أكثر ما أعرفه عنه هو أنه كان هنا من قبلى ..........وهذا ليس بيت القصيد .....
أمتطيه من داخل ( الزريبة )، فيحملنى إلى أطراف الحقل حيث أفرغ ( الغبيط ) من السباخ ، ثم أركب فوق ظهره وألكزه بغصن فى يدى فينطلق إلى الزريبه مجدداً ......
فى طريق عودتنا كنت كثيراً ما أعرج إلى الشجرة الضخمة العجوز ، فأقف فوق ظهره وأمد يدى وأتناول ثمرات التوت دون عناء ، ودون حاجة إلى رمى الشجرة بالطوب ، ثم أنام على بطنى وأضع شفتى فى ( القناية ) التى تسقى الحقول ، وأشرب حد الإرتواء ، وكان الحمار يضع فمه بجوار وجهى ليشرب هو الآخر ، وكنت أتعلق برقبته أثناء مرورنا بشوارع القريه ، وقد أمسكت بها بكلتا يدىّ بينما قدماى معلقتان كذلك ، بينما يسير هو واثقاً ، وقد أحس أن أطفال القرية يحسدوننا على تلك الصداقة بيننا والتفاهم المتناغم ...
آخر النهار أجلس لتناول طعامى ، فيقف أمامى إنتظاراًُ لما أجود به عليه من بقايا الطعام فكان يأكله بتلذذ وهو يعقد مقارنة بين ذاك الطعام الفاخر وبين البرسيم ، بالرغم من أن طعامى كان متواضعا إلى حد كبير ، فلم يكن يتعد ( حبتين ) من ( القوطة ) وخيارة صغيرة ، وبعض مجروش الجبن وأصابع البطاطس المقلية فى زيت التموين الفاسد إلا أنه كان بالنسبة للحمار طعام فاخر..وبعد أن نأكل كنت أسحبه لينام فى الزريبة ، ولعله كان يكمل أكله هناك حيث البرسيم والتبن ، أو لعله كان يكتفى برائحة طعام المائدة خاصتى ، وينام يحلم به .... كنت أحياناً كثيرة أتسلل إلى الزريبة لأنام فى حوض العلف ، بينما ينام الحمار عند قدمى ..
.................................................. ...
بالرغم من ان أبى أمسك فى يده بحزمة كبيرة من البرسيم وقربها من فم الحمار ( تزلفاً وإرضاءُ ) إلأا أن الأخير لم تنطل عليه تلك الحيلة ، فهاج ، ونهق ، ورفس ، ولف ، ودار ، وألقى بجسده أرضاً وأخذ يتمرغ فى التراب ماشاء له التمرغ ، إلا أنه إنساق أخيراً بفعل الحبل المشدود إلى رقبته ، وأضطر للوقوف مجددا ، والسير خلف أبى مرغماً ، فقد كان أبى من القوة بمكان ، فكان يشد الحبل حتى يكاد الحمار أن يختنق ........
ومثلما سار الحمار خلف أبى مكرهاَ ، سرت أنا أيضاً ، فقد كنت رافض لفكرة بيع الحمار من أساسها .
إستسلم الحمار لما شعر بأنه مقبل عليه ، لكنه لم يتوقف لحظة عن النهيق ومحاولة التملص طوال سيره .....
الطريق الترابى ضيق وطويل ، تمتد على جانبيه الحقول الخضراء حتى تعانق الأفق ، بينما تقف شامخة أشجار السنط والكافور ، تلقى بظلالها على الطريق ..
على البعد كانت تحجب السماء سحابة من الغبار الكثيف وكأن هناك ساحة حرب ....
إقتربنا من السوق إذن ، أسرع أبى فى خطوه بينما كنت أهرول محاولاً اللحاق به وأنا أنظر إلى الحمار المنساق فى ود
وحب وشفقة ...
أصبحنا فى وسط السوق ، حيث الضجيج ، وصياح الباعة ، وثرثرة النساء وتصايحهن ، وصخب الخلق وزحامهم ، وأصوات الحيوانات وتزاحمها ..
أقبل بعض الرجال ليشتروا الحمار ، فبكيت فى صمت وأنا أرى أحدهم يباعد بين فكى الحمار بعنف بالغ ويضع عصا غليظة بينهما ليعاين أسنانه ...
إنتهت الصفقة بأن بيع الحمار ، وتناول أبى ثمنه متهللا وقد أشرق وجهه بعد إظلام ، ثم تجول فى السوق واشترى الكثير من الأشياء وضعها فى جوال رفعه فوق كتفه بينما وضع نعليه تحت إبطه ..
