في غَيَابَةِ الحُبِّ [1]
( الجزءُ الأوَّلُ )
شعر : مختار الكمالي
-------------------------------------------------------------------------------
-1-
هُنَاكَ هُنَاكَ شَرْقَ القَلْبِ ثَمَّ لَظًى و ثَمَّ فُراتْ
و ثَمَّ غمامةٌ خضراءُ تطعَنُ وَحشةَ الفَلَواتْ
هُناكَ وُلِدتُ حيثُ العاشقونَ جميعُهُمْ أمواتْ !
-2-
رَفَضْتَ تجيءُ بالـمَقلوبِ للدُّنيا .. يقولُ أبي
و لمْ تبدأْ شهيقَكَ بالبُكاءِ الـمُعْلَنِ التَّعَبِ
فجئتَ مُكَمِّلاً للنَّخلِ و البَردِيِّ و الرُّطَبِ
-3-
أَجَلْ منْ أطولِ النَّخلاتِ قُدَّتْ قامتي / النَّخْلَةْ
و كانَ الحُبُّ - جَلَّ الحُبُّ - يفعَلُ في دمي فِعْلَهْ
فَحَيْثُ مَشاعري خَفَقَتْ أُعَمِّرُ للهوى قِبْلَةْ
-4-
و كُنَّا فوقَ سطحِ البيتِ نَفْتَرِشُ الـمُنى و نَنَامْ
نُطَارِدُ نَجْمَةَ الأحلامِ كي لا تَهرُبَ الأحلامْ
و حينَ تقولُ : دَعْ ثوبي ! .. أُدَاعِبُ ريشَ كُلِّ حَمامْ !
-5-
لَقَدْ كابَدْتُ وَجْدَ الحُبِّ مُنذُ ربيعيَ العاشِرْ
و كانَتْ جارَةُ الأحلامِ تدعوني : "الفتى الماكِرْ"
فَهَلْ عَلِمَتْ عَنِ العشرينِ أو عَنْ لوعَةِ الشَّاعِرْ ؟!
-6-
و كالطُّوفانِ كانَ العُمْرُ و الأحبابُ مِنْ قَشِّ
رياحٌ تحمِلُ الأطيارَ مِنْ عُشٍّ إلى عُشِّ
تُعَلِّمُهُمْ بأنَّ النَّخلَ لا يربو على غُشِّ
-7-
أنا الثَّاني الذي فارقْتُ عائِلَةَ الهديلِ الغَضْ
و مَنْ أهدَرْتُ عُمْرَ النَّايِ بالدَّمعِ الذي يَرْفَضْ
بنيتُ الحُبَّ فجراً لي و قلتُ : أيا ظلامُ انْقَضْ !
-8-
و ذاتَ هوًى - بلا وعيٍ - دخلتُ لِجَنَّةِ الشُّعَراءْ
تلفَّتَ قلبيَ الظَّمآنُ , ذا نهرٌ , و ذلكَ ماءْ
و حينَ وَقَفْتِهِ بالجُرْفِ قالَ : أُحِبُّ .. ثُمَّ أضاءْ !
-9-
أُحِبُّكِ! .. فَلْيَقُلْ أهلي : تَعَذَّبَ فيكِ أو راهَقْ
و ضَيَّعَ في مدى عينيكِ كُلَّ غُرورِهِ الواثِقْ
فَمِنْ أهدابِكِ الكحلى تَسَلَّقَ بُرجَهُ الشَّاهِقْ
-10-
أُحِبُّكِ! .. فليقُولوا : كانَ قبلَ الحُبِّ أَعْنَدَ شَابْ
فَلَـمَّا كابَدَ الأشواقَ و الحِرمانَ طفلاً شَابْ
تَجَمَّدَ قلبُهُ شوقاً و مِنْ جَمْرِ التَّمَنُّعِ ذابْ
-11-
لماذا لمْ أَذُبْ إلَّا على جَمَراتِ أهدابِكْ ؟
لماذا لمْ يَجِدْ خَطوي طريقاً دونَما بابِكْ ؟
لماذا لمْ أُضِئْ حتَّى حَظيتُ بِبَعْضِ إعجابِكْ ؟!
-12-
لأنَّكِ حيثُما تمشينَ تمشي خلفَكِ الأشجارْ !
أُحَدِّقُ فيكِ مُشرقَةً و مِنْ نَظَري عليكِ أَغَارْ !
