[align=justify]
ببطءٍ خَجلى تلامسُ أقدامُنَا دربَ المدرسةِ ، يتوغلُ من ثقوبِ النعلِ طينٌ ، ليبني أعشاشاً بينَ الأصابعِ البنفسجيةِ ، تنكمشُ أَناملُ الروحِ وتلملمُ أَطرافَها ، وتصطكُّ الأسنانُ الحادّةُ على عزفِ أَشباحِ الشتاءِ . يكتملُ المشهدُ صراعٌ مريعٌ حيث سياطٌ رفيعةٌ تتلظى تحتَهَا الأمعاءِ ، والعيونُ - الرمدُ مُستوطنٌ في أطرافِها - زائغةٌ هنا وهناك ، الأنفُ يتابعُ منبعَ الروائحِ علَّ قلباً ودوداً يُريحُهَا .
نجلسُ على مقعدٍ خشبِيٍّ ، البرودةُ عابسةٌ تفترشُ غيمةً داكنةً ، رائحةُ الخوفِ سيدةُ المكانِ ، ترتجفُ أَرواحُنا ، لا شيء يمنعُها الدخولَ ، نجلسُ أَمامَ معلمِنا ينحتُ أشكالاً هندسيَّةً ، لا يشبهُها في أَفكارِنا سوى خبزٍ مفقودٍ خلفَ أسوارٍ مُحكمةٍ لا لون يميزُها ، والدمعةُ تتأرجحُ في الجفونِ الواهنةِ .
انسلَ منتقماً من تلك الأَيامِ راحلاً إِلى بغدادَ ، يخلعُ أثوابَ الماضي ، ويحطمُ أَوثانَ الجوعِ بمعولِ الصَّبرِ والجدِّ ، يغمرُ روحَه بدخانِ الشواءِ الذي كنّا نحلمُ به ، بل كانَ أُمنيةً مستحيلةً . يُمرّرُ النسيانُ طرفاً من اللحظاتِ على تفكيرِه ، تغفلُ الذكرياتُ هُنيئةً ، فتشرق بسمةٌ ثكلى في وجهِه ، تتفتّحُ شفتاه الذابلتانِ ، وتَختفي وراءهما مرارةُ أَلمٍ عتيقٍ ، ما تلبثُ حتَّى تتذكرَ حكاياتِ طفولتِها اليتيمةِ ، فتغمضُ كـــــزهرةِ الصباحِ إشراقها .
قبل أنْ يهدأَ الكونُ ، ويملأُ الأُفقَ صمتُ السحرِ ، يودِّعُ أُمَّه والليلُ يضاجعُ هدأته ، يتكسرُ السكونُ بدموعٍ تمتزِجُ بكلماتٍ هادئةٍ يخامرُها النعاسُ ، ويلفُّها قلقُ الخوفِ ، متعوذة من أخطارِ الاغترابِ ، وآفاتِ الطرقِ ، وعواء العوادي . تتساقطُ الدعواتُ قبلَ قطراتِ الماءِ لترشَّ دربَه ، خطواتُه كأَنَّها شظايا تمزقُ أُمومةَ قلبِهَا ، وعيناها شاخصتانِ حَتَّى يتوارى .
يعودُ بعدَ أنْ يستبدَ الصراعُ داخلَ أجوافِهم ، ويتسلطَ عليهم جوعٌ لا يعرفُ الرحمةَ ، يمكثُ بينهم ملاكاً بَاسم اللفظ ، مرتخي اليد ، مصغياً إِلى تنهداتِهم . عندما يقتربُ من قريتِه يشمُّ الكلبُ ريحَه ، يستقبلُه على القنطرةِ التي تبعدُ مسافةً عن البيتِ ، ويمرغُ وجهه برجليه ، ويسبقُه خطواتٍ ثم يلتفُ حوله ، يهرولانِ سوية خطوات ، يتعلقُ برجليه ، ويتقافزُ إِلى وجهه ، مرحباً بأَميرِ السلامِ على حجرةِ الأكفاء .
سيوفُ الزمنِ تشطرُ الخرائطَ ، تجعلُ في الشَّمالِ النبضَ وفي الجنوبِ القلب . يخاطبُ صاحبَه ويداه تعملانِ بحنكةٍ ودقةٍ : " سأَتزوجُها ، فقد أَعدّدتُ في عودتي الماضية الأبواب والشبابيك ، جهزتُ أدواتِ البناء "
- متى ستعود ... ؟ هذا الشهر !
