عذوبة الشعر عند الوزاني -دراسة نقدية-
[align=justify] مما استجلب نظري لاصطفاء جواهر الوزاني هي الفطرة الخالصة التي صقلت كتابته، فكتابته لا تتكلف استيحاء الصور والمشاهد خارج الواقع والفطرة التي جبل الناس عليها.
[align=justify]
استعمل العرب الذوق المدرب في تمييز القصائد، وأعربوا عن " حلاوة اللفظ " و " كثرة الماء والرونق ". والذوق جمال تحسه وتلمسه وأحيانا تعلله، وأحيانا أخرى يتعذر التعليل ؛ ذلك أن " من الأشياء أشياء تحيط بها المعرفة ولا تؤديها الصفة، وهناك " ظاهر تحسه النواظر وباطن تحصله الصدور " وأكثر ما تكون تلك الدقائق في مواضع الجمال فتلك قد نحسها، أما أن نعلنها فذلك ما قد لا نستطيعه بغير الألفاظ العامة التي لا تميز جمالا عن جمال، أما التعليق الدقيق الذي نستطيعه فإنما يكون فيما نراه من قبح أو ضعف بله الخطأ " .
ويقول الانسون : " من الممكن استخدام كل الشهوات الدينية والسياسية وكل ميل ونفور مرده إلى الطبع، فالبغض والحماسة والتعصب التي يثيرها في نفسي كتاب قيم يمكن أن تتخذ أمارات تهديني في تحليله، وذلك بشرط أن لا أجعل منها مقياسا للحكم على قيمته وجماله. ونوع الانفجار يدل أحيانا على المادة التي تفرقعت. والشيء الأساسي ( الأساس) هو أن لا أتخذ من نفسي محورا، وألا أجعل مشاعري الخاصة، ذوقي أو معتقداتي قيمة مطلقة." (النقد المنهاجي عند العرب ومنهج البحث في الأدب واللغة. ص 384، مترجم عن أستاذين لانسون وماييه، ترجمة محمد منذور، دار النهضة- مصر للطبع والنشر.)
[/align]
[align=justify]وكلام الوزاني الاصطلاحي عن العذوبة الشعرية وإن كانت مسألة ذوقية فهو يعيرها لباسا محسوسا، يأخذ بتلابيب الفكر ويسوقه لعالم الصورة الملموسة، ويضعنا أمام مشهد ينبض بالحيوية والحركة لنتذوق عسل عبيره عبر جمالية المشهد، وجلال الصورة، وما تتفطر عنه من نداوة قلبية من حب يجنح لبحر الهوى والعشق، حيث الألفاظ الجميلة ذات الإيقاع البالغ والمؤثر في النفس البشرية، سواء منها من هفت نحو درب الفضيلة، أو الرذيلة على السواء. ونفتح مؤشر المذياع ليسكب في حسنا إيقاع كلماته في همس كأنها خشخشة النعل تتمطى في خطاها من أثر نوم خالطه لما استدعيناه وانشغلنا عنه بالتقديم :
[/align]
[align=justify]" الشعر مرآة الاهتزازات النفسية، ومظهر روحي لصلة الإنسان بنفسه والعالم المحيط به، ولا شعر أصدق من ذلك الذي تحس حين تسمعه وكأنك أمام حادثة بمسرحها وأشخاصها، أو قبالة منظر من مناظر هذا الوجود. تسمع من خلال كلماته خفقة القلب وحركة الروح، أو هتاف الضمير ونداء النفس، إلى غير ذلك مما هو لغة طبيعية في الإنسان." (الوزاني عذوبة الشعر)[/align]
[align=justify]وبعد أن يجول بنا جولة يوقظ بها ما فتر من مشاعر وينبش ما اندست من أحاسيسنا لينطلق بها بعيدا بعيداً، لتسمو روحها في سماء الوجدان الفياض على النفس من خلال الإيحاء والخيال لنتنسم تلك اللطائف ونتذوق لذاتها علنا ندرك معنى للشعر :
[/align] " ولا تنظر إلى الشعر على أنه ألفاظ وعبارات قد خف نغمها واستقام وزنها، ولكن انظر إليه على أنه أصل من أصول الحياة الإنسانية الروحية التي بحمايتها ينمو الكيان الروحي للإنسان. فالألفاظ الخلابة والعبارات الشائقة إنما هي نظام ومعرض لنفوسنا الإنسانية الشاعرة، فهي أصل من أصول الصناعة الفنية وليست أصلا من أصول وجودنا الروحي الذي نطلق على إثره اسم "الشعر"، ويظهر من كلامنا أن الشاعر لا يجيد القول، إلا إذا استوحى طبعه وروحه مخليا لهما الطريق في الجود والإيحاء. متوخيا الطرق التي توسع من مجال طبعه وروحه حتى يكون شعره أحسن وأتم.(الوزاني عذوبة الشعر)
وبعد أن أذاقنا لذة الشعر يطوف بنا طوافا نستكشف فيه مكامن العذوبة في الشعر
[align=justify]
