الإستراتيجية الوطنية أم السِراط الوطني بحث تأثيلي عن أصول علم الإستراتيجية

تقليص
X
 
  • تصفية - فلترة
  • الوقت
  • عرض
إلغاء تحديد الكل
مشاركات جديدة
  • عوني الخطيب
    عضو الملتقى
    • 07-11-2012
    • 10

    الإستراتيجية الوطنية أم السِراط الوطني بحث تأثيلي عن أصول علم الإستراتيجية

    الإستراتيجية الوطنية أم السِراط الوطني

    بحث تأثيلي عن أصول علم الإستراتيجية

    بقلم
    مترجم عوني الخطيب


    ملخص

    يهدف هذا البحث اللساني إلى تتبع أصول علم الاستراتيجية باعتباره أحد العلوم المستقلة، وبحث اصطلاحها على المستوى التأثيلي. ويستقصي هذا البحث مصطلح الاستراتيجية من الناحية اللسانية، وعلى المستوى التأثيلي؛ لبيان أصول اللفظة نفسها، ومكافئاتها اللغوية في كل الالسن. وتوسعاً في هذا البحث، فإنه يسلط الضوء على مسألة أصل الألسن بهدف بحثها تفصيلاً في دراسات لاحقة. كما تطرق البحث الى العلوم الإنسانية الأخرى التي تبنّت مفاهيم علم الاستراتيجية بعد أن تبوّأ هذا العلم مكانة مرموقة بين العلوم أهّلته للخروج من دائرة العلوم العسكرية إلى حيز المعارف الإنسانية الأخرى في العصر الحالي. ويخلص البحث إلى أن أصل اللفظة هو اللغة العربية، مع التسليم بأن هذا العلم قد برز إلى حيز الوجود على يد القادة العسكريين اليونانيين. وتوصي الدراسة في خاتمتها بأن يشكل محتواها أساساً لبحوث أوسع في هذا المجال؛ بهدف وضع أسس لإشكالية المصطلحية العربية، وإنتاج معجم تاريخي تأثيلي للّسان العربي باعتباره أصل اللغات كلّها .


    مقدمة

    تعتبرالحرب أحد المتلازمات السلوكية المحتومة التي واكبت مسيرة الأمم على وجه البسيطة في سعيها إلى تحقيق البقاء والتطور والنماء، وتدوين منجزاتها في سفر التاريخ باعتبار أن الحرب هي أحد مكتسباتها وشريعتها؛ لتحقيق غاياتها الوطنية. وكانت إحدى النتائج الطبيعية للصراعات الانسانية أن تشكلت قاعدة معرفية لعلم الاستراتيجية العسكرية وفنونها. وفي العصر الحالي ارتقى علم الإستراتيجية ببائة بين العلوم الحديثة، بعد أن كان فنّاً وعلماً مغلقاً تفرّد بمضامينه القادة العسكريون لسنين مضت. وقد أغرت هذه المكانة المنظّرين والعارفين والاختصاصيين ممن لهم باع طويل في الدربة والمراس في معارفهم أن يشكّلوا من الرّكام النّظريّ الّذي قدمته الاستراتيجية العسكرية، وودق التجارب الّتي وهبها القادة والمفكرون العسكريون قاعدة معرفية أضحت بمثابة شهاب قبس يهتدي به ويصطلي عليه كل من يسعى إلى تطوير أي فرع من فروع المعرفة الإنسانية الأخرى. وهذا التحول قد مكن علم الاستراتيجية من تسوّر محاريب العلوم الإنسانية الأخرى، والولوج إلى أصولها، فظهرت أنواع جديدة من الاستراتيجية منها: الاستراتيجية العقلانية، والاستراتيجية التوجيهية، والاستراتيجية السياسية الإدارية الّتي برزت ابتداءً من خمسينيات القرن العشرين على أيدي رجال الأعمال وعلماء الإدارة. وقد ظهرت الاستراتيجية تحت مسمى "السياسات الإدارية" في مناهج أغلب كليات إدارة الأعمال، ثم تبدّل مسماه إلى "التخطيط الاستراتيجي " في أواخر الخمسينيات من القرن نفسه إلى أن ظهر مفهوم "المنهج الاستراتيجي المعاصر" عام 1976.
    أما مفهوم الوعي الاستراتيجي (Strategic Awareness) فقد رأى النور في التسعينيات ضمن نظرية جون ثومبسون1، والذي يهدف إلى تشخيص التغيّر الشامل ودراسته في المؤسسة المعنية بصياغة الاستراتيجية، وتحديد مسارها، بالإضافة إلى وضع ثالوث الإبداع الاستراتيجي المرتكز على المنافسة، وتميّز الأداء والابتكار. وقد أفرز علم الاستراتيجية المعاصر عدداً من المفاهيم الاستراتيجية الحديثة الّتي طبقت في علوم أخرى، ولا يسعنا في حيز هذه الدراسة أن نبحثها كونها خارج إطار موضوع البحث. ولتحقيق الغاية الّتي من أجلها نُفّذ هذا البحث، فقد تمّ اعتماد الأسلوب الاستقصائيّ التحليليّ للحقائق المتعلقة بهذا الموضوع.

