الطريدة

تقليص
X
 
  • تصفية - فلترة
  • الوقت
  • عرض
إلغاء تحديد الكل
مشاركات جديدة
  • محمد الزروق
    تلميذكم المحب
    • 10-10-2007
    • 877

    الطريدة


    جفلت الطريدة لدى إحساسها بقرب الخطر.. استعدت لاتخاذ كل سبل النجاة من صائدها..
    بين يديها أكثر من سلاح.. الاختباء... الاختفاء... العدو... الاستعانة... ثم المواجهة..
    غابة العنب والزيتون التي كانت حتى الأمس القريب مسرحاً للطرائد اختفت.. وحل محلها كارفور الضخم.. والمواجهة في غير بيئة الطريدة المعتادة غالباً ما تكون خاسرة.. وأنا في مطار تونس قرطاج الدولي عائداً إلى بنغازي تبادرت إلى ذهني فكرة مجنونة..
    خلافاً لما دأب الأدباء والكتاب على فعله كنوع من التقليد والبرستيج الزائد .. قررت أن أكتب قصتي هذه في الأجواء.. وبدلا من أن أمهرها بالتاريخ والمكان (تونس أو بنغازي) سأختمها بكلمة الأجواء في يناير 2013..
    شرعت في كتابة قصتي على الورق.. مضى زمن طويل لم أستعمل فيه الورق.. منذ ذلك اليوم الذي غزا فيه الكمبيوتر مكاتبنا ومنازلنا بل وحتى جيوبنا.. الكمبيوتر الذي جاوزت علاقتي به الربع قرن..
    جلست في مقعدي بالطائرة.. وفي داخلي جلست الطريدة ممزقة الأشلاء بعد أن نجح الصائد الكاسر في كسر كل الأسلحة التي بيدها.. وجعلها تهرب منه إليه دون شأو أو وعي منها.. وفيما أكتب سيمر شريط الأحداث أمام ناظري منذ وطأت مطار تونس قرطاج بعد غياب دام خمس عشرة سنة أو أقل بأشهر قليلة.. تونس التي قصدتها لمنفعة وحملت معي عناوين أصدقاء افتراضيين عرفتهم من خلال الشبكة الموسعة التي سهلت التواصل بين بني آدم.. واختصرت آلاف الأميال في لحظات..
    نجحت في أن ألتقي بكاتب قصص أطفال اسمه عماد الجلاصي في حي المنار.. ثم في شقتي بديار سكرة.. أما الناقدة والقاصة ميس فوصلتها رسالتي واعتذرت عن لقائي لبعد المسافة.. فهي تقطن على مقربة صفاقس ولم أكن أعلم ذلك.. ولم أنس وأنا في الطائرة الاتصال بعماد لأشكره على حفاوته وإهدائه لكتب أطفال لابني الذي صحبني في هذه الرحلة.. وقد اعتذر عن عدم تواصله بعد ذلك إثر مرض ألم به..
    عقب وصولي إلى تونس عرجت على كارفور لأشتري بعض الحاجيات من مواد غذائية ومواد تنظيف.. وقد اتجه ابني إلى ركن غذاء الحيوانات وأمسك بشيء بين يديه وهو يصيح : مرقاز قطاطيس.. يا بابا.. اشتم الصائد رائحة المرقاز.. واقترب فوجد أن الطريدة أكبر كثيراً من مجرد قطعة سجق أعدت للحيوانات.. وزينتها صورة هر..نحن في ليبيا غير معتادين على بيع طعام القطط والكلاب في الأسواق المجمعة.. على عكس كل دول العالم.. أذكر أن طالباً ليبياً باح لزملائه بسر:أنا أستهلك التونة التي رسمت عليها صورة الهر.. صحيح أن بها (زفرة) لكنها رخيصة الثمن.. أثارت هذه النكتة سخرية الجميع من زميلهم.. وأضحت حديث الساحة البريطانية وغير البريطانية للطلبة الليبيين الدراسين بالخارج وتناقلوها كنكتة الموسم..أمرت ابني أن يترك قطعة السجق..استشعرت الطريدة الخطر.. عينان صائدتان ترتقبان في شغف.. ما إن ترك قطعة السجق حتى اقتربت فتاة ترتدي فستاناً أسود ضيقاً يرتفع إلى ما هو أدنى من ركبتيها بقليل.. ويتألق خال أسود مزيف على وجهها (المبودر) وهتفت: لم نجد طعاماً للبشر,, وأنت تريد أن تطعم قطتك أو كلبك..