صرا ع
نحتت من صخر الجبل الشامخ منزلا، بابه من حديد، و أسواره عالية من النوافذ خالية..سقفه السماء..
قضيت عمرا أنسج لي بداخله بيتا من حرير.. على ضوء شمعة باكية عساني أكون فراشة...
هبت ريح باردة سكنت حناياي..
حين انقشع الظلام..
رأيت جسدي خريف عناكب..
صراع .. عنوان فيه ما فيه من تصادم وجذب وكر وفرّ
كرّ وفرّ ما بين الحياة والموت .. ما بين النور والظلام وما بين الدفء والبرودة وكذلك ما بين الفرح والحزن ..
تحملنا هذه ق ق ج إلى عوالم فلسفة الحياة والعطاء والموت ..اللاجدوى واللامفر من نهاية محتومة
بطل القصة نحت من صخر الجبل منزلا كي يسكنه .. والنحت هنا على الصخر دليل صبر ورباطة جأش وقوة العزيمة لدى هذا الناحت.. إذ الصخر من أصعب المواد أو الخامات التي يمكن للإنسان النحت عليها .. نحت هذا البطل على صخر الجبل منزلا .. لكنه ليس أي جبل إنه جبل شامخ ..فقد أضاف إليه السارد هنا صفة الشموخ .. والشموخ صلابة وعلو وقوة .. بمعنى أن البطل كانت عزيمته أكبر وأقوى من شموخ الجبل لهذا استطاع أن ينحت فيه منزلا له .. وهناك مثل يقال في شدة الصبر وقوة العزيمة " ينحت في الصخر " إشارة للصمود وعدم الاستسلام وقوة الإرادة .. وينتقل بنا السارد يصف لنا هذا المنزل بكمرته السردية حيث يقول : " بابه من حديد .. وأسواره عالية ومن النوافذ خالية سقفه السماء " أي لا سقف له .. ترى ما الذي جعل البطل يضع بابا من حديد لهذا المنزل الجبلي العالي الذي لا يمكن الوصول إليه بسهولة ؟
تساؤلات عدة تطرحها هذه العبارة في هذه ق ق ج " بابه من حديد " إذ عادة ما تكون الأبواب من خشب .. فما هي الأسباب التي جعلت بطل القصة يضع بابا حديديا لمنزله الذي نحته في قلب الجبل ؟.. إضافة إلى ما أشرت إليه هناك سؤالا ملحا آخر يدور في فلك المفردة .. ممّ يخاف بطل القصة ليجعل باب منزله من حديد؟ أتراه يخشى أمرا ما أو لصوصا ما ليحتاط ويجعل الباب من معدن قوي يضيف إلى قوة الجبل وشموخه قوة أخرى ؟.. لم يجعل الباب كما هو العادة التي تكون عليها الأبواب إذ غالبا ما تكون من الخشب .. أي لصوص هؤلاء الذين يخشاهم البطل أو ما مصدر هذا الخوف كله وهته الهواجس التي تراوده ليجعل باب منزله الجبلي من حديد ؟ .. ولماذا لا نوافذ له والنوافذ عادة ما تكون مصاحبة لأي بيت فمنها يدخل النور والأكسجين لتكون الحياة فيه صحية وآمنة .. هل اكتفى بأن لم يجعل له سقفا " سقفه السماء " لا سقف له غير فضاء السماء المترامية .. والسماء كافية بالنسبة له ليدخل منها الهواء والنور ؟
إذا نظرنا للقصة من زوايا مختلفة ستبين لنا تلك " الشمعة الباكية " زوايا سباعية الأبعاد .. القصة تحمل مضامين كثيرة فلسفية ودينية واجتماعية
الدينية تشير إليها بعض المفردات التي استقتاها الأديب الأخ عبد الرحيم من ثقافته الدينية .. "نحتت من صخر الجبل منزلا " وهنا تحضرني الآية الكريمة حيث يقول رب العزة في كتابه العزيز ( وكانوا ينحتون من الجبال بيوتا آمنين ) وكذلك القفلة التي جاءت محكمة الحبك ورائعة المعنى وفيها من بلاغة المقصد الشيء الكثير .. " رأيت جسدي خريف عناكب " .... وفي الأثر قول لعلي بن أبي طالب رضي الله عنه يقول : ( إنما الدنيا كبيت نسجته العنكبوت ) أما الاجتماعية فالبطل لم يشر إلى أشخاص يقاسمونه ذلك البيت الذي