الذات والآخر أو حين يجسد الإيمان التسامح نموذج الدكتور زكى بدوى

تقليص
X
 
  • تصفية - فلترة
  • الوقت
  • عرض
إلغاء تحديد الكل
مشاركات جديدة
  • محمد المهدي السقال
    مستشار أدبي
    • 07-03-2008
    • 340

    الذات والآخر أو حين يجسد الإيمان التسامح نموذج الدكتور زكى بدوى

    الذات والآخر
    أو
    حين يجسد الإيمان التسامح

    نموذج الدكتور زكى بدوى
    في الذكرى السابعة لوفاته ( 1922–2006يناير )
    محمد المهدي السقال

    تتجاذب الرؤى للعالم المعاصر، أفكار يغلب عليها التنازع حول امتلاك الحقيقة في فهم مجرياته، ولعل أبرزها تلك التي تدعي استنادها إلى مرجعية دينية ، فصار يستوي في الموقف منها أنصار الديانات السماوية بلا فرق، متخذة عناوين كثيرة من الصراع الحضاري إلى الصدام الديني.
    بينما يدرك الراسخون في العلم بتلك الديانات في أًصولها، أنها بريئة من كل تعصب دموي يلغي قيمة الإنسان الوجودية، بل يعرف أبسط المؤمنين الحقيقيين، أن الدين في الواقع، لا يمكن أن يكون إلا مرادفا للتسامح والتكامل، مهما اختلفت أشكال التمثلات الطقوسية، باختلاف البيئات والظروف، وإلا فأين نضع القيم المثلى من الحق والخير والإحسان والجوار و المساواة و التضامن؟.
    هذا التصور الإنساني للعلاقات بين المجتمعات البشرية، أمكن التعبير عنه من خلال مواقف وممارسات نابعة من الإيمان الديني عند كثير من المفكرين، لكن أكثرهم أهمية، أولئك الذين عايشوا وتعايشوا مع الآخر في بيئات مختلفة عن بيئاتهم، عقديا وفكريا واجتماعيا، فكان لصوتهم حضور متميز، يستجيب لقناعات تجد لها سندا في النص، من أجل بناء نسق سلوكي في تلك المجتمعات، يجسد فيه الإيمان قيم التسامح المثلى في بعدها الكوني.
    ومن هؤلاء، نستحضر المفكر زكي بدوي ضمن الراحلين الذين يحتفي بهم المركز الافتراضي لإبداع الراحلين، عن عمر ناهز ثلاثة وثمانين عاماً، فارق الحياة المفكر الإسلامي المعاصر، الدكتور زكي بدوي، على إثر نوبة قلبية لم تمهله كثيرا، بينما كان يلقي محاضرة حول التمويل الإسلامي. ولد في مصر ليتخرج من رحم الأزهر مجازا في الأدب و اللغة، ومات في لندن بعدما حصل فيها على الدكتوراه في الفكر الإسلامي، بينما كان ارتحاله إلى بريطانيا سنة 1951في الأصل لدراسة علم النفس .
    جسد شخصية الإمام المسلم بعباءة العربي، في إمبراطورية لم تكن تغرب عنها الشمس، فحظي بالتقدير الديني والفكري من الخصوم قبل الأصدقاء، لما تميز به من عمق إيماني فتح بصيرته للتسامح و التعايش بين بني الإنسان، تكريما لاستخلافهم على الأرض، ودفعا لكل خلاف لم ينشئ غير الصدام و الصراع والمواجهة.
    أغضبت البعضَ مواقفُـه من الفهم السائد عن الإسلام، بناء على تأويلات قد تكون حسنت بنية الاجتهاد، لكنهم ظلوا يحفظون للرجل قدره،لأنه يصدر عن ذلك العمق الإيماني في صدحه برأيه.
    ساير الدعوة إلى نزع الحجاب للمصلحة، مع انتفاء مناخ الإثارة بالمنظور الشرعي، فلقي معارضة شديدة ما لبثت أن تدرجت في الاقتناع بموقفه ضمن سياق الحاجة إلى صيغ حضارية للتعايش مع الغرب في عقر داره .
    و أعلن في أكثر من مناسبة، أن تعثر الحوار بين الشرق و الغرب، راجع بالأساس إلى توازي انغلاق بعض المسلمين ــ الذين مازالوا يحاورون أنفسهم ــ مع توجس الآخر من أفكارهم عن الإسلام أو تفكيرهم فيه، فكانت النتيجة، اتجاه الطرفين إلى البحث عن مبررات الانفصال والمواجهة بدل الاتجاه نحو البحث عن مسوغات الاتصال والمعايشة، فكان من المبكرين في التنبيه إلى ملابسات احتضان الغرب للاتجاهات التحريفية للخط الإسلامي، من هذا الفريق أو ذاك، على خلفية سوء النية في التظاهر بالتواصل و الاحتفاء، دون اعتماد ركائز منهجية للتفتح المتبادل على أسس الاعتراف بالوجود الشخصاني للآخر.
