روح الأبالسة

تقليص
X
 
  • تصفية - فلترة
  • الوقت
  • عرض
إلغاء تحديد الكل
مشاركات جديدة
  • عيسى بن محمود
    أديب وكاتب
    • 06-12-2011
    • 39

    روح الأبالسة

    آخر حبة حلوى ، و آخر طعم يعبث به لسانك ليطيل لحظة المتعة ، و كنت أودعتها داخل علبة سجائرك ،انتهت السجائر ، و ما كنت رميت بالعلبة ، و لست الآن تفعل ، فقد كنت أدخلت العلبة أيضا غطشا و بغشا من الرقيم ،رحت تلوكها و تحركها بلسانك بحركة نصف لولبية من مقدمة الفم إلى الحلق ، تخرجها حتى توشك أن تفلت من الشفتين ، ثم تعيدها إلى الداخل كمن طبع قبلة لتوه على خد أسيل طري البشرة ، رهيف الإحساس ، تفكر في أن تصنع لها جزيرة فاضلة ، قد يعرف البشر تلك النباتات التي رحت تفكر في غرسها ، لكن بمثل ذلك التأثيث لن يكون في مقدورهم تنسيقه ، هل ترى الناس يستطيعون معايشة لحظة سمو اليوغا آوان الغرس فيعمدون إلى التسامي عن المألوف و ما قدر لهم التخلص من خلفيتهم المعرفية المرتبطة بالمكان ؟

    أخذت أعلى الربوة و شققت على عمق مترين في أعلاها و عرض خمسة عشر مترا لتقيم فيه هيكل الحب ، من خشب الماهوغاني نصبت ركائز قوية بعد أن سويت الأرضية و ألبستها طبقة من الخيزران ، لتعمد إلى السقف فتقرمد شكلين يبدأن بمربعين متساويين و يرتفعان بدقة ليكونا دقيقين كفاية في أعلى القرميد بشكل مسلة ، و بينهما مايقارب ثلاثة أمتار أودعتها تربة كميتة اللون في شكل حوض مستطيل ليحمل من الأزهار ما تناسق في الطول و اختلف فصل بوحه بالزهر حتى يحافظ على زهوه طيلة أيام السنة و لتكسير هدوئه ماكنت زدته عن نبتتين من النباتات المتسلقة ، لكنها جعلتها تتدلى من أعلى الشرفة التي تعلو المدخل نحو الأسفل بما يتيح لوريقاتهما ملامسة الرأس و الكتفين آوان الولوج و الخروج ،

    أنت الآن تعزز دفتي الربوة تجاه المعبد بحجارة انتقيتها بعناية لتتناسب في الحجم و الشكل ، فبنيتها و كنت تجعل الإسمنت المعزز بينها أو ما تسميه تلحيم الحجارة ، و أنت تعمد فيه إلى خليط من الإسمنت و الجبس و بعض التربة الحصوية ،فيأتي التلحيم بلون الحجارة ، حتى تبدو الكتلة قطعة من صخر تعرضت للحفر بإزميل أو جعلتها أخاديد عوامل السيول ، ثم استدرت إلى ضفتها اليمين تلك الربوة فجزأتها مربعات متفاوتة المساحة و الحجم و بينها حفرت لتصنع طريقا بلطته بالحجارة و أودعت بينها بعض البذور المهملة فيكون حينها الطريق آوان صعوده و قد انتشت تلك البذور وريقاتها كمن يصعد إلى قلعة عتيقة أهملها الناس و التاريخ و الجغرافيا ، فتجيء طريقها وحشية في غير وحشة ، بينما الضفة الأخرى عمقت فيها أخاديد و ملأتها بالماء في غير ما تنسيق ، أو عساها فوضى الجمال ، فتلك الأشكال الهندسية تتعارض مع حرية الماء ، فيبدو حينها حبيسا ، بينما تريده أنت على سجيته التي تعطي الروح للأشياء و هو أصل الروح يليق به أن يشكل الالتواءات التي يريد ،

    بيد أن مشروع جنتك في أسفل الربوة اعتمد منصات مختلفة الأحجام أيضا ، و قد فكرت في احضار الأرواح لتعطي معبدك هيبة و وقارا كافيين لمزج اللاهوت و الناسوت في كينونة البدايات ، فكنت تصنع تماثيلك بدقة و تفاني ، و بدأت بالأبالسة أولا فعمدت إلى أشنع ما استطعت أن تحدثه على الملامح و الشكل ، و كنت قد ثبته على المنصة لما لمحت ابتسامة على ملا محه ، فسارعت إلى حفر أخاديد بشكل طولي لتقمع الابتسامة ، فما زالت و لكنها اكتسبت طابع الهزلية و الخبث ، فأجلت شأنها لتعمد إلى باقي التماثيل و كانت المنصة المقابلة لروح الأبالسة معدة أساسا لتمثال روح الحيوان ، لكن خشيت أن يكون الرواق بينهما موحشا فنصبت بها شكلا هلاميا يبدأ بجذع يماثل شجرة الدردار ثم يتفرع أغصانا متنافرة ينتهى أحدها بفتحة صنبور و آخر بشكل رأس منسدل الشعر و ثالث و رابع و خامس بدبوس و كنت أسميت تمثالك هذا روح الفصول ، و عن يمين التمثال و بشكل مستقيم عديدها التماثيل المتنافرة أصغر حجما أطلقت عليها وسم أبناء الفصول ، بعضها يحدث البرق و آخر يصدر هدير الرعد و خامس او سادس او سابع صوت الخرير و الذي بعده القشيب ثم من يصدر الحر في زفيره و القر في شهيقه ، مقابلها صففت الملائكة و لما تمردت عليك الأشكال عددتها أرواح الأجداد و السابقين و أجلت أيضا الملائكة لحين الفراغ من تنصيب تماثيل الطغاة و المجرمين و رجال الحرب ، و كنت لونت منصات تماثيلهم باللون الأحمر فجاء بعضه قانيا و بعضه داكنا و آخر فاتحا رغم أن دلو الطلاء واحد ، و أنت تؤمن بأن الروح التي تسكن التمثال تستطيع أن تسبغ وهجها على اللون ،

