المحرزي
*****
- سنتكلم اليوم عن الحملة الفرنسية علي مصر.
أشار لي،وسألني:
- من قتل كليبر؟
فصمت،ولم أجب،فغضب المعلم،وصرخ:
- ما أضاع الوطن سوي أمثالك.
خجلت من نفسي، ونمت .
راودني الحلم فرأيته واقفا أمامي بوجه أبيض وثياب بيضاء ، وقد دار حائرا في فلك ذاته يبحث عن شئ مجهول،ثم نظر إليّ و حدجني بنظرة طويلة،وتركني وهو يردد قائلا :
- عليك بتنفيذ العهد والقسم.
ترددت الكلمات في أذني طابور المدرسة وأنا أقف أمام العلم منشدا سلام الأوطان،فصحوت وخياله يطاردني،وهمسات منه مازالت عالقة:
- عليك بتنفيذ العهد والقسم.
بحثت في ملفاتي القديمة فلم أتذكر شيئا،وحينما نمت راودني الحلم ثانية،فجاءني مجللا بالحزن والهم،وبكاء صوته خنجر يذبحني:
- الوطن يشتعل ،والعشب يحترق.
دندنت كلماته أغنية حزينة :
- الدماء تذرف،وآهات الثكلى تناديك .
رنوت إليه وتأملت ملامحه
ركضت الذكريات فارسا يمتطي جوادا يأكل الأرض بسنابكه،ويقطع الفيافي والوديان،و يعبر من نهر إلي نهر ..وخلف صخرة نائية نزل الفارس،وجلس منتظرا..هرعت إليه،وآلاف الجياد تطاردني،وأحاطني بعباءته و خبأني،وتحت أضواء القمر عاهدته:
- وطني وطنك،ووطنك وطني .
فضمني إلي حضنه،وقال معاهدا:
- كلانا وطن واحد .
وامتطي جواده متوجها نحو المدينة،
استل خنجره وأسقط الفرنسي مضرجا في دمائه، فتبدد الظلام أمام ناظريّ؛فاستوضحت ملامحه،وشهقت فرحة نادت بها أعماقي قبل اللسان:
- سليمان الحلبي !!!
فأخذني في حضنه،وبللت دمعاته وجهي،وصوته مخنوقا ذكرني:
- تعاهدنا قديما علي أن نتبادل الأدوار ..وفيت بالعهد وعليك ..الوفاء..
وأعطاني خنجره وامتطي جواده ومضي بعيدا.
(2)
أتاني صوت أذان الفجر،فصليته جماعة في المسجد..واستودعت شيخي،وطلبت منه الدعاء.
وكطائر حلقت متخطيا حدودا وهمية رسمتها أيادي الاستعمار،وتنفست هواء بلادي من المحيط إلي الخليج،و فوق رباها وقفت،ولربوعها الخضراء أخذني الحنين،ولجبالها الحدائق تهلل الفؤاد،ولأهلها وناسها فتحت حضنا يسع الجميع .. وكجندي حملت سلاحي،منذرا بالقتل والوعيد لذاك المغرور،فالتحقت برفقاء آخرين،فسألت الأول :
- من أين؟
أجابني :
- من إدلب.
وسألت الأخر:
- من أين؟
فأجابني :
- من حلب.
سألاني:
- من أين؟
أجبت:
- من وطنكم :مصر.
فعلت وجهاهما دهشة،وتساءل أحدهما:
- من مصر!!فلماذا أتيت؟!
فتبسمت،وأنشدت باكيا:
- بلاد العرب أوطاني من الشام لبغدان ومن نجد إلييمن إلي مصر فتطوان.
(3)
- تاريخ وطننا ملئ بالأحداث والأشخاص.
ونظر إلي،وقال :
- لكن التاريخ لا يذكر إلا الرجال.
فأويت بصحبة رفيقي إلي أحد منازل حلب،وجلسنا نضع خططنا،ونحدد أهدافنا،وقال أحد الرفيقين:
-نخرج ليلا،ونضرب ضربتنا..
فنظرت إلي رفيقي في حماسة مؤيدا، وتشابكت أيدينا واتفقنا،وقرأنا الفاتحة .كانت أصوات الدانات كابوسا مزعجا يحيط بنا،ودوي ضرباتها ألم يعتصرنا مع الصرخات..قررت أن لا أنتظر،فخرجت مسرعا لأعرف حقيقة ما يدور حولي ..ويا ليتني ما خرجت؛فالواقع كان أبشع مما أتصور..حتى أبشع الكوابيس كانت رحيمة بي في وصفها لما يدور..ماهذا الدمار!؟ أي وحش ضرب بكل قوته؛فالدماء أنهار تتدفق .. البيوت أنات وآهات .وأين هي تلك البيوت؟! فما بقي أشلاء بيوت..النساء متشحات سوادا أينما تخطو قدماي.. عيون الأطفال تراقبني في هلع دون أن تدري حقيقة ما يدور.. الطيور مهاجرة أحدقتني بنظرة مستغيثة،ثم لملمت أعشاشها،وأحتضنت صغارها ومضت بعيدا بعدما ألقت نظرة ذابلة علي أنقاض ما تبق .. حتى أشعة الشمس تسللت خيفة علي مدينة تبكي وتئن..