أمسك أبى بيدى فى طريق عودتنا ، بينما أسير حافياً مطأطئ الرأس . ولأن أبى يعرف مدى إرتباطى بالحمار ، ومدى حزنى على فراقه ، فقد آثر أن يخفف عنى : " لا تحزن يابنى ، فبمجرد أن نسدد بعض ديوننا ، وربما فى نهاية موسم الحصاد نتمكن من شراء حمار جديد "
وأضاف فى هدوء وقد قرأ فى نظرتى الكثير مما أعانى " ولسوف نشتريه حماراً أصغر سناً وأقوى بنيانا " ....
لازمنا الصمت بعدها إلى أن إقتربنا من المنزل ..
كانت واقفة عند الباب وعلى وجهها إبتسامة .....لا أعتقد أننى رأيتها من قبل على وجه أمى ، تعجبت لها ، كيف تبتسم هكذا وقد بعنا للتو حمارنا العزيز ؟؟؟ لكن تعجبى لم يدم إذ رأيت الحمار يقف خلفها وهو يأكل البرسيم فى عزة وأنفة ، نزعت يدى من يد أبى ، وكالقذيفة توجهت إلى الحمار وتعلقت برقبته وأوسعته تقبيلا ..
غاص أبى فى الذهول وهو يسأل أمى " ما الذى أتى بهذا الحمار إلى هنا ؟ بل كيف وصل أصلاً وقد حملته عربة من إشتروه أمام ناظرى ؟؟ "
أجابت أمى وهى تبتسم " ربما ألقى بنفسه من العربة ! فبالله عليك لا تتخل عنه فهو حمار أصيل "
حك أبى ذقنه وهو يكرر " ألقى بنفسه من العربة !! ألقى بنفسه من العربة !! "
ثم نظر إلى أمى فى صرامة قائلاً " وماذا أفعل لو جاء مشتروه وقد أنفقت جزءاً من ثمنه ؟"
" لاعليك يازوجى العزيز فلقد جاءوا فعلاً ، وأنهيت معهم الأمر "
" كيف يا إمرأة ، خبرينى "
لقد أعطيتهم نصف ماعندنا من القمح وبعض الدجاجات ، واتفقت معهم على أن يعودوا فى نهاية موسم الحصاد ليأخذوا قدرما أخذوا ، ولقد غادروا وهم فى قمة الفرح "
إبتسم أبى ، وهو نادراً مايبتسم .. وقهقهت أمى وهى تنظر إلىّ وأنا أبكى والحمار بجانبى ..
..................................
يجوب بى حوارى القرية وأزقتها لأغيظ الأطفال وأنا متعلق برقبته ، وعندما نظر فى عينى ، كأنه قرأ أفكارى فانطلق بى وهويسابق الريح إلى شجرة التوت ...!!!
أمتطيه من داخل ( الزريبة )، فيحملنى إلى أطراف الحقل حيث أفرغ ( الغبيط ) من السباخ ، ثم أركب فوق ظهره وألكزه بغصن فى يدى فينطلق إلى الزريبه مجدداً ......
فى طريق عودتنا كنت كثيراً ما أعرج إلى الشجرة الضخمة العجوز ، فأقف فوق ظهره وأمد يدى وأتناول ثمرات التوت دون عناء ، ودون حاجة إلى رمى الشجرة بالطوب ، ثم أنام على بطنى وأضع شفتى فى ( القناية ) التى تسقى الحقول ، وأشرب حد الإرتواء ، وكان الحمار يضع فمه بجوار وجهى ليشرب هو الآخر ، وكنت أتعلق برقبته أثناء مرورنا بشوارع القريه ، وقد أمسكت بها بكلتا يدىّ بينما قدماى معلقتان كذلك ، بينما يسير هو واثقاً ، وقد أحس أن أطفال القرية يحسدوننا على تلك الصداقة بيننا والتفاهم المتناغم ...
آخر النهار أجلس لتناول طعامى ، فيقف أمامى إنتظاراًُ لما أجود به عليه من بقايا الطعام فكان يأكله بتلذذ وهو يعقد مقارنة بين ذاك الطعام الفاخر وبين البرسيم ، بالرغم من أن طعامى كان متواضعا إلى حد كبير ، فلم يكن يتعد ( حبتين ) من ( القوطة ) وخيارة صغيرة ، وبعض مجروش الجبن وأصابع البطاطس المقلية فى زيت التموين الفاسد إلا أنه كان بالنسبة للحمار طعام فاخر..وبعد أن نأكل كنت أسحبه لينام فى الزريبة ، ولعله كان يكمل أكله هناك حيث البرسيم والتبن ، أو لعله كان يكتفى برائحة طعام المائدة خاصتى ، وينام يحلم به .... كنت أحياناً كثيرة أتسلل إلى الزريبة لأنام فى حوض العلف ، بينما ينام الحمار عند قدمى ..
.................................................. ...
