السبت 16-2-2013في الصوتي، برنامجكم "على الأثير"يستضيف د.عبد الرحمن السليمان
تقليص
X
-
- رئيس قسم اللغة العربية في كلية ليسيوس، جامعة لوفان الكاثوليكيةوُلد في حماة، سورية، 1962
- ماجستير في الأدب اليوناني - جامعة أثنيا، اليونان
- ماجستير في اللغات والآداب السامية - جامعة غاند، بلجيكا
- دكتوراه في اللغات السامية، الأدب العبري، تفسير غريب التوراة، جامعة غاند، بلجيكا
- دكتوراه في علم الترجمة القانونية، جامعة غاند، بلجيكا
- مترجم أدبي ومستشار لدى هيئات علمية وأدبية حكومية مختلفة.
لا تلمني لو صار جسدي فاكهة للفصول
~~آخــــــرأنثـــى بلوريّـــــة~~
-
-
شعر أفلاطون الغزلي!
من كان يتصور أن الفيلسوف اليوناني الشهير أفلاطون (428-347 ق.م.)، الذي طردَ الشعراء من "جمهوريته" الفاضلة بعد اعتباره إياهم شِلَّةً لا عقلانية ...، كان يقرض الشعر؟! لحسن الحظ احتفظت لنا "المختارات اليونانية" (Anthologia Graeca)[1] بثلاث وثلاثين مقطوعة شعرية تنسب إلى الفيلسوف اليوناني الكبير، بعضها في الحكمة، وبعضها في الأخلاق، وبعضها ـ وهي الأكثر غرابةً ـ في الغزل، الغزل بالرجال على طريقة قدامى اليونانيين، وجلهم من اللوطيين والصبينجية! [2]
ويتجلى حكم أفلاطون القاسي على الشعر والشعراء في الكثير من كتبه، إلا أنه كان أشد عليهم في "الجمهورية" حيث يسوق أدلة أخلاقية [3] ودينية [4] واجتماعية [5] ضد الشعر والشعراء معاً، ولا يستثني منهم إلا هوميروس الذي يقول فيه: "كم هو صعب أن أتكلم في هوميروس الذي تعلمنا أن نحترمه ونألف شعره منذ الصغر ... إنه يبدو لي معلم التراجيديين الأول ... لكن الحقيقة أهم من أي إنسان [مهما كان كبيراً أو مشهوراً]. [6]
لكن ذم الشعر وأهله، شيء، وقرضه شيء آخر! ولسنا نجد هذا التناقض عند أفلاطون فقط، ففي شعرنا العربي الغني شعراء كبار ذموا الشعر ثم برعوا فيه! فها هو المعري يقول في نهاية مقدمة اللزوميات: "إني رفضتُ الشعر رَفضَ السَّقْبِ غَرسَه، والرَّأْلِ تَريكَتَه، والغرض ما استجيز فيه الكذب واستعين على نظامه بالشبهات". إلا أنه يستثني من ذلك: "فأما الكائن عظةً للسامع، وإيقاظاً للمتوسِّن، وأمراً بالتحرّز من الدنيا الخادعة وأهلها الذين جُبِلوا على الغِشّ والمكر، فهو إن شاء الله مما يُلتَمس به الثواب" [7]! وليست عبارة المعري "واستجيز على نظمه بالشبهات" بعيدة من رأي أفلاطون أن الشعراء في معظم الأحيان يعكسون للناس "سلوكاً لا أخلاقياً" ... فالشبهة عند الاثنين موجودة، ومع ذلك ينظمان الشعر!
كان بودي أن أتوسع أكثر وأشرح بحور الشعر اليونانية الستة وطريقة النظم عند قدامى اليونانيين، لكني أقتصر الآن على الإشارة إلى أن النوع الذي اتبعه أفلاطون في نظم المقطوعات المنسوبة إليه، اتخذ شكل "القِطعة" المسماة باليونانية Επιγραμματο = "إيبيغراماتو" [8]، والتي تتراوح ما بين البيت الواحد (المكون من شطرين) إلى الخمسة أبيات.
مثال (وتشكيل الكلمات اليونانية محال):
Την ψυχην αγαθωνα φιλων επι χειλεσιν εσχον
Ηλθε γαρ η τλημων ως διαβησομενη
قبَّلْتُ آغاثُون ... فحَطَّتْ رُوحي على شَفَتَيَّ
ساعيةً إلى الفناء فيه!
أما في القطعتين التاليتين فيستعمل فيهما الحكيم "رمز التفاحة" المشهور الذي كان قدامى اليونانيين يستعملونه للإعلان عن الحب (لأفروديت في الأصل). ويتلخص هذا الرمز في قيام المحب برمي تفاحة تجاه المحبوب للتعبير لهذا الأخير عن حبه، فإذا تلقفها المحبوب فإنه يعبر بذلك عن قبوله حُبَّ المحب، وإذا لم يتلقفها فإنه بذلك يعبر عن عدم اهتمامه بالمحب وإعلانه معه ...
