[align=right]هي لا تستطيع أن تقول شيئاً ، لكنّ عينيها أوحتا لي بما يشبه إستجداءً للتّحرّر من جدران المنزل. سبقتني لدى الباب . عشرة دراهم هي كلّ ما تبقّى لي من مصروف شهر عملٍ مضنٍ , وأمامي أسبوع بثوانيه ، دقائقه ، ساعاته ، لياليه ونهاراته ، قبل أن يحتضنني صدرُ الحوالة الضّئيلة . رُبّاه : رحماك بي ؟،طيلة عشرين سنةً كمدرّس في أقسام التّحضيري، لم يسبق لي أن وفـّرتُ درهما :قالوا عن الجيب المثقوب ، وقالوا عن " التّابْعه " وقالوا عن " العين " قالوا وقالوا ... لم أهتمّ ...زوجتي وحدها تدّعي معرفة مكامن الخلل ؟ هي وحدها تعرف أين يَصبُّ نهر الحوالات الشّهريّة . تقول في سخريّة قاتلة : إنّ بطنك يعادلُ " شواري " حمار ؟ ... إنّ بطنك لو صُبّت فيه جميع أنهر الدّنيا ما ملأته ! كذلك لم أهتم .. تارة أنظر إليها في استغراب ، وتارة أنهرها ، وأحذّرها من تكرار هذه الحماقات ...
أخذت القفـّّة على عجل، لكنني وجدتها لدى الباب ، تنتظرني ، مدّت إليّ يديها الصّغيرتين ، لم أشأ أن أحملها كعادتي والإرهاق أخذ منّي مأخذه ! كان منزلي في الطابق الثّاني من عمارة تطلّ على الشّارع الكبير، وكان عليّ أن أهبط درجات ملتوية أظن دائما أنّ لاحدود لها ! ونحن ننزل ، أمرت إبنتي نسرين أن تتّكئ بيدها اليمنى على درابزين السّلم الحديدي ، بينما أمسك يدها اليسرى برفق زائد عن اللّزوم .
كان الرّصيف شبه غاص بالمارّة، كأنّها أفواج نمل هائج ، تسلّلت بسرعة وحذر شديدين وأنا أمسك بأصابع يد إبنتي..لحظات ،ثمّ وقفنا أمام " السّرغيني " بائع الخضر. أربع دكاكين تصطفّ في محاداة رصيف الشّارع الضّيّق ، أصحابها يعرفونني ، وأعرفهم جيّداً . عند السّرغيني : نصف كيلو طماطم نصف كيلو جزر وأمثال ذلك من البطاطيس والبصل .. كان عبد اللّه الجزّار يرمقني بعينين دامعتين أشرت إليه بغمزة جانبيّة ..إنطلقت وابنتي إلى دكان بيع المواد الغذائية ، طلبت منه نصف ليتر من الزّيت.. اَهٍ نسيت الفلفل ! درهمان هو كل ما تبقى لديّ ، السّرغيني يعرفني جيّدا أؤدي في الحال ولا أستدين ..
كدت أنصرف ، لولا أنّي تنبّهت لوقوف نسرين كصنم لايتحرّك.. نسرين تعالي ...لكنّها لم تستجب . كانت عيناها مغروزتين في شيء ما ، اقتربتُ ..أمسكت يدها ..جرّته في عصبيّة ملفتة للنّظر .. حاولت مرّة أخرى لكنّي فشلت .. حاولت أن أقرأ معنى هذا العناد من خلال بريق عينيها .. وجهها كان شاحباُ ، نسرين ذات الست ربيعا..لا تستطيع أن تبوح بشيء ..لكنّها ومن قرائتي لدموع تسيل ببطء فوق خدّيها ، توشك أن تقول شيئا ..سيّارة سوداء اللّون تقف فجأة بمحاداة الرّصيف ، ينزل منها رجل بكرش منذلق، فسحت له الطّريق بسرعة حتّى لا يدهسني جسده الضّخم وهو لا يبالي ! هولايبتاع خضرأ : أربع كيلو، موز أربع كيلو تفـّاح ، خمس كيلوإجاص و...هو يأمروالسّرغيني ينفّذ بسرعة كأنه يُصعق بشحنة كهربائية ، ثم يخرج من دكّانه يحمل ماتبضّع الرّجل إلى سيّارته الفارهة ..مازالت إبنتي نسرين جامدة في مكانها ، رافعة يدها اليمنى مشيرة إلى عرجون موز متدلي في واجهة دكان السّرغيني ..: ماذا تريدين ياعزيزتي ؟ حان الاَن أن نمضي إلى المنزل ... يدها ..إبهامها مازال ثابتا على الموز .. همستُ في أذنها : نسرين.. سوف أشتري لك حلوى كثيرة ..هيّا سنعود الاَن ! إنه لا يؤكل .. إنّه ديكور !! لكنّها ماتزال واقفة كعمود مصباح الشّارع ! كان وجهها ينذر بانفجار محتمل ..لا أريد أن تنفجر ..ولكن ماذا عساي أفعل ؟" نسرين لم يتبق لديّ نقوذ ..هيّا.. غذاً سأشتري لك موزا وتفـّاحا.. !