بالرغم من ان أبى أمسك فى يده بحزمة كبيرة من البرسيم وقربها من فم الحمار ( تزلفاً وإرضاءُ ) إلأا أن الأخير لم تنطل عليه تلك الحيلة ، فهاج ، ونهق ، ورفس ، ولف ، ودار ، وألقى بجسده أرضاً وأخذ يتمرغ فى التراب ماشاء له التمرغ ، إلا أنه إنساق أخيراً بفعل الحبل المشدود إلى رقبته ، وأضطر للوقوف مجددا ، والسير خلف أبى مرغماً ، فقد كان أبى من القوة بمكان ، فكان يشد الحبل حتى يكاد الحمار أن يختنق ........
ومثلما سار الحمار خلف أبى مكرهاَ ، سرت أنا أيضاً ، فقد كنت رافض لفكرة بيع الحمار من أساسها .
إستسلم الحمار لما شعر بأنه مقبل عليه ، لكنه لم يتوقف لحظة عن النهيق ومحاولة التملص طوال سيره .....
الطريق الترابى ضيق وطويل ، تمتد على جانبيه الحقول الخضراء حتى تعانق الأفق ، بينما تقف شامخة أشجار السنط والكافور ، تلقى بظلالها على الطريق ..
على البعد كانت تحجب السماء سحابة من الغبار الكثيف وكأن هناك ساحة حرب ....
إقتربنا من السوق إذن ، أسرع أبى فى خطوه بينما كنت أهرول محاولاً اللحاق به وأنا أنظر إلى الحمار المنساق فى ود
وحب وشفقة ...
أصبحنا فى وسط السوق ، حيث الضجيج ، وصياح الباعة ، وثرثرة النساء وتصايحهن ، وصخب الخلق وزحامهم ، وأصوات الحيوانات وتزاحمها ..
أقبل بعض الرجال ليشتروا الحمار ، فبكيت فى صمت وأنا أرى أحدهم يباعد بين فكى الحمار بعنف بالغ ويضع عصا غليظة بينهما ليعاين أسنانه ...
إنتهت الصفقة بأن بيع الحمار ، وتناول أبى ثمنه متهللا وقد أشرق وجهه بعد إظلام ، ثم تجول فى السوق واشترى الكثير من الأشياء وضعها فى جوال رفعه فوق كتفه بينما وضع نعليه تحت إبطه ..
أمسك أبى بيدى فى طريق عودتنا ، بينما أسير حافياً مطأطئ الرأس . ولأن أبى يعرف مدى إرتباطى بالحمار ، ومدى حزنى على فراقه ، فقد آثر أن يخفف عنى : " لا تحزن يابنى ، فبمجرد أن نسدد بعض ديوننا ، وربما فى نهاية موسم الحصاد نتمكن من شراء حمار جديد "
وأضاف فى هدوء وقد قرأ فى نظرتى الكثير مما أعانى " ولسوف نشتريه حماراً أصغر سناً وأقوى بنيانا " ....
لازمنا الصمت بعدها إلى أن إقتربنا من المنزل ..
كانت واقفة عند الباب وعلى وجهها إبتسامة .....لا أعتقد أننى رأيتها من قبل على وجه أمى ، تعجبت لها ، كيف تبتسم هكذا وقد بعنا للتو حمارنا العزيز ؟؟؟ لكن تعجبى لم يدم إذ رأيت الحمار يقف خلفها وهو يأكل البرسيم فى عزة وأنفة ، نزعت يدى من يد أبى ، وكالقذيفة توجهت إلى الحمار وتعلقت برقبته وأوسعته تقبيلا ..
غاص أبى فى الذهول وهو يسأل أمى " ما الذى أتى بهذا الحمار إلى هنا ؟ بل كيف وصل أصلاً وقد حملته عربة من إشتروه أمام ناظرى ؟؟ "
أجابت أمى وهى تبتسم " ربما ألقى بنفسه من العربة ! فبالله عليك لا تتخل عنه فهو حمار أصيل "
حك أبى ذقنه وهو يكرر " ألقى بنفسه من العربة !! ألقى بنفسه من العربة !! "
ثم نظر إلى أمى فى صرامة قائلاً " وماذا أفعل لو جاء مشتروه وقد أنفقت جزءاً من ثمنه ؟"
" لاعليك يازوجى العزيز فلقد جاءوا فعلاً ، وأنهيت معهم الأمر "
" كيف يا إمرأة ، خبرينى "
لقد أعطيتهم نصف ماعندنا من القمح وبعض الدجاجات ، واتفقت معهم على أن يعودوا فى نهاية موسم الحصاد ليأخذوا قدرما أخذوا ، ولقد غادروا وهم فى قمة الفرح "
إبتسم أبى ، وهو نادراً مايبتسم .. وقهقهت أمى وهى تنظر إلىّ وأنا أبكى والحمار بجانبى ..
..................................
يجوب بى حوارى القرية وأزقتها لأغيظ الأطفال وأنا متعلق برقبته ، وعندما نظر فى عينى ، كأنه قرأ أفكارى فانطلق بى وهويسابق الريح إلى شجرة التوت ...!!!
تعليق