطرافها هامسة : " أرجوك من أجلي اجتهدْ " ، ليتني أقدر البوح له .
ينادم الكتاب ، ويضاجع الآمال ، بدأتْ حياتُه المملةُ تركضُ مسرعةً ، تغيرتْ كثيرٌ من أَحلامِه ، سوى تلك التي أَهدتْ زهرةَ الحياةِ إِلى قلبِه ، فَكُلّ يوم يرقدُ على سريرِ أُمنيته ويتكئُ على جدارِ الخيال ، ثم يكتب رسالة ، ذات مرة جلس بين البنفسج وجذوع النخل على حافة الساقية فكتب :
" كُلّ تفاصيل حياتي تغيرت الآن ، الكتاب سُلَّمٌ يخلصني من سجنِ الضياع ، يشغلني عن كُلّ شيءٍ إِلاكِ ، أعرف أَنّك من تلك العائلة ، لكن يحقّ للمجنون أن ينتقي ما يشاء من الزهورِ ، حمامتي الجميلة ثمة أمر سأخبرك به أَنني مذ عرفتك أصابني شيءٌ ، وأَظنّ أنّ حياتي سيأفلُ ضوءُ أيامِها ، فقط اذكريني إن رأيت عاشقين ، أَو سمعت كركرة طيور البستان ، شكراً لِأَنَّكِ وهبتِ لي دليل الحياة ، يا حلوتي مشتاق إِلى أَريجكِ ... ... ... .. يا نورسةَ أَحلامِي أَتمّي حياتَكِ ، ولا تنسي حُلمي "
يترك الرسالة فِي مكان متفقان عليه ، ويرجع أَدراجه .
يجتاز الصعاب ويكلل سهره بنجاح عالٍ ، لديه امتحان واحد ويلتحق بركب الجامعة ، وقد أرادت منه حمامة البنفسج أن يكون مهندساً زراعيّاً ، كي يلعبا على السفح ، ويبتعدا عن ضجة الآلات ، فهناك حياة بريئة ، وكلام الحبيبة مقتنع ، فاجتهد ولم ينم الأيام الأخيرة سوى سويعاتٍ ، فِي عودته تنتظره ، ما إن رآها حَتَّى شعر بقرب اللقاء ، فأسرع الخُطى ليخبرها ، فجأة يتعثر بشقِّ حذائه ، ويسقط ، يتهاوى قلبها قبله ، أخذوه للمشفى ، لم تستطع الذهاب ، لكنّها رأت عينيه وهما يلوحان لها ، جاءت إِلى ذلك المكان المشؤوم أخذت قلمه ودفتره ، وورقة صغيرة متعكرة ممزقة الحواف ، كانت بيمينه ، يبدو أنّها رسالة الامتحان الأخير .
حالته خطيرة ، أوصاهم الطيب بِأَنَّ يرتاح فِي البيت ، فلا تملك المشفى النائية شيئاً ، على سريره الأَخير ، تكسر الحياء وتصرّ على أن تعوده . كأنّه ينتظر رؤيتها ، عيناه تنظرانِ فِي من يأتي ، ويتعلق قلبه فِي الباب ، تدخل ترى دنو رحيله ، تدنو إِليه ، لا يستطيع الكلام ، غارقة فِي التفكير والتمعن فِيه ، تقول لها عيناه " أنتظرك لقد تأخرتِ " ثم تأخذه سكرة ، يفتح جفنيه المتيبسين ، يرمق عيون حبيبته المتكسرة بــــنظرة وداع وجنون ، ويتمتم فؤاده " لكني أعرف أنكِ تجيئين " .
[line]-[/line]
قصة رقم (8)
الخواء
- صالح صلاح سالمي -
الشط التاني من الترعة
- محمد عزّت الشّريف -
***
"ولا.. يااا قوووضب !".. دي أم قطب جارة دار خالي .. وصوتها العالي!
ــ انت يا ولد يا زفت يا قطب.. انت مش سامع أمك بقالها ساعة و اتنين تنادي عليك؟!!
وبتصرّخ : "ولا.. يااا قوووضب !"
"ولا.. يااا قوووضب !" ؟!
" أُمي؟!! .. أُمّ إللا.. توك.. توك !.. أُمّ اللا توك توووك !" .. ده ردّ الولد قطب عليّ،
وهو بيتحنجل ويلعب "سيجا" مع بنات الجيران في الشارع الفرعي اللي قدامنا.
ــ "يبدو أنه مفيش فايدة يا أمي نقعد شوية على الباب ، في الهوا بعيد عن دوشة البيت، وريحة الطبيخ "
"معلهش بقه ، خلينا في حالنا يا ابني يا شريف .. احنا مهما يكون برضه ضيوف "
" ولد يا شريف، تعالى خذ لك "عِرق كرنب مسلوق" قبل ولاد خالك ميخلـَّصوا عليه "
ــ أنا مش عايز عروق كرنب يا امراة خالي
أنا كنت قاعد شوية في أمان الله مع أمي على الباب، لكن ..
أم قطب صوتها عالي !
عامله دوشة قدام دارها، و مش راضية تبطل زعق ع الواد قطب..
" ولا.. يااا قوووضب !"
" ولا.. يااا قوووضب !"
وابنها مش معبَّرها وبيلعب سيجا قدام بيت الشيخ عبد الله
ولمّا رحت أقول له عيب عليك يا واد يا قطب رُدّ على أمك ..
استعبط عليّ، ولا عبَّرني .. !
و قام يتحنجل برجل واحدة ويقوللي : أُمِّ اللاّ .. توك توك .. !!
اوعى يا ولد يا شريف ! .. مالكش دعوة أنت .. دي مش عايزة قطب.. ولا غير قطب..
دي بتستعرض بس ..!
ــ بتستعرض بس؟!! ..
بتستعرض ليه؟ وبتستعرض على مين يا امراة خالي؟!
ده مفيش غيري أنا وأمي قاعدين قدام الباب، والشارع خالي !
" ولا .. يااا قوووضب !"
لا حولَ .. ولا قوة !!
فعلا .. الست "أم قطب" دي أكيد بتستعرض ..
كل ده صوت ؟! وعرض وطول .. و كل دي قوة، و مروّة؟!
ده الولد قطب جوّه البيت ، وأمه سايباه و طالعة تنادي عليه برّه في الشارع !!
" ولا.. يااا قوووضب !"
أنا مالي ؟! أمي وامراة خالي قالولي ـ امبارح ـ مالكش دعوة انت بحاجة ..!
أمّ موزة جارة دارخالي زعلانة شوية من أمي وامراة خالي؛
علشان كان خطيب موزة ـ الغالي ـ طالع على القناة الثانية بالتليفزيون ونسيوا يشوفوه؛
رغم أن موزة وأم موزة قاموا بالتنبيه علي أمي وامراة خالي أكثر من مرة قدّامي ..
وحدّدوا لهم اسم القناة وموعدّ البرنامج !!
مش مشكلة بقى يا أمّ موزة (جلّ مَن لا يسهو .. !)
لكن صحيح أنا مالي ؟! خليني في حالي، وسيب الملك للمالك زي ما قالت أمي وامراة خالي !
لكن ـ من حق ـ مين "كيداهم " جارتكم دي يا امراة خالي ؟ ويعني إيه "كيداهم"؟
ومين سمّاها كيداهم ؟ وليه سمّوها كيداهم ؟
لكن .. على رأيك أنا مالي ومال "كيداهم"
ومال "حلاوتهم" و غلاوتهم ، والاّّ حتى خيبتهم .. آآآهي أسااامي !!
خليني في حاااالي زيّ ما قالت أمي و امرأة خالي !
الولد هشام أصغر مني بسنة .. و يمكن سنتين .. يعني عمره حوالي تسع سنين
هشام ده ابن أم موزة .. أيوة ـ بالحق ـ ليه دي كمان سمُّوها موزة ؟!
لكن أقول لك ..
مالناش دعوة بموزة، ولا أمّ موزة .. خلينا في هشاااام ابن أم موزة ..
هشام ده أكيد "كشّافة" .. كل يوم يرجع وجهه أحمر وشكله من الشمس أسمر ،
بييجي دايما آخر النهار متأخر واحنا بنلعب كورةالمغربيّة ، قدام البيبان، مع العيال في الحارة .
باين عليه فعلاً كشافة .. لابس نفس لبس فريق الكشافة .. حتى الطاقية ، طاقية كشافة ..
من يومين تلاتة وهشام كل ما يشوفني يحمد ربنا أنه شافني ..!
كنت عايز أسأله : إيه الحكاية؟!
لكن أنا مالي .. خلـِّيني في حالي
بعدين عرفت أن هشام عايزني في خدمة قبل ما أسافر ..
خدمة مهمة ..!
بس ربنا يسهل وتكون خدمة بسيطة مش "ولا.. يااا قوووضب !"
هشام ما رحش الكشافة في اليوم اللي أنا رح أسافر فيه أنا وأمي من بيت خالي وجيران بيت خالي ،
والـ " ولا.. قوووضب !" ابن أم قطب جارة دار خالي،
وموزة وأم موزة وكيداهم وحلاوتهم وغلاوتهم، واللي حطّ بذرتهم .. أنا مالي؟! خلـِّيني في حالي ..
جاني هشام يوميها يتـنِفض و يشـَحَّر من الجريّ، ويحمد ربنا أنه لحقني و شافني قبل ما أمشي ..
ــ لكن إيه دي اللي شايلها في كفّ ايدك يا صحبي هشام ؟
هديتي ليك صديقي شريف .. أمانة عليك تحفظها في جيبك ساعتين بس، لغاية متوصل بلدكم ..
دي مش أي حجر عادي ..
دي حجرة من السبع حجرات اللي كنا بنلعب بيهم آخر مرة في الشارع ..
أمانة عليك .. تخليها معاك ولو ساعتين ..
اوعي تخلِّي أمك تشوفها في جيبك ، تاخدها منك وترميها قبل ما توصل بلدكم
ما لقيتش حاجة أقدر أهديها لك وأنت مسافر غير هوّ الحجر ده !
ااايه ..!! يا زماااان .. !!
تذكرت كل ده وأنا حاضرحفل زفاف أصغر واحد من عيال خالي
بعد 25 سنة من التوهان ..
رجعت تاني لبيت خالي.
حاجات كتير اتغيّرت في الشارع
حاجات كتير
وحاجات بترفض تنمحي
وحاجات عصيّة ع التغيير !
وزيّ مافيه زمان رايح
مؤكد فيه زمان راجع
"ولا .. يااا قوووضب !"
و قعدت طول العصرية مع المعازيم
في نفس الحارة و الشارع
و فوق رِيْحِة طبيخ البيت، كمان شمّيت ، ريحة دخان
يا سيدي ..!!
ده كله مش مهم ..