    تعريف الاستراتيجية

    ما يهمنا في هذا السياق أن كافة المراجع المؤرِخة لمبحث الاستراتيجية تُجمع بأنّ الاستراتيجية هي : مجموعة الأفكار والمبادئ الخاصة ببحث المعرفة الإنسانية بشكل شامل، بحيث تبين وسائل العمل، والمتطلبات، والممكنات، والاتجاهات؛ لتحقيق أهداف محددة. وما يميّز الاستراتيجية أنها مرنة وقابلة للتكيّف والتغيّر، فهي تختصّ باستشراف المستقبل، ولذا فإنها تأخذ بعين الاعتبار تعدّدية الاحتمالات للأحداث المستقبلية. أما في المراجع اللسانية فيعرّفها قاموس اللغة الانجليزية المختزل عن قاموس (كوارتو وبستر) التأصيليّ على أنّها 2 : "علم القيادة العسكرية، أو علم توجيه حركة الحشود العسكرية الكبيرة، أو هي منصب الجنراليّة ". أما معجم (أمريكان ديكشنري) للغة الإنجليزية3 فيعرّفها على أنّها: "منصب الجنرال الأثيني". وأمّا قاموس (تشيمبرز) 4 فيعرّفها على أنها: "فن تنفيذ الحملات والتحركات العسكرية للجيش ". وبالنسبة لمعجم (كولنز) 5 يعرّفها على أنها: " فن التخطيط أو علم تخطيط الحرب وتنفيذها، أو هي خطة طويلة الأمد تهدف للنّجاح خاصة في مجال الأعمال والسياسة، أو هي خطة الخدعة التي تهدف إلى تضليل العدوّ .ومن الشواهد على تطور مفهوم الاستراتيجية وخروجها عن مضامينها العسكرية ما قدمه عالم الأحياء النمساوي لدوغ فون بيرتالافاني (Ludwig von Bertalanffy ) وهي النظرية العامة للأنظمة في كتابه6" General System Theory " ، والتي اقتصرت على علم الاحياء الى ان انتقلت الى العلوم الاجتماعية ومنها نقلها ديفيد استون(David Eston ) الى العلوم السياسية . ثم انتقلت هذه النظرية الى علم العلاقات الدولية على يد ( Morton Kaplan) و (Karl Deutsch )في الولايات المتحدة،ومارسيل ميرل( Marcel Merle ) في فرنسا7 ثم انتقلت هذه النظرية الى علم الإستراتيجية على يد القائد البحري الارجنتي ( Pablo Oscar Mazzoni ) الى أن فصلها ألجنرال (Warden) في كتابه "العدو كنظام".

    البحث التأثيلي للفظة (Strategy)