أخبرتها في وجل أن ابني فضولي وابتعدت الطريدة عندما رأتني أحادث صائدها.. قلت لها: نحن لا نمتلك هرة ولا كلباً..واقترب ابني مني.. ودنا الصائد من طريدها وبات يشتم عطرها الأخاذ الذي لا يقاوم.. كانت الفتاة تخبرني بضيق ذات اليد وتؤكد لي أن المرفهين وحدهم هم من يبحث عن طعام لحيواناتهم.. ونسيت أن تخبرني أن الحيوانات ليست مرفهة.. ومع ذلك فإنها تبحث عن الطعام.. وأن ثمة طريدة جاهزة في كارفور تترقبها عينان جائعتان حد الشبق.. فجأة قالت لي:- ابنك اقترب.. خاف أن أصطادك..
    جفلت الطريدة إلى غابة العنب التي أكلها الزحف الخرساني.. واكتفيت بالقهقهة.. الرجل عادة يقهقه للمرأة حينما توحي له بأنها تعجبه.. غير أن الطريدة تجفل إن استشعرت إعجاباً من حيوان كاسر..وأضافت الفتاة:- لو لم يكن معك.. لاصطدتك.. وحياتك..وأخذت الطريدة تعدو باتجاه غابة الزيتون.. فوجئت بأن الغابة لم تعد غابة.. وأن أشجار الزيتون حولوها إلى (طرمات) وضعوا عليها لحوماً مكيسة لبعض أشقائها الذين لم ترهم منذ فترة..هممت أن أقول للفتاة: يا لك من رخيصة.. غير أني استنكفت عن ذلك.. ليس حفاظاً على مشاعرها.. وإنما خشية أن تكون أرخص بكثير مما توقعت.. أو أن تهز الكلمة وجدانها فتتنازل بشكل غير متوقع.. وقد يسترخص الشاري سلعة لا يحتاجها فيشتريها..هذا الأمر شائع في كارفور.. فررت إلى خارج السوق.. في الوقت الذي كانت الطريدة تلف دون أن تعثر على ملجأ..
    خيم الليل والمطر بدأ يتوقف.. اقترحت على ابني أن نسير حتى نرى مسجداً فنصلي المغرب.. رفعت الطريدة بصرها إلى السماء عندما لم تجد ملجأ على الأرض..داخل المسجد ثمة إمام يؤدي الصلاة.. وجهه ذكرني بشيخ جامع الدراوي الكفيف في الثمانينيات.. يقال إنه هو الآخر ولد في تونس ودرس بجامعة الزيتونة.. ولدت الأجواء الروحانية في المسجد اطمئناناً.. وبعثت في قلبي راحة.. وارتحت بالصلاة..
    الطريدة عادت دون أن تدري إلى المكان الذي بات فيه الصائد جائعاً.. يائساً من العثور على لحم حي..خرجت لا ألوي على شيء.. وصلت إلى الشقة.. غبت عن العالم.. دخلت إلى عالم افتراضي.. حادثتني فتاة أخرى أعرفها منذ زمن من خلال هذا العالم:هذا رقمي فاتصل بي..كانت فرصتي في تونس أن ألتقي بعدد من الكتاب والفنانين والمتابعين الذين أعرفهم من خلال الإنترنت.. وستكون سعادتي بالغة أن ألتقي بصديق ثالث بعد عماد ونرجس.. صديق لا يعرف شكلي ولا أعرف شكله.. كل ما بيني وبينه عناق فني .. فقد كانت رسامة.. واتصلت بها.. جاء صوتها يؤكد لي أنها قريبة جداً مني.. وستكون عندي في دقائق..انتظرتها أمام الصيدلية.. هكذا اتفقنا.. ورويداً رويداً بدأ شبحها يقترب في الظلام.. ورن هاتفي..وجهها المبودر يزينه خال..فستانها الأسود الضيق قد ارتفع حتى بانت ركبتاها البيضاوان في الظلام.. وسمعتها تقول: كم أنا محظوظة.. وصلت الطريدة إلى الصائد الذي لم يخلد للنوم بعد.. لم يبذل مجهوداً كبيراً في مد مخالبه إلى رقبتها.. قطع شرياناً يعرفه جيداً.. أحست الطريدة بالخدر.. وغابت عن الوعي تماماً.. الأجواء الليبية التونسية في 30 يناير 2013
    التعديل الأخير تم بواسطة محمد الزروق; الساعة 12-02-2013, 07:32.