المهم تظهر أُمّ قوووضب .. على واحد من البيبان !
وفات آذان .. وفات اتنين ..
وراحت الشمس .. وطلعت مكانها نجوم .. وطلعت كمان قمرة ..
هناك في آخر الشارع ورا الشجرة
الشجرة اللي كانت بتطرح زمان جميز
وبدل المرة
صلينا كمان مرة ..
وصلينا كمان اتنين
ونروح .. ونرجع ..
نروح .. ونرجع ، لنفس الحارة والشارع
وزي مافيه زمان رايح
مؤكد فيه زمان راجع
لكن فينك يا أم الـ قوووضب ؟!
وفين هيّه كمان كيداهم ؟ وفين أمّك ، وفين بيتكم يا كيداهم
مفيش ـ أصلاً ـ أثار للبيت .. !
ولا انا حتى شايف غيط،
الغيط اللي كان نايم .. فـي ضِلـَّة تحت جميزة
و كمان ..
ما شفتهاش موزة .. ولا الغالي خطيب موزة ،
لكن؛ يمكن أخوها ـ هشام ـ
يكون موجود هناك قدام .. مع المعازيم
ويمكن برضه حتى يكون
هشام واحد من القاعدين من العصرية حواليّا، ومش عارفين !!
يمكن آه .. ويمكن لا !! مين عارف ؟!! ومين يدري ..
أنا أصلاً ـ نسيت ـ شكله .. وهو كمان ـ زمانه يكون ـ نسي شكلي !
أنا الشيء الوحيد اللي فاكر شكله
الحجر اللي رميته زمان؛ وانا ع الترعة في بلدنا ـ رمية قوية فنيّة ـ
و راح لحجارـ بسرعة ـ يطير و يقشـُط راقة م المايّة..
يقشط راقة م المايّة..
لكن قـَشطة بِحِنيَّة
خفيف طاير كما الوِِلـْعَة !!
وكان شايف ..
وكان عارف ..
مؤكد رح يكون مثواه ..
الشط التاني م الترعة !!
مؤكد رح يكون مثواه ..
الشط التاني م الترعة !!
"ولا.. يااا قوووضب !"
***
قصّة رقم (6)
(شهقة)
- بلقيس بغدادي -
صرخ بقلمها ثائراً :
هذا أدب فوضى .
جفلت !!!
سقطت سيجارتها من شفاه الأحرف
شَعَلَت الأفكار فوق ثوبها الكرستالي
و راحت أناملها تلاعب النار عناداً
فأحترق بشهقة تحت بند إرهاب أنثوي .
[line]-[/line]
قصة رقم (7)
لحظتان
- منتظر السوّادي -
تتدحرج نظراته من ثغرِها المنقط عسلاً إِلى بقعة ناصعة بيضاء بين شعرِها والقميص ، تتفرس جيدها ، يلعقُ شفتيه بحرقةٍ ، تخترق عيناه المشتعلتانِ الثوب الضبابيّ الناعم ، يثمل فِي كأسِ نشوةٍ ، ويستولي عليه ارتجافٌ وَهمسٌ خافتٌ . لم تنتبه للعابه ، ولم ترَ شرارَ عينيه ، وَبعدَ أن أَخذه الخيالُ إِلى هناك ، تثني جسدها برشاقةٍ ، تخلفه لا يفقه من القولِ حرفاً .
يُشخِّصُ قلبه في أَردافها وتتراقص خفقاته مع اهتزازِ حركتها المائسة ، يأخذه الشوقُ إِلى عناقها ، فيغفو فِي حُلمٍ هنيئة ، يستفيق بضربة على الأَرض بِكُلِّ قوته ، يغادر عتبة الدارِ إِلى كتبه المتربة ، يحبس أنفاسه حَتَّى يكمل الجملة ، أَنا داخل سجنٍ الآنَ ، لا أصيبُ النبع حَتَّى يجني الزهرَ مني تعبٌ ، وسياط العرق لا بُدَّ أَن ترسمَ على وجنتيّ حكاياتِها ، ينظر إِلى صورتِهَا المنقوشةِ فِي ذاكرته ، فتاة يانعة فوق الرأس قبعة ، وبيدها ورقة يغطيها ( روب ) أَسود ، وبياض أسنانها يضاحك الشمس ، تقف بين عشرات من الزملاء . يأَكلُ الندمُ أَطراف جسده المتهرئ ، وينكمشُ الوقتُ ، يغمض عينيه ، يعاود التركيز لما بين يديه ، حتماً سأصل ، لا لن يفوتني القطارُ بعد .
يحاولُ الوصولَ ، لكنّ الدرب لم يعرف الورود ، ساحة الصراع شاسعة ، لا حدود لها ، التفكير والقراءة ، وصياح الظمأ ، وسكرات الروح بينَ أَوجاع السخرية والاستهزاء ، وصدود طائر الأَحلامِ ، وصمت الأَحباء .
الليلُ قصيرٌ لم يسعفه الوقت الثقيل كما رآه بإِكمالِ مجموعة يسيرة من دروسه ، وقبل أَن ينسجَ الديكُ من خيوط الفجرِ راية يومٍ جديد يستيقظ ، يرشُ ذاكرتَه برشفات ممّا قرأه ، ثم يخرج بين سطر النخيل ويقرأ بشغفٍ .
دلفت منزلها ، ما يزال أَمر المجنون ينازع عواطفها ، ليته كان معي ظلّاً ، هل يتنازل عني لو غمزته الغواني ؟ ، أيستطيع أن يرسمَ سعادتي بحروفه المجنونة ؟ أَم كُلّ ذلك نزوة عابرة ؟ ، انتظر ضحكة الفجر ، عساه يرجع إِلى كتبه ، ليته يعرفُ بِأَنَّ أهلي يرفضونه حَتَّى يحصلَ على شهادةٍ ، الحبّ لم تعرفه أحكامهم ، تعض أطرافها هامسة : " أرجوك من أجلي اجتهدْ " ، ليتني أقدر البوح له .
ينادم الكتاب ، ويضاجع الآمال ، بدأتْ حياتُه المملةُ تركضُ مسرعةً ، تغيرتْ كثيرٌ من أَحلامِه ، سوى تلك التي أَهدتْ زهرةَ الحياةِ إِلى قلبِه ، فَكُلّ يوم يرقدُ على سريرِ أُمنيته ويتكئُ على جدارِ الخيال ، ثم يكتب رسالة ، ذات مرة جلس بين البنفسج وجذوع النخل على حافة الساقية فكتب :
" كُلّ تفاصيل حياتي تغيرت الآن ، الكتاب سُلَّمٌ يخلصني من سجنِ الضياع ، يشغلني عن كُلّ شيءٍ إِلاكِ ، أعرف أَنّك من تلك العائلة ، لكن يحقّ للمجنون أن ينتقي ما يشاء من الزهورِ ، حمامتي الجميلة ثمة أمر سأخبرك به أَنني مذ عرفتك أصابني شيءٌ ، وأَظنّ أنّ حياتي سيأفلُ ضوءُ أيامِها ، فقط اذكريني إن رأيت عاشقين ، أَو سمعت كركرة طيور البستان ، شكراً لِأَنَّكِ وهبتِ لي دليل الحياة ، يا حلوتي مشتاق إِلى أَريجكِ ... ... ... .. يا نورسةَ أَحلامِي أَتمّي حياتَكِ ، ولا تنسي حُلمي "
يترك الرسالة فِي مكان متفقان عليه ، ويرجع أَدراجه .
يجتاز الصعاب ويكلل سهره بنجاح عالٍ ، لديه امتحان واحد ويلتحق بركب الجامعة ، وقد أرادت منه حمامة البنفسج أن يكون مهندساً زراعيّاً ، كي يلعبا على السفح ، ويبتعدا عن ضجة الآلات ، فهناك حياة بريئة ، وكلام الحبيبة مقتنع ، فاجتهد ولم ينم الأيام الأخيرة سوى سويعاتٍ ، فِي عودته تنتظره ، ما إن رآها حَتَّى شعر بقرب اللقاء ، فأسرع الخُطى ليخبرها ، فجأة يتعثر بشقِّ حذائه ، ويسقط ، يتهاوى قلبها قبله ، أخذوه للمشفى ، لم تستطع الذهاب ، لكنّها رأت عينيه وهما يلوحان لها ، جاءت إِلى ذلك المكان المشؤوم أخذت قلمه ودفتره ، وورقة صغيرة متعكرة ممزقة الحواف ، كانت بيمينه ، يبدو أنّها رسالة الامتحان الأخير .
حالته خطيرة ، أوصاهم الطيب بِأَنَّ يرتاح فِي البيت ، فلا تملك المشفى النائية شيئاً ، على سريره الأَخير ، تكسر الحياء وتصرّ على أن تعوده . كأنّه ينتظر رؤيتها ، عيناه تنظرانِ فِي من يأتي ، ويتعلق قلبه فِي الباب ، تدخل ترى دنو رحيله ، تدنو إِليه ، لا يستطيع الكلام ، غارقة فِي التفكير والتمعن فِيه ، تقول لها عيناه " أنتظرك لقد تأخرتِ " ثم تأخذه سكرة ، يفتح جفنيه المتيبسين ، يرمق عيون حبيبته المتكسرة بــــنظرة وداع وجنون ، ويتمتم فؤاده " لكني أعرف أنكِ تجيئين " .
[line]-[/line]
قصة رقم (8)
الخواء
- صالح صلاح سالمي -
كلص تطارده كلاب في عتمة الليل. تسلق الحائط متشبثا بسرعة؛ وعاود النظر الى جانبي الطريق خلفه وهو ينسل الى الجانب الآخر. التقاط الأنفاس والاحساس بالأمان لا يكون الا خلف الجدران. أطال البروك على أربع . تعاود رأسه هواجس لطالما رمى بها خلف ظهره. الحشائش والجدران في الفناء الخلفي للبيت أشباحا عاجزة, تغرق في الظلام, تتهالك عطشا ووحدة. والأرض تحمل رائحة من مروا من هنا. وخواء يضرب أطنابه ويدور في حدود المكان.
هذه البلدة ببيوتها المكتظة ترزح تحت سلطة القوة الغاشمة. و لكل مكان فيها خوائه الخاص, كل شيء فيها يسير الى الخواء. ذلك الشعور بأنك ضائع والأيام تمضي وتتركك خلفها.
نهض وهو يشيح بوجهه عن المكان ويتجه الى النافذة. ان حنكته وعقلانيته أبقته في مأمن من الخطر, وأتقن امساك العصا من الوسط. سيواصل اللحاق بالأيام, ولا يقع فريسة لهذا الخواء. وعليه أن لا يأتي البيوت من أبوابها. بعد نقرات قليلة على زجاج النافذة طالعه وجه أمه, تعض على شفتها, وتتكتم على وصوله؛. لحيته استطالت والروائح ترافقه, عرق مختمر ودخان نار تعبق بهما ملابسه؛ سيستحم ويمكث قليلا ثم يخرج ليتوارى مرة أخرى.
