مولد سيدى تامر

تقليص
X
 
  • تصفية - فلترة
  • الوقت
  • عرض
إلغاء تحديد الكل
مشاركات جديدة
  • عبدالحميد ناصف
    أديب وكاتب
    • 05-02-2013
    • 146

    مولد سيدى تامر

    دلفت من باب منزلها إلى فناءه الواسع الذي يطل على الطريق.
    جالت بعينين ضيقتين جنبات فناء منزلها تطمئن على طيورها وأولادها في هذا الصباح المشرق.
    أحدهم منشغل بحقل صغير زرعه.
    وأخر يدير طلمبة المياه لريه .

    وأخر يبنى بيوت من الرمال.وأخر تجتمع حوله طيور المنزل في ثورة أشبه بثورة الجياع
    تكاد تفتك بما فى يده من قطعة خبز يسد بها جوعه .....

    تسمرت عيناها على كومة من الرمال في ركن الفناء ترتفع فوقها راية خضراء.
    هالها ما تناثر منها بفعل إوزها وبطها الذي فك أسره من محبسه طفلها الصغير

    .انطلقت مسرعة إليها ..جلست تلملم الرمل المتناثر وتعيد ترتيبها وتعدل من وضع الراية
    وهى تبكى.. تنتحب..تربت على الكومة بحنان.. تحتضنها..ترتمى فوقها وتبكى ... تولول تصرخ.. تنوح....تااااااامر.. .
    ينطلق ابنها مسرعا هادما ما بناه من بيوت صغيرة إلى والده. بحقله الواقع خلف المنزل. .. .
    .أتى زوجها مسرعا يتمتم بكلمات غير مفهومة.... أوقفها...أخذها من تحت ذراعها

    خائرة القوى مترنحة. تهذي بكلمات اعتاد عليها..دلف بها إلى داخل المنزل
    وورائهم أطفالهم يراقبون مشهد يتكرر كثيرا..أجلسها في صحن المنزل وجلس قبالتها
    واضعا رأسه الصغير بين كفيه ..ناظرا لها بعينين غائرتين..يستعطفها
    أن تكف عن النواح من أجل أطفالها....سألبى طلبك..سأحقق رؤاك...تامر كان غالى.
    لكن الحي أبقى من....وقبل أن يكمل كلمته كانت قد انتفضت من مجلسها وأغلقت فاه...
    فقد تذكرت ما حدث لهم يوم قال كلمته هذه . وهو أيضا لا ينسى .....
    آتت النيران على محصوله الذي كان يستعد لحصاده ..
    وجارهم كثير الاستهذاء بهم

    كلما مروا عليه قال مدد يا سيدى تامر.طريح الفراش بعد ان داهمته سياره أصبح بعدها عاجزا عن الحركه..
    جار أخر مقرب منهم.يحادثها بلين.... هل هذا الصغير ولى من اولياء الله؟ انه لم يصل لسن التكليف.
    ولم تفهم معنى الكلمة.لكنه بادرها قائلا تامر فى الجنه ونعيمها
    ولن يفيده ما تقومى به حرام عليكى زوجك وأولادك أن يعيشوا فى هذا الهم ليل نهار. تامر قابل رب كريم .
    وأنتى بماتريدى فعله تقدمى على فعل شىء حرام...أبناءك أولى بما ستنفقيه فى هذا البناء.....
    كلمات هذا الجار كثيرا ما تستحضرها ذاكرتها.خصوصا الحرام.

    ها هى الكلمات تحاصرها الأن..وهى تنظر الى الجسد النحيل المستند الى الحائط من شدة التعب والوهن
    .يجول بعينين تائهتين بين أبناءه ولا يعرف ماذا يفعل..ألم فراق ابنه مازال يملاء صدره .كما هو جذوة مشتعلة فى صدر زوجته.
    لكنه مؤمن بقضاء ربه. ......