- أريد أَنْ أجمعَ مبلغاً يروي عطشَ البيتِ ، ويسكت أَفواه الحوائج .
- لننتظر الربيعَ ، ونغرّد مع الطيرِ ساعة الوصولِ ، ونحتفل بخطوبتِك .
- يحكُّ رأسَه " أنا اشتقتُ إليهما ... "
- من ؟ .. حبيبتك ؟
- عندما أَقتربُ من الحاجزِ القصبيِّ ، وأصيحُ أُماه ، اللهفةُ تحملُها إِلى صوتِي ، بلاوعي حافية تفتحُ البابَ، فكيفَ لا نبكي وهي تعانقني ! ، يقاطعُه " أنتَ أَمل أحلامها والسامع صيحات جوعها ، وتريدك أن تحملَ نعشَها " يتنهدُ ... ويسحبُ نفساً ثقيلاً من أَعماقِ الروحِ ، يناديه صاحبُ المطعمِ : " اعمل بسرعة يا ولد " .
- آآآهٍ متَّى ينتهي هذا الزمنُ ؟ .. .. بعدما تعانقُني نجلسُ تحتَ النخلةِ ، وأُكفكفُ دموعَهَا ، وتحضنني ، بحشرجتِها وكلماتِها المتكسرةِ تمزقُ الكبدَ ، في همسِهَا " لقد تأَخرتَ كثيراً ، أنتَ وحدكَ حديثي وقنديل بيتي ، لمَ تترك الظلامَ يرسو على نظري ؟ .. أَتَسْتَلذَ في ليالٍ طوالٍ وأنا أَتأَملُ الدربَ ؟! ، أنصتُ إِلى صياحِ الإوزِ ، أَفتحُ القصبَ بيدي عساك يا مطرُ على فلواتِ الفؤادِ خلفَ الصيحاتِ ، تهوي آمالي بسكونِ الأَصواتِ ، كُلّ ليلةٍ تتشبثُ عيناي ، وأُذني ويداي ، متربصة قدومك يا فجرَ الأَحلامِ ، حتَّى يأتيَ فجرٌ جديدٌ ، ولم تأَتِ " .
اهمس لها أُماه الحبيبة إِني معكِ ، كفى بكاءً ، روحِي كُلَّ ليلةٍ تقدمُ متعبةً إليك فتناغينها ، صوتُكِ الشجيُّ يتلاشى في مسمعي لحناً ونشيداً قُدْسياً ، به يا أُماه أَعودُ طفلاً ، وتغفو روحي في مهدِها الملائكيِّ ، بعد أَن آخذَ جرعةً من القبلاتِ لصورتِكِ وأَضعها بلسماً على آهاتِ صدري ، أنسى متاعبي ، ويستفيقُ الشوقُ ويصبرني طيفٌ بقربِ اللقاءِ . ثم أخرجُ ما معي وأعطيها ، لكن يعلو بكاؤها :-
" لا أريدُ شيئاً سوى أَنت سالماً وقريباً مني .. لا أَحبُّ الاغتراب " ، كم اشتقتُ إليها .. .. يخفي دموعَه بضحكةٍ كاذبةٍ لا يعرفُها سوى القلائلِ .
- ابتسمَ صاحبُه ابتسامةً خفيفةً " الأم لا تعوض ، هكذا تعلمنا ، لكن لِمَ تخفي حديثَ الهوى " ؟
- " هناك على الشاطئِ نلتقي ونلهو ... حمامتي هي نهرُ الحورِ ومنه يملأُ الجمالُ كأسَه ، ومنه يغترفُ الصفاءُ بهاءَه ، ومنه النَّدى يُخلَقُ ، هي عقدُ مرجانٍ لكن من أَيِّ بحرٍ ! هي قلادةٌ في جيدِ الربيعِ ، هي عطرُ أَزهارِه ، وعقدُها بدرُه ، من صوتِها يترنمُ البلبلُ ، ويثملُ العشقُ ، لا أُريدُ أَحداً يسمعُه " .