انه يبالغ في الاستحمام وحلاقة ذقنه, وعلى موعد مع الحب هذه الليلة. يخطو ليجلس قرب النافذة, يترقب انقشاع غيوم ماطرة تكاثفت بعد وصوله, ويتابع في توجس أضواء لمصابيح مركبات, ربما تخبىء خلفها قوة راجلة تقتحم البلدة.
رفع بصره الى السماء المظلمة وشتيمة معيبة لهذا القدر تملأ فمه وتنزلق من لسانه. وأمكنه أن يرى سحبا داكنة تمر وتتداخل متثاقلة, وومضات برق تعتصرها فوق بيوت بلدته الهاجعة في صمت, ان هذا المطر يفسد خططه. أمه التي ترفع اوعية الطعام من أمامه, أقطبت حاجبيها وهي تعاتبه: أنت من سرت في هذا الطريق وعليك أن تتحمل, كنت شابا أعجبك تمنطق الرجال بالسلاح ومباهاتهم أمام الصبايا. قلدتهم وسرت معهم حتى وجدت نفسك مطارد. هل ستمضي ليلتك هنا وتنام في غفلة !. العشرات قتلتهم القوة الخاصة في غفلات كغفلتك هذه.
واصل انشغاله وكأنه لايسمع وهو يمد بصره الى البيت الذي يدعوه,في الطرف الشرقي للبلدة.
انه يستقبل رنات هاتفه النقال باهتمام وتوجس, ويحمل اليه أصوات أشخاص بعينهم. واليوم حمل اليه صوت المرأة التي كان ينتظر دعوتها منذ مدة : "هل تجد صعوبة في تأمين المكان الذي تتوارى فيه. أعرف ظروف رجل مثلك. بيتي مفتوح لك, أستطيع مساعدتك اكراما لذكرى زوجي, كنت واحدا من رفاقه".
انها المرأة التي ستكون جائزة صبره وحنكته, وان الحصول عليها سيمنحه شعورا بأن طريقه يفضي الى الفائدة حتما, وينأى به عن أخطار الضياع الذي تفرضه على هذه البلدة قوة غاشمة.
كانت تشغل تفكيره حتى قبل أن يحيل صاروخ طائرة, سيارة زوجها الى كومة من حديد مشتعل.
تبدو في نظره امرأة قادمة من بلاط أحد الأمراء في عصور غابرة . انه لا يذكر على وجه الدقة تقاسيم وجهها, لكنه متأكد من أنفها المستدق والمرتفع في أنفة. ووجهها المستدير كالبدر . ثم ان الآزار الذي رآها فيه آخر مرة بقوامها الممشوق, يكاد يتفتق لثقل ردفيها.
ذات ليلة ثقيلة من أيام المطاردات كان مع زوجها, يتواريان في وكر ضيق, ويسرجان في العتمة آحاديث هامسة يطردان بها وحشة ليل, ويردد الجدار صداها. قال له زوجها: " من ؟ زوجتي !. تلك امرأة تعودت العيش مع رجال في دائرة الخطر. عرفت أباها في المعتقل, وأخويها بين سجين ومطارد. ان مت تزوجها لا تتركها أرملة, الرجال ينبغي أن يفعلوا ذلك مع زوجات الرفاق ". ان هذا الكلام الذي يذكرة الآن يضفي على مسعاه شرعية, لم يكن يحتاج اليها للظفر بتلك الأنثى بعد موت زوجها.أسبل عينيه وكف عن النظر الى الخارج وهو يتحسس سلاحه المسند الى جانبه, ويظهر اهتماما متأخرا بحديث أمه : أنا لا أفكر في المبيت هنا, لاتخافي, أفكر في شيء آخر؛.
ان عينيه الصغيرتين الماكرتين اللتين احترفتا التملص من الأخطار, تموجان بالتماعة تعرفها أمه لشهوة العشق في عيون الرجال: رأيتك تنظر الى بيتها هناك ! هل ما تزال تريد مني أن أذهب لأخطب لك تلك المرأة ؟, لا.. لن أفعل وأنت مطارد. وتوارت داخل المنزل وهي تخفف من لهجتها: وحتى ان فعلت.. فلن تكون تلك الأرملة , بل بنت لم تتزوج.
أحس ان هذه هي اللحظة المناسبة للخروج, حتى دون ان يودع أمه.
أن يكون في مواجهة شوارع البلدة, وأنين المطر فيها, تبثه حنينا لرجال فرقتهم القوة , وتركوا روائحهم, وصدى ضحكاتهم, وبعضا من دمائهم عليها. وأشجار تقف كئيبة, تنظر في وحشة عاشقين جدد يخطون حروف أسمائهم عليها. هذا ما لايحب, ولن يراه, سيصم أذنيه ويغلق عينيه كأن لم ير شيئا. مغفل من دفع حياته ثمنا ليغيبه الخواء, ظنا منه أن الخواء يمكن هزيمته.
وحين وجد نفسه تحت نافذه بيتها في الفناء الخلفي, مبتلا بالمطر والعرق. يتحسس ذقنه المهذبة ويبحث بأنفه عن رائحة العطر في ثيابه ويديه , كان يحس بخيط رفيع من المهانة المرة في حلقه. لكنه متأكد من أنه ليس خيط ضمير. لقد تأخرت كثيرا في الاستجابة له, وكان عليها أن تات صاغرة. ستمنحه صك البراءة من كل ما مضى, انها امرأة كانت في أحضان رجل شجاع, لكن الشجاعة وحدها لا تكفي, وسيضحك ملء شدقيه, من ذاك المغفل الشجاع الذي كان يجهل كيف يهادن الخواء.
الخمار الذي كانت تسدله على وجهها وهي تفتح النافذة وتطل عليه لم يخف سعة العينيين, لكنه لم يقرأ ما فيهما, فتسمر في انتظار صوتها يكشف له ما تخبئه تلك الحسناء: أهو أنت! لِم لم تأت من الباب. هل ما زلت تخشى ان يراك أحد؟. تعال استدر وأدخل من الباب.
رباطة جأشها وهي تفتح النافذة في هذا الليل وتكلمه في رسمية مقيتة, بددت حلمه بروعة اللقاء. تذكر كلمات زوجها " تلك امرأة تعودت العيش مع رجال في دائرة الخطر". ويريد أن يحس أنه يدخل بيتها, أيا كان الطريق, حتى لو كانت النافذة التي يعبرها الآن مطأطئا رأسه في ضيق, وكأنها لا تتسع بما يكفي ليمر منها متأبطا ذلك الحلم والأمل.
كانت ترمقه بنظرات لا معنى لها, وفي سيرها أمامه في غرفة نومها, كانت تلصق ظهرها بالجدار وهي تشير اليه أن يتجه لصالة البيت, بحركة سريعة من يدها.حتى كف يدها كانت تحرص أن لا يراه بوضوح.
وفي خطواته القليلة وهو يخرج من غرفة نومها, كانت مشاعر من الخيبة والامل وحتى الغضب , تعصف برأسه التي يرفعها الان وهو ينظر بعينين ماتزالان تتشبثان بفرصة معلقة على أهدابهما, لصورة زوجها على جدار مواجه له. وبدا له ان زوجها المبتسم في اصرار يقول له : انها تشعر بتأنيب الضميرهنا, وفي صالة البيت سيكون الامر مختلف. فالمرأة يمكنها استبدال الأحضان , بتغيير المكان والزمان. وسرعان ما تحول خيط المهانة الرفيع الى كرة من زهو, انتفخت بها أوداجه كطاووس يباهي أنثى. انه في بيتها وستكون ملك يمينه. ما معنى ان تنفرد به في صالة البيت ! ستجد له وكرا هنا.. كانت تخبئ فيه زوجها. وسيطول الليل وتندس معه, وتخلع خمارها وما بعد خمارها.
الشعور بالظفر الذي يسند به ظهره على كرسي في صالة البيت, كان يريد أن يلمسه حقيقة : نحن لوحدنا الآن لا داعي لهذا الخمار الذي يحجب الجمال.
كانت هادئة, تقف قبالته بصمت وثقة تفوح منهما رائحة أمر يشبه الغضب, ولم تكن نظراته المتسائلة تفهم حقيقته قبل ان تقول وبنبرة ثقة : سأخلع الخمار لكن حين لا نكون لوحدنا. ثم رفعت صوتها طالبة من ثلاثة رجال أن يخرجوا من زوايا البيت.
باغتته المفاجئة, وبدت عيناه الصغيرتان تسجلان شعورا بالورطة لم تتعودا عليه. لكن التملص من الأخطار صنعته, فنهض ليقابل الرجال بالسلام موحيا أن الأمر طبيعي واِن حمل مفاجئة: هؤلاء رفاقي, هل أصبح بيتك وكرا للمطاردين ! لو كنت أعلم لتدبرت لي مكانا آخر أتوارى فيه .اجتماعنا هنا فيه خطر؛ سأخرج الآن.
لن تخرج الآن, بادرته وهي ترفع الخمار عن وجهها وتنظر اليه في ازدراء خالطة غضب احتل قسمات وجهها.
ما الأمر؟.. قالها والرجال الثلاثة ينقضون عليه موقعينه أرضا. وانهالت عليه ضرباتهم .
هل ستعترف أم أن الأمر يحتاج الى وجهة نظر!.
كان صامتا يفكر في الأمر. وفسرت كلامها وهي تقرب وجهها في غل وتحد من وجهه, وخيط من الدماء يلوث ذقنه: أنت من قتلت زوجي, ساعدتهم ودللتهم عليه.
لا.. لا . الطائرة قصفت سيارته مادخلي أنا. وهو يحاول التملص من الرجال يائسا.
نعم, قالت في تحد. وأنت من طلبت منه الخروج في ذلك الطريق, واتصلت بهم ليصطادوه. هاتفه النقال هنا.. جئنا به. آخر مكالمة تسلمها كانت منك. أوحيت له أن هناك أمر مهم ومستعجل, وكنت قد قدمت له السيارة قبل أيام .
لِم أردت التخلص منه, ومن تنوي بعدة ؟ ربما كان هناك غيرة.
هل من أجل أن تحصل علي !. لا.. من أجل من تعمل معه.
ولانك خاو, لم تستخدم سلاحك منذ حملته, وتخدع أقرب الناس اليك.
سيأخذوك الى حيث ينبغي أن تكون,
البئر المعطلة منذ جاء الخواء.
