**** أنا ... والحمار *****

تقليص
X
 
  • تصفية - فلترة
  • الوقت
  • عرض
إلغاء تحديد الكل
مشاركات جديدة
  • جمال عمران
    رئيس ملتقى العامي
    • 30-06-2010
    • 5363

    **** أنا ... والحمار *****

    أكثر ما أعرفه عنه هو أنه كان هنا من قبلى ..........وهذا ليس بيت القصيد .....
    أمتطيه من داخل ( الزريبة )، فيحملنى إلى أطراف الحقل حيث أفرغ ( الغبيط ) من السباخ ، ثم أركب فوق ظهره وألكزه بغصن فى يدى فينطلق إلى الزريبه مجدداً ......
    فى طريق عودتنا كنت كثيراً ما أعرج إلى الشجرة الضخمة العجوز ، فأقف فوق ظهره وأمد يدى وأتناول ثمرات التوت دون عناء ، ودون حاجة إلى رمى الشجرة بالطوب ، ثم أنام على بطنى وأضع شفتى فى ( القناية ) التى تسقى الحقول ، وأشرب حد الإرتواء ، وكان الحمار يضع فمه بجوار وجهى ليشرب هو الآخر ، وكنت أتعلق برقبته أثناء مرورنا بشوارع القريه ، وقد أمسكت بها بكلتا يدىّ بينما قدماى معلقتان كذلك ، بينما يسير هو واثقاً ، وقد أحس أن أطفال القرية يحسدوننا على تلك الصداقة بيننا والتفاهم المتناغم ...
    آخر النهار أجلس لتناول طعامى ، فيقف أمامى إنتظاراًُ لما أجود به عليه من بقايا الطعام فكان يأكله بتلذذ وهو يعقد مقارنة بين ذاك الطعام الفاخر وبين البرسيم ، بالرغم من أن طعامى كان متواضعا إلى حد كبير ، فلم يكن يتعد ( حبتين ) من ( القوطة ) وخيارة صغيرة ، وبعض مجروش الجبن وأصابع البطاطس المقلية فى زيت التموين الفاسد إلا أنه كان بالنسبة للحمار طعام فاخر..وبعد أن نأكل كنت أسحبه لينام فى الزريبة ، ولعله كان يكمل أكله هناك حيث البرسيم والتبن ، أو لعله كان يكتفى برائحة طعام المائدة خاصتى ، وينام يحلم به .... كنت أحياناً كثيرة أتسلل إلى الزريبة لأنام فى حوض العلف ، بينما ينام الحمار عند قدمى ..
    .................................................. ...
    بالرغم من ان أبى أمسك فى يده بحزمة كبيرة من البرسيم وقربها من فم الحمار ( تزلفاً وإرضاءُ ) إلأا أن الأخير لم تنطل عليه تلك الحيلة ، فهاج ، ونهق ، ورفس ، ولف ، ودار ، وألقى بجسده أرضاً وأخذ يتمرغ فى التراب ماشاء له التمرغ ، إلا أنه إنساق أخيراً بفعل الحبل المشدود إلى رقبته ، وأضطر للوقوف مجددا ، والسير خلف أبى مرغماً ، فقد كان أبى من القوة بمكان ، فكان يشد الحبل حتى يكاد الحمار أن يختنق ........
    ومثلما سار الحمار خلف أبى مكرهاَ ، سرت أنا أيضاً ، فقد كنت رافض لفكرة بيع الحمار من أساسها .
    إستسلم الحمار لما شعر بأنه مقبل عليه ، لكنه لم يتوقف لحظة عن النهيق ومحاولة التملص طوال سيره .....
    الطريق الترابى ضيق وطويل ، تمتد على جانبيه الحقول الخضراء حتى تعانق الأفق ، بينما تقف شامخة أشجار السنط والكافور ، تلقى بظلالها على الطريق ..
    على البعد كانت تحجب السماء سحابة من الغبار الكثيف وكأن هناك ساحة حرب ....