    البحث التأثيلي على المستوى الاول


    تجمع معظم المراجع التاريخية بأنّ الاستراتيجية علم ورثته الإنسانية من الحضارة اليونانية، حيث يشير معجم كنجز التأثيلي أنّ اللفظة اليونانية στρατηγία) ) -والّتي يكافئها لغوياً في الانجليزية (strategy) - أصلها من اللفظة الإغريقية (strategos) إلى لغات شتّى، وأنّها تتألف من مقطعين stratos ) )بمعنى: الجيش وبمعنى يندفع الى الامام، والمقطع (agein ) بمعنى: يقود، وتعني اللفظة كاملة: (علم قيادة تحركات الحشود العسكرية، أو خطة الخدعة لتضليل العدو). وتدلّ اللفظة على معنى منصب(الجنرال )، ثم تطور مفهومها، بحيث أصبح الاصطلاح يشير إلى علم إدارة الجيوش وفنّه .ويكافئ هذه اللفظة في الفرنسية المعاصرة اللفظة (stratégie ) ، وفي الايطالية (strategia ) ، وفي الروسية (стратегия) ، والألمانية (strategie ) ، والإسبانية (estrategia ) ، وفي الصينية ( 战略) ، وفي الايرلندية (straitéis ) ، وفي اليابانية ( 戦略 ). وجميع اللفظات المذكورة تشترك باللفظ تقريباً باستثناء الصينية، واليابانية والايرلندية. ووفقاً للطّبعة الأخيرة لمعجم (أكسفورد) التأصيليّ 9 فإنّ كلمة (استراتيجية) هي أيضاً فعل متعدي يعني: "يرغم شخصاً ما بقوة كبيرة جداً إلى موضع ما). أما معجم (كنجز) التأثيليّ الموسوعيّ فيشير إلى أنّ اللفظة الإغريقية(Strategos) تتكون من مقطعين هما (strata )، والّتي تعني: " الجيوش" أو "ينظم على هيئة طبقات" أو "طبقات من الرمل، أو الفحم، أو الطين، أو طريق ممهد سالك" . ومفردها stratrus ) )، وأيضاً ( stratum )، أمّا المقطع الثاني وهو: ( gos ) فهو منصب الجنرال، ومنها اشتُقّت كلمة (stratagem )، والتي تتألّف من مقطعين هما:( strata ) التي تعني كما ذكرنا سابقاً: "الجيش" ، والمقطع gem )) ويعني: "خطة" ، ويشير المعجم نفسه إلى أنّ تأثيل اللفظة هو كما يلي :( من الإنجليزية الوسطى - من الفرنسية –من اللاتينية - من الاغريقية). أما المكافئ الدلاليّ في اللغة الانجليزية للفظة ( strata ) فهو:( path) بمعنى: "طريق أو مسلك ممهّد" .أما معجم (نيلسون) التأثيليّ10 فيشير بأن تأثيل اللفظة (stratum ) ، والّتي هي مفرد (strata ) أو( ( stratas تعني: "ينشر أو يفرش بطبقة من التراب أو الصخور أو الفحم". وأنّها مشتقة من اللفظة( ( stratsse، ولدى تتبع هذه اللفظة الأخيرة تبيّن أن أصلها من الألمانية، وهي تعني وفقاً للمعجم نفسه: "طريق او شارع أو ممر، كما في( (stratton وهي بلدة على الطريق الروماني، وكلمة ( streatham ) ، وتعني بلدة تقع على طريق (سترين)، والكلمة ( strasbourg ) وتعني بلدة تقع على الطريق الرئيسي " . وفي المعجم نفسه، وبعد هذه الكلمة مباشرة جاءت اللفظة المضيئة الّتي أثّلت جميع اللفظات السابقة، وهي اللفظة (strath )، وتلفظ (ستراث) ، ويشير حقلها الدلاليّ إلى ما يلي: هي إسم وأصلها من اللغة الغيلية، وهي أصل اللفظة (stratum ) ، وتعني في اسكتلندا: "وادٍ واسع يجري فيه نهر"، كما في الكلمة (strathmore) ، وتعني: "الوادي العظيم"، وكلمة (strathglass ) وتعني: "الوادي ذو اللون السكني:"، والكلمة ( strathspey )وتعني: "وادي نهر سبا"، و تعني اللفظة (strath ) أيضاً: "رقصة اسكتلندية، والموسيقى الّتي تعزف لهذه الرقصة. أمّا معجم (كواترو) 11 فيشير إلى أنّ اللفظة (stratum )أصلها من الكلمة اللاتينية ( strernere ) ، وتعني: "ينشر، أو يفرش، أو أرض ممهّدة تشكلت من التراب، أو الصخور، أو أي مادة نتيجة للعوامل الطبيعية". أمّا كلمة ( strath ) فلم ترد في المعجم المذكور. ونستنتج هنا أن اللفظة (stratum ) تنتسب الى اللفظة الغيلية (strath ) ،وأنّه لا بدّ من بحث تأثيليّ في اللفظة (strath)، وتتبع أصولها . وقد تبيّن في معجم (تشيمبرز) التأثيليّ أنّ هذه اللفظة (strath ) تعني ما يلي: (هي نفسها لفظة ( srath ) ولفظها (سراث ) ، ومعناها في اسكتلندة" الوادي العظيم الّذي يجري فيه نهر"، وأصل هذه اللفظة من اللغة الغيلية . وأخيراً فإنّنا نكتفي بهذه النتيجة الّتي جاءت لتؤكّد على ما سبق، وهو أن اللفظة (stratum) أصلها اللفظة (strath )، وأنّ لها لفظ آخر هو (srath)أما معجم اللغة الانجليزية التأثيليّ (الأصول، والتاريخ، والصلات)12 المطبوع سنة 1828 فيشير إلى أن اللفظة (stratum ) هي من أصول فرنسية،وتعني:" كتلة أو حشد من أي شيء"، وأيضاً تعني: "طريق أو مسلك ممهّد".