ومن المثير للدهشة أن أفلاطون في القطعة الأولى يعظ معشوقه في حال عدم قبول هذا الأخير إياه وذلك بقوله "إن الجمال لا يدوم"! والعظة خير من المثل القائل: "ياللي ما يطول العنب يقول عنه حامض"! وربما جعله هذا الإحساس وعّاظاً! يقول:
(2)
Τω μηλω Βαλλω σε συ δ’ ει μεν εκουσα φιλεις με,
δεξαμενη της σης παρθενιης μεταδος.
ει δ’ αρ’, ο μη γιγνοιτο, νοεις, τουτ’ αυτο λαβουσα
σκεψαι την ωρην ως ολιγοχρονιος.
أَرمِي إليكَ هذه التُّفاحَة:
فَخُذْها إذا رَغِبت فيَّ،
وَأعطِني مَكانها عُذْرِيَّتَكَ ...
وَخُذْها حَتَّى إِذا ما رَغِبْتَ فيَّ،
وَتَذكَّرْ أَنَّ الجمالَ لا يَدُوم!
أما في القطعة الثانية، فيبدو أفلاطون مُحَرْوِقاً:
(3)
Μηλον εγω βαλλει με φιλων σε τις αλλ’επινευσον,
Ξανθιππη καγω και συ μαραινομεθα.
أنا تُفاحةٌ،
رَماها مُحِبٌّ إِليكَ ...
فَحُنَّ عَليَّ يا كْسانْتِيب،
فَكِلانا مُعَذَّب!
وغني عن القول أن للتفاح ـ خصوصاً التفاح الشامي ـ رموزاً كثيرة ترمز إلى الحب الحسِّي، غالباً ما تستعمل في شعرنا الشعبي (النبطي، الدارمي ...).
ــــــــــــــــــــــــ
الحواشي:
[1] "المختارات اليونانية"، Anthologia Graeca، وأحياناً Anthologia Platina نسبة إلى مكتبة هايدلبرغ المسماة بالـ Bibliotheca Platina، حيث عثر على مخطوطة "المختارات" التي تحتوي على أكثر الشعر اليوناني (حوالي 4000 مقطوعة شعرية تكون معا أربعة وعشرين ألف بيت شعر لحوالي ثلاثمائة شاعر من القرن السادس قبل الميلاد وحتى القرن السادس بعده).
[2] كان قدامى اليونانيين (ومحدثوهم أيضاًَ) يشتهرون بالحب المِثلي ... من ثمة اعتبارهم الرجل أجمل المرأة، وهو ما يبدو جليا من فنونهم التصويرية التي ما كانوا يصورون المرأة فيها عارية إلا نادراً، بعكس الرجل الذي تجد صورته العارية في كل نوع من أنواع فنونهم التصويرية القديمة!
[3] أفلاطون. الجمهورية (الأصل اليوناني): Plato, Politeia, II, 377-378.
[4] أفلاطون. الجمهورية (الأصل اليوناني): Plato, Politeia, II, 379-380.
[5] أفلاطون. الجمهورية (الأصل اليوناني): Plato, Politeia, X, 399.
[6] أفلاطون. الجمهورية (الأصل اليوناني): Plato, Politeia, X, 595.
[7] أبو العلاء المعري. اللزوميات، ج. 1 ص. 38-39. وانظر أيضاً مقدمة ديوانه "سقط الزند".
[8] تعني "إيبيغراماتو" في الأصل "نصا صغيرا"، غالباً ما كان ينقش في الحجر خصوصاً على شواهد القبور، ثم توسعوا في معناه فأصيح يعني كل نص فني صغيرعموماً و"القطعة" الشعرية خصوصاً.
بقلم الدكتور عبدالرحمن السليمان
التعديل الأخير تم بواسطة عبدالرحمن السليمان; الساعة 16-02-2013, 15:31.لا تلمني لو صار جسدي فاكهة للفصول
~~آخــــــرأنثـــى بلوريّـــــة~~
تعليق
-
-
غزليات أفلاطونية جديدة!
مرثية لحبيب اسمه "ذيون السيراكوسي" (520-445 ق.م.) كان أفلاطون عشقه أثناء سفره إلى صيقيلية! و"هيكابه" هي عقيلة "برياموس" ملك طروادة. وتذكر حواشي "المختارات اليونانية" (Anthologia Graeca) أن هذه المرثية كانت مكتوبة على شاهد قبر ذيون "السيراكوسي":
(7)
منذ أن جئن إلى الحياة،
وإلهة القدر تذرف الدموع،
على هيكابه * ونساء طروادة.