صبر وتكبّد الصعاب لينحته.. وهذا له إيحاءات عدة من بينها أنه كان وحيدا والشعور بالوحدة هو النمط والمنهج والبوتقة التي يتقوقع فيها .. أما الفلسفية .. فاستخدامه لمفردات لها دلالتها الرمزية سواء في الفلسفة أو الأدب .. " الشمعة الباكية " و كذلك " عساني أكون فراشة " والشمعة عادة ما تكون رمزا للتضحية ونكران الذات والفعل يكون للآخرين لهم ومن أجلهم .. مما يحيلنا إلى أن البطل إنسان معطاء ينسى ذاته ويعطي كلّ ما له ومعه للآخرين من البناء والنسج وضوء النور والنور هنا هداية وخير ومساعدة على معرفة الطريق والسير فيه .. بطل القصة إنسان فيه من شيم السخاء ومساعدة الغيرالشيء الكثير مما يجعله أحيانا ينسى نفسه .. أما الفراشة فهي كذلك عرفت كرمز فلسفي وأدبي سواء في الشعر أو النثر وأول من استعمل " الفراشة " كرمز هو الحكيم الصيني " تشوانغ تسو " الذي عاش في القرن الثالث قبل الميلاد .. ونجد الفراشة حاضرة أيضا في الأدب الصوفي وعند غيرهم مثل المتنبي وعمر الخيام .. والسارد في قصته هذه أشار إلى " عساني أكون فراشة " يتمنى أن يتحول إلى فراشة .. ترى لماذا البطل يتمنى أن يتحول من إنسان إلى فراشة ؟
لو نظرنا من زاوية أخرى هي الزاوية الاجتماعية سنجد بطل القصة قوبل عطاؤه بالنكران .. فهو قد تكبّد نحت منزل في جبل شامخ وجعل له أسوارا تحميه وجعل له بابا من حديد ثم قضى عمره في نسج بيت من حرير داخل المنزل كل هذه الأفعال الحميدة والعظيمة لم يجد مقابلها أي ردة فعل من الآخرين لاحتوائه وذكر بعض فضائله .. مما جعله يتمنى أن يكون فراشة .. تطير إلى النور تطوف حول مداره وهي تحمل معها كفنها وتدرك بأن سيرها لهذا النور فيه موتها وحتفها ونهايتها ..
وإذا نظرنا للقصة من الزاوية الصوتية نجد لأديب عبد الرحيم قد استخدم لغة قوية أحيانا ورخوة أحيانا أخرى .. قد مزج ما بين الأصوات المجهورة والرخوة والشديدة والمطبقة ..واستعمل في الشق الأول من القصة كلمات فيها قوة.. بنية ومدلولا " صخر ، الجبل ، أسوار ، حديد ، سماء " وفي الشق الثاني كلمات فيها نوع من الفتور والرخاوة والليونة " حرير ، أنسج ، شمعة ، باكية ، فراشة " وفي الشق الثالث كلمات فيها قلق واضطراب وخوف وذبول " ظلام ، ريح ، باردة ، خريف " وكذلك نجد تقابلا ضديا في بعضها " نحت /نسج ، صخر / حرير ، ضوء / ظلام "
رغم ملامح القلق والحزن واللاجدوى نجد الأمل هنا حاضرا وبقوة .. " سقفه السماء " لم يجعل للمنزل سقفا .. بل ترك مسافة ومساحة المنزل من ناحيته العلوية دون سقف يحميه رغم أنه أفرط وأسرف في جعله محاطا بأسباب الأمان حيث نحته في جبل شامخ وجعل بابه من حديد وأسوارا عالية تحميه وبدون نوافذ .. حيث يكون من المستحيل الوصول إليه من بعض الذين يريدون به شرا .. ومع كل هذا الاحتياط واستراتيجية أمنية ترك المنزل دون سقف .. " سقفه السماء " وهنا إشارة رائعة من الأديب المبدع عبد الرحيم إلى توكله على الله .. صلة السماء لم يجعل بينها وبينه حاجز .. مفتوحة على مصراعيها لا حواجز تحيل بينه وبين توكله على ربه .. وأن هذه الناحية لن يأتي منها إلا الخير فلا داعي لسقف يحمي المنزل.. السماء ستحميه وتتنزل الرحمات والأمان والطمأنينة .. وهذا كله إشارة للأمل هناك أمل في السماء .. هناك صلة بينه وبين الله تعالى ..