    التحليل التأثيلي للمستوى الأول

    من خلال البحث السابق نخلص إلى الحقائق الآتية :
    1. تجمع معظم المراجع التاريخية بأنّ الاستراتيجية علم ورثته الانسانية من الحضارة اليونانية، ودليل ذلك أنّ معظم الاستراتيجيات العسكرية المعاصرة قد بنيت على أو تطرقت إلى تجارب اليونان في الاستراتيجية العسكرية .
    2. تجمع المعاجم اللسانية غير التأثيلية على أنّ اللفظة ( strategy ) مشتقة من اللفظة اليونانية στρατηγία) )،والتي يكافئها في الحروف الانجليزية اللفظة (strategos).
    3. تجمع المعاجم اللسانية غير التأثيلية على أنّ اللفظة (strategos) تتألف من مقطعين أولهما stratos ) )،ويعني "الجيش" ، والثاني (agein ) ويعني "يقود".
    4. تجمع المعاجم اللسانية غير التأثيلية على أنّ اللفظة (strategos) كاملة تعني: "علم قيادة تحركات الحشود العسكرية" أو "خطة الخدعة لتضليل العدو" ، وتدل اللفظة على معنى منصب ( الجنرال ).
    5. أنّ كلمة (strategy ) مستخدمة باللفظ نفسه تقريباً في عدد من اللغات التي تمّ بيانها في هذا البحث باستثناء الصينية واليابانية والإيرلندية .
    6. أنّ كلمة (strategy) مستخدمة في اللغة الايرلندية، وتهجئتها (straitéis) ، وتلفظ (ستراتيس) .
    7. تؤكد معظم المعاجم اللسانية: التأثيلية، والتاريخية أنّ جذر اللفظة (stratos) هو ( stratum ) ، والتي تجمع (strata ) أو ( stratums) وأنّ أصول هذه اللفظة هو من اللغة الغيلية من اللفظة (strath ) ، وتلفظ (ستراث) ، وليس من اللغة الإغريقية أو اليونانية بصرف النظر عن التباين في مسارها اللساني من لغة الى أخرى كما ورد في البحث .
    8. تبين خلال البحث السابق بشكل جليّ أنّ اللفظة الغيلية (strath ) لها تهجئة أخرى هي (srath) ، والتي تلفظ ( سراث)، وهي ليست مرادفة، وإنّما لفظة ذات تهجئة أخرى.

    يتبيّن لنا بشكل جلي أنّه على الرغم من الحقيقة التي تشير إلى أنّ علم الاستراتيجية يرجع أصله إلى اليونان، إلا أنّ اللفظة (stratos) ليست يونانية أو إغريقية الأصل، وإنّ ما تمّ هو اقتراضها من لغة أخرى، وتمّت إضافة اللاحقة ( gos ) لتعني (إستراتيجية) ،وأنّه تمّت إضافة اللاحقة ( agein) لتعني: "إستراتيجي" أو "منصب الجنرال" ، وغيرها . ومن المعلوم أنّه سواء أكانت الكلمة دخيلة أم أصيلة، فإنّ هذه اللغة ستحيا، وتتوالد، وتتكيف في نظام اللغة التي دخلت إليها وفقاً لظاهرة التولّيد اللغوي كما هو حال كلمة (إستراتيجية) في العربية، فنقول: هذه خطة استراتيجية، وهذا عمل استراتيجي، وتلك استراتيجيات يجب تبنّيها، وهكذا، إلا أنّ الكلمة الدخيلة تبقى عاجزة عن التعريف بنسبها، وهويتها، ودرء التّعدي عليها بتحريفها أو فَناء معناها أو تغيير نسبها، فتصبح أداة للتعبير عن صورة أو مفهوم أوكلت لها مهمة التعبير عنه .
    كما يتبيّن لنا بأنّ هذه اللفظة مجهولة النسب حتّى هذا المستوى من التحليل؛ نظراً لتباين المسار اللساني بين المعاجم التأثيلية، فمنها ما يشير إلى أنها فرنسية النسب، ومنها ما يشير إلى أنّها من اللغة الغيلية. وأيضاً يتبيّن لنا أنّ أصل اللفظة (stratos ) هو ( stratum )، وتجمع ( strata ) أو (stratas )، كما يتبيّن لنا بشكل جليّ أنّ الحقل الدلاليّ للفظة ( stratos ) يعني طبقات، ويعني الممر، أو الطريق الممهد، أو المسلك الخفيض، أو الوادي الذي يجري فيه النهر. وكذلك فقد تبيّن أنّ اللفظة ( stratum) استخدمت في الانجليزية ككلمة كاملة مثل: ( strait ) بمعنى مضيق مائي، أو ممر، وبمعنى: ضائقة مالية ،و street ) ) بمعنى: شارع ،و (stray ) بمعنى: يضل عن الطريق الصحيح أو (straight )بمعنى: طريق مستقيم، أو بمعنى طريق، أو شيء سويّ، وغيرها من الكلمات التي تشير إلى الحقل الدلالي نفسه للفظة الغيلية ( strath ) (سراث ). كما تستخدم في الانجليزية كلاحقة لكلمات كثيرة منها : (stratify) و(stratigraphic ) و(Stratfordians ) و(stratagemous ) و (Stratovision ) و (stretto)و (stratarchy) .