    .انتفضت واقفة ....مدت يدها متناولة طرحتها السوداء.. لفت بها وجهها وكتفاها...
    انطلقت وفى يدها ابنها الصغير تاركتا زوجها واولادها فى شرودهم...
    تسرع من خطاها وتعود الذاكرة الى الوراء. ...
    كانت طفلة ترسلها امها الى السوق لتبيع اول افراخها لتشترى بثمنه شموع
    وفى المساء تصحبها امها الى مقام سيدى حمدان.لتضيئه وفاء لنذر نذرته.. .
    وحين كانت تذهب قبل الغروب لتضع حبل جاموستهم داخل هذا المقام..وتغدو مبكرة لاحضاره وذلك لان لبنها قد قل ادراره......

    .ليلة المولد التى كانت تنتظرها كل عام.....تطرح مخزون ذاكرتها جانبا
    وتقفز صورة مقام ابنها تامر كما شيدته فى خيالها...وليلة المولد كما تخيلتها............



    تقترب من المسجد المجاور لمقام سيدى حمدان...
    .شيخ مسن يجلس بجوار حائط المسجد ممسكا بكتاب ذى اوراق صفراء بالية
    .مقربه من عينيه مستغرقا فى قراءته..احس وجودها.
    تحسس بيده قطعة خشبيه وضعها وسط كتابه ونحاه جانبا انتصت لها مقربا اذنه منها.....
    وبعد ان انتهت من حكايتها .
    ابتسم قائلا .
    .ولما لا يا أم تامر ابنك كان صالح.كان لا يفوته فرض
    وكان يحفظ اجزاء من القرأن.ويكون بالبلدة اثنان من الأولياء...
    وهنا تدخل الجالس الى جواره فى الحديث وهو شاب نحيل فى العشرينات من العمر
    .بعد أن تجهم وجهه وعقد حاجبيه انتفض قائلا...
    هذا حرام يا سيدنا .
    .التفت الشيخ للشاب مستنكرا ما يقول ناهرا اياه بقوله له
    وما الحرمة فى ذلك انهم اولياء الله. الا نجلهم ونعظمهم.
    .ان كل اصحاب الديانات يجلون قديسيهم ..
    اليهود يقيمون المعابد باسماء حاخاماتهم
    والمسيحيون يقيمون الاديرة باسماء رهبانهم .
    بل ان اصحاب الاديان غير السماويه كانوا يقيمون معابدهم باسماء قديسهم
    مثل البوذيون وقدماء المصريين.وما شيدوا من اهرامات .
    وتاتى أنت لتستكثر على المسلمين أن يخلدوا ذكرا أولياءهم
    وأن يكون بقريتنا اثنان من الأولياء نطلب منهم المدد.
    ان أكثر القرى بها مقامان او ثلاثة
    وهنا انبرى الشاب قائلا .
    ان الانسان ليس بينه وبين الله حجاب يستطيع ان يتوجه اليه بالدعاء
    ويتقرب اليه بالعمل الصالح ولا يحتاج الى وسيط او مدد من أحد....
    ان بناء هذه المقامات عودة الى الوثنية.وأنت تقول أن الفراعنة كانوا يقيمون المعابد.
    انهم كانو ا مشركين يقيمون المعابد للالهه فذاك اله الشمس وهذا اله البحر وهكذا.
    بل ان الفرعون كان يقول أنا ربكم الاعظم
    .وفى الجاهلية كان الكفار يعلمون ان الله موجود كما ورد بالاية الكريمة
    (ولئن سألتهم من خلق السماوات والارض ليقولن الله)
    ومع هذا كانوا يقيمون الأله ويعظمونها كاللات والعزى وهبل وغيرها
    وهذا لم يقره الاسلام. .....
    يجب عليك يا سيدنا ان تنصحها بان تعلم أولادها الدين الصحيح
    ولا تألوا جهدا فى جعلهم شباب مسلم قوى صالح متعلم ينفع الاسلام والمسلمين
    بدلا من ان تفعل شى ء يستنزف ما ينتجه زوجها ولايعود بالنفع على اسرتها
    كل هذا الجدل .. وأم تامر جالسة فاغرة فاها محركتا عينيها الضيقتين بين هذا وذاك
    ولا تعى مما يقولا الا القليل
    .والشيخ ينصت باهتمام لحديث الشاب ولا يعلق بل تراجع الى الوراء
    وأسند رأسه على الحائط ..رامقا هذا الشاب بنظرة اعجاب بحجته .
    .فقد صوب موروثات خاطئة فى ذهنه
    وثبت نظراته على وجه الشاب وسكت عن الكلام تماما
    .بيد انه بدأ يتساءل بينه وبين نفسه..وما هذا الذى يقيمون بدءا من الفراعنة وحتى الان.
    هل هى غريزة فى البشر. ....
    هل يريدون تخليد اعزاء لهم باقامة هذه الابنية..
    كلها ابنية وان اختلفت المسميات
    أخرجه من صمته صوت السيدة وهى تقول له بشكل قاطع .
    هل ارتكب حرمانية لو بنت مقام لابنى
    وهنا قال الشيخ بشىء من الثقة ..
    .اذهبى يا ام تامر
    اقضى حاجتك أبناءك أولا...
    .. علميهم .أطعميهم .ألبسيهم ربيهم تربية حسنه أولا
    وما يتبقى بعد كل هذا ابنى به ما شئتى .
    حققى رؤياكى . ولا يهم ان يستمر البناء اعوام..
    المهم ما يحتاجه اولادك اولا .. وبعد افعلى ما شئتى..
    رجعت ام تامرالى بيتها تنظر الى ابنها الصغير.... وتقلب كل ما سمعت فى رأسها..
    الا أن ليلة مولد سيدى تامر كما صورتها فى خيالها ماثلة أمام عينيها .
    لكنها نظرت لابنها القابض بيده الصغيرة على يدها هالها مظهره.
    جلباب ممزق وسخ.حافى القدمين اثر جروح لم تلتئم .وجه شاحب متسخ.
    عينان مأو للذباب....كأنها تراه لاول مرة.....
    مالت الى مجرى مائى لتأخذ بيدها ماء لتمسح وجه ابناها
    ومالت بعض الشىء لكلمات سيدنا ....
    .ولما لا انه المرجع لكل أهل القرية .وهو رأى اراحها بعض الشىء
    .فهو لم يحرم ما تنوى فعله لكنه يؤجله الى حين ....ولا ترتكب فعل شىء حرام شىء
    وقفت أمام الراية المرفرفة على الكومة.
    وفى عينيها اصرارعلى أن تشيد المقام....
    بيد انها تحادثها فكت أسر يد ابنها ليعاود لعبه .الا انها تابعته بعينيها .
    .وتنطلق الى زوجها...لأول مرة تذهب الى حقلهم منذ وفاة ابنها