[line]-[/line]
قصة رقم 9
الجريمة /
- محمد الأمين النجار -
اعتاد ليلاً أن يغفو بين أحضان أمه الدافئة، حيث كانت تروي له كل ليلة حكايات عن شجاعة شعبه وشهامتهم, وتضرب له أحلى الصور في ذكر بطولات جيش وطنه الذي يسهر دوماً لتغفو عيون الشعب في هناء، ترسم في مخيلته ذلك الدهر الفردوسي الذي كان وطنه يحياه، وهو الآن يفتقده .
اعتاد ذلك ليستيقظ عندما ينفلج نور الفجر الصادق مؤْذناً بإهلال النهار وانتهاء الليل، فيفتح عينيه على تربيد رفيق على شعره من قبل والده الرحيم، وهو يهزه بلطف .
_ " أحمد ... أفق يا أحمد... لقد أذن الفجر"، كثيراً ما كان يتذمر، ويركن إلى الكسل ويستجيب لهوى النفس الداعية للاستسلام لدفء الفراش ونعومته .
_ "دعني خمس دقائق فقط يا أبي، أنا مستيقظ ..." .
يخلد للنوم مرة أخرى ويرخى سدول جفنيه على عينيه...
ولكن كثرة الإلحاح تضطره أخيراً للنهوض والانصياع، فيغادر الفراش وهو يعد قلبه بالرجوع إليه في أسرع وقت ممكن .
وما إن تنهمر حبات ماء الوضوء على أعضائه الرقيقة الغضة الطرية التي تجمع كل صفات الطهر والبراءة، حتى يشع وجهه بنور الطفولة ويدب النشاط في كل طرف من أطرافه...
يسير نحو المسجد إلى جانب والده وهما يتلوان شيئاً من الأذكار، وأحياناً يسير لاعباً حول والده الذي يرقبه بحنان كبير، وخوف عارم من المستقبل المجهول ...
أهل الحيّ يعرفونه جيداً والشيوخ وكبار السن أكثر من يعرفه، لقد كان كل من في المسجد يتمنى أن يكون ذلك الطفل ابنه، فهو الصبي الوحيد المداوم على الصلوات في المسجد، وهو أصغر رواد المسجد سناً، فقد اعتاد جميع من في القرية أن لا يصلوا في مسجدها الوحيد المتبقي في ذلك الزمن، خوفاً من أن ينسبوا إلى تنظيم وهمي لا يوجد إلا في أذهان الملك المعظم الذي يعاقب كل من ينتسب إليه.
لم يكن مجرد طفل لدى والديه, بل كان الأمل الذي يريان فيه بقية حياتهما, هو هبة من الله، علّها تسد ثغرة من الثغرات التي تركها ثلاثة من إخوته قتلوا في ذلك الاجتياح البربري الذي ساقه الملك المعظم على قريتهم الصغيرة الأمنة والتي كانت كبش الفداء على مذبح الحرية، إلا أن الحرية وقتها لم تتقبله، أرادت أكثر من ذلك .
تعلم جيداً من والديه كيف يكون محترماً, أراد أن يكون شيئاً مهماً في المستقبل، كان يخطط لكي يكون مؤثراً في مقدرات قريته، يعمل على أن تكون في مصاف الأمم المتحضرة، كثيراً ما كان يفشي لأمه عن أحلامه التي لا توجد إلا في خيال الأطفال :
- محمد الأمين النجار -
اعتاد ليلاً أن يغفو بين أحضان أمه الدافئة، حيث كانت تروي له كل ليلة حكايات عن شجاعة شعبه وشهامتهم, وتضرب له أحلى الصور في ذكر بطولات جيش وطنه الذي يسهر دوماً لتغفو عيون الشعب في هناء، ترسم في مخيلته ذلك الدهر الفردوسي الذي كان وطنه يحياه، وهو الآن يفتقده .
اعتاد ذلك ليستيقظ عندما ينفلج نور الفجر الصادق مؤْذناً بإهلال النهار وانتهاء الليل، فيفتح عينيه على تربيد رفيق على شعره من قبل والده الرحيم، وهو يهزه بلطف .
_ " أحمد ... أفق يا أحمد... لقد أذن الفجر"، كثيراً ما كان يتذمر، ويركن إلى الكسل ويستجيب لهوى النفس الداعية للاستسلام لدفء الفراش ونعومته .
_ "دعني خمس دقائق فقط يا أبي، أنا مستيقظ ..." .
يخلد للنوم مرة أخرى ويرخى سدول جفنيه على عينيه...
ولكن كثرة الإلحاح تضطره أخيراً للنهوض والانصياع، فيغادر الفراش وهو يعد قلبه بالرجوع إليه في أسرع وقت ممكن .
وما إن تنهمر حبات ماء الوضوء على أعضائه الرقيقة الغضة الطرية التي تجمع كل صفات الطهر والبراءة، حتى يشع وجهه بنور الطفولة ويدب النشاط في كل طرف من أطرافه...
يسير نحو المسجد إلى جانب والده وهما يتلوان شيئاً من الأذكار، وأحياناً يسير لاعباً حول والده الذي يرقبه بحنان كبير، وخوف عارم من المستقبل المجهول ...
أهل الحيّ يعرفونه جيداً والشيوخ وكبار السن أكثر من يعرفه، لقد كان كل من في المسجد يتمنى أن يكون ذلك الطفل ابنه، فهو الصبي الوحيد المداوم على الصلوات في المسجد، وهو أصغر رواد المسجد سناً، فقد اعتاد جميع من في القرية أن لا يصلوا في مسجدها الوحيد المتبقي في ذلك الزمن، خوفاً من أن ينسبوا إلى تنظيم وهمي لا يوجد إلا في أذهان الملك المعظم الذي يعاقب كل من ينتسب إليه.
لم يكن مجرد طفل لدى والديه, بل كان الأمل الذي يريان فيه بقية حياتهما, هو هبة من الله، علّها تسد ثغرة من الثغرات التي تركها ثلاثة من إخوته قتلوا في ذلك الاجتياح البربري الذي ساقه الملك المعظم على قريتهم الصغيرة الأمنة والتي كانت كبش الفداء على مذبح الحرية، إلا أن الحرية وقتها لم تتقبله، أرادت أكثر من ذلك .
تعلم جيداً من والديه كيف يكون محترماً, أراد أن يكون شيئاً مهماً في المستقبل، كان يخطط لكي يكون مؤثراً في مقدرات قريته، يعمل على أن تكون في مصاف الأمم المتحضرة، كثيراً ما كان يفشي لأمه عن أحلامه التي لا توجد إلا في خيال الأطفال :
- [*=center]
[*=center]" أمي سأكون مسؤولاً رفيعاً في هذه القرية، سأعمل على رفع الظلم، سأوظف أبي، وأسمح للجميع بالصلاة في المسجد، سأسمح لشيخ المسجد القديم بالعودة إلى قريتنا، وسأطلب إليه أن يلقي الدروس في كل يوم، و...وسأبحث لك عن جميع أخوتك المفقودين الذين فقدناهم يوم الاجتياح البربري" .
تقاطعه أمه بعبرة تفشل دوماً عن إخفائها : "اسكت يا بني، إياك أن تتفوه بمثل هذه الكلمات مرة أخرى، فإن للجدران آذان"...
أما والده فكان يسكته عند أول كلمة ينطق بها، وقليلاً ما كان يفتح له أذنيه، ليسمع عن أحلام كبيرة يحملها خيال ابنه الصغير...
لقد رسم لنفسه مفاتيح السعادة وبدأ بفتح أبوابها, أعوامه التسعة لم تكن إلا دليلاً على سرعة بديهيته ووافر ذكائه واتساع آفاق خياله... وكذلك لم تكن إلا بدايةً سعيدة تضج بالحركة لمستقبل مشؤوم سيقعده طويلاً...
في ذلك اليوم كان الوالد مريضاً... للتو خرج من فرع التحقيق، لقد اشتبه بانتسابه إلى تلك المنظمة ... أقعدته أوجاعه وأثار السياط عن المسجد لأيام...
- [*=center]
[*=center]"أبي ...أبي استيقظ يأبي، لقد رفع الحاج فرج الأذان، أم أنك لا تزال مريضاً "...
أجاب الأب بسرور غامر ممزوج بآلام تكتوي بها كل خلية من خلايا جسده الممزق :
- [*=center]
[*=center]"لن استطيع الذهاب اليوم أيضاً يا بني، اذهب وحدك وكن منتبهاً على الطريق، واحذر أن يراك أحد".... الله يرضى عليك يا حبيبي...
ثم رخى رأسه على الوسادة القديمة التي تفوح عنها رائحة دم سال عن جرح في رأسه, فجال خاطره بأحمد، لقد بات رغم صغره يحمل ورع الكبار، لم يعد بحاجة لمن يوقظه للصلاة، بل هو اليوم يوقظ أباه وأمه، تذكر قول جاره الذي عاده أمس :
- [*=center]
[*=center]"هنيئاً لك هذا الطفل يا أبا أحمد، لا تملك شيئاً تحسد عليه إلا هذا الصبي، نعم التربية ربيته، ونعم الولد كان" ...
أفاق من شروده على كلمات أبى لسانه إلا أن يذكرها، "حمالك الله يا بني ورعاك، الله يعمي عنك عيون الظلاّم " .
ذهب الطفل وحيداً, لم يكن في المسجد كالعادة في كل يوم إلاّ بضعة رجال، أو إن شئت فقل شيوخ، وكالعادة أيضاً كان هو الطفل الوحيد بين ثلة الشيوخ .
_ "أين والدك يا أحمد ألم يشف بعد من جراحه التي أصابته جراء سقوطه من على سطح الدار "، قال الحاج واصل .
لقد لاحظ أحمد أن الحاج واصل صار يداوم على صلاة الصبح، فهو منذ أيام لم يفوت أي صلاة في المسجد، وتساءل عن سبب إخفاء الجميع للسبب الذي يقوم وراء جروح والده، لماذا يرفض الكل القول بأن والده جناها من فروع أمن الملك المعظم .
_ "لا... لايزال مريضاً، ولكنه يتحسن شيئاً فشيئاً يا جدي ربما يشهد معنا غداً الصلاة " .
أجاب الجميع: "إنشاء الله تعالى" .
_ الله يخلصنا من هالحال بجاه الحبيب محمد...
_ والله ضاقت، ولكن ما بعد الضيق إلا الفرج...
وراح الكل يتمتم بدعوات أدرك أحمد أنها مرفوعة إلى مالك الملك تشكو إليه تسلط ملك القرية وظلمه... ولكن صوت الحاج فرج قاطعها برفع التكبير "الله أكبر الله أكبر..." معلناً إقامة الصلاة .
اصطف الجميع، نظر بعضهم إلى بعض، وكأنهم يتساءلون، من سيضحي اليوم من أجلنا... من سيتقدم ليصلي بالناس اليوم...