    البحث التأثيلي على المستوى الثاني

    دعت الحاجة البحثية إلى استقصاء أصول اللفظة ( stratos ) ؛ لتأكيد نسبها من خلال البحث في معاجم تأثيلية أشمل وأوسع بعدما تبيّن لنا أنّ اللفظة تنتسب إلى اللغة الغيلية. ولدى البحث على المستوى التأثيلي في أقدم معجم غيليّ 13متوفر تبيّن أن اللفظة ( strath ) أصلها ( srath ) ، وتلفظ ( سراث ) وتعني: "الارض الممهدة الخفيضة من التراب، أو الصخور التي شكلّتها عوامل الطبيعة، ويجري فيها نهر أو ماء، أو الطريق المنخفضة بين جبلين، أو المنطقة المنخفضة التي يسكنها أهلها في بلد ما، ومحاطة بمناطق مأهوله مرتفعة عنها. ويتبيّن لنا أن اللفظة تشترك في عدد من الخصائص اللسانية مع اللفظة العربية (صراط). من هذه الخصائص: أن الاثنتين تتشاركان التهجئة نفسها، فالعربية نقول: سراط، أو صراط، وفي اللفظة الغيلية تتشارك بالتهجئة. كما تتشارك كلا اللفظتين بالحقل الدلالي تماماً، فكلاهما يعنيان( الممر، و الطريق و المسلك، والطريق السوي، وطريق الضلال ). كما تتشارك اللفطتان باللفظ فكلاهما يلفظان سراث أو سراط. والفرق لفظ الثاء كونه غير موجود في اللغة الغيلية . كما تبيّن من خلال البحث في اللغة الغيلية على أنها تنتسب وفقاً للمصادر اللسانية الى عائلة اللغة السلتية، أو الكلتية التي تنتمي حسب المصادر اللسانية الى عائلة اللغات الهندوأوروبية، وتولّدت منها اللغة الإيرلندية الأوروبية، وهي لغة الشعوب الكلتية أو السلتية (نسبة الى البحر الكلتي) الناطقة باللغة الكلتية (Celtic Language ) ، التي استوطنت بريطانيا وإيرلندا والشمال الغربي من فرنسا . وقد نشأت السلتية في جنوب شرقي أوروبا في القرن الخامس قبل الميلاد، وتشمل هذه اللغة: الايرلندية( Irish )، والاسكتلندية ( Scottish) ، ولغة المانكس ( Manx ) . ويعتقد بأن السلتية جاءت إلى إيرلندة قبيل العهد المسيحي. واللغة الغيلية الإيرلندية هي اللغة الرسمية في إيرلندة، ويبلغ عدد الناطقين بها نحو ( 750.000 ) شخصاً . ويبلغ عدد الناطقين بالاسكتلندية نحو (90.000) شخصاً، كما يوجد نحو ثلاثة آلاف في كندا معظمهم يتكلّمها إلى جانب الإنجليزية. وتبيّن من خلال البحث في هذه اللغة بأن النحو الخاص بها لا يشبه أياً من اللغات الاوروبية. وفي هذا الأمر يقول البروفسور (أر ال ثومبسون) في كتاب له بعنوان ( بيان لغة المانكس وأدبهم ): "تبيّن لي بأنّ هنالك تشابه في عدة مواطن بين نحو اللغة الغيلية، ونحو لغات أخرى مثل: العربية والعبرية " .
    كما تبيّن أن تاريخ نشوء اللغة الإغريقية يعود إلى نشوء الحضارة الإغريقية في الفترة من عام (2000 ق.م) إلى (146 ق.م). أما اللغة الغيلية فيعتقد أنّها دخلت مع دخول الزراعة إلى إيرلندة في الفترة من (6000 ق. م) الى (7000 ق . م) تقريبا 14.
    ويشير القاموس المحيط 15 إلى أنّ السِّراطُ، بالكسر:" السبيلُ الواضِحُ؛ لأنَّ الذَّاهب فيه يَغيبُ غَيْبَةَ الطَّعامِ المُسْتَرَطِ، والصادُ أعلى للمُضارَعةِ، والسينُ الأصلُ" ، أما في العباب الزاخر 16 فالسراط هو الطريقُ. وفي لسان العرب هو "الطَرِيقُ الحقّ وقول الله عز وجل: "والله يَدْعُو إلى دار السلام، ويَهْدي مَنْ يشاء إلى صراط مستقيم". ودارُ السلامِ هي الجَنَّة، والسلام هو الله، ويجوز أَن تكون الجنة دار السلام أَي: دار السلامة والبقاء. ودعاءُ اللهِ خَلْقَه إليها، كما يَدْعُو الرجلُ الناسَ إلى مَدْعاةٍ أَي: إلى مَأْدُبَةٍ يتَّخِذُها ، وطعامٍ يدعو الناسَ إليه". وبيّن أيضاً أنّ "السراط والسِّراطُ: السبيل الواضح، والصِّراط لغة في السراط، والصاد أَعلى لمكان المُضارَعة، وإِن كانت السين هي الأَصل، وقرأَها يعقوب بالسين، ومعنى الآية ثَبِّتْنا على المِنْهاج الواضح. وقال جرير: أَميرُ المؤمنينَ على صِراطٍ، إِذا اعْوَجَّ المَوارِدُ مُسْتَقِيم والمَوارِدُ: الطُّرُقُ إِلى الماء".