تُدخلُ الأُمُّ الإِوزَةَ إِلى بيتِها ، يرنُّ الهاتفُ على غيرِ عادته ، يرتجفُ البيتُ كأَنَّ شيئاً وراءَ المكالمة
- ( الو ) .. ( الو ) ..ما الأَمـــ ـــ ــــ ـــــ ـــ ر ؟
- بكاء ونشيج .. يتعالى نحيب .. أوساط يعلوها ضجيج .. انفجار انتحاري .. فَقَدَ ساقه ... والآن ينزف في المشفى ، يسقطُ الهاتفُ ....
وخلفه تسقطُ راياتُ الأَحلامِ ، وتتلاشى شموسُ اللذَّةِ ، وتهوي صروحُ الآمالِ .
تركتْ أُمُّه لذيذَ الهناءِ ، وفارقَها طعمُ هدوءِ النومِ ، تمزجُ صمتَ الأُفقِ في موالٍ يقرِحُ القلوبَ ، ويدمي يابساتِ الجفونِ . تئنُ إن ضنَّ عليها الصوتُ ، ابيضتْ عيناها . تلك المواويلُ أبكتِ الحمامةَ ، تقفُ عندَ شجرةِ الجيرانِ وتصغي لأُمِّه ، تبكي .. يأتي إِليها الأطفالُ بعدَ أن فَقَدتِ السيطرةَ على خنقِ النحيبِ ، ما بكِ يا طوقَ الجمالِ ؟ يجيبُهم دمعُهَا ...
يتراكضونَ إِلى تلكَ المرأةِ الكفيفة ، ويغمرُهم النغمُ الشجيُّ فيتذاكرونَ قدومَه ، وهو يُأرجُحُهم في الهواءِ ويطعمُهم بيده الحلوى ، فيختنقُ الحيُّ بدويٍّ وأَنين .
أختبئُ خلفَ القصبِ لأَروي أَغصانَ الروحِ من الدموعِ وفاءً له ، لا أتحملُ أَنْ أرى أُمَّه رثّةَ الحالِ . تنسجُ من نحيبِها كفناً لابنِهَا الذي تناثرتْ دماؤه وامتزجَتْ في سماءِ الوطنِ دونَ أن تسمعَه ، وتصنعُ من دموعِهَا مرآةً وتنظرُ إليه بين الآخرينَ يتمشى تحتَ ظلالِ النخيلِ وهو ينشدُ ( الأَبوذية ) ، صوتُه يختلطُ مع موالِها ويزدادُ الشحوبُ ، وتمتزجُ الآهةُ بشهقاتٍ مميتةٍ ، لا شيء تأمُلُه سوى أن تَلحَقَ به .
كلّما يمرُّ بي طيفُه ، أخرجُ وأصغي لها حَتَّى أُلقي بهمومٍ و طاقاتٍ من الأَسى ، وأشاركَ أُمَّه التي تغرسُ في الحياةِ شجرةَ الدمعِ ، وتومئُ لقافلةِ الرحيلِ لتُقلَهَا حيث يقطنُ الحبيبُ ، وفاءً لأَيامٍ تصرمت .... إِنَّه صَدَقَ في نبوءتِه الأخيرةِ ، أُمُّه فقدتْ بصرَها دونَ أنْ تُؤخذَ لطبيبٍ .
التقيتُ صاحبَه ، وسألتُه " ما آخر ما قاله لك " ؟ .
- " وأنا أَحملُه فِي ممراتِ المشفى ، الجدرانُ تعصرُني ، وتصطدمُ بي الأبوابُ ، السقفُ يسمَّرُني إِلى الأَرضِ ، ترتعشُ رجلاي ، أجمعُ قواي وأَشدُّ رباطَ جأشي ، أَنصتُ إِلى همسِه المتساقطِ : " أُمّي من يحملها إِلى .. المشفى ... أَنا محظوظ .... عمي ماتَ دون أَن تراه جدرانُ الــــــــــــــــــــ ـمـ شفى ..... "
[/align]
موتٌ بطيء
إِلى روحِ صديقي منتصر فرهود كان يقولُ لي لا كلما أَخطأتُ ، والآن لا بديلَ أسمعُ منه كلمة لا
وفاءً وتذكاراً لبسمتك المتجذرة في نهاراتي القاحلة ........