نطق أحدهم بألم : "عافاك الله يا أبا أحمد، لقد تركت في المسجد فراغاً، ماذا سنفعل يوم الجمعة إن لم تشف "...
عرف أحمد أنه يقصد بالفراغ مكان الإمام، لقد اعتاد والده أن يصلي بالرهط منذ أن فرّ الإمام القديم للمسجد... وهذا ما سبب له قروح التي في كل زاوية من زوايا جسده ...
تقدم الحاج فرج بعد إلحاح شديد من الجميع، فهو أكبر القوم سناً وأعذبهم صوتاً...
لقد حدثته نفسه أن يأخذ مكان أبيه : " أنا لا ينقصني شيء، أضف إلى ذلك أنني لا أخاف من الأمن "... ولكن حياءه منعه من الإقدام على هكذا خطوة...
- [*=center]
[*=center]"خلاص... في الغد إن لم يشف والدي فسأؤمهم أنا " هذا ما جال في خاطره...
بدأ الحاج فرج بالصلاة، كان يتلعثم في قراءته، لم يدر أحمد هل هو خائف من الأمن، أم أنه لا يتقن تلاوة القرآن، لكن لا يهم، فهذا أحسن الموجود...
وما إن فرغ الحاج فرج من تلاوة الفاتحة، حتى سمع الجميع أصوات الخيول، صهيل وضرب حوافر، كل ذلك مترافقاً مع صياح وشتم وألفاظ كفرية :
- [*=center]
[*=center]" حاصروا الكان، إياكم أن يفرّ أي واحد منهم، احذروا ربما يكون أحدهم مسلحاً" ...
من يا تراهم يكونون لا أحد يملك الخيول في القرية إلا الملك ورجاله وجلاوزته...كما أن اللكنة التي يتكلمون بها هي ذاتها لهجة الملك وجماعته .
خفق قلبه واهتز فؤاده، " خير جعل الله خير "، كاد ينطق بها لسانه، ولكنه تذكر أنه في الصلاة...
ولكنه تفاجئ بضربة من حديدة على أم رأسه، سقط أرضاً فرأى عشرات الجند يدخلون بأحذيتهم إلى المسجد، لم يستغرب ذلك، فهم كفرة كما يقول والده...
_ إياكم أن تتحركوا، لا يفكر أحد بالفرار... لقد كانت هذه الكلمات تصدر عن أفواههم، مقرونة بأقذع ألفاظ الشتم القبح، وشيء من الضرب والاستهزاء بالمكان وحرمته...
مزقوا كل شيء في المسجد، حرقوا المصاحف، كسروا أعواد المنبر المهترئ، لم يخرجوا من المنطقة إلا بعد أن تحلت إلى هشيم محتضر...
ولكنه لم ير ذلك كله، لقد أوسعوه ضرباً قيدوه كما يقيد المجرمون، وضعوا كيساً على رأسه، شهروا سيوفهم ونصبوا أقواسهم على كل منفذ يؤدي إلى المكان، لقد رأى سهماً يستقر في صدر الحاج فرج الذي أبى إلا أن يتابع صلاته، لقد سمعه يتلفظ بأخر كلمات حياته " إنا لله وإن إليه راجعون " ...
وكان هذا أخر ما رآه، حيث غاب بعدها عن الوعي...ولكن بعد أن أدرك أن جلاوزة الأمن الذين اعتادوا على تسمية أنفسهم بالشبيحة، هم من فعل كل ذلك...
لم يجرؤ أحد على الخروج من منزله ليشاهد ما يحصل في المسجد، فالكل يعرف أن الذي يخرج لن يعود لا أبداً .
طلع الصبح، وأشرقت الشمس بنور ربها، بينما كانت أعمدة الدخان المتصاعدة عن المسجد تطأطأ رأسها شيئاً فشيئاً ...
لقد كان أبو أحمد أول من تجرأ على الخروج، بعد أن صار على يقين بأن الشبيحة قد غادروا... أكثر ما كان يقلقه تأخر أحمد، لعله يكون مختبأ في مكان ما...
أسرع الوالد الخطا بحثاً عن ابنه, صعق عندما رأى بقايا المسجد أكواماً من الرماد...تجمع الناس حوله .
_ اصبر يا أبا أحمد...
_ ماذا جرى هل مات أحد، أين هو أحمد...
لم يتكلم أحد، ولكن بعد إلحاح شديد، قال أحدهم: لقد أخذوا كل من كان في المسجد، لقد رأيتهم من شق في الباب، وهم يجرونهم مقيدين...
_ وأحمد؟؟!! .
_ كان من بينهم، حتى الحاج فرج أخذوه، لقد رأيته ينزف بغزارة، ولا أظنه إلا وقد مات ...
_ غداً يعود فلا تخف عليه، ما هو إلا صبي ماذا سيصنعون بصبي صغير...
لقد وقع الخبر عليه كالصاعقة، هذا ما كان يخشاه، ولكن أي جرم فعله هؤلاء حتى يصبحوا في عداد المعتقلين...
أكثر ما كان يجرحه ما يسمعه من الناس من تمتمات:
- [*=center]"يا له من والد قاس .
[*=center]ماذا لو ترك الطفل ينام .
[*=center]هل يحاسب الله الأطفال....
كلمات كثيرة وصلت لمسامع الوالد المسكين، ولكن كل ما كان يهمه الآن هو أن يعلم أين هو ابنه, لقد ظن أنه متخف هنا أو هناك، لم يخطر بباله أن قساوة الشبيحة قد تصل إلى هذا الحد .
جالت أفكار كثيرة في خاطره، ماذا سيقول لأمه، لقد كان الألم يطغى عليها, ولكنه حدث نفسه محاولاً أن يواسيها :
_ " سيتركونه لاحقاً إنه مجرد طفل "...
مر اليوم الأول بصعوبة بالغة, تلاه الشهر الأول وتوالت الأيام...
أن يا تراه يكون، لقد سالت أنهار من الدموع من عيني أمه، لم ترقأ لها دمعة، حاول كثيراً أن يواسيها أو ينسيها، ولكن من دون فائدة..
أما هو فكان إذا جن عليه الليل يرخي لعينيه، ويكسر السد المنيع الذي يخفي خلفه حرقة فؤاده، فتسكب أنهاراً من الدمع أخرى، صارت مؤخراً تختلط بالدماء...
من يا تراه المسؤول عن اعتقاله... هل هو حي أم ميت، لا..لا أظنه حي، أرجوا أن يكون قد مات، ذلك خير من البقاء في الظلام كل هذه المدة...
هو يخبر الذي يجري في الظلام، إنها غرفة لا تتسع لشخص واحد، تقل عن متر واحد ، يسكنها أحياناً ثمانية، وربما أكثر في أوقات الأزمات، والفرج منها لا يكون إلا عندما يستدعى لينال جزاءه من المسلسل اليومي من العقوبات...
لم ير أحداً إلا وسأله عنه، هل خبرتم عنه شيئاً، ألم تردكم أنباء عن مكانه، يتلوا ذلك بدعوات كثيرة تسأل الله له الفرج والخلاص...
كثيراً ما كان يأتيه بعض المحتالين، ليخبروه عن مقدرتهم على إخراج أحمد، أو على الأقل معرفة مكانه، لكنه لم يصغ أذنيه لهم أبداً، لقد علمته الأيام ذلك، فكثيراً ما احتال هؤلاء على أهل زوجته بدعوى قدرتهم على إخراج أخوال أحمد, ولكن دون فائدة تذكر...
* * *
_ أيه يا أبا أحمد ألا تريد البحث عن ابنك، فقد مضى عام كامل على غيابه ونحن لا نعلم شيئاً عنه أو عن مكانه...
سالت دمعة من عينه، إنه المرة الأولى التي تراه يبكي، لقد استطاع أن يخفي حزنه طيلة عام كامل...
تابعت حديثها قائلة: أمس تسلم أولاد الحاج صبري جثة والدهم الذي فُقِدَ مع أحمد، إنه الشخص الثاني الذي يعود إلى القرية محمولاً على الأكتاف بعد الحاج فرج...إيه الله يصبر أهله ويعينهم..
أرجوك يا أبا أحمد أن تولي هذه القضية اهتماماً أكبر، أحمد لا يزال حياً، أنا أشعر بذلك، أنا أم، وأنت تعرف أن قلب الأم دليلها... ثم...ثم لو كان ميتاً لعلمنا بذلك، لسلموا جثمانه لنا...
هنا خرج الأب المكلوم عن صمته وقال: وماذا استطيع أن أصنع، أم أنك تظنين أنني مرتاح بغيابه عنا، شوقي إليه لا يقل عن شوقك إليه...وو
قاطعته عبراتها...وبدأت بالبكاء الذي أخذ يتعالى صداه تاركاً مزيداً من الأسى في قلب الزوج...
_ويحي عليك يا أحمد... أخشى أن أموت قبل أكحل عيني بمنظرك... يا رب أمتني وخلصني من هذا العذاب...
كلمات تخرج من فمها متناقضة، ولكنها تجتمع على شيء واحد، وهو أن لوعة الشوق والخوف على ابنها قد بلغت ذروتها...
أجابها وهو يربت على رأسها محاولاً إخفاء الغصة التي يحملها قلبه: " بالله عليك اسكتي يا حبيبتي، هيا كفي عن البكاء.. أسألك بالذي وهبك أحمد أن تسكتي، فأنا لم أعد احتمل... وأجهش بالبكاء هو الآخر ".
ثم حاول أن يخلص نفسه من عبراته المتزايدة فقال: أنا واثق أنه بخير، وأنه بصحة جيدة، ربما يحتاج لبعض المال ويعود ...
_ الله يسمع منك، يا رب، تقطعت بنا السبل، فأنزل السكينة على قلبينا...عدني يا أبا أحمد أنك لن تدخر جهداً في رده إلينا في أسرع وقت...
_ وهل هذا يحتاج إلى الوعود والمواثيق، أعدك أنني في الصباح الباكر سوف أذهب إلى مركز السرايا لأسأل عنه، بل سأذهب أيضاً إلى كل فروع الأمن التي لا يعرف عددها إلا الله تعالى...
بعد عام كامل، تشجع الأب الذي يحمل في صدره جمرة من الشوق لا تطفؤوها بحار الأرض، وتجرأ أخيراً على المرور بجانب أحد فروع الأمن، ومشى إليه ببطء وخوف, تردد كثيراً، وحاول أكثر من مرة أن يعود أدراجه .
- [*=center]
[*=center]ولكن ماذا سأقول لأمه، أأكذب عليها وأقول لها لم أجده؟؟ .
لاحظ حركته أحد العناصر، استدعاه ثم استهزأ به، وبعد ذلك أدخله إلى الضابط المسؤول .
سأله الضابط: ما هي مشكلتك؟ .