    التحليل التأثيلي للمستوى الثاني

    بعد تبيان تأثيل اصطلاح الاستراتيجية تبين بشكل جلي لا يدعوا لأي مجال للريبة بأن اللفظة (strath ) أو ( srath) تنتسب إلى العربية، وقد اقترضتها الألسن الأعجمية العديدة، ومنها أيضا اللفظة الألمانية (strasse)التي تعني (سراط أو طريق ). وهذا لا يتنافى مع ما أثبتته المصادر والمراجع التاريخية بأنّ علم الاستراتيجية علم ورثته الإنسانية من الحضارة اليونانية ، إلا أنّ اللفظة تعود إلى حيث تنتسب ألا وهي العربية. وفي هذا السياق نجد أنفسنا أمام تساؤل وهو أنّ هذه اللفظة(صراط) قد وردت في القران الكريم إلا أنّ لفظة (الاستراتيجية) التي أصلها إغريقية ، قد انتقلت كما ورد في متن هذه الدراسة من الإغريقية التي سبقت نزول القران بآلاف السنين. وعلى الرغم من أن هدف هذه الدراسة هو تحقيق قضية لسانية بحتة وتبيانها، إلا إنّ إيراد ما ذكر في القرآن الكريم عن الاستراتيجية بات أمراً لا مندوحة عنه . فقد وردت لفظة الصراط (الاستراتيجية ) في القرآن الكريم خمسة وأربعين مرة بصيغة المصدر، منها أربعة وثلاثين موضعاً جاءت لتعبّر عن السراطية فكرية سليمة لكافة المباحث والمعارف الانسانية، مثل: علم السياسة، وعلم الاجتماع، والعلم العسكري، وعلم الاقتصاد، وعلم والمحاسبة، ولها ممكناتها وغاياتها. وتحقق الأهداف السراطية العليا باقتصاد الجهد والزمن ودون نصب ، أمّا الإحدى عشر موضعاً الباقية، فقد جاء في القرآن الكريم في موضعين منها لفظة السراط ليعبر عن المعنى المادي المحسوس للسراط وهو الطريق او الممر او السبيل، وذلك في قوله تعالى: " وَلَا تَقْعُدُوا بِكُلِّ صِرَاطٍ تُوعِدُونَ وَتَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ مَنْ آمَنَ بِهِ وَتَبْغُونَهَا عِوَجًا وَاذْكُرُوا إِذْ كُنتُمْ قَلِيلًا فَكَثَّرَكُمْ وَانظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُفْسِدِينَ". (الأعراف 86] .وهذا الخطاب موجه من النبي شعيب - عليه السلام - إلى قومه، أما الموضع الآخر فقد ورد في قوله تعالى: " وَلَوْ نَشَاءُ لَطَمَسْنَا عَلَى أَعْيُنِهِمْ فَاسْتَبَقُوا الصِّرَاطَ فَأَنَّى يُبْصِرُونَ".(66 يس). أما التسعة مواضع الأخيرة، فقد وردت في القرآن الكريم؛ لتشير إلى أنه ثمة هنالك سراطيات (استراتيجيات ) سقيمة لا تحقق الأهداف، على الرغم من مبادئها وأولياتها و ممكناتها وغاياتها .

