موتٌ بطيءٌ

تقليص
X
 
  • تصفية - فلترة
  • الوقت
  • عرض
إلغاء تحديد الكل
مشاركات جديدة
  • منتظر السوادي
    تلميذ
    • 23-12-2010
    • 732

    موتٌ بطيءٌ

    [align=justify]
    موتٌ بطيء
    إِلى روحِ صديقي منتصر فرهود كان يقولُ لي لا كلما أَخطأتُ ، والآن لا بديلَ أسمعُ منه كلمة لا
    وفاءً وتذكاراً لبسمتك المتجذرة في نهاراتي القاحلة ........
    طَرقٌ واهنٌ على البابِ الخشبيّ ، يغردُ البلبلُ مرحبَاً ومنبهاً ، أَسمعُ صوته " هيا .. تأَخرنا ، دخلُوا ونحنُ هنا .. هيا " ، أَرفعُ اللوحَ وأرى بسمةً متربعةً في وجهِهِ ، وشعاعُ الشمسِ الهاربُ من ثقوبِ الغيمِ يمتزجُ مع نصاعتِها .
    ببطءٍ خَجلى تلامسُ أقدامُنَا دربَ المدرسةِ ، يتوغلُ من ثقوبِ النعلِ طينٌ ، ليبني أعشاشاً بينَ الأصابعِ البنفسجيةِ ، تنكمشُ أَناملُ الروحِ وتلملمُ أَطرافَها ، وتصطكُّ الأسنانُ الحادّةُ على عزفِ أَشباحِ الشتاءِ . يكتملُ المشهدُ صراعٌ مريعٌ حيث سياطٌ رفيعةٌ تتلظى تحتَهَا الأمعاءِ ، والعيونُ - الرمدُ مُستوطنٌ في أطرافِها - زائغةٌ هنا وهناك ، الأنفُ يتابعُ منبعَ الروائحِ علَّ قلباً ودوداً يُريحُهَا .
    نجلسُ على مقعدٍ خشبِيٍّ ، البرودةُ عابسةٌ تفترشُ غيمةً داكنةً ، رائحةُ الخوفِ سيدةُ المكانِ ، ترتجفُ أَرواحُنا ، لا شيء يمنعُها الدخولَ ، نجلسُ أَمامَ معلمِنا ينحتُ أشكالاً هندسيَّةً ، لا يشبهُها في أَفكارِنا سوى خبزٍ مفقودٍ خلفَ أسوارٍ مُحكمةٍ لا لون يميزُها ، والدمعةُ تتأرجحُ في الجفونِ الواهنةِ .
    انسلَ منتقماً من تلك الأَيامِ راحلاً إِلى بغدادَ ، يخلعُ أثوابَ الماضي ، ويحطمُ أَوثانَ الجوعِ بمعولِ الصَّبرِ والجدِّ ، يغمرُ روحَه بدخانِ الشواءِ الذي كنّا نحلمُ به ، بل كانَ أُمنيةً مستحيلةً . يُمرّرُ النسيانُ طرفاً من اللحظاتِ على تفكيرِه ، تغفلُ الذكرياتُ هُنيئةً ، فتشرق بسمةٌ ثكلى في وجهِه ، تتفتّحُ شفتاه الذابلتانِ ، وتَختفي وراءهما مرارةُ أَلمٍ عتيقٍ ، ما تلبثُ حتَّى تتذكرَ حكاياتِ طفولتِها اليتيمةِ ، فتغمضُ كـــــزهرةِ الصباحِ إشراقها .
    قبل أنْ يهدأَ الكونُ ، ويملأُ الأُفقَ صمتُ السحرِ ، يودِّعُ أُمَّه والليلُ يضاجعُ هدأته ، يتكسرُ السكونُ بدموعٍ تمتزِجُ بكلماتٍ هادئةٍ يخامرُها النعاسُ ، ويلفُّها قلقُ الخوفِ ، متعوذة من أخطارِ الاغترابِ ، وآفاتِ الطرقِ ، وعواء العوادي . تتساقطُ الدعواتُ قبلَ قطراتِ الماءِ لترشَّ دربَه ، خطواتُه كأَنَّها شظايا تمزقُ أُمومةَ قلبِهَا ، وعيناها شاخصتانِ حَتَّى يتوارى .