    أحضرت النباتات التي تود تصفيفها و أعددت خلف التماثيل الأروقة التي تود غرسها و كنت ارتأيت للمساحة خلف تمثال روح الأبالسة نبات الصبار و لقناعة تسكنك زدت بعض فسيلات الباذنجان فمنذ صغرك لا تعده من النباتات اللائقة بالبشر ، هذا اللون يوحي اليك بكوكب آخر بكائنات أخرى و حياة مغايرة تماما ، رغم أن التي بها القلب معنى و الفؤاد موله و الروح تحادث روحها آوان صحو و في الأحلام ، و ما بحت لها فأنت تتقشف في الحب كما كتبت لك مرة ، ترتدي هذا اللون تحديدا بل و تسبغ منه على الشفتين طبقة خفيفة و على شكل زهرة صغيرة جسيم على الأنف في المنخار اليمين ، و أنت تفكر الآن في رفع حكمك على هذا اللون إكراما لذوقها ، بل و رحت تخطيء نفسك فقد تكون ما أنصفت هذا اللون الاستثنائي ،

    بينما فضلت السرخس لروح الفصول و اللوتس لبعض أبناء الفصول و بعضها الآخر وجوه الملائكة التي توحي إليك بالهدوء و الطمأنينة ، و كنت قد أحرزت سبقا علميا في تطويع الدحنون فجمعت منه ما تعسر و ها أنت الآن تضعه بفمك ثم تنفث به تجاه القطعة الخلفية لتمثال البشر الحنفاء ..

    تواصل بذر و غرس المساحات و الذي أجلت يشغلك الآن ، إن من حيث الموقع الذي ستختار له أو الشكل ، فأيها الأشكال اللائقة بالملائكة ، و كنت قرب المسبح قد حددت المكان و ها فكرة التمثال توشك على التشكل ، الملاك بجمال استثنائي ، و لا ملامح حتى و إن كانت فاتنة تحمل سر الكمال مثل الأنثى ، و لا أنثى بمثل جمالها ، و كنت فكرت في البدء أن لا تحضرها إلا بعد الفراغ من جنتك و معبدك ، لكن التمثال إن لم يماثلها لن يكون في مستوى روح الملائكة التي ستسكنه ،

    و ما كان عصيا أن تستقدمها ، و كما المزحة في لعبة الغميضة على عينيها شددت وشاحها ،و فاتها أن ترى الجسر الذي أعددته خصيصا لاستقبالها لعلمك بحبها الجسور ، و لما أزاحته الأسود اللون المزركش بوريقات بيضاء راحت تتساءل : أي كهف هذا الذي تصنع لي فيه تمثالا؟

    -لاحقا تعرفين التفاصيل فيزول الغموض ، لكني الآن مستعجل في انجاز تمثال لك على أن يكون بكامل القوام

    -هل أجلس و تقوم أنت بتشكيل العجينة و صناعة الشكل كما في رسم لوحة ، أم تصنع مني قالبا تصب فيه عجينتك ؟

    -الأولى أقرب ، لكن بعد أن أقوم بطلائك بهذا الخليط الأبيض ، تعرفين أن الأبيض لا يخفي أسرار الملامح و الجسد

    و تفاصيل الجسد الأنثوي لا تقاوم ، لكنك تستطيع تبينها لاحقا في المجسم فسيكون مطابقا للأصل و الذي يتعلق بالروح قد يزهد في رغبة عابرة لم يؤثث لها كفاية بما يليق بطقوسها ، و بمهارة عجيبة أوشكت مع مغيب الشمس أن تصنع الكمال ، و على عجل في يدك ما تبقى من عجينة خرجت من معبدك لتعيد تشكيل تكشيرة روح الأبالسة فلطخت و مسحت و كورت و شطفت ، لكنها الابتسامة التحدي ، و لأنك تؤمن بأوان الأشياء ، أجلتها ثانية و عدت و الجسد و التمثال جنبا لجنب ، و ما استجابت حين نداء ، فهززت الجسد الأول لكنه التمثال و هززت الثاني لكنه التمثال ، قربت سمعك من أنف الجسد أو التمثال لم تعد تفرق الممد يمينا و لا زفير و لا شهيق و الثاني و لا دليل على الحياة ،

    قهقهات تمثال الأبالسة تصل أذنيك حادة ، و خرجت لا تدري هل أنت ذاهب إليها أم عائد إلى التمثال الجسد و الجسد التمثال ، رحلت تماثيل الفصول و الصالحون و الطغاة و الحنفاء ، و تكاثر تمثال روح الأبالسة ، كدوي رعد صيفي عنيف من كل المستنسخات تتعالى القهقهات ترددها الربوة و المنخفض و الشجر و الماء ، أرغمت على العودة ، كلتاهما مرمريان المنسوخ و المنسوخ عنه و بدورك كنت تتجمد.
  • أوهيبة يحيى
    أديب وكاتب
    • 30-07-2012
    • 122

    #2
    أتعبتني صديقي عيسى, فمرة أنا بناء ومرة أنا بستاني, ومرة أنا فنان, ومرة نحات. حولت لنا العشق الى عمل شاق, خيال خصب جاب كل الأزمنة والأمكنة والمهن.

    تعليق

    يعمل...
    X