لماذا لَمْ يَجِدْني العيدُ حتَّى قلتِ : يا مختارْ ؟!
-13-
معاً نحنُ ابتكارُ العندليبِ لِلَحْنِهِ الرَّائِعْ
و نحنُ حنينُ أرغِفَةِ الدُّعاءِ إلى فَمِ الجائِعْ
بنا تَتَوَهَّجُ الخُطُواتُ حتَّى يركُضَ الشَّارِعْ
-14-
عجيبٌ قلبيَ الرَّقميُّ حينَ دخلتِهِ أورَقْ
كأنَّكِ كنتِ حرفَ النُّونِ في الشِّعرِ الذي يشهَقْ
فناداني رجالُ النَّحوِ : يا مفعولَها الـمُطْلَقْ !
-15-
مجانينٌ هُمُ العُشَّاقُ و الأحبابُ رميةُ نَردْ
فإمَّا أنْ يكونَ الوِدُّ رميَتَهُمْ و إمَّا الوِدْ
إلهي! لَمْ أَكُنْ أدعو لِحُبٍّ ما لهُ مِنْ حَدْ !
-16-
و ما أُهديكَ ؟ .. مَنْحَرَها أم الأُذُنَينِ يا لُؤْلُؤْ ؟
بلى , أقراطُ غاليَتي ضياءُ العينِ و البُؤْبُؤْ !
يذوبُ الهاتِفُ الخلويُّ حينَ تقولُ لي : (تُؤْ تُؤْ)[2] !
***
البوكمال 2011
هوامش :
[0] هذا هو الجزء الأوّل من القصيدة الرئيسيّة في مجموعتي (في غَيابةِ الحبِّ) الفائزة بجائزة الشارقة للإبداع العربي في دورتها الخامسة عشرة (2012).
[1] البنية الوزنيَّة التي كتبت عليها هذه القصيدة كتب عليها آلاف الشعراء قبلي و المئات بعدي و لعلّ أشهر قصيدة قرأتها على هذه البنية الوزنيَّة هي قصيدة (الليالي الأربع) للشاعر المصري أحمد بخيت.
[2] تُؤْتُؤْ : لم أجد رسماً أفضل للصَّوتِ الذي أعنيه.
( الجزءُ الأوَّلُ )
شعر : مختار الكمالي
-------------------------------------------------------------------------------
-1-
هُنَاكَ هُنَاكَ شَرْقَ القَلْبِ ثَمَّ لَظًى و ثَمَّ فُراتْ
و ثَمَّ غمامةٌ خضراءُ تطعَنُ وَحشةَ الفَلَواتْ
هُناكَ وُلِدتُ حيثُ العاشقونَ جميعُهُمْ أمواتْ !
-2-
رَفَضْتَ تجيءُ بالـمَقلوبِ للدُّنيا .. يقولُ أبي
و لمْ تبدأْ شهيقَكَ بالبُكاءِ الـمُعْلَنِ التَّعَبِ
فجئتَ مُكَمِّلاً للنَّخلِ و البَردِيِّ و الرُّطَبِ
-3-
أَجَلْ منْ أطولِ النَّخلاتِ قُدَّتْ قامتي / النَّخْلَةْ
و كانَ الحُبُّ - جَلَّ الحُبُّ - يفعَلُ في دمي فِعْلَهْ
فَحَيْثُ مَشاعري خَفَقَتْ أُعَمِّرُ للهوى قِبْلَةْ
-4-
و كُنَّا فوقَ سطحِ البيتِ نَفْتَرِشُ الـمُنى و نَنَامْ
نُطَارِدُ نَجْمَةَ الأحلامِ كي لا تَهرُبَ الأحلامْ
و حينَ تقولُ : دَعْ ثوبي ! .. أُدَاعِبُ ريشَ كُلِّ حَمامْ !
-5-
لَقَدْ كابَدْتُ وَجْدَ الحُبِّ مُنذُ ربيعيَ العاشِرْ
و كانَتْ جارَةُ الأحلامِ تدعوني : "الفتى الماكِرْ"
فَهَلْ عَلِمَتْ عَنِ العشرينِ أو عَنْ لوعَةِ الشَّاعِرْ ؟!