أجاب الوالد بخوف شديد مع ارتجاف يحكم كل ذرات كيانه: احتجز ابني قبل عام, ولا أعرف أين هو حتى الآن...
_ ماذا فعل ابنك، لو لم يكن مجرماً لما بقي عندنا عاماً كاملاً ؟._ وماذا عساه أن يفعل يا سيدي! إنه طفل صغير لم يتجاوز التاسعة من عمره، اعتقل بالخطأ... اعتقل عندما كان يصلي في مسجد القرية...
_ كان يصلي, قالها الضابط بخوف وتجبر وتعجب: يصلي؟! أي جرأة هي التي تمتلك حتى تتلفظ بهذه الكلمات، وأي جرأة هي التي ربيت ابنك عليها حتى صار من رواد المساجد...
أراد أن يقول :" ليس في القرية إلا مسجد أحرقتموه... ولكنه تذكر أنه بقيد الأسر يسير...
_ أقسم لك يا سيدي أنها كانت المرة الأولى التي يدخل المسجد فيها، كنت مريضاً لم أره عندما ذهب... صبي...إنه صبي لا يميز الخير من الشر، صغير لا يعرف كيف يتدبر أموره...
_ خذوا هذا الجبان من أمامي، وعلموه كيف يكون الاحترام وبعد ذلك اتركوه، لولا أنني بمزاج جيد لأتبعتك بابنك، الحق أن يكون السجن لك، تباً لك على تربيك السيئة تعلم ذريك الإرهاب ".
خرج الأب المسكين بعد أن اصطبغت ثيابه بدمائه، وتفتحت كثير من الجروح التي أصابته في وقت سابق في مكان يشبه هذا المكان...
لم يدر وجهاً لذلك الشارع ثانية, خرج وهو يسأل الله أن يعوضه عن ابنه خيراً وأجراً... لقد أيقن أن ابنه صار من سكان الآخرة...
* * *
_ هه هات البشرى يا أبا أحمد... هي أول كلمة قالتها أم أحمد بعد دخول الزوج المحزون...
لم ينطق ببنت شفة، حتى التحية لم يلقها على خلاف عادته، لقد عرفت الأم من تعاليم وجهه وحزن عينيه مصير القضية التي خرج لأجلها، لن تفتح بعد اليوم، إلى قيام الساعة...
تحدرت دمعة على خدها وقد مات كل بيان يمكن أن يحويه صدرها لتخفيف النيران التي يحملها...
لم تعد تريد أن يكون ابنها الثريا كما أرادت، لم تعد تريده دواء الحياة وعلاجها، لم تعد تريد أن يأتي ابنها بالصحوة لأمته، لا تريده بعد الآن أن يحمل لواء الحضارة ليغرسه في أرض قريته لتكون عنواناً لها...
أقصى ما تريده الآن أن تعرف أحي هو أم ميت، تريد أن تشمه شمة واحدة تهتز بعدها الأرض أحزاناً وآلاماً... شمة تموت بعدها...
_ كفاني عذاباً كفاني بؤساً...
لكنها تذكرت أنها في دنيا البلاء، وستحاسب على كل صغيرة أو كبيرة... فأردفت بهدوء ممزوج بجبال من الألم والحزن... لك الحمد يا رب...
- [*=center]
[*=center]هه يا أبا أحمد، هون عليك، الحمد لله على كل حال، العافية لك، إنما هو أمانة استردها الله منا، لا تحزن موعدنا الجنة إنشاء الله...
فأجاب وكأن هموم الأرض كلها على صدره :
- [*=center]
[*=center]ربي إني مسني الضر وأنت أرحم الراحمين... ثم أنشد:
إني وإن يكن البكاء نقيصة أبكي لحالك سائر الأزمان
وأظل أنسج بالقصيدة بيرقاً حتى يرفرف إن بدت أكفاني
* * *
حاول الأهل أن يتناسوا الموضوع، ولكن أنى لهم ذلك، لقد كانت أمه تنتظر قدوم الليل لتجد فيه شيئاً من الانفراج، فتبث شكواها لربها...
لم يعد أحد يسأل عنه، ربما تجنباً لإثارة الحزن الكامن في صدر والديه... وإذا ذكر فالكل يترحم عليه، فأغلب الظن أنه قد مات... الرجال الصناديد يخرجون صرعى من تلك الأمكنة، هل يعقل أن ينجو هذا الطفل الغض الطري...
* * *
بدأت الأيام تتجاوز مسرعة، جيل يموت وجيل يولد...
_ أتدري من الذي توفي اليوم...
_ من خير إنشاء الله...
_أبو أحمد...
_ من أبو أحمد؟؟، لا تقل لي جارنا الذي فقد صبيه في المسجد...
_ نعم هو بعينه، لقد كانت كلماته الأخيرة :
" اللهم ألهب قلب الملك المعظم بحرقة لا يطفؤوها إلا حر نار جهنم، اللهم املآ قلبه حزناً على أولاده كما زرع في قلبي حزناً على أحمد... ثم نطق الشهادتين ومات بعدها "...
_ ألا يزال هذا العجوز يتذكر أحمد... ألا يزال ينتظر خروجه، لقد مضى على غيابه أكثر من ثلاث سنوات...
_ إنه الولد يا رجل، أم أنك لا تعرف حنان الأب...كما أن أحمد صبي صغير، كان يحبه كل أهل المدينة، يقولون أن أباه مات حزناً عليه...
بقيت الأم وحدها، بقيت تعد اللحظات والسويعات، بقيت تنتظر ابنها بدموع الأسى والحزن، الكل يقولون ان أحمد مات، أحمد هو صبي من الماضي، ولكنها بعزيمة جبارة كبرى وإرادة لا تعرف القهر، كانت تنتظر اليوم الذي ستكحل عيناها بأحمد......
مرت الأيام ثقيلة عليها، ولكنها تعلم أن ليل الظلم والأجرام سيزول، والقيد والأصفاد ستفل بعزيمة رفاق أحمد...
* * *
مرت ستة عشر سنة، كل شيء على حاله، لم يتغير أي شيء إلا المسجد، لقد كان كومة محترقة من الطين، أما اليوم فهو من الحجارة المصفوفة، له مئذنة عالية كبيرة... حتى السماء هي نفسها، وأكوام الزبالة هنا منذ أكثر من ستة عشر سنة...
جال في الطريق الترابي، إيه، أيضاً الوجوه تغيرت، ربما هي ذات الوجوه، ولكن مرارة الزمن قد خدد فيها الأخاديد الطولانية والعرضانية...
أين ذلك المنزل، هل أصحابه لا يزالون يسكنون فيه؟؟؟ سأل نفسه .
فبادر بسرعة لإجابتها: ما هذا السؤال، وأين تراهم يذهبون؟؟!!...
أوه... حتى الباب الخشبي لا يزال قائماً، وربما دجاجات الحي لا تزال هنا...
طرق الباب بلطف شديد... ربما لم يسمعوا...اضرب بقوة أكثر...فأنت الآن حرّ... أعاد قرع الباب...
_ قادمة... قادمة، من بالباب...
فتحت الباب صبية قد ناهزت عمر الزهور.
_نعم... ماذا تريد... ؟؟ .
ولكن ما إن وقعت عين كل منهما على الآخر حتى أخذته الفجأة، لقد تفاجأت به، كما تفاجأ هو بها...
تفاجأت به لغرابة شكله... طويل هزيل، شاحب الوجه طويل الشعر كثيف اللحية، ولكن أكثر ما أثار عجبها ثيابه، إنها ثياب رثة ضيقة قديمة، متسخة، لا تصلح إلا لصبي صغير... كل ذلك زرع شيئاً من الخوف في قلبها، فواجهته بحزم وجرأة لم تعتدها أو تربى عليها...
وهو أيضاً لم يكن أقل تفاجأً يبها، فهو لا يعرفها...
_ أنا... أنا لا أعرف ما سأقول... ولكن من أنت ؟؟!! .
ردت عليه بقسوة منقطعة: من أنا؟؟!!، أخبرني أنت من تكون، وقل لي ماذا تريد... قبل أن أغلق الباب...
_ إنه منزلي، أين أصحاب المنزل...
_ منزلك، أظنك من جند الملك المعظم والمبجل...
دفع الباب بقسوة، فصرخت... فارتعدت فرائصه، وفر هارباً، من يا تراها تكون...
ولكنه عاد أدراجه... لقد سمع صوتاً يعرفه، صوتاً لا يتذكر غيره، سمعها تقول...
_ من بالباب يا عائشة؟..
_ متسول...ربما...
عاد وطرق الباب بقوة، لم يستطع الانتظار، دفع الباب بقوة، صرخ...
_ هذا أنا، ثم تلعثم عن الاتيان بأي كلمة...
سمع صراخاً وهو يحس بالعصا تقرع أجراس رأسه... لكن ذلك لم يؤثر عليه... ربما لأن جسده قد اعتاد على ما هو أقسى منها...أو ربما لصعوبة الموقف الذي يقفه...
سمع الصوت مرة أخرى، ذات الصوت ...
_ من... أ.. أ.. أحمد...
سالت دمعة من عينه، أوه... ظن أن أنهار الدمع في عينيه قد جفت، فهو لم يبك منذ زمن طويل، ولكن عينيه عادت لتدر بشيء وافر من قطرات من الدمع...
_ لم يأت ببنت شفة، مرت لحظات لم يعرف هل طالت أم قصرت... ولكن العصا لا تزال تعمل بجد لطيف على ظهره ورأسه...
عندها تلفظ بأول كلمة... لم يعرف كيف خرجت من فمه، ربما خرجت بضغط كبير من قلبه...
_ أماه... أنا أحمد... أنا ...
لم يستطع الحراك، أو حتى تحويل النظر عن تلك المرأة التي تجلس على ذلك الكرسي القديم والمخصص للمعاقين... كل ما استطاع أن يفعله البكاء...لقد أجهش بالبكاء...
أما هي فقد تحركت قدماها اليابستان، لقد شعرت بحر الدماء تجري في عروقها.... أحست بعبق الحياة، إنها ومنذ الصباح تجد ريحه التي افتقدتها طويلاً .
- [*=center]
[*=center]ربما أنت في الجنة... هكذا قالت لها نفسها...
خطت خطوتها الأولى منذ سنوات خلت، أتبعتها بالثانية، لن أبكي، نعم لن أبكي ربما ليس هو... كما أنه ليس في النعيم بكاء... ولكن الدموع أبت إلا أن تنسكب غير آبهة بأوامرها لها بالكفاف...
أقبلت إليه احتضنت جسده النحيل، شمته، قبلته في كل نواحي جسده أحست برائحة الولد تسيطر على أنفها... أنا في الدنيا هو في أحضاني...
اختلطت دموعهما، وقبلته .. قبلته في كل مكان حلت عليه شفتاها، أما لسانها فقد أصابه شلل كامل عن كل كلمة إلا النطق باسمه...