طَرقٌ واهنٌ على البابِ الخشبيّ ، يغردُ البلبلُ مرحبَاً ومنبهاً ، أَسمعُ صوته " هيا .. تأَخرنا ، دخلُوا ونحنُ هنا .. هيا " ، أَرفعُ اللوحَ وأرى بسمةً متربعةً في وجهِهِ ، وشعاعُ الشمسِ الهاربُ من ثقوبِ الغيمِ يمتزجُ مع نصاعتِها .وفاءً وتذكاراً لبسمتك المتجذرة في نهاراتي القاحلة ........
ببطءٍ خَجلى تلامسُ أقدامُنَا دربَ المدرسةِ ، يتوغلُ من ثقوبِ النعلِ طينٌ ، ليبني أعشاشاً بينَ الأصابعِ البنفسجيةِ ، تنكمشُ أَناملُ الروحِ وتلملمُ أَطرافَها ، وتصطكُّ الأسنانُ الحادّةُ على عزفِ أَشباحِ الشتاءِ . يكتملُ المشهدُ صراعٌ مريعٌ حيث سياطٌ رفيعةٌ تتلظى تحتَهَا الأمعاءِ ، والعيونُ - الرمدُ مُستوطنٌ في أطرافِها - زائغةٌ هنا وهناك ، الأنفُ يتابعُ منبعَ الروائحِ علَّ قلباً ودوداً يُريحُهَا .
نجلسُ على مقعدٍ خشبِيٍّ ، البرودةُ عابسةٌ تفترشُ غيمةً داكنةً ، رائحةُ الخوفِ سيدةُ المكانِ ، ترتجفُ أَرواحُنا ، لا شيء يمنعُها الدخولَ ، نجلسُ أَمامَ معلمِنا ينحتُ أشكالاً هندسيَّةً ، لا يشبهُها في أَفكارِنا سوى خبزٍ مفقودٍ خلفَ أسوارٍ مُحكمةٍ لا لون يميزُها ، والدمعةُ تتأرجحُ في الجفونِ الواهنةِ .
انسلَ منتقماً من تلك الأَيامِ راحلاً إِلى بغدادَ ، يخلعُ أثوابَ الماضي ، ويحطمُ أَوثانَ الجوعِ بمعولِ الصَّبرِ والجدِّ ، يغمرُ روحَه بدخانِ الشواءِ الذي كنّا نحلمُ به ، بل كانَ أُمنيةً مستحيلةً . يُمرّرُ النسيانُ طرفاً من اللحظاتِ على تفكيرِه ، تغفلُ الذكرياتُ هُنيئةً ، فتشرق بسمةٌ ثكلى في وجهِه ، تتفتّحُ شفتاه الذابلتانِ ، وتَختفي وراءهما مرارةُ أَلمٍ عتيقٍ ، ما تلبثُ حتَّى تتذكرَ حكاياتِ طفولتِها اليتيمةِ ، فتغمضُ كـــــزهرةِ الصباحِ إشراقها .
قبل أنْ يهدأَ الكونُ ، ويملأُ الأُفقَ صمتُ السحرِ ، يودِّعُ أُمَّه والليلُ يضاجعُ هدأته ، يتكسرُ السكونُ بدموعٍ تمتزِجُ بكلماتٍ هادئةٍ يخامرُها النعاسُ ، ويلفُّها قلقُ الخوفِ ، متعوذة من أخطارِ الاغترابِ ، وآفاتِ الطرقِ ، وعواء العوادي . تتساقطُ الدعواتُ قبلَ قطراتِ الماءِ لترشَّ دربَه ، خطواتُه كأَنَّها شظايا تمزقُ أُمومةَ قلبِهَا ، وعيناها شاخصتانِ حَتَّى يتوارى .
يعودُ بعدَ أنْ يستبدَ الصراعُ داخلَ أجوافِهم ، ويتسلطَ عليهم جوعٌ لا يعرفُ الرحمةَ ، يمكثُ بينهم ملاكاً بَاسم اللفظ ، مرتخي اليد ، مصغياً إِلى تنهداتِهم . عندما يقتربُ من قريتِه يشمُّ الكلبُ ريحَه ، يستقبلُه على القنطرةِ التي تبعدُ مسافةً عن البيتِ ، ويمرغُ وجهه برجليه ، ويسبقُه خطواتٍ ثم يلتفُ حوله ، يهرولانِ سوية خطوات ، يتعلقُ برجليه ، ويتقافزُ إِلى وجهه ، مرحباً بأَميرِ السلامِ على حجرةِ الأكفاء .