لكن نتساءل كيف يكون المنزل في جبل منحوتا ولا سقف له ؟ أليس بطن الجبل يحيل بأن تكون هناك مساحة من الفراغ لتكون السماء سقفا .. تراه نحته على قمة الجبل ؟ والقمة هنا تعني الكثير .. تعنى الطموح تعني أفقا واسعا من علو الشأن تعني المكانة المرموقة وتحقيق الغاية ..لكن ما هذا المنزل الجبلي الذي ينحت على قمة الجبل ؟
إنه الحياة .. المنزل الذي نحته في الجبل حياته التي كابد وصبر من أجل تشييدها بدليل أنه استخدم عبارة " قضيت عمرا أنسج لي بداخله بيتا من حرير " لقد نسج له بيتا في منزله – حياته – من حرير .. وبكل ما يرمز إليه البيت من فضاء الألفة والمأوى وما يمثله للإنسان من كينونته الإنسانية ودواخله النفسية .. فيه يجد الراحة والطمأنينة مقابل ما يتعرض له من صعاب وكدّ خارج فضاء البيت .. حياة بطل القصة .. تلك الحياة التي حاول نحتها على قمة الطموح والعطاء وتحدى الصعاب لكن فلسفة اللاجدوى التي كانت تسيطر عليه " شمعة باكية عساني أكون فراشة " جعلته ينظر لخريف العمر كأن كل هذا ما هو إلا بيت العنكبوت .. ( وإن أوهن البيوت لبيت العنكبوت ) ..
تعب كلّها الحياة .. لكن تبقى الحياة بلا حواجز من جهة السماء .. " سقفه السماء " التواصل مع الله تعالى والتوكل والأمل .. والحياة بلا أمل سراب .. ولابد من الأمل لتكمل الحياة مسيرتها
ويبقى صراع الإنسان من أجل تحقيق أحلامه وطموحه لبناء حياته ونحتها رغم الصعوبات التي تعترضه سنة من سنن الحياة نفسها .. ويبقى الأمل دائما هو الشراع الذي تسير به حياة الإنسان نحو مرافئ آمنة ومطمئنة يجد فيها راحته وأحلامه مزهرة تعطّر أيامه .
تقديري للمبدع السارد عبد الرحيم التدلاوي
نحتت من صخر الجبل الشامخ منزلا، بابه من حديد، و أسواره عالية من النوافذ خالية..سقفه السماء..
قضيت عمرا أنسج لي بداخله بيتا من حرير.. على ضوء شمعة باكية عساني أكون فراشة...
هبت ريح باردة سكنت حناياي..
حين انقشع الظلام..
رأيت جسدي خريف عناكب..
صراع .. عنوان فيه ما فيه من تصادم وجذب وكر وفرّ
كرّ وفرّ ما بين الحياة والموت .. ما بين النور والظلام وما بين الدفء والبرودة وكذلك ما بين الفرح والحزن ..
تحملنا هذه ق ق ج إلى عوالم فلسفة الحياة والعطاء والموت ..اللاجدوى واللامفر من نهاية محتومة
بطل القصة نحت من صخر الجبل منزلا كي يسكنه .. والنحت هنا على الصخر دليل صبر ورباطة جأش وقوة العزيمة لدى هذا الناحت.. إذ الصخر من أصعب المواد أو الخامات التي يمكن للإنسان النحت عليها .. نحت هذا البطل على صخر الجبل منزلا .. لكنه ليس أي جبل إنه جبل شامخ ..فقد أضاف إليه السارد هنا صفة الشموخ .. والشموخ صلابة وعلو وقوة .. بمعنى أن البطل كانت عزيمته أكبر وأقوى من شموخ الجبل لهذا استطاع أن ينحت فيه منزلا له .. وهناك مثل يقال في شدة الصبر وقوة العزيمة " ينحت في الصخر " إشارة للصمود وعدم الاستسلام وقوة الإرادة .. وينتقل بنا السارد يصف لنا هذا المنزل بكمرته السردية حيث يقول : " بابه من حديد .. وأسواره عالية ومن النوافذ خالية سقفه السماء " أي لا سقف له .. ترى ما الذي جعل البطل يضع بابا من حديد لهذا المنزل الجبلي العالي الذي لا يمكن الوصول إليه بسهولة ؟