    النتيجة
    يقال في علم اللسانيات: لغة، ولغويات، ولهجات، ولكنات. إلا أنّ ما جاء في القرآن الكريم بأن معنى اللغات: الألسن، وليس لغات. فيقول الله – عزّ وجلّ - في كتابه العزيز: "ولقد نعلم أنهم يقولون إنّما يعلمه بشرلسان الذي يلحدون إليه أعجمي وهذا لسان عربي مبين". وهنا يفرد الله - تعالى - العربية بأنّها لسان عربي مبين وموضح، وأما بقية الألسن فهي أعجمية لا تبيّن ولا توضّح، وهذا ما يثبت أن العربية هي أصل اللغات، ومنها توالدت وانسلخت الألسن، وحملت هوية شعوبها . وقد ذكر الله في كتابه العزيز أن الله قد علّم أبا البشرية آدم - عليه السلام - أسماء أشياء الدنيا كلّها بقوله تعالى:" وَعَلَّمَ آدَمَ الأَسْمَاء كُلَّهَا ثُمَّ عَرَضَهُمْ عَلَى الْمَلاَئِكَةِ فَقَالَ أَنبِئُونِي بِأَسْمَاء هَؤُلاء". وهذا ما يثبت أن هذه اللفظة قد وردت قبل نزول القرآن الكريم، وقبل بروز الإغريقية إلى حيز الوجود، حيث يقول ابن عباس - رضي الله عنهما - في تفسير هذه الآية "أنها أسماء الأشياء كلها، حتى القصعة والملعقة". كما تشير الدراسات اللسانية المعاصرة أنّه تبيّن أن العربية لا تنتمي إلى السامية كما يزعم البعض، بل هي أصل اللغات كلّها. وفي رأي منظرين آخرين أنّها تعود في نسبها إلى السنسكريتية التي سبقت الإغريقية بحقب طويلة . ولا عجب فاللغة هبة إلاهية للإنسان أعطيت كما الرزق والحياة. والوثيقة الإلهية الوحيدة المعصومة من الزيف والتحريف هي القرآن الكريم وخبرها الأصدق، يقول الله تعالى :"ومن آياته خلق السموات والأرض واختلاف ألسنتكم وألوانكم". (الروم 22). وهذه الآية يستشهد بها الدكتور عبدالرحمن أحمد البوريني في كتابة الشهير" اللغة العَربيّة أصْلُ اللغات كلها"17، فيقول" أنّ الاختلاف في الألسنة كما ورد في الآية هو أمر طارئ على الأصل، الذي يقتضي وحدة اللغة الأولى، ويقتضي تعدد الفروع وتنوعها، كما تعددت القبائل وتفرعت واختلفت مع أنها ترجع في الأصل إلى مجتمع واحد".
    ويفصل نفس الكتاب تحت عنوان: "اللغة العربية عبر التاريخ" عن بدء الحياة البشرية الأولى على الأرض بآدم أبي البشر - عليه السلام - ويستند إلى القرآن الكريم؛ ليثبت أنّ آدم عليه السلام قد عاش في مكة، وأنّ الأرض شهدت ميلاد المجتمع البشري الأول في تلك البقعة المباركة، قال تعالى: "إنّ أول بيت وضع للناس للّذي ببكة مباركاً وهدىً للعالمين" (آل عمران 96)، ومنها كان انطلاقه في الأرض، وخروجه إلى بقاعها المختلفة، حيث تبدأ رحلة التفرع والانقسام اللغوية، تبعاً لرحلة التفرع والانقسام الاجتماعي، متأثرة بعوامل البيئة وظروف الحياة الجديدة، وآخذة في الابتعاد مع الزمن ومع تنوع التجربة الحياتية والبيئية عن الأصول الأولى؛ لتتولد بذلك لهجات يظهر اختلافها، ويبدو تباينها شاهداً على حركة الإنسان وتفاعله مع ظروف الحياة، وتغيّر الزمان والمكان".
    ويتبيّن لنا من خلال هذا البحث المبسّط أنّ اللفظة ( strategy ) هي لفظة عربية الأصل، حيث أنّها مشتقة من اللفظة ( srath ) أي: السراط، وهي لفظة تعجّمت لاغترابها عن لغتها الأم وهي العربية. كما يتبيّن لنا أن هذه اللفظة قد اشتقت منها كلمات كثيرة في اللغة الانجليزية، واللغات الاخرى ومنها الغيلية، كما تبيّن أيضا أنّ الغيلية تحتوي على مفردات مشابهة للمفردات العربية من حيث اللفظ والتهجئة والمعنى،مثل: الكلمة الغيلية (annta ) وهي ضمير متصل يعني:" فيهم"، والكلمة (athar ) والتي تعني:" الهواء أو الجو أو الأثير أو السماء". وهذه النتيجة ليست مسوّغاً لنا بأن ننسب منجزات علم الاستراتيجية، وما يحمله من مضامين عظيمة الى الهوية العربية، فهذا أمر منافٍ للحقيقة، ولكن في الوقت نفسه يحق للسان العربي أن يطالب بعودة إحدى مفرداته إلى موطنها الأصل بعد اغترابها، وبعد أن احتضنتها أرحام اللغات الأخرى، وغيّرت من ملامحها، وبعد أن قدمت تلك المفردة كل البيان هدىً لتلك الألسن، فقد حافظت على عربيتها وستبقى سليلة العربية، واليها تنتسب، شأنها في ذلك شأن كافة مفردات اللسان العربي المبين القادرة على التعريف بنفسها وهويتها، وصد العدوان عن نفسها، والبقاء والانسجام مع محيطها، فمفردات اللسان العربي صرّة من الجوهر، البيان لها وكاء .
    والله أعلم