سيوفُ الزمنِ تشطرُ الخرائطَ ، تجعلُ في الشَّمالِ النبضَ وفي الجنوبِ القلب . يخاطبُ صاحبَه ويداه تعملانِ بحنكةٍ ودقةٍ : " سأَتزوجُها ، فقد أَعدّدتُ في عودتي الماضية الأبواب والشبابيك ، جهزتُ أدواتِ البناء "
- متى ستعود ... ؟ هذا الشهر !
- أريد أَنْ أجمعَ مبلغاً يروي عطشَ البيتِ ، ويسكت أَفواه الحوائج .
- لننتظر الربيعَ ، ونغرّد مع الطيرِ ساعة الوصولِ ، ونحتفل بخطوبتِك .
- يحكُّ رأسَه " أنا اشتقتُ إليهما ... "
- من ؟ .. حبيبتك ؟
- عندما أَقتربُ من الحاجزِ القصبيِّ ، وأصيحُ أُماه ، اللهفةُ تحملُها إِلى صوتِي ، بلاوعي حافية تفتحُ البابَ، فكيفَ لا نبكي وهي تعانقني ! ، يقاطعُه " أنتَ أَمل أحلامها والسامع صيحات جوعها ، وتريدك أن تحملَ نعشَها " يتنهدُ ... ويسحبُ نفساً ثقيلاً من أَعماقِ الروحِ ، يناديه صاحبُ المطعمِ : " اعمل بسرعة يا ولد " .
- آآآهٍ متَّى ينتهي هذا الزمنُ ؟ .. .. بعدما تعانقُني نجلسُ تحتَ النخلةِ ، وأُكفكفُ دموعَهَا ، وتحضنني ، بحشرجتِها وكلماتِها المتكسرةِ تمزقُ الكبدَ ، في همسِهَا " لقد تأَخرتَ كثيراً ، أنتَ وحدكَ حديثي وقنديل بيتي ، لمَ تترك الظلامَ يرسو على نظري ؟ .. أَتَسْتَلذَ في ليالٍ طوالٍ وأنا أَتأَملُ الدربَ ؟! ، أنصتُ إِلى صياحِ الإوزِ ، أَفتحُ القصبَ بيدي عساك يا مطرُ على فلواتِ الفؤادِ خلفَ الصيحاتِ ، تهوي آمالي بسكونِ الأَصواتِ ، كُلّ ليلةٍ تتشبثُ عيناي ، وأُذني ويداي ، متربصة قدومك يا فجرَ الأَحلامِ ، حتَّى يأتيَ فجرٌ جديدٌ ، ولم تأَتِ " .
اهمس لها أُماه الحبيبة إِني معكِ ، كفى بكاءً ، روحِي كُلَّ ليلةٍ تقدمُ متعبةً إليك فتناغينها ، صوتُكِ الشجيُّ يتلاشى في مسمعي لحناً ونشيداً قُدْسياً ، به يا أُماه أَعودُ طفلاً ، وتغفو روحي في مهدِها الملائكيِّ ، بعد أَن آخذَ جرعةً من القبلاتِ لصورتِكِ وأَضعها بلسماً على آهاتِ صدري ، أنسى متاعبي ، ويستفيقُ الشوقُ ويصبرني طيفٌ بقربِ اللقاءِ . ثم أخرجُ ما معي وأعطيها ، لكن يعلو بكاؤها :-
" لا أريدُ شيئاً سوى أَنت سالماً وقريباً مني .. لا أَحبُّ الاغتراب " ، كم اشتقتُ إليها .. .. يخفي دموعَه بضحكةٍ كاذبةٍ لا يعرفُها سوى القلائلِ .
- ابتسمَ صاحبُه ابتسامةً خفيفةً " الأم لا تعوض ، هكذا تعلمنا ، لكن لِمَ تخفي حديثَ الهوى " ؟
- " هناك على الشاطئِ نلتقي ونلهو ... حمامتي هي نهرُ الحورِ ومنه يملأُ الجمالُ كأسَه ، ومنه يغترفُ الصفاءُ بهاءَه ، ومنه النَّدى يُخلَقُ ، هي عقدُ مرجانٍ لكن من أَيِّ بحرٍ ! هي قلادةٌ في جيدِ الربيعِ ، هي عطرُ أَزهارِه ، وعقدُها بدرُه ، من صوتِها يترنمُ البلبلُ ، ويثملُ العشقُ ، لا أُريدُ أَحداً يسمعُه " .