شامخة كالجبل سحبتُ يدها بعنف ، والرّجل الَضّخم واقف ينظر إليّ بعينين عسليّتين .. فجأة إنفجرت نسرين بكاءً وانطلقت معه أوّل كلمة منذ أن رأت النّور ، ما تركت طبيبا ولا اختصاصيأ في البكم إلاّ زرته ، واستنزف جيبي دون جدوى ! الاَن تكلّمتْ " أُريدهُ " الرّجل البدين حسم الموقف الّذي سماه مهزلة .. إنطلق إلى سيّارته في هرولة ، وأتى بموزتين ، الأولى مدّها إلى نسرين ، أخـذَتـْـها بلهفة وشكرتْهُ بابتسامة بريئة : شكرا ..!ٌ قالت للرّجل الّذي مدّني بالأخرى ، رفضتـُها بعناد فيه رائحة كرامة ! لكنّ الرّجل دسّها في جيب معطفي بعنف وانطلق .....
بقلم : بلقاسم إدير 2000[/align]
أخذت القفـّّة على عجل، لكنني وجدتها لدى الباب ، تنتظرني ، مدّت إليّ يديها الصّغيرتين ، لم أشأ أن أحملها كعادتي والإرهاق أخذ منّي مأخذه ! كان منزلي في الطابق الثّاني من عمارة تطلّ على الشّارع الكبير، وكان عليّ أن أهبط درجات ملتوية أظن دائما أنّ لاحدود لها ! ونحن ننزل ، أمرت إبنتي نسرين أن تتّكئ بيدها اليمنى على درابزين السّلم الحديدي ، بينما أمسك يدها اليسرى برفق زائد عن اللّزوم .
كان الرّصيف شبه غاص بالمارّة، كأنّها أفواج نمل هائج ، تسلّلت بسرعة وحذر شديدين وأنا أمسك بأصابع يد إبنتي..لحظات ،ثمّ وقفنا أمام " السّرغيني " بائع الخضر. أربع دكاكين تصطفّ في محاداة رصيف الشّارع الضّيّق ، أصحابها يعرفونني ، وأعرفهم جيّداً . عند السّرغيني : نصف كيلو طماطم نصف كيلو جزر وأمثال ذلك من البطاطيس والبصل .. كان عبد اللّه الجزّار يرمقني بعينين دامعتين أشرت إليه بغمزة جانبيّة ..إنطلقت وابنتي إلى دكان بيع المواد الغذائية ، طلبت منه نصف ليتر من الزّيت.. اَهٍ نسيت الفلفل ! درهمان هو كل ما تبقى لديّ ، السّرغيني يعرفني جيّدا أؤدي في الحال ولا أستدين ..
كدت أنصرف ، لولا أنّي تنبّهت لوقوف نسرين كصنم لايتحرّك.. نسرين تعالي ...لكنّها لم تستجب . كانت عيناها مغروزتين في شيء ما ، اقتربتُ ..أمسكت يدها ..جرّته في عصبيّة ملفتة للنّظر .. حاولت مرّة أخرى لكنّي فشلت .. حاولت أن أقرأ معنى هذا العناد من خلال بريق عينيها .. وجهها كان شاحباُ ، نسرين ذات الست ربيعا..لا تستطيع أن تبوح بشيء ..لكنّها ومن قرائتي لدموع تسيل ببطء فوق خدّيها ، توشك أن تقول شيئا ..سيّارة سوداء اللّون تقف فجأة بمحاداة الرّصيف ، ينزل منها رجل بكرش منذلق، فسحت له الطّريق بسرعة حتّى لا يدهسني جسده الضّخم وهو لا يبالي ! هولايبتاع خضرأ : أربع كيلو، موز أربع كيلو تفـّاح ، خمس كيلوإجاص و...هو يأمروالسّرغيني ينفّذ بسرعة كأنه يُصعق بشحنة كهربائية ، ثم يخرج من دكّانه يحمل ماتبضّع الرّجل إلى سيّارته الفارهة ..مازالت إبنتي نسرين جامدة في مكانها ، رافعة يدها اليمنى مشيرة إلى عرجون موز متدلي في واجهة دكان السّرغيني ..: ماذا تريدين ياعزيزتي ؟ حان الاَن أن نمضي إلى المنزل ... يدها ..إبهامها مازال ثابتا على الموز .. همستُ في أذنها : نسرين.. سوف أشتري لك حلوى كثيرة ..هيّا سنعود الاَن ! إنه لا يؤكل .. إنّه ديكور !! لكنّها ماتزال واقفة كعمود مصباح الشّارع ! كان وجهها ينذر بانفجار محتمل ..لا أريد أن تنفجر ..ولكن ماذا عساي أفعل ؟" نسرين لم يتبق لديّ نقوذ ..هيّا.. غذاً سأشتري لك موزا وتفـّاحا.. !
شامخة كالجبل سحبتُ يدها بعنف ، والرّجل الَضّخم واقف ينظر إليّ بعينين عسليّتين .. فجأة إنفجرت نسرين بكاءً وانطلقت معه أوّل كلمة منذ أن رأت النّور ، ما تركت طبيبا ولا اختصاصيأ في البكم إلاّ زرته ، واستنزف جيبي دون جدوى ! الاَن تكلّمتْ " أُريدهُ " الرّجل البدين حسم الموقف الّذي سماه مهزلة .. إنطلق إلى سيّارته في هرولة ، وأتى بموزتين ، الأولى مدّها إلى نسرين ، أخـذَتـْـها بلهفة وشكرتْهُ بابتسامة بريئة : شكرا ..!ٌ قالت للرّجل الّذي مدّني بالأخرى ، رفضتـُها بعناد فيه رائحة كرامة ! لكنّ الرّجل دسّها في جيب معطفي بعنف وانطلق .....
بقلم : بلقاسم إدير 2000[/align]
تعليق