    اقتنع مبكرا بإمكانية فتح جسور التواصل مع الغرب على أساس تمثل الوعي الديني المتفتح على الأبعاد الحضارية والإنسانية، فنبه في أكثر من موقف، إلى مزالق افتعال الصدام بين أشكال الاعتقاد، من خلال المشاركة مثلا في"منتدى الفوبيا الإسلامية والعنصرية "، قبل ظهور التفاعلات السلبية للغرب في تعاطيه مع الإسلام، على إثر ما عرفه العالم من متغيرات بعد أحداث الحادي عشر من سبتمبر، ولم يتردد في الإعلان عن فراغ مقولة دخول الإسلام مرحلة الصدام العلني مع الغرب
    .
    هل كان المفكر الإسلامي”زكي بدوي” يدافع عن الحقوق المدنية للجالية الإسلامية في انجلترا؟
    أم أنه كان يؤسس لعلاقات متجددة مع الغرب الحضاري من موقع الداعية المسلم؟
    بالمقارنة مع بعض الأصوات الإسلامية التي ربطت بين التنظير للصحوة الإسلامية المعاصرة في ارتباط مع التحولات السياسية الكبرى في العالم، يمكن اعتبار المفكر زكي بدوي، الأقل ظهورا على الساحة الإعلامية، لأن مواقفه ارتبطت أساسا بالتفاعل مع متغيرات الواقع المعيشي للإنسان المسلم في بيئة هي في الأصل ليست دار إسلام بالمعنى الشرعي، انسجاما مع ثوابت العقيدة السمحة في السلوك الحضاري البناء .
    لذلك، لا غرابة في أن نجد إصغاء متميزا لأفكاره، بل واستعدادا للتعامل الإيجابي مع تصوراته العملية لمفاهيم المقاصد والمصالحمن طرف ”الآخر”، يتجاوزان إصغاء واستعداد”الأنا”، بعيدا عن استهداف الترويج لخطابه / مشروعه، عبر المنابر الإعلامية ذات الاهتمام هنا أو هناك، فلم تحمل بطاقة التعريف بالرجل أكثر مما عاشه وعايشه على أرض الواقع، من منطلق إيماني يجسد التسامح في بعده الإنساني، من غير مزايدة على ذلك الواقع بالانتصار لاعتقاد فريق أو تيار، فشغل منصب رئيس مجلس إدارة الأئمة والمساجد في بريطانيا ورئيس مجلس إدارة المجلس الإسلامي، وظل عميدًا للكلية الإسلامية بلندن حتى وفاته، وشارك في تأسيس ملتقى للأديان السماوية الثلاث، كما خدم كنائب لرئيس المجلس العالمي للأديان، ورئيس لمجلس أمناء المنتدى ضد الإسلاموفوبيا والعنصرية. قد لا يروق للبعض، مسلك المفكر زكي بدوي في التعاطي مع الشأن الإسلامي، خارج دائرة التأويل السياسي، أو ما يروج للخوض فيه تحت عنوان المؤامرة ، خاصة وأنه لم يتوان عن التصريح برد أسباب تحويل النظر عن الحقائق إلى مشكلة المسلمين في التخلف والانغماس في السياسة، و هو في ذلك ينسجم مع سجله التاريخي الذي يحتفظ للذاكرة بانضمامه المبكر لحركة "الإخوان المسلمين" دون موافقتها الرأي في أعمال العنف المنسوبة إليها، رغم ما عرف عنه من معارضته السياسية للوجود البريطاني في مصر.
    ويبدو أن إشعاع المفكر الإسلامي بين الجاليات غير العربية في بريطانيا أقوى، بحكم حساسية بعض الموضوعات المرتبطة بالسياسة في العلاقة مع الشرق، أو المتصلة بتراكمات الأخطاء التاريخية في التعاطي مع مشكلات المنطقة، مما يصعب مهمة دعاة الحوار الديني على أساس التواصل الحضاري بديلا عن مقولة الصدام والصراع، رغم تزايد الأصوات المرتفعة لاندماج فاعل للحضور الإسلامي في المؤسسات السياسية والمدنية في الغرب عامة وانجلترا خاصة، لما تمثله فيها من ثقل نوعي وكثافة سكانية
    .
    و في هذا السياق يندرج تصور الراحل ”زكي بدوي” للرسالة التي ظل يعبر عنها في أكثر من مناسبة إذ اعتبر” إن الإسلام ليس مصدر خطر ولا مصدر إرهاب” ــ وعلى الجالية المسلمة ــ أن تركز على نقطتين:
    الأولى، هي الاحتفاظ بالهوية الإسلامية مع مد الجسور بينها وبين المجتمع البريطاني.
    والثانية أن تعزل الذين يسيئون إلى الإسلام، وان نبين لهذا المجتمع أن هؤلاء الشواذ هم فئة صغيرة لا تمثلنا ”.
    هل سقطت أطروحة التوظيف السيئ للدين على أساس قومي؟
    هل من مبرر ديني لاستمرار الانغلاق والتزمت و التطلع لمحو الغرب؟