    إقتربنا من السوق إذن ، أسرع أبى فى خطوه بينما كنت أهرول محاولاً اللحاق به وأنا أنظر إلى الحمار المنساق فى ود
    وحب وشفقة ...
    أصبحنا فى وسط السوق ، حيث الضجيج ، وصياح الباعة ، وثرثرة النساء وتصايحهن ، وصخب الخلق وزحامهم ، وأصوات الحيوانات وتزاحمها ..
    أقبل بعض الرجال ليشتروا الحمار ، فبكيت فى صمت وأنا أرى أحدهم يباعد بين فكى الحمار بعنف بالغ ويضع عصا غليظة بينهما ليعاين أسنانه ...
    إنتهت الصفقة بأن بيع الحمار ، وتناول أبى ثمنه متهللا وقد أشرق وجهه بعد إظلام ، ثم تجول فى السوق واشترى الكثير من الأشياء وضعها فى جوال رفعه فوق كتفه بينما وضع نعليه تحت إبطه ..
    أمسك أبى بيدى فى طريق عودتنا ، بينما أسير حافياً مطأطئ الرأس . ولأن أبى يعرف مدى إرتباطى بالحمار ، ومدى حزنى على فراقه ، فقد آثر أن يخفف عنى : " لا تحزن يابنى ، فبمجرد أن نسدد بعض ديوننا ، وربما فى نهاية موسم الحصاد نتمكن من شراء حمار جديد "
    وأضاف فى هدوء وقد قرأ فى نظرتى الكثير مما أعانى " ولسوف نشتريه حماراً أصغر سناً وأقوى بنيانا " ....
    لازمنا الصمت بعدها إلى أن إقتربنا من المنزل ..
    كانت واقفة عند الباب وعلى وجهها إبتسامة .....لا أعتقد أننى رأيتها من قبل على وجه أمى ، تعجبت لها ، كيف تبتسم هكذا وقد بعنا للتو حمارنا العزيز ؟؟؟ لكن تعجبى لم يدم إذ رأيت الحمار يقف خلفها وهو يأكل البرسيم فى عزة وأنفة ، نزعت يدى من يد أبى ، وكالقذيفة توجهت إلى الحمار وتعلقت برقبته وأوسعته تقبيلا ..
    غاص أبى فى الذهول وهو يسأل أمى " ما الذى أتى بهذا الحمار إلى هنا ؟ بل كيف وصل أصلاً وقد حملته عربة من إشتروه أمام ناظرى ؟؟ "
    أجابت أمى وهى تبتسم " ربما ألقى بنفسه من العربة ! فبالله عليك لا تتخل عنه فهو حمار أصيل "
    حك أبى ذقنه وهو يكرر " ألقى بنفسه من العربة !! ألقى بنفسه من العربة !! "
    ثم نظر إلى أمى فى صرامة قائلاً " وماذا أفعل لو جاء مشتروه وقد أنفقت جزءاً من ثمنه ؟"
    " لاعليك يازوجى العزيز فلقد جاءوا فعلاً ، وأنهيت معهم الأمر "
    " كيف يا إمرأة ، خبرينى "
    لقد أعطيتهم نصف ماعندنا من القمح وبعض الدجاجات ، واتفقت معهم على أن يعودوا فى نهاية موسم الحصاد ليأخذوا قدرما أخذوا ، ولقد غادروا وهم فى قمة الفرح "
    إبتسم أبى ، وهو نادراً مايبتسم .. وقهقهت أمى وهى تنظر إلىّ وأنا أبكى والحمار بجانبى ..
    ..................................
    يجوب بى حوارى القرية وأزقتها لأغيظ الأطفال وأنا متعلق برقبته ، وعندما نظر فى عينى ، كأنه قرأ أفكارى فانطلق بى وهويسابق الريح إلى شجرة التوت ...!!!
    التعديل الأخير تم بواسطة جمال عمران; الساعة 12-01-2013, 13:26.
    *** المال يستر رذيلة الأغنياء، والفقر يغطي فضيلة الفقراء ***
  • منار يوسف
    مستشار الساخر
    همس الأمواج
    • 03-12-2010
    • 4240