    المصادر والمراجع الاجنبية

    1. Strategic Management , Awareness and Change ,John Thompson with Frank Martin
    Awareness and Change, June 9, 2010 , Edition: 6| ISBN-10: 1408018071
    2. Quatro Dictionary of Noah Webster by William A. Wheeler ,Published by G&C. Merriam
    COC..
    3. The American Dictionary of the English Language by S. Converse ,printed by Hkzekiaii
    How –New Haven ,1838.
    4. Chambers Dictionary of the English Language, London : W. & R. Chambers.
    5.Collins Dictionary of English Language .
    6. General System Theory: Foundations, Development, Applications (George Braziller, 1976).

    7. Merle, Sociologie Des Relations Internationales ,Paris, Dalloz, 1977
    8.The King’s Etymological Dictionary by A. M. Williams and M.A A and Frederick T. Smith
    ,British Books Limited.

    9. Oxford English Dictionary Second Edition, 2012 Oxford University Press.

    10. Nelson , Highroads Etymological Dictionary ,Thomas Nelson, Appendix of Foreign, Words and Phrases With Supplement, Thomas Nelson &Sons Ltd.
    11.Quatro Dictionary of Noah Webster by William A. Wheeler Published by G& C. Merriam COC.

    12. A Dictionary of the English Language, Origins history and Connectionو Noah Webster, Edmund Henry Barker Publisher Black, Young and Young, 1831

    13. Dictionary of Gaelic Language ,the words in their different acceptations by R. a. Armstrong A.M. London, Printed for James Duncan, Patersonster Row. The Languages of Ancient and Modern Times,1909
    14. http://www.arab-ency.com/index.php?m...erm&id=756&m=1

    المصادر والمراجع العربية

    15. القاموس المحيط، طبعة سنة 1371 هـ، دار الجيل ، مصورة عن طبعة البابي الحلبي .

    16. قاموس العباب الزاخر، طبعة سنة 1371 هـ، دار الجيل.

    17. اللغة العَربيّة أصْلُ اللغات كلها ، عبدالرحمن أحمد البوريني ،دار الحسن للنشر والتوزيع.
يعمل...
X