أريدُهُ ......!!

تقليص
X
 
  • تصفية - فلترة
  • الوقت
  • عرض
إلغاء تحديد الكل
مشاركات جديدة
  • بلقاسم إدير
    أديب وكاتب
    • 29-04-2008
    • 127

    أريدُهُ ......!!

    [align=right]هي لا تستطيع أن تقول شيئاً ، لكنّ عينيها أوحتا لي بما يشبه إستجداءً للتّحرّر من جدران المنزل. سبقتني لدى الباب . عشرة دراهم هي كلّ ما تبقّى لي من مصروف شهر عملٍ مضنٍ , وأمامي أسبوع بثوانيه ، دقائقه ، ساعاته ، لياليه ونهاراته ، قبل أن يحتضنني صدرُ الحوالة الضّئيلة . رُبّاه : رحماك بي ؟،طيلة عشرين سنةً كمدرّس في أقسام التّحضيري، لم يسبق لي أن وفـّرتُ درهما :قالوا عن الجيب المثقوب ، وقالوا عن " التّابْعه " وقالوا عن " العين " قالوا وقالوا ... لم أهتمّ ...زوجتي وحدها تدّعي معرفة مكامن الخلل ؟ هي وحدها تعرف أين يَصبُّ نهر الحوالات الشّهريّة . تقول في سخريّة قاتلة : إنّ بطنك يعادلُ " شواري " حمار ؟ ... إنّ بطنك لو صُبّت فيه جميع أنهر الدّنيا ما ملأته ! كذلك لم أهتم .. تارة أنظر إليها في استغراب ، وتارة أنهرها ، وأحذّرها من تكرار هذه الحماقات ...
    أخذت القفـّّة على عجل، لكنني وجدتها لدى الباب ، تنتظرني ، مدّت إليّ يديها الصّغيرتين ، لم أشأ أن أحملها كعادتي والإرهاق أخذ منّي مأخذه ! كان منزلي في الطابق الثّاني من عمارة تطلّ على الشّارع الكبير، وكان عليّ أن أهبط درجات ملتوية أظن دائما أنّ لاحدود لها ! ونحن ننزل ، أمرت إبنتي نسرين أن تتّكئ بيدها اليمنى على درابزين السّلم الحديدي ، بينما أمسك يدها اليسرى برفق زائد عن اللّزوم .
    كان الرّصيف شبه غاص بالمارّة، كأنّها أفواج نمل هائج ، تسلّلت بسرعة وحذر شديدين وأنا أمسك بأصابع يد إبنتي..لحظات ،ثمّ وقفنا أمام " السّرغيني " بائع الخضر. أربع دكاكين تصطفّ في محاداة رصيف الشّارع الضّيّق ، أصحابها يعرفونني ، وأعرفهم جيّداً . عند السّرغيني : نصف كيلو طماطم نصف كيلو جزر وأمثال ذلك من البطاطيس والبصل .. كان عبد اللّه الجزّار يرمقني بعينين دامعتين أشرت إليه بغمزة جانبيّة ..إنطلقت وابنتي إلى دكان بيع المواد الغذائية ، طلبت منه نصف ليتر من الزّيت.. اَهٍ نسيت الفلفل ! درهمان هو كل ما تبقى لديّ ، السّرغيني يعرفني جيّدا أؤدي في الحال ولا أستدين ..
    كدت أنصرف ، لولا أنّي تنبّهت لوقوف نسرين كصنم لايتحرّك.. نسرين تعالي ...لكنّها لم تستجب . كانت عيناها مغروزتين في شيء ما ، اقتربتُ ..أمسكت يدها ..جرّته في عصبيّة ملفتة للنّظر .. حاولت مرّة أخرى لكنّي فشلت .. حاولت أن أقرأ معنى هذا العناد من خلال بريق عينيها .. وجهها كان شاحباُ ، نسرين ذات الست ربيعا..لا تستطيع أن تبوح بشيء ..لكنّها ومن قرائتي لدموع تسيل ببطء فوق خدّيها ، توشك أن تقول شيئا ..سيّارة سوداء اللّون تقف فجأة بمحاداة الرّصيف ، ينزل منها رجل بكرش منذلق، فسحت له الطّريق بسرعة حتّى لا يدهسني جسده الضّخم وهو لا يبالي ! هولايبتاع خضرأ : أربع كيلو، موز أربع كيلو تفـّاح ، خمس كيلوإجاص و...هو يأمروالسّرغيني ينفّذ بسرعة كأنه يُصعق بشحنة كهربائية ، ثم يخرج من دكّانه يحمل ماتبضّع الرّجل إلى سيّارته الفارهة ..مازالت إبنتي نسرين جامدة في مكانها ، رافعة يدها اليمنى مشيرة إلى عرجون موز متدلي في واجهة دكان السّرغيني ..: ماذا تريدين ياعزيزتي ؟ حان الاَن أن نمضي إلى المنزل ... يدها ..إبهامها مازال ثابتا على الموز .. همستُ في أذنها : نسرين.. سوف أشتري لك حلوى كثيرة ..هيّا سنعود الاَن ! إنه لا يؤكل .. إنّه ديكور !! لكنّها ماتزال واقفة كعمود مصباح الشّارع ! كان وجهها ينذر بانفجار محتمل ..لا أريد أن تنفجر ..ولكن ماذا عساي أفعل ؟" نسرين لم يتبق لديّ نقوذ ..هيّا.. غذاً سأشتري لك موزا وتفـّاحا.. !
    شامخة كالجبل سحبتُ يدها بعنف ، والرّجل الَضّخم واقف ينظر إليّ بعينين عسليّتين .. فجأة إنفجرت نسرين بكاءً وانطلقت معه أوّل كلمة منذ أن رأت النّور ، ما تركت طبيبا ولا اختصاصيأ في البكم إلاّ زرته ، واستنزف جيبي دون جدوى ! الاَن تكلّمتْ " أُريدهُ " الرّجل البدين حسم الموقف الّذي سماه مهزلة .. إنطلق إلى سيّارته في هرولة ، وأتى بموزتين ، الأولى مدّها إلى نسرين ، أخـذَتـْـها بلهفة وشكرتْهُ بابتسامة بريئة : شكرا ..!ٌ قالت للرّجل الّذي مدّني بالأخرى ، رفضتـُها بعناد فيه رائحة كرامة ! لكنّ الرّجل دسّها في جيب معطفي بعنف وانطلق .....