    #2
    الأخ العزيز
    جمال عمران
    تأثرت كثيرا و أنا أتابع بشغف حكايتك مع الحمار
    و يبدو أن الحمار سيظل مصدر إلهام للأدباء دائما
    فلا ينتهي أسبوع قبل أن أجد مقالا ساخرا أو قصة بطلها الحمار
    فهل السبب هو هذا الارتباط الشديد بين الإنسان و الحمار ؟
    أم .. لأن للحمار خصائص لا تتوافر في البشر من إخلاص ووفاء و عطاء بلا مقابل
    فالمقابل بالنسبة له هو حزمة برسيم و أو بعض تبن و معاملة حسنة
    تنقلت معك في الحقل و تذوقت ثمار التوت و رأيت النخل و طرقات القرية
    جعلتني أعيش القصة و كأنني داخل الحدث
    كدت أبكي من الحزن على بيع الحمار
    و كدت أبكي من الفرح على عودته
    قصة رائعة و مشوقة ذات سرد أدبي سلس و جميل
    شكرا لك أديبنا المشاغب

    تعليق

    • غالية ابو ستة
      أديب وكاتب
      • 09-02-2012
      • 5625

      #3
      الأخ الأديب جمال عمران
      السلام عليكم ورحمة الله

      أعجبت بالحمار الأصيل

      بالام ابتاعته ثانية

      بالمتعلق في رقبته والأطفال يجرزن وراءه

      بالحارة الأصيلة والبراءة يبكي فرحة بعودة حماره

      سأهدي المتشعبط في رقبته فراشة كذلك


      اليست هذه الصحبة أحسن من صحبة العاب لا حياة فيها

      دمت مبدعاً

      وللحمار حكايات وحكايات
      تحياتي

      التعديل الأخير تم بواسطة غالية ابو ستة; الساعة 03-02-2013, 20:57.
      يا ســــائد الطيـــف والألوان تعشــقهُ
      تُلطّف الواقـــــع الموبوء بالسّـــــقمِ

      في روضــــــة الطيف والألوان أيكتهــا
      لـــه اعزفي يا ترانيــــم المنى نـــغمي



      تعليق

      • مصطفى الصالح
        لمسة شفق
        • 08-12-2009
        • 6443

        #4
        من أروع وأجمل ما قرأت لك أخي جمال

        تقدم ملحوظ في أسلوب القص والتركيز على المهم في الزمان والمكان

        أثرت هذه القصة في كثيرا حتى تذكرت أغنية تركية اسمها " صديقي الحمار"

        هي هدية لك

        لم أعد السنوات المنقضية منذ مغادرتي القرية

        جاءت مواسم وراحت.. دون أن نتقابل

        لم ترسل أي خبر عنك منذ ذلك اليوم

        هل غضبت؟

        أم هل نسيتني؟!

        بالأمس أيضا تذكرتك .. اغرورقت عيناي

        أيامنا الجميلة أصبحت ذكرى

        كتب علينا الفراق فعلينا أن نتحمل

        اشتقت لك كثيرا

        يا صديقي الحمار...
        .............

        شوقتني للحياة الطبيعية



        تحية وتقدير
        [align=center] اللهم صل على محمد أفضل الخلق وعلى آله وصحبه أجمعين

        ستون عاماً ومابكم خجــلٌ**الموت فينا وفيكم الفزعُ
        لستم بأكفائنا لنكرهكم **وفي عَداء الوضيع مايضعُ

        رَبِّ بِمَا أَنْعَمْتَ عَلَيَّ فَلَنْ أَكُونَ ظَهِيرًا لِّلْمُجْرِمِينَ

        حديث الشمس
        مصطفى الصالح[/align]