    ويمر عام وترى الراية مائلة وقد تداخل مع لونها الاخضر لون ترابى أغبر .
    وتناثرت رمال الكومة بفعل طيور المنزل والتى زاد عددها ..
    .كما شوهد بضع يسيرمن مواد البناء لا تكفى لرفع المقام اكثر من متر واحد....
    بيد أن هذا كل ما ادخرته بعد قضاء حاجات أولادها ولا يرى أى اثر لمن كانوا يلعبون .
    .فجميعهم يعملون اما مع أبيهم أومع جار لهم فى أرضه نظير أجر تتقاضاه عنهم أمهم .
    وبدت أم تامر وهى تنظر الى الراية ولا تراها.وتضيق عينيها بفعل ابتسامة لاتكشف عن اسنانها.
    .بيد انها ترى الان ابنها تامر يلهو ويلعب بين اخواته



    وتمر أعوام ولا يرى اى اثر لكومة الرمال ولا تلك الراية فى فناء المنزل...
    .وقل عدد الطيور..وام تامر تلف وسطها بذيل جلبابها
    وتحمل فأس زوجها على كتفها .ويبدها حبل جاموستها.متجهتا الى حقلها
    ترى....هل خمدت نار تلك الجذوة المشتعلة فى صدرها على فراق ولدها....
    ام جرفتها متاعب الحياة و كثرت مطالب الأبناء....؟؟