_ أحمد هل أنت أحمد... أين كنت يا بني ...
احتضنا بعضهما وقتاَ لا يقل عن شوق سنوات السجن الطويلة ...
قال بعدها : أمي لقد كذبت علي يا أمي، لمَ لمْ تخبريني أن الصلاة حرام في قريتي .[/QUOTE]
[line]-[/line]
مشاركة رقم 10
شيزوفرينا
- علي قوادري -
عدت أتسلى..أقطف تارة فكرة عابرة..أرسم قرميد البيوت العتيقة على الرمل..أتملى وجوه المارين..أتحسس دواخلهم ..احسبني فرويد اكشف عقدهم وأعلن عن اللوبيدو القابع فيهم والمحرك الرئيسي لنظراتهم..يعتريني شعور أن هؤلاء الذين يسكنون أجسادهم ويمرون تركوا عقولهم في أمكنة شتى ولغايات أخرى وما هم إلا أشباح..
أعود لفرقعة أصابعي..يصل مسمعي طقطقة حذاء نسوي..ألتفت آليا للصوت دون أن اهتم للوجه..جسم يرتدي ملابس مدرسية..يقف بيني وبينها نزار قباني وهو يردد إلى تلميذة ..أمارس معها لعبة أدمنتها يوميا..أراقبها وأمشط كامل جسدها من بعيد وحين تقترب أغض الطرف فأبصر عنترة يصيح مستهزئا مني أغض الطرف..................أحس غضبها يتوحد مع جرس خطواتها المبتعدة..عيون الأجسام تشعرها بوجودها ..تشع الفكرة في رأسي (نظراتنا توقيع على وجودها )
ه ربما سارتر أغفل هذا العنصر في وجوديته؟ تكتشف أصابعي لحيتي الكثة..يبصق جسم قربي مارا دون اعتذار..يتحرك مجددا ذلك الذئب الجائع داخلي وأنا أشاهد جموعا منهن في أقصى الشارع..
أعود لفرقعة أصابعي..أتشاغل بمجموعة من النمل تدخل وتخرج..يخالجني إحساس يعيدني إلى أصلي البدوي..أسمع صوت ابن خلدون يرعد من مغارته البعيدة "إذا عُرِبتْ خُربتْ"..يقاطعني صديقي جواد ونحن في غرفة بالسكايب
-التعريب ليس عيبا فمالكم يا أهل المغرب العربي تميلون للغة مستعمركم؟
قتلت واحدة ثم الثانية ثم ثالثة ..أحسستني نيرون في هذا اللحظة لأني قادر أن أحرق الكون الآن..ضحكت عاليا وأنا أتذكر صديقا لي كاد يحرق خيمتهم وهو يحتفل ببلوغه المتفجر وباكتشاف رجولته التي ستفتح له الأندلس وتحرر فلسطين.. رأيت نملة تحمل جثة أختها وتمضي ..تذكرت سيدنا سليمان وهو يسمع نملة تقول "يا أيها النمل ادخلوا مساكنكم..........."
يوقظني جسم آخر رمى بعقب سيجارته دون اعتذار..أصرخ في صمت سائلا واسيني الأعرج
-كيف للعالمية أن تبدأ من قريتي ..كيف؟؟؟؟؟؟؟؟
جسم آخر يسوق سيارة يلعن صبيا كاد يدهسه..
-منذ متى وأنا هنا...؟؟!!
يعيدني سؤالي فأتحسس حذائي..ألعن جسم الاسكافي الذي تأخر ..
بيني وبين الأصيل حكايات خجولة ..أقشر لوزها كلما كان الانتظار طويلا..أعودها عندما يتواعد البنفسج مع طقطقات المطر الخفيف..تلازمني وتدغدغ وجعي وجوعي البدوي..كل الذي خبأته في غيابات الجب العتيد تلتقطه تفضحه الأجسام المارة من هنا أو ينزف على أرصفة الأحلام الضائعة..والإسكافي واحد ممن يوقظ مواجعي ولهفتي للتأمل..هو زميل دراسة قديم..ورث مهنته عن أبيه..بشوش وطيب..تهزه أتفه الأمور ..اعتاد أن يحدثني عن شجارات أجسام القرية..كنا نصطاد اليرابيع معا..هو أسرع مني في الركض..يتكلم بسرعة تحس وأنت تسمعه أنه حافظ للحكاية مسبقا..حافظ على ألفاظه البدوية العتيقة وفوق هذا هو شاعر..
-عفوا ..عفوا تأخرت عنك يا صديقي.
وخزني صوته الجهوري..أرد ببرود
-لا بأس..
ويسافر بي بأحاديثه الطويلة دون مقدمات ..يذكرني دكانه وأشياؤه المبعثرة بغرفتي وبكتبي وأوراقي..يشدني تعامله مع الحذاء..يكون أكثر تركيزا وأكثر لطفا..يلامسه كأنه جسد لأميرة بابلية أو كأنه جسد زوجته التي يحبها كثيرا ..هكذا صرح لي..
أنجذب لعالمه البسيط ..تزاور الأفكار في رأسي فاشتاق لقلمي وأوراقي ولمفاتيح جهازي..اشتاق أن أخرج من هذا الجسم الذي ألبسه الآن ..أنزاح لواحة الشعر والأدب ..أدخل عالمي الافتراضي في الفيس بوك وفي التويتر فألتقي أحبتي من كل بقاع الدنيا وأشكل خارطة جديدة لا تسكنها هاته الأجساد وتتفتح نافورة الأفكار والنقاشات الفكرية الراقية وتتتال الحناجر بالشعر وبالنقد وبالفن..هل يمكن أن أكون ثلاثة في واحد؟ كائن ورقي وكائن رقمي وجسم لا هوية له هنا بين أزقة قريتي وبين أهلي؟؟!!
تذكرت حين مات ابن فرناس محاولا الطيران تساءل علماؤنا هل مات شهيدا أم منتحرا وتساءل الغرب هل يمكن لنا الطيران ..تذكرت أستاذنا يقول تخيلوا لو وقعت التفاحة على جسم من هاته الأجسام فإنه سيأكلها ويكمل نومه ولكن الحمد لله أنه كان نيوتن...تذكرت بيرناردو شو وهو يقول هناك أناس يصنعون الأحداث وهناك من يتأثرون بها وهناك أناس لا يرون ما يحدث لعله يقصد هذه الأجسام....تذكرت برتنارد راسل وهو يقول مشكلة العالم أن الأغبياء والمتشددين واثقون من أنفسهم أما الحكماء فتملؤهم الشكوك ..يجيب أحمد زويل الغرب يشجعون الفاشل حتى ينجح ونحن ...الناجح حتى يفشل....
تصمت الأفكار برأسي عندما سكت الاسكافي وليس من عادته أن يتوقف عن الكلام..أول مرة يصمت طويلا هل تراه قرأ ما جال في رأسي من أفكار؟؟!! لا يمكن فهو جسم بسيط ولكنه شديد الذكاء وكثيرا ما أوحى لي بأعمال دفنتها على ثرى أوراقي وكراريسي..ينظر إلي مليا رفقة جسمين دخلا دون شعور مني..كأنه مومياء فرعونية تغازل تعاويذي ..
تأملتهم بدوري حائرا
-ماذا هناك يا صديقي فلتكمل حديثك ..
ترجاني الاسكافي كما يترجى مريد شيخه..
راودني ذهول أن كلماتي وأفكاري التي كانت تتصارع بداخلي خرجت للتو فحنطتهم وفضحتني ..فإذا بي أنا من كنت أتكلم والكل صامت........سألته
-منذ متى وأنا أتكلم؟؟؟!!
-ههههييه يا صديقي من زمن طويل طويل جدا جدا ولكن ما أكثر ما قلت وكأنك لم تقل شيئا..
-ومنذ متى وأنتم جميعا هنا ومتى دخلت يا شييموس هيني.؟؟!!.
لوح الاسكافي بيده محاولا أن يعرف هل أنا في كامل وعيي أم أن مسا تملكني..
انفجرت ضاحكا تجتاحني رغبة في الجري ورغبة في النوم.................ورغبة في أن أكون كائنا ورقيا أو رقميا خير من أكون جسما لا هوية له..حملت كل أصدقائي وخرجنا ..
[line]-[/line]
مشاركة رقم 11
( قلبٌ على شواطيء الضّباب )
- نجاح عيسى -
كان الليلُ يغمرُ شوارع الضباب حين وصلَتْ إلى محطة القطار ،وجلست على حديد المقعد
البارد ، تتناثر الوجوه حولها في مكان يبدو مستعصياً على تجانس اللغات واللهجات بين عرب
وأجانب من مختلف بقاع الأرض ، ما بيناوروبيّ وإفريقيّ وأسيويّ وخليجي ّ .
في مدينةٍ تقدّم نفسها لأي عابر سبيل ليشعرُ أنها بهجته الخاصة ، وملاذه الآمن ، يمارس فيها
قدراتهُ التعبيريّة المتشكّلة في قالب إ نسانيّ محللةً من الأُطُر .
وكأن كل ما يحدث في العالم يجد له صدى هنا، إنعكاساً تارة ، ونموذجاً تارة اخرى .
وكأنها محطة تحويلٍ دوليّة ، لتجارب كلخروج عن النّسق ،من بين شعوب مشغولة بتأمين مائها
وخبزها ،ودفن قتلاها .
وها هي ..واحدة من اولئك الخارجين عن النسق.والذي لم يتورّعوا عن خدش لوحة الوصايا
والتّنصًل من تعاليم ذلك الموروث المُعتّق، في مجتمعات ما زالت تتفيّأ ظلال ماضيها المُحنّط .
لم يكن ذلك التنصّل والتمرد هدفاً في حدّذاته ، ولكنها لم تدّعى أنه كان مسألة ليست ذات بال
حين تعلّق الأمر بعصفورٍ غرّد على وردةالروح ذات ربيع ، فَصَحّى عبيرها .
أستاذ جامعيّ في نفس مجال عملها ..وفنان استطاع ان يقتحم عوالم الفن في زمن قياسيّ ،
أثبت فيها مهارة وخبرة شاهقة في تطويع الفرشاة والألوان ،
كان يملك شفافيّة المشاعر ، وكثافة الإحساس، إلى جانب مخزون لا ينضب من تلك الكلمات
التي يتغيّر بها مجرى حياة ، عينان عميقتان، يتلألأ فيهما شعاع النفس القويّة المتمرّسة
وثقة بالنفس استطاعت أن تُلقي عن كاهله ،نصف هموم الحياة ، تجلّتْ في هذا الإسترخاء العاطفيّ
على ساحل امتدّ من القلب إلى القلب ، مترعٌبهذا السحر الأسطوريّ الذي يُحلّل الذات ويجزؤها
ليعيدها إلى أصلها الحقيقيّ.. نقيّة من أيغبش ، ويعرّيها من قيود الإنزواء في قباء الرهبة والتردّد ،
كل هذا وسِواه جعل قلبها يسبح في نغمةلونيّة متدرّجة الظلال ليرسم لصورتهِ إطاراً لا يخصُّ سواها .