    يعودُ بعدَ أنْ يستبدَ الصراعُ داخلَ أجوافِهم ، ويتسلطَ عليهم جوعٌ لا يعرفُ الرحمةَ ، يمكثُ بينهم ملاكاً بَاسم اللفظ ، مرتخي اليد ، مصغياً إِلى تنهداتِهم . عندما يقتربُ من قريتِه يشمُّ الكلبُ ريحَه ، يستقبلُه على القنطرةِ التي تبعدُ مسافةً عن البيتِ ، ويمرغُ وجهه برجليه ، ويسبقُه خطواتٍ ثم يلتفُ حوله ، يهرولانِ سوية خطوات ، يتعلقُ برجليه ، ويتقافزُ إِلى وجهه ، مرحباً بأَميرِ السلامِ على حجرةِ الأكفاء .
    سيوفُ الزمنِ تشطرُ الخرائطَ ، تجعلُ في الشَّمالِ النبضَ وفي الجنوبِ القلب . يخاطبُ صاحبَه ويداه تعملانِ بحنكةٍ ودقةٍ : " سأَتزوجُها ، فقد أَعدّدتُ في عودتي الماضية الأبواب والشبابيك ، جهزتُ أدواتِ البناء "
    - متى ستعود ... ؟ هذا الشهر !
    - أريد أَنْ أجمعَ مبلغاً يروي عطشَ البيتِ ، ويسكت أَفواه الحوائج .
    - لننتظر الربيعَ ، ونغرّد مع الطيرِ ساعة الوصولِ ، ونحتفل بخطوبتِك .
    - يحكُّ رأسَه " أنا اشتقتُ إليهما ... "
    - من ؟ .. حبيبتك ؟
    - عندما أَقتربُ من الحاجزِ القصبيِّ ، وأصيحُ أُماه ، اللهفةُ تحملُها إِلى صوتِي ، بلاوعي حافية تفتحُ البابَ، فكيفَ لا نبكي وهي تعانقني ! ، يقاطعُه " أنتَ أَمل أحلامها والسامع صيحات جوعها ، وتريدك أن تحملَ نعشَها " يتنهدُ ... ويسحبُ نفساً ثقيلاً من أَعماقِ الروحِ ، يناديه صاحبُ المطعمِ : " اعمل بسرعة يا ولد " .
    - آآآهٍ متَّى ينتهي هذا الزمنُ ؟ .. .. بعدما تعانقُني نجلسُ تحتَ النخلةِ ، وأُكفكفُ دموعَهَا ، وتحضنني ، بحشرجتِها وكلماتِها المتكسرةِ تمزقُ الكبدَ ، في همسِهَا " لقد تأَخرتَ كثيراً ، أنتَ وحدكَ حديثي وقنديل بيتي ، لمَ تترك الظلامَ يرسو على نظري ؟ .. أَتَسْتَلذَ في ليالٍ طوالٍ وأنا أَتأَملُ الدربَ ؟! ، أنصتُ إِلى صياحِ الإوزِ ، أَفتحُ القصبَ بيدي عساك يا مطرُ على فلواتِ الفؤادِ خلفَ الصيحاتِ ، تهوي آمالي بسكونِ الأَصواتِ ، كُلّ ليلةٍ تتشبثُ عيناي ، وأُذني ويداي ، متربصة قدومك يا فجرَ الأَحلامِ ، حتَّى يأتيَ فجرٌ جديدٌ ، ولم تأَتِ " .
    اهمس لها أُماه الحبيبة إِني معكِ ، كفى بكاءً ، روحِي كُلَّ ليلةٍ تقدمُ متعبةً إليك فتناغينها ، صوتُكِ الشجيُّ يتلاشى في مسمعي لحناً ونشيداً قُدْسياً ، به يا أُماه أَعودُ طفلاً ، وتغفو روحي في مهدِها الملائكيِّ ، بعد أَن آخذَ جرعةً من القبلاتِ لصورتِكِ وأَضعها بلسماً على آهاتِ صدري ، أنسى متاعبي ، ويستفيقُ الشوقُ ويصبرني طيفٌ بقربِ اللقاءِ . ثم أخرجُ ما معي وأعطيها ، لكن يعلو بكاؤها :-
    " لا أريدُ شيئاً سوى أَنت سالماً وقريباً مني .. لا أَحبُّ الاغتراب " ، كم اشتقتُ إليها .. .. يخفي دموعَه بضحكةٍ كاذبةٍ لا يعرفُها سوى القلائلِ .