"والعذوبة غرض هام من أغراض صناعة الشعر، وإلا ففيم عناية الشعراء بجمال ألفاظهم ومعانيهم، وفيم اهتزازنا حينما نسمع الشعر الجيد، ولكن أين نلتمس هذه العذوبة ؟ في اللفظ أم في المعنى أم فيهما معا ؟ ها هنا مفترق الطرق، فهناك من يذهب إلى أن اللفظ هو وحده الذي يجب اختياره ومراعاة جماله وإحلاله المكان اللائق به لأنه لا جمال للمعنى إلا بجماله، والمعنى إذا كان رديئا وأبرز في لفظ جميل أنيق اكتسب من جماله جمالا لم يكن فيه، وهناك من يتمذهب بمذهب المعنوية فيرى أن المعنى هو كل شيء وليس اللفظ شيئا إلى جانبه، لأنه لو لم يكن الفكر لما كان اللفظ، وهناك من يقسم العناية بينهما قسمة عادلة فينظر إلى القيم الجمالية في اللفظ كما ينظر إليها في المعنى. وهذا الاتجاه هو الصحيح، فجمال المعنى وصحته لا جلاء لهما إلا في اللفظ الجميل الصحيح، واللفظ الجميل الخلاب لا قيمة له ما لم يستكن تحته المعنى البديع، وبالجملة فإن الصورة الأدبية الجميلة هي التي اقترن فيها جمال اللفظ بجمال المعنى، فلا غنى لها عن ذاك في الإشعاع والعذوبة والحسن. (الوزاني عذوبة الشعر)[/align]
وإذا ما نحن سايرنا الوزاني في تذوقه فعلينا ألا نمضي معه بغير دليل السنن الإلهية، فاللذة عنده غرف ما وجد وتلذذه من أي وعاء كان ؛ مما يجعلنا نستفسره هل يستوي الماء البارد الزلال في يوم حر قائظ مع ماء الوادي الحار في أي يوم من أيام السنة شئت ؟
ولنتركه يعرب إعرابه عن كيفية تذوقه الأدب، حتى لا نقوّله ما لم يقل :
"ينبغي أن ننظر إلى الأعمال الأدبية صورا من الحياة، فيها ما في الحياة من نواحي النقص ونواحي الكمال، من مظاهر الضعف ومظاهر القدرة، من حالات السمو، وحالات الإسفاف، من واحات الهدوء وأعاصير الاضطراب، من دواعي اللذة ودواعي الألم. فإن نحن فعلنا أتيح لنا أن نشارك الأدباء أحداث حياتهم، وأسرار نفوسهم ؛ فنحن نتشاءم مع أبي العلاء، ونزهد مع أبي العتاهية، ونمرح مع أبي نواس، ونخوض المعارك مع أبي فراس، ونهيم مع قيس ليلى، نفعل ذلك ولو إلى حين، فإذا نحن نضيف تجارب الآخرين إلى تجاربنا، وننظر إلى الحياة من الزوايا المختلفة التي نظروا منها إليها. وأثناء ذلك تثار مواهبنا، وتستدعي ملكاتنا، فتتفتح، وتتوهج وترتعش ؛ لكونها خضعت لسلطان عظيم، هو سلطان الآداب والفنون، ومسها تيار من نفوس حساسة مرهفة، قادرة على الإيحاء والإثارة." (الوزاني عذوبة الشعر)
[align=justify][align=justify]
ولكأس خمرة بحر الهوى لذة قل من يصحو منها، كما لكل بحر من بحوره مزايا تجعله جذابا يجذب المغرمين حتى إذا انغمسوا فيه ضمتهم أمواجه، فلا يرى لهم أثر بعد، وبخاصة إن كان البحر بحر الطالحين ؛ إذ جاذبية الهوى تصرع كل قوي ؛ لاستعانة إبليس على من غرر بهم بقوة رب العزة : الله الواحد القهار . أما بحر الصالحين فقد ينجذب إليه المرء ويصعب انفكاكه منه بقدر ما في السبيل من البدع، فإن صفي البحر وخلص شرابه كان التخلص منه يسيرا إلا على المخلَصين.
فكيف يريدنا أن ننغمس مع أبي نواس في بحر اللعنة بدعوى المرح، ونلتحق بعدها مع زهد أبي العتاهية وهما دربي النقيض ؟ وأنى يتأتى الانفكاك من هذه لننغمس في تلك ؟ وهل الأمر يتعلق بزيارة أروقة فننتقل من جناح إلى آخر ؟ أم أن الانغماس في درب الرذيلة تقيدك شياطينه فتضحي أسير كوانتنامو إلى الأبد.وما ينجو منه إلا من استلته رحمة الله.
وما بالنا نرمي أبا نواس بذنب قد يكون تاب منه وقبلت توبته، وغفر ذنبه ؟ أم نحب أن نكون ممن يشيع الفاحشة في الذين آمنوا فيرصدنا عذاب أليم ؟ ويا له من ذوق!. وإذا كان الوزاني يرشف من كل دلو فأنى له أن يصف شعر نزار بالشعر الآثم ؟[/align]وحينما نمضي بغير مصباح منير نغرق في بحر الظلمات : في ليل البوم والوطواط والشبح المخيف...فأية لذة هذه التي يدعونا الوزاني لتذوقها ؟ وأي ذوق ذاك الذي يخلط كل الأذواق ؟ ألا يفقد صاحبها كل مذاق ؟ ألا ما أيسر إطلاق الكلمات الرخيصة، وما أصعب سبل تنفيذ أي منها.!!![/align]