تُدخلُ الأُمُّ الإِوزَةَ إِلى بيتِها ، يرنُّ الهاتفُ على غيرِ عادته ، يرتجفُ البيتُ كأَنَّ شيئاً وراءَ المكالمة
- ( الو ) .. ( الو ) ..ما الأَمـــ ـــ ــــ ـــــ ـــ ر ؟
- بكاء ونشيج .. يتعالى نحيب .. أوساط يعلوها ضجيج .. انفجار انتحاري .. فَقَدَ ساقه ... والآن ينزف في المشفى ، يسقطُ الهاتفُ ....
وخلفه تسقطُ راياتُ الأَحلامِ ، وتتلاشى شموسُ اللذَّةِ ، وتهوي صروحُ الآمالِ .
تركتْ أُمُّه لذيذَ الهناءِ ، وفارقَها طعمُ هدوءِ النومِ ، تمزجُ صمتَ الأُفقِ في موالٍ يقرِحُ القلوبَ ، ويدمي يابساتِ الجفونِ . تئنُ إن ضنَّ عليها الصوتُ ، ابيضتْ عيناها . تلك المواويلُ أبكتِ الحمامةَ ، تقفُ عندَ شجرةِ الجيرانِ وتصغي لأُمِّه ، تبكي .. يأتي إِليها الأطفالُ بعدَ أن فَقَدتِ السيطرةَ على خنقِ النحيبِ ، ما بكِ يا طوقَ الجمالِ ؟ يجيبُهم دمعُهَا ...
يتراكضونَ إِلى تلكَ المرأةِ الكفيفة ، ويغمرُهم النغمُ الشجيُّ فيتذاكرونَ قدومَه ، وهو يُأرجُحُهم في الهواءِ ويطعمُهم بيده الحلوى ، فيختنقُ الحيُّ بدويٍّ وأَنين .
أختبئُ خلفَ القصبِ لأَروي أَغصانَ الروحِ من الدموعِ وفاءً له ، لا أتحملُ أَنْ أرى أُمَّه رثّةَ الحالِ . تنسجُ من نحيبِها كفناً لابنِهَا الذي تناثرتْ دماؤه وامتزجَتْ في سماءِ الوطنِ دونَ أن تسمعَه ، وتصنعُ من دموعِهَا مرآةً وتنظرُ إليه بين الآخرينَ يتمشى تحتَ ظلالِ النخيلِ وهو ينشدُ ( الأَبوذية ) ، صوتُه يختلطُ مع موالِها ويزدادُ الشحوبُ ، وتمتزجُ الآهةُ بشهقاتٍ مميتةٍ ، لا شيء تأمُلُه سوى أن تَلحَقَ به .
كلّما يمرُّ بي طيفُه ، أخرجُ وأصغي لها حَتَّى أُلقي بهمومٍ و طاقاتٍ من الأَسى ، وأشاركَ أُمَّه التي تغرسُ في الحياةِ شجرةَ الدمعِ ، وتومئُ لقافلةِ الرحيلِ لتُقلَهَا حيث يقطنُ الحبيبُ ، وفاءً لأَيامٍ تصرمت .... إِنَّه صَدَقَ في نبوءتِه الأخيرةِ ، أُمُّه فقدتْ بصرَها دونَ أنْ تُؤخذَ لطبيبٍ .
التقيتُ صاحبَه ، وسألتُه " ما آخر ما قاله لك " ؟ .
- " وأنا أَحملُه فِي ممراتِ المشفى ، الجدرانُ تعصرُني ، وتصطدمُ بي الأبوابُ ، السقفُ يسمَّرُني إِلى الأَرضِ ، ترتعشُ رجلاي ، أجمعُ قواي وأَشدُّ رباطَ جأشي ، أَنصتُ إِلى همسِه المتساقطِ : " أُمّي من يحملها إِلى .. المشفى ... أَنا محظوظ .... عمي ماتَ دون أَن تراه جدرانُ الــــــــــــــــــــ ـمـ شفى ..... "
منتظر السَّوُّادي 7 / 2 / 2012 م
[/align]
تعليق