ووسط الركام لمحتها طفلة تبكي،فكانت بكاء ابنتي الراقدة جوار زوجتي.هرولت نحوها وضممتها إلي صدري،وهمس صوتها يصرخ أبي وأمي،فسألتها عن بيتها،فأشارت بإصبعها إلي بيت في نهاية الشارع..حملتها فوق كتفي،وانطلقت بها محاذرا ضربات غادرة،وقبلتها علي وجنتيها،وسلمتها لأمها،وأودعتها قبلة أخيرة لابنتي الغائبة.
عدت من حيث أتيت،فلمحت وحوشا آلية ذات أفواه طويلة تتحرك في اتجاهي،فاختبأت خلف جدار بيت منهدم،وتعالت نبضات صدري خشية موت قريب يحدق بي ..انحرفت الوحوش جانبا وسددت ضرباتها الموجعة مخلفة وراءها دخان كثيف وأنات وآهات.وتهادي إلي أصوات أقدام تجري،ولا ملاذ لها سوي بيت الله،فلاذت به ،وأراد الله لها الأمان،ونسي المتغطرس إرادته ودكت طائراته أركان المسجد،فسال الدم،وعداد أرقام الشهداء يتحرك بلا هوادة،وأقسمت أن أنتقم.وليلا تلاقيت برفيقيّ،والتقي بنا ثائرون آخرون،وقررنا تنفيذ الخطة.
(4)
- في الاتحاد قوة،وما أضاع أمتنا إلا الفرقة.
ومسح بيده علي لحيتي،وقال وهو ينظر إلي عينيّ في حدة:
- جبن أن تعيش،وغيرك في الوطن الكبير يموت.
فرنوت إلي صديقي القديم متذكرا عهده ومدينته،وتابع الشيخ:
- تري بماذا ستجيب حين تسأل عن دماء إخوانك؟!
فزاد الحماس في صدري،وقلت لرفقائي :
- لنبدأ علي بركة الله!!
وكان الليل سخيا؛فكثف من ظلامه،فتسللنا واحداتلو الأخر ..ثلاثة في كل اتجاه تحركنا،وكطرفي كماشة تحلقنا،وبضربة قناص أطلقنا،فأسقطنا ثلاثة أو أربعة .تبادلنا الإشارات،وأعدنا كرة الهجوم مرتين ومرات .
تبادلنا النيران،وازدادت حدة القتال،وضرباتنا تصيب أهدافا عديدة .
تراقص الموت بيننا ذئاب تنهش فرائسها،وسقط أحد الرفيقين.حملناه ودماءه تمتزج بدموع ذرفتها قلوبنا،وعيناه المغمضتان تحثنا علي إكمال المسير..ونهارا واريناه الثري وسط حشود لا تعد ،واشتد هتافها مزلزلا الأرض :
- يا شهيد نام وارتاح،ونحن ماضون في الكفاح!!
قررنا بعدها تغيير خطتنا؛نقاتل والشمس تراقبنا.
(5)
- ما يبكيك حبيبي؟
أجبت :
- أخشي أن لا يتقبلني الله !!
فقالت :
- أخشي أن لا تعود!
فقلت :
- لا تخش شيئا ..أو لن أربي ابنتي معك؟
فقالت :
- ليتني أنجبت منك عشرا..
غضب المغرور؛فقرر معاقبة المدينة،فأكثر من وحوشه ذات الأفواه الطويلة،وأغدق سماءها بالطائرات ..أدركنا أن المعركة ستكون أشد وأشد،فالتحمنا مع جنوده وعزائم الإيمان تشحذ هممنا..توالت ضربات الفوهات الطويلة،وأمطرت السماء قنابل غادرة ..سقط الضحايا أطفالا ونساء وشيوخا؛فتراقص جنوده تلذذا وحقدا.زاد الغضب في قلوبنا،وتدفقت الدماء لهيبا في عروقنا،وقررنا معانقة الموت والتحمنا معهم في قوة ..لمحت وحشا يدير فوهته نحو رفيقي الثاني ،فانطلقت نحوه، وكتبت أول سطر من رسالتي التي أودعتها دولابي :"اعلموا أني مفارقكم وإن طال المدي،فهذه أدوات السفر تجمع،ومنادي الرحيل يسمع،والمرء لو عمر ألف سنة لابدمن هذا المصير كما ترون".(2)
أنحرف رفيقي يسارا،وأنحرف الوحش خلفه،ومازالت أقدامي تركض،وكتبت سطرا ثانيا :"ديوني صفر،وحسابي المصرفي ...أُوصيكم بمبلغ منه صدقة جارية عليّ".(3)
صرخت،فالتفت الفم الطويل نحوي..سددت ضربتي،وسدد ضربته..
وخلف صخرة نائية وقفت أمام الفارس،وتعانقنا،وقلت له :
- ها قد وفيت بالعهد يا صديقي.
تبسم،فبدت نواجذه البيضاء،وأمسك يدي،ومضينا إلي ربوة خضراء.
============================================
(1)الحوار مقتبس من مرثية زوجة محمد محرز لزوجها.(2)،(3) جزء من وصية محمد محرز.
تحياتي :حارس كامل
تعليق