وسط حياة أنيقة مترفة كانت تحياها مترعة بالوحشة والوجوم ، بعد رحيل كفّ الأمومة الحانية .
ما جعل قلبها وكوامنها العاطفيّة تنساحُ هذا الإنسياح االذي افتقد بعض الضوابط العقليّة .
لتصطدم بصرامة كانت مسألة التّصدي لهذا الحب الجارف لديها مُشبعة بالدلالات ، في عائلة
عريقة الأصول عقيمة التفكير ، ترى أن عليها أن تنأى بدمائها النفيسة عن التَّماهي مع تلك الدماء
العاديّة المفتقِدة لتلك الكريات الماسية التي تجري مع دمائها .
كل هذا لأنها حاولت أن تتذارى بعض الحرية مع التحلل من كل ما يمكن أن يُضلّل واقعها
بهمنة كوامن الآخرين المعمِّمَة ، لكسرمصداقيتها الخاصة وصولاً إلى تطبيق فلسفة وحدة
الحياة والمصير ، لأول مرة حاولت ان تكون مباشرة دون الإلتفاف على الصفة العائلية .
متجرّدة إلاّ من الأنا المجرّدة من اعباء هذا الموروث الذي حاول تصنيفها – بإجتهادات فرديّة
ككيان يستدعي التطويع أو الإجتثاث .
وامام هذا الإنغلاق الصّلب والتشكُّل النهائي ، توقفتْ كل محاولات الإقناع لديها .
تغادر القطار ..تمشي على مهل ، فما من داعٍ للإستعجال فليس ثمة من هو بالإنتظار ،
شعورٌ رماديّ قاتم يجتاحها وهي تغلق الباب خلفها ، نافذة بعرض الحائط تستقبلها ، تقترب منها
تزيح الستارة ، تتساقط كآبة الليل حولها ، وقدلفّ الشوارع ضباب مظلم كثيف ، تتأمل الرذاذ ينثال
بهدوءٍ وسط أضواء الرصيف الباهتة ، هكذا هوشتاء لندن ...خافت ..هاديء بلا ضجيج يُجفّلُ النوافذ الغافية .
تعيد إغلاق الستارة ، تقترب من البيانو..تداعب أصابعهُ بضربات عشوائية ، تكسر بها هذا
السكون المطبق على المكان ، ما يحوّلُ الإنسان إلى حارسٍ ليليّ على نفسه ، لايعرف إلا
اليقظة العسكريّة ، في أجواء شتويّة .
تسترخي في مقعدها الوثير ، تصغي إلى ثرثرة الذكريات من جديد ..فالليل طويل ، وفي
بلاد الضباب يتدرّج الليل بطيئاً متمهلاً..حيث هواجس النفس والنوم ضدان لا يلتقيان على
وسادة ، في قلبٍ دائم التلفُّت إلى الوراء ،قلبٌ كانت تعجبُ من تسامح القدرمعه ، أن غضّ
الطّرف عن سعادته كل هذا العمر الممتدّ على ىمسافة عشرين عام ، حين لم يكن أمامهما منذ
البدء لتلك العلاقة واختيارهما لها بإصرارقلبيْن يعرفان ما يريدان ، إلاّ استكمالها بصورتها
الفاجعة والحلوة ، ومصيرها المضيء والمظلم، بعد أن اصبحا مُحاصريْن بكل مستحيلات
المكان والزمان ، ملاحقيْن بكل العيون التي تعرف حكايتهما ولا يعرفانها . ولم يعُد مُجدياً
ذلك التأرجح على حبال معقّدةٍ ، تحاول حلّ عقدها سيلاناً على وضعهما ..بما يتوافق وما في
أغوارها ..وبمنظارها المُشوِّه للحقيقة .ما جعل قناعتهما تترّسخ بأن لا فكاك من تلك المنغصات
إلا بالبعد الجغرافيّ ، والذي أرسلت نظراتها فيه إلى البعيد البعيد ...وطالت نظراتها ،
حتى قصُرَ نظرها ...وأصبح انشغالها بالحاضروالآتي الواعد بمسرّاتٍ دافئة _ كافية لإنسياب
الأحلام المتجمدة فيها _يُعمي عيونها عن الماضي وما فيه ومن فيه ...!
فحلّقتْ خلف القلب بعيداً ..وغرقت في ثنايا ضباب دافيء حنون ، محاولة الإندماج في مجتمعها
الجديد ، لكي تشعر أنها تعيش حياة حقيقية ،وهي تعلم في قرارة نفسها أنها مجرد محطة مؤقتة
تنتظر فيها بعض الوقت ريثما تهدأ العاصفة هناك .
لكن العاصفة لم تهدأ بل ازدادتْ عصفاً ، إلى أن وصلت حد القطيعة ، التي لمستها حين حاولت
وصل حبال الود بعودتها بعد بضعة سنين ،لتُقابل بالتجاهل والتنكُّر حتى لحقوقها الشرعيّة
فيما ترك الوالد والجدّان .
لكنها لم تيأس ..وعاودت الكرّة بعد وقت قصير ، لكنها قوبلت بفتور أشدّ ، وتجاهل جعل زيارتها
كزيارة سائح لآثارٍ وأطلال خرجتْ من حياته، لتدخل التاريخ بحكم المؤبّد .
ولكنها لم تقتنع أن جدران الجليد قد ارتفعت شاهقة بينها وبين مسقط الرأس ..والروح ..فقرّرت
ترك الأمور معلّقةً على شماعة الإحتمالات ، حتى أصبحت تلك الإحتمالات وانتظارها
إطاراً جميلاً لصورة واقعها المُعاش .متخذة من استقرار أركان حياتها ، وإخلاص الشريك ،
ووضعهما الماديّ المستقرّ ،درعاً تصدّ به سهام الشوق ، وقذائف الخوف من مجهولٍ لا تدرك
أبعاده ، خصوصاً أن الأقدار شاءت حرمانها من نعمة الأمومة .
كثيراً ما كانت تتسائل في نفسها بِحيرة وألم ..مسترجعة موقف عائلتها الحاقد رغم مرور السنين .
(..لو فكّروا قليلاً ..لو حاولوا ان يعدلوا..لو أعادوا تقييم ما كانوه لها ، وما كانتهُ لهم ..لو عرفوا
أنها لم تنسَهُم يوماً ، وان عمراً عاشتهُ بينهم ، ستظلُّ سنينهُ تمطرُ فوق حياتها إلى الأبد .
وانها مزروعة هناك تحت شمس تتوقّد ..وغيمة تمطر ..شجرة وجذور تستعصي على القلع .
وأنها تحتاجهم في حياتها ، رغم وجودها في كنف هذا الفارس النبيل ، الواقف في وجه الرياح
كفارس إسبارطيّ حياتهُ معلّقة على ذؤابة رمحِه ، يرى أنهما أكبرمن أن يستجديا الحب أو الرضا
من أحد ، يهتف لها مع كل صباح جديد أنه سيظل يحبها حتى آخر يوم في عمره ..
كم كانت تظنه بعيداً ذلك اليوم ..، بعيدٌ .. بُعْدَ يوم القيامة ، والذي تسبقه إشاراتٌ وعلامات صغرى
ثم كبرى ...!
لم تكن تعرف أن إسناد الروح إلى الروح كَوسادة للأمان ، لن يطول ..وأن ليس من طبع الأقدار
منح الأمان الأبديّ ، وأن القلب قد يتحوّلُ ما بين ليلة وضحاها ، إلى مرفأ قابلٍ للإنكسار ..بعيداً
عن وهم السعادة بمعناهُ المُطلق .
هاهو لأول مرة يغيب .. دون استئذان ، أوإشعارٍ بعودة ما ..
يُغلق باب غربتها عليها ، ويُلقي المفتاح في بحر بعيد ..في يومٍ ما حسبتْ يوماً له حساب
ولا توقّعتهُ بكل هذا القُرب .
وها هي يد الأقدار تمتدُّ لتمحو المكتوب في الهوية ، في حياة كان فيها هو البحر والقارب
والمرساة ، لكنه رحل بكل أحماله ، وتركها في مهب القدر ..تُحاور الماضي فلا يسمع ..
والحاضر مختنقٌ في عمق المأساة ، والمستقبل خرافة مجهولة الأبطال ، تحاولُ أن تتكيء
على طيفهِ ..فتهوي إلى قاع الأوهام ...وحيدة كشجرة مهجورة بين أذرع العاصفة
على سهل مفتوح ، مقطوعة لا جذور ولا فروع ،كأن الحياة قرّرتْ أن تُهيّئها للجفاف
فأطفأتْ من حولها الأضواء ، وقطعت تيّارالحرارة والدّفء عن قلبها .. وحدّدت إقامتها
على هذا الشاطيء الموحش ،
عامٌ طويلٌ مرّ منذ رحيلهِ ..عامٌ ثقيل يدبُّ في سنينها كألف عام ،والوقت جامدٌ لا يتحرك .
عامٌ كاملٌ من السّير فوق الزجاج المطحون ،على درب غربة القلب والروح ...
وبغربة كل الذين لا يستطيعون فعل أيما شيء إلاّ اجترار العذاب ..راحت تتساءل ..وتسأل
الموت ..لماذا وهو العارف بهشاشة وضعها ،وشفافية أغوارها ..حرمها قوة كتف كانت
تتكيء عليها بكل عمرها وثقل غربتها !
ثم تخاطب قلبها ، وتتوسّلهُ العودة من هناك ..بكل احماله التي لا يمكن إغفالها .
وباتساع وجع لا مجال لمخاتلتهِ ، مع الحرص على عدم تغييب خارطة الحكاية ، ومهابط
الأحزان . لكن القلب يرفض الإستجابة ..ويزداد التصاقاُ بزمان ومكان ووجوه ٍألِفَها ..
ما زال هناك يُناور صخور الصّدور ..لعلً قطرة ندىً تنبجسُ منها ، أو برعم يخضرُّ فيها .
فللقلبِ الحزين مهاراته في اقتناء الهزائم والخسارات ، واحتواء الجراح ..حين تكون قد تشبّعَ
بروقاً ورعوداً ، ولم يعُدْ فيه ما يُصعَق، بعد أن تحللَ إلى رمادٍ تذروه رياح الغربة بعيداً
فلا يحطُّ إلاّ على غياب ...!!
========
شكرا لأمين سرّ المسابقة محمد فهمي يوسف على موافاتنا بأسماء المشاركين .
تعليق