لقد نلتَ إكليل الغار عن جدارة يا ذيون،
ولكن الآلهة أخذت أحلامك بعيداً،
وجعلتك ترقد في وطنك الأبدي.
آه يا ذيون! لقد جعلني حبك كالمجنون!
أفلاطون يتغزل هنا بشاب جميل اسمه "أليكسيس" .. ويشبه التحايل على الحبيب بالوعود مثل التحايل على الكلب بعظيمة ليس فيه لحم يُؤكل! ثم يعزي قلبه بالقول إن ذلك مدعاة لخسارة الحبيب مثلما خسرا (وهو وقلبه) الحبيب فايدروس من قبل:
(8)
قلتُ فقط: "ما أجمل أليكسيس"،
فأحبه جميع الناس!
فقلتُ: "أيا قلبي المعذب":
لم الاحتيال على الكلب بالعظيمة الحقيرة،
والعذاب فيما بعد؟!
ألم نخسر ـ يا قلبي ـ فايدروس هكذا؟!
وعلى الرغم من أن الحكيم يحب الغلمان حباً جماً .. فإنه كان يتعشق امرأة اسمها أَسْتِر "نجمة"، كتب فيها قطعتين صغيرتين، الأولى غزل والثانية رثاء، جانس فيهما (في الأصل) بين اسمها من جهة، وبين كلمة "نجمة/نجوم" من جهة أخرى:
(15)
أيا نجمتي ..
أنت تنظرين إلى النجوم،
وأنا أريد أن أكون السماء،
لأشاهدك بآلاف العيون!
(16)
يا أَسْتِر ..
كنت نجمة الصباح،
عندما كنت بين الأحياء.
واليوم أنت نجمة المساء،
تشعين بهاء على الأموات!
فائق تحيات الدكتور عبدالرحمن السليمان
لا تلمني لو صار جسدي فاكهة للفصول
~~آخــــــرأنثـــى بلوريّـــــة~~
تعليق
-
-
مرحبا بك دكتورنا الراقي عبدالرحمن السليمان
أهلا وسهلا بحضرتك
واسمح لي اضافة هذه الاسئلة هنا :
السؤال الأوّل :
هل اللغة التي كتبت بها القصائد الأفلاطونية هي لغة اليونانيين اليوم أم هي لغة قديمة للإغريق ؟ وهذا يقودني للسؤال كيف تتطور اللغات وتصبح شبه غريبة عن أصولها القديمة .. ؟؟
السؤال الثاني :
هل تعتبر أن الحياة البشرية مهما كان شكلها في العصور القديمة أو الحديثة بقيت تعج بالخطايا ذاتها التي عرّفتها الديانات السماوية .؟؟
السؤال الثالث :
من هو برأيك الشاعر ؟؟ هل هو صاحب الفكر المتنور النخبوي ولذلك كثيرا ما اعتبر الشعر ترفا ينتمي للطبقات العليا .. أم الشاعر هو من يملك حس عميق بالهم العام إلى جانب ملكة الخطابة ولذلك كثيرا ما اعتبر الشعر خبز الناس ..؟؟
السؤال الرابع :
الدكتور عبد الرحمن السليمان,أظنك تعرف بأنه هناك ما يسمى بالغزل الجاهلي,وغزل العصر الحديث,وتعرف ايضا أن هناك بعض الشعراء قد تميزوا بلون خاص في الغزل,كعشاق منهم على سبيل المثال لا الحصر : مجنون ليلى ، قيس بن الملوح وعنترة العبسي والأمثلة كثيرة, هذا على الصعيد الأدبي,
بينما توجد نماذج كثيرة للغزل,اتبعها العشاق كل على هواه في أزمنة وتواريخ متباينة,كيف تقارن
"لو جازت المقارنة" بين الغزل الأفلاطوني وما تم ذكره أعلاه؟
تقبّل منّي دكتور فائق التحية والتقدير
لا تلمني لو صار جسدي فاكهة للفصول
~~آخــــــرأنثـــى بلوريّـــــة~~
تعليق
-
-
الصديقة الغالية سليمى
شكرا لك على دعوة دكتورنا العزيز
عبد الرحمن السليمان
و هو من الرموز الشاهقة التي نعتز بها و نتعلم منها في هذا الملتقى
عندما يجتمع العلم و الفكر و الأدب في شخصية لها منّا كل الإحترام و التقدير
لابد أن نلبي النداء بكل حفاوة
شكرا لك سليمى الغالية
و شكرنا لدكتور عبد الرحمن الرائع
و إن شاء الله تكون أمسية مميزة مع شخصية مميزة و مختلفة
تعليق
-
ما الذي يحدث
تقليص
الأعضاء المتواجدون الآن 152981. الأعضاء 6 والزوار 152975.
أكبر تواجد بالمنتدى كان 409,257, 10-12-2024 الساعة 06:12.
تعليق