-6-
و كالطُّوفانِ كانَ العُمْرُ و الأحبابُ مِنْ قَشِّ
رياحٌ تحمِلُ الأطيارَ مِنْ عُشٍّ إلى عُشِّ
تُعَلِّمُهُمْ بأنَّ النَّخلَ لا يربو على غُشِّ
-7-
أنا الثَّاني الذي فارقْتُ عائِلَةَ الهديلِ الغَضْ
و مَنْ أهدَرْتُ عُمْرَ النَّايِ بالدَّمعِ الذي يَرْفَضْ
بنيتُ الحُبَّ فجراً لي و قلتُ : أيا ظلامُ انْقَضْ !
-8-
و ذاتَ هوًى - بلا وعيٍ - دخلتُ لِجَنَّةِ الشُّعَراءْ
تلفَّتَ قلبيَ الظَّمآنُ , ذا نهرٌ , و ذلكَ ماءْ
و حينَ وَقَفْتِهِ بالجُرْفِ قالَ : أُحِبُّ .. ثُمَّ أضاءْ !
-9-
أُحِبُّكِ! .. فَلْيَقُلْ أهلي : تَعَذَّبَ فيكِ أو راهَقْ
و ضَيَّعَ في مدى عينيكِ كُلَّ غُرورِهِ الواثِقْ
فَمِنْ أهدابِكِ الكحلى تَسَلَّقَ بُرجَهُ الشَّاهِقْ
-10-
أُحِبُّكِ! .. فليقُولوا : كانَ قبلَ الحُبِّ أَعْنَدَ شَابْ
فَلَـمَّا كابَدَ الأشواقَ و الحِرمانَ طفلاً شَابْ
تَجَمَّدَ قلبُهُ شوقاً و مِنْ جَمْرِ التَّمَنُّعِ ذابْ
-11-
لماذا لمْ أَذُبْ إلَّا على جَمَراتِ أهدابِكْ ؟
لماذا لمْ يَجِدْ خَطوي طريقاً دونَما بابِكْ ؟
لماذا لمْ أُضِئْ حتَّى حَظيتُ بِبَعْضِ إعجابِكْ ؟!
-12-
لأنَّكِ حيثُما تمشينَ تمشي خلفَكِ الأشجارْ !
أُحَدِّقُ فيكِ مُشرقَةً و مِنْ نَظَري عليكِ أَغَارْ !
لماذا لَمْ يَجِدْني العيدُ حتَّى قلتِ : يا مختارْ ؟!
-13-
معاً نحنُ ابتكارُ العندليبِ لِلَحْنِهِ الرَّائِعْ
و نحنُ حنينُ أرغِفَةِ الدُّعاءِ إلى فَمِ الجائِعْ
بنا تَتَوَهَّجُ الخُطُواتُ حتَّى يركُضَ الشَّارِعْ
-14-
عجيبٌ قلبيَ الرَّقميُّ حينَ دخلتِهِ أورَقْ
كأنَّكِ كنتِ حرفَ النُّونِ في الشِّعرِ الذي يشهَقْ
فناداني رجالُ النَّحوِ : يا مفعولَها الـمُطْلَقْ !
-15-
مجانينٌ هُمُ العُشَّاقُ و الأحبابُ رميةُ نَردْ
فإمَّا أنْ يكونَ الوِدُّ رميَتَهُمْ و إمَّا الوِدْ
إلهي! لَمْ أَكُنْ أدعو لِحُبٍّ ما لهُ مِنْ حَدْ !
-16-
و ما أُهديكَ ؟ .. مَنْحَرَها أم الأُذُنَينِ يا لُؤْلُؤْ ؟
بلى , أقراطُ غاليَتي ضياءُ العينِ و البُؤْبُؤْ !
يذوبُ الهاتِفُ الخلويُّ حينَ تقولُ لي : (تُؤْ تُؤْ)[2] !
***
البوكمال 2011
هوامش :
[0] هذا هو الجزء الأوّل من القصيدة الرئيسيّة في مجموعتي (في غَيابةِ الحبِّ) الفائزة بجائزة الشارقة للإبداع العربي في دورتها الخامسة عشرة (2012).
[1] البنية الوزنيَّة التي كتبت عليها هذه القصيدة كتب عليها آلاف الشعراء قبلي و المئات بعدي و لعلّ أشهر قصيدة قرأتها على هذه البنية الوزنيَّة هي قصيدة (الليالي الأربع) للشاعر المصري أحمد بخيت.
[2] تُؤْتُؤْ : لم أجد رسماً أفضل للصَّوتِ الذي أعنيه.
تعليق