    ليس هناك من خيار استراتيجي غي التعايش والقبول بالآخر كشرط وجود؟
    كيف يمكن أن نجعل من التأسيس للاختلاف قاعدة للتوافق؟
    المسلمون مطالبون باختراق المجتمع المدني و معاصرة تحولاته الفكرية والاقتصادية والعلمية بدل الوقوف بأعتاب المساجد وتحويلها إلى مؤسسات غير فاعلة ولا متفاعلة مع متغيرات الواقع
    .
    لماذا لا نكون واقعيين في تقييمنا للوجود العربي الإسلامي في الغرب؟
    أليست الهجرة في الأصل متعددة الأسباب منها ما هو ثقافي ومنا ما هو سياسي أو اقتصادي ؟ لماذا لا ننتبه إلى مخاطر المغامرة بأوضاعنا على خلفية الحسابات التي تصادر الحق في الوجود من منظور يخالف الشرع؟
    إن جل التصورات التي عبر المفكر الإسلامي الراحل زكي بدوي، من خلال تلك التساؤلات المنهجية، إنما تصدر عن قناعات مؤسسة على النظرة الواقعية غير المنفصلة عن ثوابت المنظومة الدينية التي يتعلق بمبادئها في أصولها النصية، ولعل أفضل ما يمكن الختم به في هذه الورقة المكثفة جدا، باعتبار ما يسمح به المقام، الإشارة إلى البعد الكوني لمستقبل تطبيق الشريعة في عمقها الإنساني، ذلك أن الاتجاه نحو التجسيد الإيماني للتسامح بين الأديان، إنما يتحقق بتجاوز ما يشوب الحضارة المادية في كليتها من تغييب للبعد الروحي، باعتباره يتعالى على الظرفي والطارئ، ويرتفع بالإنسان إلى ما يسمو به عن الاحتقان والصراع، تحت أي مسمى كان.


    *
    تستند هذا الورقة حول المفكر الراحل زكي بدوي إلى خلاصة ما كتب عنه،
    وقد تم تحاشي الإغراق في الإسناد، لكون ما تضمنته يعتبر في حكم المتعارف و المسلم به في أدبياته
    .
    مع حفظ الحق للجميع في إضافة أو تصويب ما يبدو مناسبا.

    التعديل الأخير تم بواسطة محمد المهدي السقال; الساعة 13-01-2013, 16:04.

    " مُـجَـرَّدُ كَـلاَمِ عَـجُـوزٍ لَـمْ يُـدْرِكْـهُ الْـبُـلُـوغ "
يعمل...
X