تساؤلات عدة تطرحها هذه العبارة في هذه ق ق ج " بابه من حديد " إذ عادة ما تكون الأبواب من خشب .. فما هي الأسباب التي جعلت بطل القصة يضع بابا حديديا لمنزله الذي نحته في قلب الجبل ؟.. إضافة إلى ما أشرت إليه هناك سؤالا ملحا آخر يدور في فلك المفردة .. ممّ يخاف بطل القصة ليجعل باب منزله من حديد؟ أتراه يخشى أمرا ما أو لصوصا ما ليحتاط ويجعل الباب من معدن قوي يضيف إلى قوة الجبل وشموخه قوة أخرى ؟.. لم يجعل الباب كما هو العادة التي تكون عليها الأبواب إذ غالبا ما تكون من الخشب .. أي لصوص هؤلاء الذين يخشاهم البطل أو ما مصدر هذا الخوف كله وهته الهواجس التي تراوده ليجعل باب منزله الجبلي من حديد ؟ .. ولماذا لا نوافذ له والنوافذ عادة ما تكون مصاحبة لأي بيت فمنها يدخل النور والأكسجين لتكون الحياة فيه صحية وآمنة .. هل اكتفى بأن لم يجعل له سقفا " سقفه السماء " لا سقف له غير فضاء السماء المترامية .. والسماء كافية بالنسبة له ليدخل منها الهواء والنور ؟
إذا نظرنا للقصة من زوايا مختلفة ستبين لنا تلك " الشمعة الباكية " زوايا سباعية الأبعاد .. القصة تحمل مضامين كثيرة فلسفية ودينية واجتماعية
الدينية تشير إليها بعض المفردات التي استقتاها الأديب الأخ عبد الرحيم من ثقافته الدينية .. "نحتت من صخر الجبل منزلا " وهنا تحضرني الآية الكريمة حيث يقول رب العزة في كتابه العزيز ( وكانوا ينحتون من الجبال بيوتا آمنين ) وكذلك القفلة التي جاءت محكمة الحبك ورائعة المعنى وفيها من بلاغة المقصد الشيء الكثير .. " رأيت جسدي خريف عناكب " .... وفي الأثر قول لعلي بن أبي طالب رضي الله عنه يقول : ( إنما الدنيا كبيت نسجته العنكبوت ) أما الاجتماعية فالبطل لم يشر إلى أشخاص يقاسمونه ذلك البيت الذي صبر وتكبّد الصعاب لينحته.. وهذا له إيحاءات عدة من بينها أنه كان وحيدا والشعور بالوحدة هو النمط والمنهج والبوتقة التي يتقوقع فيها .. أما الفلسفية .. فاستخدامه لمفردات لها دلالتها الرمزية سواء في الفلسفة أو الأدب .. " الشمعة الباكية " و كذلك " عساني أكون فراشة " والشمعة عادة ما تكون رمزا للتضحية ونكران الذات والفعل يكون للآخرين لهم ومن أجلهم .. مما يحيلنا إلى أن البطل إنسان معطاء ينسى ذاته ويعطي كلّ ما له ومعه للآخرين من البناء والنسج وضوء النور والنور هنا هداية وخير ومساعدة على معرفة الطريق والسير فيه .. بطل القصة إنسان فيه من شيم السخاء ومساعدة الغيرالشيء الكثير مما يجعله أحيانا ينسى نفسه .. أما الفراشة فهي كذلك عرفت كرمز فلسفي وأدبي سواء في الشعر أو النثر وأول من استعمل " الفراشة " كرمز هو الحكيم الصيني " تشوانغ تسو " الذي عاش في القرن الثالث قبل الميلاد .. ونجد الفراشة حاضرة أيضا في الأدب الصوفي وعند غيرهم مثل المتنبي وعمر الخيام .. والسارد في قصته هذه أشار إلى " عساني أكون فراشة " يتمنى أن يتحول إلى فراشة .. ترى لماذا البطل يتمنى أن يتحول من إنسان إلى فراشة ؟
لو نظرنا من زاوية أخرى هي الزاوية الاجتماعية سنجد بطل القصة قوبل عطاؤه بالنكران .. فهو قد تكبّد نحت منزل في جبل شامخ وجعل له أسوارا تحميه وجعل له بابا من حديد ثم قضى عمره في نسج بيت من حرير داخل المنزل كل هذه الأفعال الحميدة والعظيمة لم يجد مقابلها أي ردة فعل من الآخرين لاحتوائه وذكر بعض فضائله .. مما جعله يتمنى أن يكون فراشة .. تطير إلى النور تطوف حول مداره وهي تحمل معها كفنها وتدرك بأن سيرها لهذا النور فيه موتها وحتفها ونهايتها ..