    - ابتسمَ صاحبُه ابتسامةً خفيفةً " الأم لا تعوض ، هكذا تعلمنا ، لكن لِمَ تخفي حديثَ الهوى " ؟
    - " هناك على الشاطئِ نلتقي ونلهو ... حمامتي هي نهرُ الحورِ ومنه يملأُ الجمالُ كأسَه ، ومنه يغترفُ الصفاءُ بهاءَه ، ومنه النَّدى يُخلَقُ ، هي عقدُ مرجانٍ لكن من أَيِّ بحرٍ ! هي قلادةٌ في جيدِ الربيعِ ، هي عطرُ أَزهارِه ، وعقدُها بدرُه ، من صوتِها يترنمُ البلبلُ ، ويثملُ العشقُ ، لا أُريدُ أَحداً يسمعُه " .
    تُدخلُ الأُمُّ الإِوزَةَ إِلى بيتِها ، يرنُّ الهاتفُ على غيرِ عادته ، يرتجفُ البيتُ كأَنَّ شيئاً وراءَ المكالمة
    - ( الو ) .. ( الو ) ..ما الأَمـــ ـــ ــــ ـــــ ـــ ر ؟
    - بكاء ونشيج .. يتعالى نحيب .. أوساط يعلوها ضجيج .. انفجار انتحاري .. فَقَدَ ساقه ... والآن ينزف في المشفى ، يسقطُ الهاتفُ ....
    وخلفه تسقطُ راياتُ الأَحلامِ ، وتتلاشى شموسُ اللذَّةِ ، وتهوي صروحُ الآمالِ .
    تركتْ أُمُّه لذيذَ الهناءِ ، وفارقَها طعمُ هدوءِ النومِ ، تمزجُ صمتَ الأُفقِ في موالٍ يقرِحُ القلوبَ ، ويدمي يابساتِ الجفونِ . تئنُ إن ضنَّ عليها الصوتُ ، ابيضتْ عيناها . تلك المواويلُ أبكتِ الحمامةَ ، تقفُ عندَ شجرةِ الجيرانِ وتصغي لأُمِّه ، تبكي .. يأتي إِليها الأطفالُ بعدَ أن فَقَدتِ السيطرةَ على خنقِ النحيبِ ، ما بكِ يا طوقَ الجمالِ ؟ يجيبُهم دمعُهَا ...
    يتراكضونَ إِلى تلكَ المرأةِ الكفيفة ، ويغمرُهم النغمُ الشجيُّ فيتذاكرونَ قدومَه ، وهو يُأرجُحُهم في الهواءِ ويطعمُهم بيده الحلوى ، فيختنقُ الحيُّ بدويٍّ وأَنين .
    أختبئُ خلفَ القصبِ لأَروي أَغصانَ الروحِ من الدموعِ وفاءً له ، لا أتحملُ أَنْ أرى أُمَّه رثّةَ الحالِ . تنسجُ من نحيبِها كفناً لابنِهَا الذي تناثرتْ دماؤه وامتزجَتْ في سماءِ الوطنِ دونَ أن تسمعَه ، وتصنعُ من دموعِهَا مرآةً وتنظرُ إليه بين الآخرينَ يتمشى تحتَ ظلالِ النخيلِ وهو ينشدُ ( الأَبوذية ) ، صوتُه يختلطُ مع موالِها ويزدادُ الشحوبُ ، وتمتزجُ الآهةُ بشهقاتٍ مميتةٍ ، لا شيء تأمُلُه سوى أن تَلحَقَ به .
    كلّما يمرُّ بي طيفُه ، أخرجُ وأصغي لها حَتَّى أُلقي بهمومٍ و طاقاتٍ من الأَسى ، وأشاركَ أُمَّه التي تغرسُ في الحياةِ شجرةَ الدمعِ ، وتومئُ لقافلةِ الرحيلِ لتُقلَهَا حيث يقطنُ الحبيبُ ، وفاءً لأَيامٍ تصرمت .... إِنَّه صَدَقَ في نبوءتِه الأخيرةِ ، أُمُّه فقدتْ بصرَها دونَ أنْ تُؤخذَ لطبيبٍ .
    التقيتُ صاحبَه ، وسألتُه " ما آخر ما قاله لك " ؟ .
    - " وأنا أَحملُه فِي ممراتِ المشفى ، الجدرانُ تعصرُني ، وتصطدمُ بي الأبوابُ ، السقفُ يسمَّرُني إِلى الأَرضِ ، ترتعشُ رجلاي ، أجمعُ قواي وأَشدُّ رباطَ جأشي ، أَنصتُ إِلى همسِه المتساقطِ : " أُمّي من يحملها إِلى .. المشفى ... أَنا محظوظ .... عمي ماتَ دون أَن تراه جدرانُ الــــــــــــــــــــ ـمـ شفى ..... "