        تعليق

        • جمال عمران
          رئيس ملتقى العامي
          • 30-06-2010
          • 5363

          #5
          المشاركة الأصلية بواسطة منار يوسف مشاهدة المشاركة
          الأخ العزيز
          جمال عمران
          تأثرت كثيرا و أنا أتابع بشغف حكايتك مع الحمار
          و يبدو أن الحمار سيظل مصدر إلهام للأدباء دائما
          فلا ينتهي أسبوع قبل أن أجد مقالا ساخرا أو قصة بطلها الحمار
          فهل السبب هو هذا الارتباط الشديد بين الإنسان و الحمار ؟
          أم .. لأن للحمار خصائص لا تتوافر في البشر من إخلاص ووفاء و عطاء بلا مقابل
          فالمقابل بالنسبة له هو حزمة برسيم و أو بعض تبن و معاملة حسنة
          تنقلت معك في الحقل و تذوقت ثمار التوت و رأيت النخل و طرقات القرية
          جعلتني أعيش القصة و كأنني داخل الحدث
          كدت أبكي من الحزن على بيع الحمار
          و كدت أبكي من الفرح على عودته
          قصة رائعة و مشوقة ذات سرد أدبي سلس و جميل
          شكرا لك أديبنا المشاغب
          الاستاذة منار
          مرحبا بك فى متصفح الغلابة والمهمشين والواقفين على رصيف الحياة والناس اللى تحت .... وكلها أسماء لمتصفحى المتواضع ..
          لقد أسيعدنى مرورك الكريم وأنار متصفحى ونشر البهاء فيه بروعة تعبيرك وصدق إحساسك بالقصة ..
          الحمارفى صعيد مصر هو كنز فى البيت ، وهو الوحيد الذى لا يطلب شيئا رغم انه يساعد فى معظم الأشياء خاصة حمل الأثقال ، والفت نظرك إلى انه تم تكوين جمعية باسم ( أصدقاء الحمار ) والكثير من أعضائها أناس مرموقون ..
          مودتى لك وشكرى لقراءتك
          *** المال يستر رذيلة الأغنياء، والفقر يغطي فضيلة الفقراء ***

          تعليق

          • جمال عمران
            رئيس ملتقى العامي
            • 30-06-2010
            • 5363

            #6
            المشاركة الأصلية بواسطة غالية ابو ستة مشاهدة المشاركة
            الأخ الأديب جمال عمران
            السلام عليكم ورحمة الله

            أعجبت بالحمار الأصيل

            بالام ابتاعته ثانية

            بالمتعلق في رقبته والأطفال يجرزن وراءه

            بالحارة الأصيلة والبراءة يبكي فرحة بعودة حماره

            سأهدي المتشعبط في رقبته فراشة كذلك


            اليست هذه الصحبة أحسن من صحبة العاب لا حياة فيها

            دمت مبدعاً

            وللحمار حكايات وحكايات
            تحياتي

            الاستاذة المناضلة غالية
            أسعدنى مرورك الكريم ، وإحساسك بالمشهد ..
            تحيتى ومودتى
            *** المال يستر رذيلة الأغنياء، والفقر يغطي فضيلة الفقراء ***

            تعليق

            • جمال عمران
              رئيس ملتقى العامي
              • 30-06-2010
              • 5363

              #7
              المشاركة الأصلية بواسطة مصطفى الصالح مشاهدة المشاركة
              من أروع وأجمل ما قرأت لك أخي جمال

              تقدم ملحوظ في أسلوب القص والتركيز على المهم في الزمان والمكان

              أثرت هذه القصة في كثيرا حتى تذكرت أغنية تركية اسمها " صديقي الحمار"

              هي هدية لك

              لم أعد السنوات المنقضية منذ مغادرتي القرية

              جاءت مواسم وراحت.. دون أن نتقابل

              لم ترسل أي خبر عنك منذ ذلك اليوم

              هل غضبت؟

              أم هل نسيتني؟!

              بالأمس أيضا تذكرتك .. اغرورقت عيناي

              أيامنا الجميلة أصبحت ذكرى

              كتب علينا الفراق فعلينا أن نتحمل

              اشتقت لك كثيرا

              يا صديقي الحمار...
              .............

              شوقتني للحياة الطبيعية



              تحية وتقدير
              أخى الصالح
              أسعدنى رأيك المحفز والمشجع للعبد لله (زعيم الغلابة ) ..
              والأروع مما كتبه العبد لله هى تلك الكلمات التى أهديتنى إياها ..رائعه جدا ، وأروع من النص خاصتى
              مودتى وتقديرى
              *** المال يستر رذيلة الأغنياء، والفقر يغطي فضيلة الفقراء ***

              تعليق

              يعمل...
              X