  • نادية البريني
    أديب وكاتب
    • 20-09-2009
    • 2644

    #2
    أخي عبد الحميد
    مرحبا بك في هذا الفضاء الثقافي الذي يصقل مواهبنا ويجعل نصوصنا تحت مجهر النّقد البّناء
    طرحت قضيّة في غاية الأهميّة وهي قضيّة الأولياء الصّالحين سيّما وأنّها ألقت بظلالها على واقع ما بعد الثورة في تونس مثلا. وولّدت صراعات أخذت أشكالا مختلفة.
    تعاملت مع المسألة بوعي وصغتها في ثوب قصصي لا يخلو من جهد وجمال إلا أنّك وقعت في ثنايا القصة في الخطاب التقريري- أساسا في كلام الشاب الذي واجه الشيخ- وهذا يربك العمل.
    اللغة متينة لكنّها لا تخلو من بعض الأخطاء.
    كلّنا على الدّرب وكلّنا نحتاج إلى النّقد ..هذا الفضاء قدّم لي الكثير وجوّد قلمي ومازال يقدّم...
    تقّبل تحيّاتي أخي الكريم

    تعليق

    • ميساء عباس
      رئيس ملتقى القصة
      • 21-09-2009
      • 4186

      #3
      مرحبا وأهلا بك
      أديبنا الراقي عبد الحميد

      قصة جميلة ممتعة
      وعي وثقافة وطرح أفكار هامة مازلت تنام بيننا
      الكثير من الجمال فيها
      والخاتمة كما البداية كانت محكمة بجمال
      القصة رائعة جدا
      تستحق منك أن تنسقها بأكثر حرفية
      كالمياشرة احيانا تطعن الروح القصصية
      وتجعلنا نخرج من تقمصنا لحال القصة
      بوركت ودمت بألق
      بارك الله بك وبحرفك المميز كروحك
      ننتظر بشغف جديدك ومشاركتك الأدباء والأديبات
      كل التقدير
      ميساء العباس
      مخالب النور .. بصوتي .. محبتي
      https://www.youtube.com/watch?v=5AbW...ature=youtu.be

      تعليق

      • عائده محمد نادر
        عضو الملتقى
        • 18-10-2008
        • 12843

        #4
        الزميل القدير
        عبد الحميد ناصف
        أهلا وسهلا بك بيننا
        واضح جدا أنك تمتلك خامة جيدة من الخيال الرحب وملكة واضحة
        لكن
        أخذك النص وتزاحمت الأفكار حتى توجهت بك إلى ( التقريرية ) والحكي دون السرد الأدبي
        روح النص رائعة خاصة أنها تأتي على موضوعة مهمة ألا وهي فقدان أحد الأبناء
        أطلت النص وكان التكثيف أولى حيث يعطيك الجمالية
        لكني صدقا أحببت النص ووجع الأم
        هناك أخطاء كثيرة وأتصور أن مراجعة منك ستفي بالغرض التصحيحي
        أرجوك زميلي عد لنصك وتابعه واحذف الفائض منه
        أتمنى عليك أن لا تزعجك ملاحظاتي
        تحياتي لك وهلا وغلا ننتظر منك الجديد والقراءة لغيرك كي تفيد وتستفيد
        الشمس شمسي والعراق عراقي ..ماغير الدخلاء من أخلاقي .. الشمس شمسي والعراق عراق

        تعليق

        • عبدالحميد ناصف
          أديب وكاتب
          • 05-02-2013
          • 146

          #5
          الأستاذة ..عائده محمد نادر
          الأستاذة ...ميساء عباس
          الأستاذة...نادية البرينى
          عظيم امتنانى لتشريفكم موضوعى
          ولكلماتكن الراقية الرقيقة فى وصف القصة
          واتفق معكن تماما
          فى تزاحم الأفكار والتقريرية فى العمل
          وهى غير مستساغه حتى بالنسبة لى
          عموما هذا النص كتبته منذ سنوات طويلة

          وسأقوم ان شاء الله
          بمراجعته وحذف ما يقتضى حذفه
          وأخيرا تحياتى وتقديرى



          تعليق

          يعمل...
          X