    منتظر السَّوُّادي 7 / 2 / 2012 م

    [/align]
    التعديل الأخير تم بواسطة منتظر السوادي; الساعة 23-02-2013, 16:42.
    الدمع أصدق أنباء من الضحك
  • عائده محمد نادر
    عضو الملتقى
    • 18-10-2008
    • 12843

    #2
    الزميل القدير
    منتظر السوادي
    نص بوجع الوطن كله
    كنت أتوجع كل لحظة هاهنا وأنا أراه
    نص كتب من رحم المعناة فأزهر شجنا لا يخفى على قاريء
    دمع مر بمرارة الأيام وسوادها
    يد الإرهاب لادين لها
    كم كنت متمكنا من النص منتظر حتى أني كدت ألمس الحروف لشدة وقعها على روحي
    تحياتي ومحبتي وشتائل جوري لروحك والوفاء
    الشمس شمسي والعراق عراقي ..ماغير الدخلاء من أخلاقي .. الشمس شمسي والعراق عراق

    تعليق

    • منتظر السوادي
      تلميذ
      • 23-12-2010
      • 732

      #3
      المشاركة الأصلية بواسطة عائده محمد نادر مشاهدة المشاركة
      الزميل القدير
      منتظر السوادي
      نص بوجع الوطن كله
      كنت أتوجع كل لحظة هاهنا وأنا أراه
      نص كتب من رحم المعناة فأزهر شجنا لا يخفى على قاريء
      دمع مر بمرارة الأيام وسوادها
      يد الإرهاب لادين لها
      كم كنت متمكنا من النص منتظر حتى أني كدت ألمس الحروف لشدة وقعها على روحي
      تحياتي ومحبتي وشتائل جوري لروحك والوفاء
      شكرا لمرورك أستاذتي الكريمة

      بارك الله فيك

      هي أوجاعنا نحولها إلى كلمات


      لك التحية
      الدمع أصدق أنباء من الضحك

      تعليق

      • حسن لختام
        أديب وكاتب
        • 26-08-2011
        • 2603

        #4
        ياالله..على هذا النص الموجع والمتقن..بناءا دراميا، وأسلوبا سرديا ولغة شاعرية في الحكي. نص كُتب بروحانية وجاذبية...نص رائع مؤلم بروائح الموت البطىء، أمسكني من رقبتي،و لم يتركني حتى آخر كلمة..فوجدت نفسي في حالة حزينة، وألم شديد يعصر قلبي، ويخنق أنفاسي. امتزجت متعة القراءة بالأحداث المسرودة والمؤلمة التي جاءت في النص..عندما يُكتب النص بصدق، حتما يترك تأثيره العميق على المتلقي..اشكرك على هذا الإبداع القوي، الذي ترك تاثيرا قويا في النفس
        مودتي وتقديري، أخي المبدع الرائع منتظر السوادي

        تعليق

        يعمل...
        X