    ربما ننفق كل العمر كي ننقب ثغرة
    ليمر النور للأجيال مرة.
  • ريما ريماوي
    عضو الملتقى
    • 07-05-2011
    • 8501

    #2
    جميل هذا النص المكتوب بالأجواء... بالقلم وعلى الورق.
    تمتعت مع طريدتك ومفترسها.. من الصعب طبعا تحويل
    العلاقات النتية السايبيرية إلى واقعية...


    شكرا لك، تحيتي وتقديري.


    أنين ناي
    يبث الحنين لأصله
    غصن مورّق صغير.

    تعليق

    • عائده محمد نادر
      عضو الملتقى
      • 18-10-2008
      • 12843

      #3
      الزميل القدير
      محمد الرزوق
      نص ربما مال للفنتازيا الواقعيه
      كانت أجواء الأحداث مسيطرة عليه ولهذا شابته تلك الرؤيا الفنتازيه أو هكذا رأيته
      جاءت ومضة النهاية ملائمة تماما للحدث ووجدتها مركز النص
      منذ زمن لم أقرأ لك
      تحياتي لك
      الشمس شمسي والعراق عراقي ..ماغير الدخلاء من أخلاقي .. الشمس شمسي والعراق عراق

      تعليق

      • محمد الزروق
        تلميذكم المحب
        • 10-10-2007
        • 877

        #4
        المشاركة الأصلية بواسطة ريما ريماوي مشاهدة المشاركة
        جميل هذا النص المكتوب بالأجواء... بالقلم وعلى الورق.
        تمتعت مع طريدتك ومفترسها.. من الصعب طبعا تحويل
        العلاقات النتية السايبيرية إلى واقعية...


        شكرا لك، تحيتي وتقديري.
        الفاضلة ريما :
        أشكر مرورك.. وسعيد بأن راقك النص.. دمت بود..

        ربما ننفق كل العمر كي ننقب ثغرة
        ليمر النور للأجيال مرة.

        تعليق

        • محمد الزروق
          تلميذكم المحب
          • 10-10-2007
          • 877

          #5
          المشاركة الأصلية بواسطة عائده محمد نادر مشاهدة المشاركة
          الزميل القدير
          محمد الرزوق
          نص ربما مال للفنتازيا الواقعيه
          كانت أجواء الأحداث مسيطرة عليه ولهذا شابته تلك الرؤيا الفنتازيه أو هكذا رأيته
          جاءت ومضة النهاية ملائمة تماما للحدث ووجدتها مركز النص
          منذ زمن لم أقرأ لك
          تحياتي لك
          الفاضلة عائدة:
          السرد الذاتي تشبع ببعض الرؤى الفنتازية كما رأيت تماماً..
          شكراً لك.. وعذرا لتأخر ردي..

          ربما ننفق كل العمر كي ننقب ثغرة
          ليمر النور للأجيال مرة.

          تعليق

          يعمل...
          X