    بقلم : بلقاسم إدير 2000
    [/align]
    التعديل الأخير تم بواسطة بلقاسم إدير; الساعة 21-05-2008, 21:39.
    [frame="7 80"] حتّى لا أكون عدوّاً لأحد ٍ، قرّرت ُألاّ أتّخذ أحداً صديقاً !![/frame]
    http://addab-cawn.blogspot.com
    http://idiri.maktoobblog.com/
  • علاء عيسى
    عضو الملتقى
    • 28-05-2007
    • 116

    #2
    كان الرّصيف شبه غاص بالمارّة، كأنّها أفواج نمل هائج
    "رفضتـُها بعناد فيه رائحة كرامة ! لكنّ الرّجل دسّها في جيب معطفي بعنف وانطلق ..... "
    بلقاسم
    عودة مع قلمك الذى طاب لى
    ولا يفوتنى
    التنقيب داخل توقيعك
    الرائع والذى به فلسفة جميلة
    "حتّى لا أكون عدوّاً لأحد ٍ، قرّرت ُألاّ أتّخذ أحداً صديقاً !!"
    تحياتى
    لما وراء حرفك
    التعديل الأخير تم بواسطة علاء عيسى; الساعة 25-05-2008, 09:34.
    [CENTER]دورى فْ كل القصايد
    هاتلاقينى كاتبها ليكى
    كل حرفِ فْ شعرى ساجد
    للجمال اللى فْ عنيكى[/CENTER]

    [CENTER][SIGPIC][/SIGPIC][/CENTER][CENTER]" مدونتى "[/CENTER]
    [url]http://alaaeisa.maktoobblog.com[/url]

    تعليق

    • بلقاسم إدير
      أديب وكاتب
      • 29-04-2008
      • 127

      #3
      المشاركة الأصلية بواسطة علاء عيسى مشاهدة المشاركة
      كان الرّصيف شبه غاص بالمارّة، كأنّها أفواج نمل هائج
      "رفضتـُها بعناد فيه رائحة كرامة ! لكنّ الرّجل دسّها في جيب معطفي بعنف وانطلق ..... "
      بلقاسم
      عودة مع قلمك الذى طاب لى
      ولا يفوتنى
      التنقيب داخل توقيعك
      الرائع والذى به فلسفة جميلة
      "حتّى لا أكون عدوّاً لأحد ٍ، قرّرت ُألاّ أتّخذ أحداً صديقاً !!"
      تحياتى
      لما وراء حرفك
      الصّديق العزيز علاء عيسى
      أشكرك مجدّدا على حضورك في صفحتي هذه واَخذ منك بعين الرّضا هذه الورود من امتنان رائع لي ولكتاباتي
      شكرا مجدّداً
      التعديل الأخير تم بواسطة بلقاسم إدير; الساعة 01-06-2008, 20:37.
      [frame="7 80"] حتّى لا أكون عدوّاً لأحد ٍ، قرّرت ُألاّ أتّخذ أحداً صديقاً !![/frame]
      http://addab-cawn.blogspot.com
      http://idiri.maktoobblog.com/

      تعليق

      • محمود عادل بادنجكي.
        أديب وكاتب
        • 22-02-2008
        • 1021

        #4
        أخي بلقاسم
        استمتعتُ بقراءة نصّك الجميل، الذي كُتب بسرعة كاتب ماهر.. حبّذا لو أبطأ قليلاً.
        تحيّاتي الطيّبات
        ستبقـى حروفنــــا.. ونذهـــــبُ
        مدوّنتي
        http://mahmoudadelbadinjki.ektob.com/
        تفضـّلوا بزيارة صفحتي على فيسس بوك
        www.facebook.com/badenjki1
        sigpic
        إهداء من الفنّان العالميّ "سامي برهان"

        تعليق

        يعمل...
        X