وإذا نظرنا للقصة من الزاوية الصوتية نجد لأديب عبد الرحيم قد استخدم لغة قوية أحيانا ورخوة أحيانا أخرى .. قد مزج ما بين الأصوات المجهورة والرخوة والشديدة والمطبقة ..واستعمل في الشق الأول من القصة كلمات فيها قوة.. بنية ومدلولا " صخر ، الجبل ، أسوار ، حديد ، سماء " وفي الشق الثاني كلمات فيها نوع من الفتور والرخاوة والليونة " حرير ، أنسج ، شمعة ، باكية ، فراشة " وفي الشق الثالث كلمات فيها قلق واضطراب وخوف وذبول " ظلام ، ريح ، باردة ، خريف " وكذلك نجد تقابلا ضديا في بعضها " نحت /نسج ، صخر / حرير ، ضوء / ظلام "
رغم ملامح القلق والحزن واللاجدوى نجد الأمل هنا حاضرا وبقوة .. " سقفه السماء " لم يجعل للمنزل سقفا .. بل ترك مسافة ومساحة المنزل من ناحيته العلوية دون سقف يحميه رغم أنه أفرط وأسرف في جعله محاطا بأسباب الأمان حيث نحته في جبل شامخ وجعل بابه من حديد وأسوارا عالية تحميه وبدون نوافذ .. حيث يكون من المستحيل الوصول إليه من بعض الذين يريدون به شرا .. ومع كل هذا الاحتياط واستراتيجية أمنية ترك المنزل دون سقف .. " سقفه السماء " وهنا إشارة رائعة من الأديب المبدع عبد الرحيم إلى توكله على الله .. صلة السماء لم يجعل بينها وبينه حاجز .. مفتوحة على مصراعيها لا حواجز تحيل بينه وبين توكله على ربه .. وأن هذه الناحية لن يأتي منها إلا الخير فلا داعي لسقف يحمي المنزل.. السماء ستحميه وتتنزل الرحمات والأمان والطمأنينة .. وهذا كله إشارة للأمل هناك أمل في السماء .. هناك صلة بينه وبين الله تعالى ..
لكن نتساءل كيف يكون المنزل في جبل منحوتا ولا سقف له ؟ أليس بطن الجبل يحيل بأن تكون هناك مساحة من الفراغ لتكون السماء سقفا .. تراه نحته على قمة الجبل ؟ والقمة هنا تعني الكثير .. تعنى الطموح تعني أفقا واسعا من علو الشأن تعني المكانة المرموقة وتحقيق الغاية ..لكن ما هذا المنزل الجبلي الذي ينحت على قمة الجبل ؟
إنه الحياة .. المنزل الذي نحته في الجبل حياته التي كابد وصبر من أجل تشييدها بدليل أنه استخدم عبارة " قضيت عمرا أنسج لي بداخله بيتا من حرير " لقد نسج له بيتا في منزله – حياته – من حرير .. وبكل ما يرمز إليه البيت من فضاء الألفة والمأوى وما يمثله للإنسان من كينونته الإنسانية ودواخله النفسية .. فيه يجد الراحة والطمأنينة مقابل ما يتعرض له من صعاب وكدّ خارج فضاء البيت .. حياة بطل القصة .. تلك الحياة التي حاول نحتها على قمة الطموح والعطاء وتحدى الصعاب لكن فلسفة اللاجدوى التي كانت تسيطر عليه " شمعة باكية عساني أكون فراشة " جعلته ينظر لخريف العمر كأن كل هذا ما هو إلا بيت العنكبوت .. ( وإن أوهن البيوت لبيت العنكبوت ) ..
تعب كلّها الحياة .. لكن تبقى الحياة بلا حواجز من جهة السماء .. " سقفه السماء " التواصل مع الله تعالى والتوكل والأمل .. والحياة بلا أمل سراب .. ولابد من الأمل لتكمل الحياة مسيرتها
ويبقى صراع الإنسان من أجل تحقيق أحلامه وطموحه لبناء حياته ونحتها رغم الصعوبات التي تعترضه سنة من سنن الحياة نفسها .. ويبقى الأمل دائما هو الشراع الذي تسير به حياة الإنسان نحو مرافئ آمنة ومطمئنة يجد فيها راحته وأحلامه مزهرة تعطّر أيامه .
تقديري للمبدع السارد عبد الرحيم التدلاوي
تعليق